مبادرة توظف وسائل التواصل لنشر قصص من واقع شمال سوريا

القامشلي (شمال شرقي سوريا):

قصة صناعة خبز محلي تحصد 4 ملايين مشاهدة على مواقع الشبكة
قصة صناعة خبز محلي تحصد 4 ملايين مشاهدة على مواقع الشبكة
TT

مبادرة توظف وسائل التواصل لنشر قصص من واقع شمال سوريا

قصة صناعة خبز محلي تحصد 4 ملايين مشاهدة على مواقع الشبكة
قصة صناعة خبز محلي تحصد 4 ملايين مشاهدة على مواقع الشبكة

تحت شعار «ننظم الصورة ليكتمل الواقع»، انطلقت شبكة «آسو» بالكردية وتعني الأفق بالعربية الإعلامية في شمال شرقي سوريا نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2016. كأول تجربة إعلامية إخبارية مجتمعية محلية اختار كادرها العمل في مجال الصحافة الرقمية والاعتماد على منصات السوشيال ميديا، للإطلالة على الجمهور ومتابعي صفحاتها عبر شبكة من المراسلين يعملون في مدن وبلدات الشمال السوري لتغطية الأحداث ونقل مجريات الوقائع على الأرض.
وعن اختيار اسم «آسو» كمنصة إعلامية وانتشار فريق العمل؛ يقول الصحافي سردار ملا درويش مدير عام الشبكة في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، بأنها: «(آسو) أو الأفق هي منارة ومنصة لمخاطبة الجمهور، تعمل كوسيلة إعلامية محلية تشق الطريق بهدف الوصول للجماهير».
فبعد عقود من سيطرة حزب البعث الحاكم بسوريا على كل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية؛ اختلف المشهد بعد 2011 وظهرت العشرات من الإذاعات والقنوات التلفزيونية والصحف والدوريات الكردية في بلد الإعلام الموجه بامتياز، لتؤسس إعلاماً محلياً موجهاً للجمهور باللغتين العربية والكردية لمخاطبة السوريين في الداخل ودول اللجوء والشتات.
محتوى رقمي
ويعمل مع الشبكة فريق من صحافيين وإعلاميين محترفين وناشطون وهواة ومواطنون صحافيون، كما تعمل المؤسسة على رفد ثقافة الإعلام وتثقيف العاملين بالوعي بدور الإعلام بطريقة مؤسساتية احترافية وفهم دور الإعلام بتطوير المجتمع وتأثيره وبفهم المعايير الأخلاقية للصحافة والكلام لمدير الشبكة سردار ملا درويش، وذكر بأنها حققت حتى اليوم: «جمهورا واسعا ومتابعا والأهم أن الجماهير باتت تثق بأخبار الشبكة لأنها تحاول دوماً تغطية الحدث بمعايير مهنية دقيقة، ننحاز دوماً للإنسان ونكون الأقرب للجمهور، لقد دمجنا بين تأهيل هواة بالعمل بإطار صحافي مهني»، كما تغطي أخبار الشبكة الجوانب المجتمعية: «أكثر من تغطية الأخبار السياسية أو الأمنية والتطورات الميدانية بالمنطقة كما نبتعد عن الصراعات السياسية والعسكرية».
ويتابع 100 ألف معجب صفحة الشبكة على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، إلى جانب 30 ألف مشترك يشاهدون برامجها والتقارير المرئية التي ينشرها كادر العمل على صفحتها بقناة اليوتيوب.
وتختلف وسائل وأدوات العمل الصحافي لدى الوسائل الإعلامية التي تنشر موادها عبر صفحات التواصل الاجتماعي، عن مثيلاتها في الإعلام المطبوع والمرئي والمسموع، ويشرح سردار ملا درويش هذه الفروق قائلاً: «بالنسبة للقوالب الصحافية فالأساسيات في أي نوع صحافي واحدة، لكن الأسلوب يختلف فالصحافة الرقمية اليوم تعتمد على الرؤية البصرية وترجمة المكتوب إلى صور وفيديوغراف وإنفوغراف»، فالجمهور الحالي الذي يستخدم صفحات السوشيال ميديا: «يتأثر بالصورة أكثر من الكتابة إضافة لكون جمهور الصورة أوسع من جمهور المكتوب فقط، لذلك يتم مراعاة الأنواع الصحافية وإنشاء المحتوى بما يراعي جماهير الصحافة الرقمية».
وتنشر صفحات الشبكة بشكل يومي تفاصيل شخصيات بسيطة من بينها باعة جوالون أو مزارعون وعمال وأصحاب البسطات الصغيرة في الأسواق المحلية، إلى جانب تسليط الضوء على النازحين والعاملين في الحقول الريفية، حياة الناس وثقافتهم، تعددية المجتمع في شمال شرقي سوريا ودعم قيم الديمقراطية والسلام ومن بين أكثر الصور مشاهدة وتفاعل تلك التي تنقل الطبيعة والعفوية لدى سكان المنطقة ونقل ابتسامتهم في بلد مزقته نيران الحروب.
وعن أبرز التحديات والصعوبات التي تواجه فريق عمل الشبكة، التغطية المستمرة في منطقة تشهد حروبا متعددة الأطراف وتداخل دولي وإقليمي، ونوه ملا درويش قائلاً: «شهدت المنطقة حروبا متعددة ولا يزال خطر تنظيم (داعش) قائما، فالشبكة عملت كثيراً بتقويض الإرهاب الأمر الذي يشكل هاجس خوف وخطرا على الفريق لأنهم يعملون على الأرض».
ويؤكد ملا درويش أن البدء بالتفكير بتأسيس الشبكة كان عبر العمل على مناهضة التطرف والإرهاب وتأهيل وتوعية المجتمع بخطره والمساهمة بدعم برنامج إعادة الإعمار.
نشر عبر قوالب «الملتيميديا»
لدى الشبكة معرفات على مواقع التواصل الاجتماعي المتداولة عند جمهورها المستهدف، من موقع إلكتروني وصفحة على (الفيسبوك) وقناة على (اليوتيوب) وأخرى على منصة التلغرام، وصفحات على موقعي (التويتر) و(الإنستغرام)، وينشر كادر الفريق بشكل دوري يومياً على صفحاتها أبرز القصص المصور والتقارير المكتوبة والمرئية.
وأخبر محمد هتو مدير المحتوى لدى الشبكة بأنهم يركزون على نشر المواد المرئية بقوالب الفيديوغرافيك وانفوغرافيك وتصاميم الملتيميديا، وقال: «إلى جانب نشر التقارير الإخبارية المكتوبة ونشرها على جميع معرفاتنا فور إعدادها، أما صفحة الإنستغرام فمخصصة للصور وبعض الفيديوهات»، ومن بين أبرز القصص التي لاقت رواجاً بين رواد الشبكة، «فيديو قصة صناعة خبز محلي يسمى (الصاج) في قرية بريف الحسكة حيث شاهدها حوالي 4 ملايين متابع، وقصة ثانية عن قرية بالمنطقة وحياتها الريفية وبلغت أكثر من مليوني مشاهد».
وانتشرت المئات من الصفحات الإخبارية والاجتماعية على مواقع التواصل الاجتماعي تغطي الأخبار المحلية في سوريا، ويعكس إطلاق هذه الشبكات الكردية تطوراً نوعياً في قدرة السوريين على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا وثورة المعلومات، وتعتمد الصحافة الرقمية على الرؤية البصرية وترجمة المكتوب إلى صور وتقارير متنوعة.
وترى آريا حاجي مدير تنفيذي شبكة آسو أهمية كبيرة للمواد الإعلامية الخاصة بصفحات السوشيال ميديا، وتقول: «نظراً لسرعة وصولها إلى أعداد هائلة للمتابعين، كما تلعب دوراً كبيراً في تثقيف وتوعية المجتمع دون أن ننسى أهمية مراقبة محتوى هذه المواد من حيث حساسية التغطية حسب النوع الاجتماعي الجندر».
كما تحتل قضايا المرأة والحساسية الجندرية صلب العمل بالشبكة وتابعت حاجي قائلة: «قضايا المرأة نوليها اهتماما كبيرا حيث نحاول من خلال مواد إعلامية إظهار حياة المرأة وأنشطتها العامة بشمال وشرق سوريا والتطرق لفعاليتها في المجتمع وإسهاماتها».
وأعرب هتو بأن التغطية بالمنطقة ليست بمعزل عن واقع سوريا العام، فالبلد يشهد نزاعاً مسلحاً منذ عشر سنوات ما يزيد التحديات التي تواجه العمل الإعلامي سيما العاملين في تغطية الأوضاع الميدانية وتقلبات المشهد العسكري، ويقول: «تلعب حساسية الواقع وموقعها الجغرافي دورا كبيرا بمنع تدفق الدعم للمنطقة، وهذا يشكل عبئا دائما وتحديا حقيقيا وعائقا أمام التطوير والإبداع أكثر فأكثر».
ولفتت آريا حاجي بأن أحد التحديات التي تواجه العمل في مجال الصحافة الرقمية، «العمل عن بعد وغياب غرف تحرير مشتركة، فالجميع يعمل أونلاين عبر الإنترنت وهذا يتطلب توفر خدمتي الإنترنت والكهرباء وهذا شبه مستحيل، لأن الفريق بغالبيته يعمل في الداخل».
من مراسلي الشبكة
لم تخفِ مصورة الشبكة نجبير حسين المتحدرة من بلدة عامودا الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا، صعوبة العمل بالمجال الإعلامي عموماً واكتساب الخبرات في ظل غياب مؤسسات وأكاديميات متخصصة، وتعزو السبب إلى: «قلة الخبرات وحداثة العمل مع ضعف البرامج التدريبية»، لكنها أكدت أنها اكتسبت خبرات عديدة وتجربة عملية خلال عملها مع الشبكة قبل 3 سنوات، وأشارت إلى: «العمل ممتع وتندمج خلاله في الحياة اليومية من خلال تصوير قصص خدمية ومواد اجتماعية وغيرها من التقارير المنوعة التي تقدم الفائدة وإضافة جديدة لمتابعي الشبكة، إضافة للعمل بشكل مؤسساتي ضمن هيكلية منظمة هذا يشكل صورة جيدة عن العمل»، وعن مشاعرها بالعمل مع كادر من أبناء بلدها عبرت نجبير عم مشاعرها قائلة: «إن تعمل مع فريق أصبح الأسرة الثانية هو عمل ممتع يمنحك شيئا من الرضا»، ونوهت بأن العديد من التجارب الإعلامية كشبكة «آسو» حققت النجاح واحتلّت حيّزاً من الاهتمام لدى سكان المنطقة وباتت منصة معروفة، «لأنها راكمت خبرات وتجارب خلال عملها على مدار 4 سنوات، وأسست شعبية يمكن البناء عليها والإفادة منها»، على حد تعبير الإعلامية نجبير.
ويقول سردار ملا درويش بأن أحد التحديات الموجودة باستمرار في العمل: «أغلب الفريق بحكم أنه ذو طابع محلي يحتاج دوما للتأهيل وهذا مفقود نوعا ما نتيجة الظروف العامة أيضا عدم وجود دعم كافي واهتمام دولي بالمنطقة التي يتم تغطيتها، مع غياب مؤسسات وجهات متخصصة بهذه الأمور».
ويعمل ياسر الأحمد من مدينة الرقة بشمال البلاد على تصوير وإعداد تقارير البرامج، ونقل بأنه: «أذهب إلى مكان التصوير وأشاهد ما تراه عيني، بعدها أقوم بإجراء اللقاءات وأعد المادة حسبما يقوله الضيوف ببساطة وبلغة مفهومة للجميع»، لافتاً إلى أنه يتبع العفوية وصورة العدسة في إجراء الحوارات: «لا أرتب أو أملي ما يقدمه الضيف في التقرير بهدف إيصال الفكرة عبر صورة مبسطة إلى المشاهد، كي تكون قريبة من هذه بيئتنا المحلية».
بينما اعتبر أحمد دملخي وهو مصور الشبكة يعمل في بلدة منبج بريف حلب الشرقي، بأن متصفحي شبكة «آسو» ينتظرون فسحة أمل رغم الحروب الدائرة بالمنطقة، عبر صور وتقارير مرئية نوعية، وقال: «أحاول في كل تقرير أن أفتح شباكاً جديداً للإطلالة على الحياة، بكل ما تحمله من أفراح ومآسٍ وأخبار ميدانية، نحن ننتمي لهذه البيئة وعلينا نقل الصورة كما هي».
وتغطي شبكة آسو الإخبارية جغرافيا شمال شرقي سوريا من بلدة المالكية أو ديريك، مروراً بالقامشلي والحسكة حتى دير الزور والرقة ومدينتي عين العرب أو (كوباني) بحسب تسميتها الكردية ومنبج غربي الفرات.
يذكر أنّ أكراد سوريا يشكلون نحّو 12 في المائة من التعداد السكاني العام (24 مليون نسمة) قبل 2011. عانوا على مدى عقود طويلة تهميشاً وحرماناً من القراءة والكتابة بلغتهم الأم.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.