هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

الزعيم اليميني المتشدد الذي أخفقت جهود أوروبا الهادئة في احتواء طموحه

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر
TT

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

قبل خمس سنوات، في إحدى القمم الأوروبية في مدينة ريغا عاصمة لاتفيا، وقف جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية - حينذاك - منتظراً وصول القادة الأوروبيين لأخذ الصورة التذكارية معهم. وعندما اقترب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، التفت يونكر إلى شماله متحدثاً لمن بجانبه قائلاً «ها قد وصل الديكتاتور». ابتسم هو ومن سمعه، وما كانت إلا لحظات حتى وصل أوربان مادّا يده ليونكر... فبادله الأخير المصافحة ضاحكاً مكرّراً «أهلا بالديكتاتور». ولم يبد أوربان منزعجاً من هذا الترحيب. وفي الواقع يُقال إنه لا يمانع أن يحمل هذا اللقب. ومع أن الوصف ألصق به في حينه عن طريق المزاح، إلا أنه اليوم يعود ليوصف بأنه «ديكتاتور» عن جدارة بعدما مرّر قانون طوارئ في البرلمان نهاية الشهر الماضي، يسمح له بالحكم منفرداً عبر إصدار مراسيم من دون الاضطرار إلى العودة إلى البرلمان، ولأجل غير مسمى. الحجة، كانت بالطبع مواجهة وباء «كوفيد - 19» (كورونا)، إلا أنه واقعياً أعطى نفسه صلاحيات غير محدودة لأجل غير مسمى. هذا أشعل غضباً كبيراً في أوروبا، رغم أن دولها منشغلة كل واحدة بنفسها بسبب الوباء الذي وصف بأنه أكبر تحد يواجه القارة منذ الحرب العالمية الثانية.
لم تشغل أزمة القارة الأوروبية منذ زمن، كما يشغلها الآن «كوفيد - 19» (كورونا).
عندما وصل هذا الوباء إلى أوروبا، تقوقعت كل دولة على نفسها محاولة أن تجد سبيلاً للسيطرة على التمدد المخيف لفيروسه المتنقل بين القارات.
وفي حين اتخذت كل دولة أوروبية تدابير خاصة لتسريع إصدار قرارات تمكنها من سرعة السيطرة على انتشار الوباء، مثل قوانين مؤقتة تعطي السلطات المركزية قوة أكبر وصلاحيات أوسع، بدت المجر وكأنها تقوم بالمثل. إذ قدم رئيس حكومتها فيكتور أوربان قانون الطوارئ الجديد أمام البرلمان الذي يسيطر عليه حزب القومي اليميني المتشدد «فيديز»، يسمح له بالحكم منفرداً من خلال إصدار مراسيم من دون الاضطرار إلى العودة للبرلمان، ولأجل غير مسمى. وأكثر من هذا، فإن القانون يجرّم كل مَن ينشر «معلومات خاطئة عن الفيروس تعرقل رد الحكومة»، ويعاقب بالسجن لخمس سنوات.
كثيرون اعتبروا أن هذا البند موجه للإعلام تحديداً، مع أنه لم يتبقّ في المجر الكثير من الإعلام المستقل. فمعظم وسائل الإعلام المجرية هي إما تابعة للحكومة أو مملوكة لأشخاص من دائرة أوربان. وعليه، لم تعُد هناك إلا بضع صحف صغيرة تُوصف بأنها مستقلة.
تعليقاً على القانون الجديد، قال الصحافي زولتان باتكا، الذي يكتب في صحيفة «نبسزافا» اليومية الصغيرة المعارضة، بحسب ما نقلت عنه قناة «دويتشه فيله» الألمانية - «هذا القانون يثير الكثير من الشك لأننا لا نعرف كيفية اتخاذ القرارات». وأضاف باتكا، أن القانون يشير إلى عقوبات لمن «ينشر معلومات حتى لو كانت صحيحة، لكن بطريقة ملتوية، يمكن أن تؤثر على حملة الحكومة، وهذا يعني أنه يمكننا أن نتعرض للسجن. ولكن مَن يحدد المقصود بـ(طريقة ملتوية)...؟».
- الاستفادة من حجم الغالبية
وعلى الرغم من إصرار المعارضة على إدخال بند يحدد المهلة الزمنية لهذا القانون، فقد رفض أوربان، ونجح بتمرير القانون بسبب سيطرته على ثلثي مقاعد النواب. ثم إنه رغم اعتراف النقاد والمعارضين بالظروف الاستثنائية التي توجب تمرير قوانين طوارئ، فإن مخاوفهم من الامتناع عن تحديد مهلة زمنية لإنهاء الطوارئ يعني أن الحكومة قد تبقي على هذا القانون حتى تاريخ الانتخابات المقبلة المقررة عام 2022 بحجة مكافحة الوباء، الذي يعتقد بأنه لن يكون تحت السيطرة الفعلية إلا بعد الموافقة على اللقاح، وهو أمر قد يستغرق سنة إضافية.
وحتى بعد إعلان المعارضة استعدادها لدعم القانون في حال جرى إدخال بند يحدد مهلة زمنية لرفعه، رفض الحزب اليميني الحاكم بزعامة أوربان رفض، وفق النائبة المعارضة أنياس فاداي. بل استخدم حزب أوربان رفض المعارضة التصويت على قانون الطوارئ في البرلمان ليتهمها بأنها «ضد الحرب على الفيروس». ووفق النائبة فاداي «بالطبع نحن ندعم الوضع الطارئ، ونوافق الحكومة على أن هناك حالة طارئة تستوجب فعل كل شيء لمواجهتها، وما كان طلبنا الوحيد إلا إدخال بند يحدد مهلة زمنية لقانون الطوارئ».
- انتقادات أوروبية بالجملة
المعارضة المجرية لم تكن وحدها الجهة التي أقلقها قانون الطوارئ هذا، بل سارعت الدول الأوروبية لانتقاد هذه الخطوة كذلك. وأصدرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بياناً في اليوم التالي للتصويت، دعت فيه إلى أن تكون كل الإجراءات الطارئة التي تتخذها الدول الأوروبية «محددة بما هو ضروري ومتناسب» ولا تدوم لأجل غير محدد، من دون أن تذكر المجر بشكل محدد.
وجاء في بيان فون دير لاين – وهي طبيبة – قولها «من المهم جداً ألا تكون الإجراءات الطارئة على حساب المبادئ الأساسية المحددة في معاهداتنا». وأعلنت المفوضية أنها ستراقب الإجراءات الطارئة التي تبنتها دول الاتحاد، كي تتأكد من أن القيم والمبادئ الأساسية ما زالت محفوظة.
وفي اليوم التالي، صدر بيان آخر عن كل من فرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، والدنمارك، واليونان، وجمهورية آيرلندا، وإيطاليا، ولاتفيا، ولوكسمبورغ، وهولندا، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد. وعبّر هذا البيان عن دعمه إعلان المفوضية مراقبة الإجراءات الطارئة في دول الاتحاد، وانتقد الخطوات المجرية من دون تسمية الدولة بالاسم. ومما جاء «في هذه الظروف غير المسبوقة، يحق للدول الأعضاء أن تتبنى إجراءات طارئة بهدف حماية موطنيها، ولكننا مع ذلك قلقون للغاية من خطر خرق القوانين والديمقراطية والحريات الأساسية عبر تبني بعض الإجراءات الطارئة». وأضاف، أن الإجراءات الطارئة «يجب آن تكون محددة بما هو ضروري ومتناسبة ومؤقتة، وتخضع للتدقيق المستمر وتحترم القوانين والواجبات الدولية من دون أن تحد من حرية التعبير والإعلام».
وذهب وزير خارجية لوكسمبورغ جان أسيلبورن أبعد من ذلك، عندما قال بأن على الاتحاد الأوروبي أن «يعاقب» المجر، وأنه «ليس علينا القبول بأن تكون هناك حكومة يرأسها ديكتاتور داخل الاتحاد الأوروبي». ونقلت عنه صحيفة «دي فيلت» الألمانية قوله، إنه «يجب عزل المجر سياسياً من دون إضاعة الكثير من الوقت»، مضيفاً «أكثر من ذلك، فإن حكومة ما عادت تخضع للتدقيق من قبل البرلمان لا يجوز احتفاظها بصوت في مجالس الوزراء الأوروبية التي تتخذ قرارات تتعلق بالأوروبيين».
- الكتلة الحامية حتى الآن
لكن حزب أوربان ينتمي إلى كتلة الشعب في البرلمان الأوروبي، وهي الكتلة نفسها التي تضم حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي تنتمي إليه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وباقي الأحزاب اليمينية المعتدلة الأوروبية. وعلى الرغم من الكثير من النقاشات التي دارت في الماضي داخل الكتلة الكبيرة داعية لطرد حزب أوربان على اعتبار أنه ينتمي إلى تيار أحزاب اليميني المتطرف، فهو ما زال حتى الآن ينتمي إلى كتلة الشعب الأوروبية، مع أن الكتلة بالفعل علقت مشاركة الحزب خلال مارس (آذار) من العام الماضي؛ ما يعني أنه لم يعد يسمح له بالتصويت مع أحزاب الكتلة منذ ذلك الحين.
كان سبب الخلاف في ذلك الوقت تراكمياً يتعلق بخلافات حول السياسات الأوروبية للجوء. وكانت «القشة التي قصمت ظهر البعير» صورة دعائية مُعادية للمهاجرين نشرها الحزب وعليها صورة للملياردير اليهودي المجري (الأصل) جورج سوروس، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر. وللعلم، دائماً ما يهاجم حزب أوربان سوروس لمساعداته السخية للاجئين، علماً بأنه من اليهود الناجين من المحرقة النازية في المجر. وخلال العام الماضي، تسببت قوانين جديدة تحد من حرية التعبير أدخلها أوربان، بدفع سوروس إلى نقل جامعته «الجامعة الأوروبية الوسطى» من العاصمة المجرية بودابست إلى العاصمة النمساوية فيينا بعدما بات مناخ العمل في المجر صعباً للغاية.
كذلك، بعد إعلان أوربان حالة الطوارئ، كتب 13 حزباً من أصل 47 ينتمون إلى كتلة الشعب الأوروبية، رسالة إلى رئيسها دونالد توسك يطلبون فيها طرد حزب «فيديز» من الكتلة، وعدم الاكتفاء فقط بتعليق عضويته.
... وموقف أميركي أيضاً
ولم تقتصر المواقف السلبية على أوروبا، بل جاءت كذلك انتقادات من الولايات المتحدة كانت أكثر وضوحاً. إذ قال إليوت إنغل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي، إن أوربان «ينتزع السلطة بشكل صارخ في ظل أسوأ أزمة صحية عالمية في التاريخ الحديث». وأضاف إنغل، أن قانون الطوارئ «يهمّش البرلمان، ويسمح لرئيس الحكومة أوربان بأن يحكم بالمراسيم كالديكتاتورين. هذا ازدراء بالديمقراطية في أي مكان، وهو أمر شنيع، وخاصة إذا كان في دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي».
أيضاً، أثار القانون قلقاً شديداً في مجال حرية الإعلام؛ إذ دفع بالمجموعة التنفيذية لتحالف حرية الإعلام، التي تضم ألمانيا، وكندا، ولاتفيا، وهولندا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، إلى إصدار بيان منفصل من دون تسمية المجر. وعبّرت المجموعة عن قلقها «من جهود بعض الدول في الأزمة لفرض قيود تحد من حرية واستقلال الإعلام... هكذا أعمال تمنع المجتمعات من الحصول على معلومات مهمة فيما يتعلق بانتشار الوباء ويقلل من الثقة بالحكومات المسؤولة».
غير أنه رغم كل الجو العام، رد أوربان على كل الاتهامات بنفيها. وقال المتحدث باسمه زولتان كوفاكس، إن قانون الطوارئ «يتماشى مع المعاهدات الدولية والدستور المجري، وهدفه فقط مواجهة فيروس كورونا». وبرر كذلك وزير الدولة في حكومته سابا دوموتر الامتناع عن تحديد فترة زمنية لقانون الطوارئ بالقول، إن «لا أحد من الاختصاصيين والأطباء يمكنه القول إلى كم شهر علينا أن نستمر بالكفاح» ضد الوباء.
- التسلط المتزايد صار عادة
الواقع أنه منذ تسلّم أوربان رئاسة حكومة المجر عام 2010 وهو يدخل تعديلات تعزّز صلاحيات رئيس الحكومة. وخلال السنوات الماضية، قلص من صلاحيات المحكمة الدستورية، بل، لقد أصدر تعيينات لقضاة فيها يعتبرون مؤيدين له؛ ما يمنع حتى هذه السلطة الوحيدة القادرة على نزع قانون الطوارئ، عاجزة من مواجهته. كذلك لا يتوقع من البرلمان الذي يحكم السيطرة أوربان وحزبه قبضتهما عليه، أن يكون قادراً على نزع قانون الطوارئ. ما يعني بأن القرار برفعه عائد بشكل أساسي لأوربان نفسه.
في أي حال، تتردد أوروبا بمواجهة أوربان منذ سنوات. ولم يكن تعليق عضوية حزبه من كتل الشعب الأوروبية إلا خطوة أخرى ناقصة، تتأنى أوروبا في اتخاذها قبل الدخول في مواجهة مفتوحة مع الرجل الذي يحكم المجر منذ عقد من الزمن، ويدفع بالبلاد منذ الحين نحو سلطة مركزة أكثر فأكثر بيد رجل واحد.
من جهته، أوربان يسمي مقاربته مع الاتحاد الأوروبي بـ«رقصة الطاووس»، وهي المقاربة التي يعتمدها عبر تقديم تنازلات صغيرة كافية لإخراجه من مأزق كبير بينما يستمر بالعمل على إحداث التغييرات الكبيرة التي يسعى إليها لتحويل المجر إلى دولة أقل ديمقراطية، كما يراها كثيرون اليوم. وحقاً، اعتمد هذه المقاربة في معظم القوانين التي أثارت جدلاً داخل الاتحاد الأوروبي، وتسببت له بمشاكل معه.
ولعل مقاربته للجدل الذي أحاط إقالته لما يزيد على الـ400 قاض عام 2018 عبر تخفيض سن التقاعد من 70 إلى 62 سنة هي المثال الأفضل لشرح أسلوبه في التعاطي مع الاتحاد الأوروبي. فعندما خفّض سن تقاعد القضاة وعلت صرخة المعارضة، التي اتهمته بمحاولة تشديد قبضته على السلك القضائي من خلال إقالة هؤلاء القضاة لاستبدالهم بآخرين هو يختارهم. ومن ثم دخل في صراع قانوني طويل مع الاتحاد الأوروبي، في نهايته كان معظم القضاة قد اضطروا إلى قبول العرض الذي قدمته له الحكومة وقرّروا الاستقالة باكراً.
- ثمن التراخي الأوروبي
لذا؛ يوجه البعض اللوم للاتحاد الأوروبي بالتراخي مع أوربان، والسماح له منذ سنوات بتشديد قبضته على الحكم. وهذا، مع أن الرجل غالباً ما ينتقد الاتحاد الأوروبي، ويرفض حتى قرارات لا تتماشى مع أجندته الشعبوية، ولا سيما، تلك المتعلقة بـ«الكوتا» التي فرضها على دول الاتحاد لتوزيع اللاجئين. وراهناً، يروج الإعلام اليميني التابع لأوربان منذ بداية انتشار الوباء لقصص عن مدى «نجاعة» تعاطي الصين وروسيا مع الأزمة مقابل الفوضى التي تلف دول أوروبا الغربية في التعاطي مع الأزمة نفسها.
كل هذا رغم تلقي المجر مساعدات مالية كبيرة من الاتحاد الأوروبي بلغت 6 مليارات يورو في عام 2018، أي ما يعادل 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل مساهمة المجر بمليار يورو فقط لصندوق الاتحاد الأوروبي. أضف إلى ذلك، أن الكثير من المشاريع الممولة من الاتحاد الأوروبي، يستفيد منها أقرباء ومقرّبون من أوربان الذين يكافئهم بمنحهم معظم العقود التي تقدمها الدولة.
ويجمع عدد من السياسيين اليوم، من بينهم النائبة السابقة لرئيس المفوضية الأوروبية فيفيان ريدينغ، وهي من لوكسمبورغ، على أن الحل الوحيد المتبقي أمام أوروبا لمواجهة أوربان هو بقطع التمويل عنه، بعد طرد حزبه من كتلة الشعب الأوروبية.
وذكرت ريدينغ في حديث لموقع «بلومبيرغ» بأن الوقت قد لا يكون ملائماً الآن للاتحاد الأوروبي المثقل بأزمة الوباء، بأن يفتح باب أزمات جديداً، لكن على المدى الأبعد تقول فإن «إساءة استخدام حكم القانون يمكنه أن يسمم الاتحاد من الداخل»، وعلى أوروبا أن تواجه أوربان.
- المجر... لمحة تاريخية جغرافية
> المجر دولة من دول أوروبا الوسطى، و«حلف وارسو» سابقاً إبان حقبة الحرب الباردة. وهي بحدودها الحالية دولة لا تطل على البحر تبلغ مساحتها أكثر بقليل من 93 ألف كلم مربع، معظمها في سهل المجر الخصب، أما أهم أجسامها المائية فنهر الدانوب وبحيرة بالاتون.
يبلغ عدد سكان المجر نحو عشرة ملايين نسمة، غالبيتهم من المسيحيين الكاثوليك، ولغتها الرسمية اللغة المجرية كبرى مجموعة اللغات الفينو - أوغرية الأورالية التي تضم أيضاً الفنلندية، والإستونية، والكاريلية. وتحدها من الشمال سلوفاكيا، ومن الشمال الشرقي أوكرانيا، ومن الشرق والجنوب الشرقي رومانيا، ومن الجنوب صربيا، ومن الجنوب الغربي كرواتيا وسلوفينيا، ومن الغرب النمسا.
عاصمة البلاد وكبرى مدنها مدينة بودابست، التي هي أصلاً عبارة عن مدينتين بست وبودا اللتين يفصلهما الواحدة عن الأخرى نهر الدانوب. أما أبرز المدن الأخرى فهي ديبريسن وسيغيد وميشكولتس وبيش وديور وبيكشوبو.
عبر التاريخ تعاقبت على سكن أرض المجر الحالية شعوب عديدة، بينها الكلت، والرومان، والقبائل الجرمانية، والهون، والسلاف، والآفار. أما بدايات الكيان السياسي المجري فتعود إلى أواخر القرن الميلادي التاسع بفضل الأمير آرباد. وعام 1000م دخلت المسيحية مملكة المجر مع تولي الملك إسطفان الأول أحد أحفاد آرباد العرش.
خلال الفترة بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر صارت المجر قوة إقليمية مرموقة. إلا أن هزيمتها في معركة موهاتش عام 1526 أمام العثمانيين بقيادة السلطان سليمان القانوني مكّن العثمانيين من احتلال إجزاء من أراضيها. وبعدها رضخت لحكم سلالة الهابسبورغ في مطلع القرن الثامن، ثم صارت جزءاً من الإمبراطورية النمساوية – المجرية، وذلك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وعبر معاهدة التريانون رسمت حدود المجر الحالية بخسارة 71 في المائة من أراضيها وأكثر من 58 في المائة من سكانها.
في الحرب العالمية الثانية كانت المجر ضمن قوى «المحور»، وبالتالي، مُنيت بخسائر فادحة، وانتهت في الفلك السوفياتي، جزءاً من أوروبا الشرقية الشيوعية، حتى سقوطها وانفراط «حلف وارسو» عام 1989. وهي منذ 2004 عضو في الاتحاد الأوروبي و«ناتو».


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.