«أعمدة التعافي»... خريطة لإعادة بناء الحياة البحرية بحلول 2050

علماء بارزون من 16 جامعة بقيادة «كاوست» يوحدون جهودهم لإنقاذ البيئة

تتمتع الشعاب المرجانية المعافاة بإنتاجية عالية وتعزز الكتل الحيوية المرتفعة لأكبر الكائنات المفترسة (أ.ف.ب)
تتمتع الشعاب المرجانية المعافاة بإنتاجية عالية وتعزز الكتل الحيوية المرتفعة لأكبر الكائنات المفترسة (أ.ف.ب)
TT

«أعمدة التعافي»... خريطة لإعادة بناء الحياة البحرية بحلول 2050

تتمتع الشعاب المرجانية المعافاة بإنتاجية عالية وتعزز الكتل الحيوية المرتفعة لأكبر الكائنات المفترسة (أ.ف.ب)
تتمتع الشعاب المرجانية المعافاة بإنتاجية عالية وتعزز الكتل الحيوية المرتفعة لأكبر الكائنات المفترسة (أ.ف.ب)

في العام 2015 صدر تقريران مهمان حول التهديد الذي تواجهه الحياة البحرية حول العالم، أولهما التقرير السنوي الصادر عن هيئة الأرصاد وحماية البيئة السعودية الذي حدد 8 أخطار رئيسة تهدد الحياة البحرية والساحلية على سواحل المملكة سواء على البحر الأحمر أو على الخليج العربي، وهي: تدمير بيئات أشجار المانغروف وتدمير الشعاب المرجانية التي يعتمد عليها ثلاثة أرباع الأسماك في الخليج، وتلوث المياه والهواء، وإلقاء النفايات على السواحل التي تعرض صحة السكان للخطر، وممارسات الصيد الجائر والرعي الجائر، وعمليات الردم والتجريف. أما التقرير الثاني فقد صدر في نفس العام عن الصندوق العالمي للطبيعة في سويسرا، الذي أشار إلى أن 50 في المائة من الحياة البحرية تعرضت لضربة مدمرة على مدى 40 عاما ما بين 1970 و2012. ووفقا لهذا التقرير فإن أشجار المانغروف يتم فقدانها بمعدل أسرع مرتين إلى خمس مرات من الغابات. كما يتم فقدان الشعاب الاستوائية بمقدار النصف، ويمكن أن نفقدها كلية بحلول عام 2050.
الحياة البحرية
في هذا الإطار رسمت دراسة دولية حديثة، بقيادة البروفسور كارلوس دوارتي والبروفيسورة سوزانا أغوستي من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، ونشرت أخيرا في مجلة «نيتشر»، خريطة طريق أساسية للإجراءات اللازمة، كي تتمكن الحياة البحرية على كوكب الأرض من استرداد عافيتها ووفرتها الكاملة بحلول عام 2050.
ويعمل في المشروع مجموعة من علماء البحار البارزين في أربع قارات وعشرة بلدان وست عشرة جامعة منها كاوست، وجامعة أراهوس ومعهد ماساتشوستس للتقنية وجامعة ولاية كولورادو، وجامعة بوسطن والجامعة البابوية الكاثوليكية في تشيلي وجامعة السوربون في فرنسا، وجامعة جيمس كوك وجامعة كوينزلاند وجامعة دلهاوزي وجامعة يورك.
أوضح البروفسور كارلوس دوارتي، أستاذ علوم البحار في كاوست وأستاذ كرسي طارق أحمد الجفالي لعلوم أحياء البحر الأحمر، بأن الوضع الحالي أصبح مقلقا، وأشار إلى أننا بلغنا منعطفاً يجب أن نختار عنده بين محيطات قادرة على التكيف ونابضة بالحياة، ومحيطات لا يمكن إصلاحها. وأضاف البروفسور دوارتي بأن هذه الدراسة قد وثقت تعافي الأحياء والموائل والأنظمة البيئية البحرية في أعقاب إجراءات وتدابير عمليات الحفظ والحماية السابقة. كما قدمت توصيات محددة مدعمة بالأدلة للتوسع عالمياً في الحلول التي أثبتت جدواها.
ورغم أن الإنسان قد أحدث تغييرات أضرّت كثيراً بالحياة البحرية في الماضي، إلا أن الباحثين وجدوا أدلة على تمتعها بقدرة ملحوظة على التكيف، كما لاحظوا تطورا لافتا تمثل في نشوء اتجاه من خسائر حادة في الحياة البحرية طوال القرن العشرين إلى تباطؤ في هذه الخسائر. ليس هذا فحسب فقد لوحظ أيضا أن الحياة البحرية قد تعافت خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين في بعض الحالات.
وتسلط الأدلة التي توصل إليها العلماء، إلى جانب حالات تعافٍ رائعة بوجه خاص كالحيتان المحدبة، الضوء على إمكانية استعادة وفرة الحياة البحرية، مما يسهم في ظهور اقتصاد أكثر استدامة قائم على المحيطات. وتفيد الدراسة بإمكانية التعجيل بتعافي الحياة البحرية، وإنجاز ذلك خلال عقدين أو ثلاثة لمعظم مكونات الأنظمة البيئية البحرية بشرط التصدي لتغير المناخ واتخاذ خطوات فعالة واسعة النطاق. وأكدت البروفسورة سوزان أغوستي، أستاذة علوم البحار في كاوست، أن البشرية تواجه تحدياً هائلاً، ولكن يمكن لها تجاوزه من خلال إعادة بناء الحياة البحرية، مما يمثل التزاماً أخلاقياً وهدفاً اقتصاديا ذكياً لتحقيق مستقبل مستدام.

أعمدة التعافي
حدد الباحثون، عن طريق دراسة الأثر الذي أحدثته الإجراءات والتدابير الناجحة السابقة التي اتخذتها الدول والمجتمعات للحفاظ على المحيطات إضافة إلى اتجاهات التعافي، تسعة عناصر جوهرية لبناء ما يلي: الحياة البحرية، المستنقعات المالحة، المانغروف، الأعشاب البحرية، الشعاب المرجانية، المحاريات، مصائد الأسماك، الحيوانات الضخمة، وأعماق البحار.
كما أوضحت الدراسة بأن تحقيق الهدف المنشود يجب أن يمر من خلال ست عمليات تكاملية تدعى «أعمدة التعافي»، وهي إجراءات محددة في إطار مواضيع عامة تشمل: حماية الأجناس البحرية وترشيد استغلال الثروات البحرية وحماية المساحات وإصلاح الموائل وخفض التلوث والتخفيف من تغير المناخ.
وتنطوي الإجراءات الموصى باتخاذها على فرص وفوائد وعقبات محتملة وإجراءات علاجية، مما يرسم خريطة طريق ملموسة لتوفير محيطات معافاة قادرة على تأمين منافع هائلة للبشرية ولكوكب الأرض.
ويشير الباحثون إلى أنه إذا تم تفعيل «أعمدة التعافي» كلها على نطاقٍ واسع، وفي ضوء المدد الزمنية التي استغرقها تعافي الحياة البحرية المتضررة سابقاً، فمن الممكن استعادة وفرة الحياة البحرية خلال جيل بشري واحد أو خلال عقدين إلى ثلاثة عقود، أي بحلول العام 2050.

وكان التخفيف من تغير المناخ بخفض انبعاثات غازات الدفيئة من أهم عناصر النجاح التي حُددت، إذ أن الآثار الناجمة عن تغير المناخ الذي حدث سابقاً، التي لم يكن مفراً منها، حدّت من المجال المتاح لإعادة بناء الشعاب المدارية، مما أعاق تعافيها الكامل. وتشير الدراسة إلى أنه من غير الممكن استعادة وفرة الحياة البحرية، إلا إذا تحققت الأهداف الأكثر طموحاً في اتفاقية باريس. وجدير بالذكر فإن الـ194 دولة التي وقعت على اتفاق «باريس للمناخ 2015»، كانت قد تعهدت على جملة من الإجراءات والقرارات المتعلقة بالمناخ أبرزها حصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائها «دون درجتين مئويتين»، قياسا بعصر ما قبل الثورة الصناعية، وبـ«متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية». وهذا يفرض تقليصا شديدا لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري باتخاذ إجراءات للحد من استهلاك الطاقة والاستثمار في الطاقات البديلة وإعادة تشجير الغابات.
وإلى ذلك، فالنجاح يعتمد إلى حد كبير على الدعم الذي تقدمه شراكة عالمية ملتزمة وقادرة على الصمود بين الحكومات والمجتمعات المؤيدة لهذا الهدف. ويتطلب النجاح أيضاً التزاماً جوهرياً بتقديم الموارد المالية، ولكن هذه الدراسة الحديثة كشفت عن أن المكاسب الإيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية لإعادة بناء الحياة البحرية لن تكون سريعة وآنية وإنما على المدى البعيد.
وتأتي الدراسة في وقت تتولى المملكة سدة الرئاسة لمجموعة العشرين وتقود شركاءها في المجموعة لوضع منهجيات جديدة واتخاذ الإجراءات التي من شأنها الحفاظ على التنوع الحيوي ما بعد 2020. وإعداد خطة عملية للتصدي للتحديات المناخية وحماية الشعاب المرجانية وغيرها من الأنظمة البيئية، التي يسهل تعرضها للضرر.
واختتم البروفسور دوراتي حديثه قائلاً: «لدينا نافذة أمل ضيقة لنخلف لأحفادنا محيطات معافاة، ولدينا المعرفة والأدوات اللازمة لذلك. لذا فإن الإخفاق في مواجهة هذا التحدي، والحكم على أحفادنا بمحيطات ضعيفة عاجزة عن دعم سبل عيش عالية الجودة، ليس خياراً».



هل انتهى عصر «الذكاء الاصطناعي الطبي المتخصص»؟

من يستحق الثقة؟
من يستحق الثقة؟
TT

هل انتهى عصر «الذكاء الاصطناعي الطبي المتخصص»؟

من يستحق الثقة؟
من يستحق الثقة؟

ماذا لو لم يكتفِ الذكاء الاصطناعي بإعطاء التوصية الطبية، بل بدأ بتنظيم المواعيد، وطلب الفحوصات، ومتابعة المرضى، واتخاذ خطوات تنفيذية بنفسه؟ لسنوات طويلة ساد اعتقاد شبه راسخ داخل الأوساط الطبية والتقنية أن أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي الصحي هي تلك التي جرى تصميمها خصيصاً للقطاع الطبي، وتدريبها على قواعد بيانات سريرية متخصصة. وكان المنطق يبدو بديهياً؛ فكلما ازداد النظام تخصصاً، ازدادت قدرته على فهم تعقيدات التشخيص، والعلاج، واتخاذ القرار السريري.

إلا أن دراسة جديدة نُشرت في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine) في 12 يونيو (حزيران) 2026تطرح سؤالاً لم يكن مطروحاً بجدية قبل سنوات قليلة: هل ما زال الذكاء الاصطناعي الطبي المتخصص يتمتع بالتفوق الذي افترضه الجميع؟

معركة جديدة في الذكاء الاصطناعي الطبي

«العام» و«المتخصص»

أظهرت الدراسة، التي قادها الباحث كريثيك فيشواناث (Krithik Vishwanath) مع فريق من جامعة نيويورك (New York University) ومركز لانغون الصحي التابع لها (NYU Langone Health)، أن بعض النماذج اللغوية العامة المتقدمة استطاعت في عدد من الاختبارات الطبية تحقيق أداء يضاهي، بل ويتجاوز أحياناً، أداء أدوات ذكاء اصطناعي جرى تطويرها خصيصاً للاستخدامات السريرية.

وقد لا تبدو هذه النتيجة مجرد تفصيل تقني يهم الباحثين وحدهم، لكنها قد تمثل مؤشراً على تحول أوسع في الطريقة التي يفكر بها العلماء في مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي، وفيما إذا كان عصر النماذج المتخصصة يقترب من نقطة إعادة تقييم حقيقية.

واعتمد الباحثون على مجموعة من الاختبارات المصممة لتقييم قدرات النماذج المختلفة في التعامل مع المهام الطبية المعقدة، والاستدلال السريري، وتحليل المعلومات الصحية. وكانت النتيجة التي لفتت الانتباه أن بعض النماذج العامة واسعة النطاق حققت أداءً يضاهي أو يتجاوز أداء أنظمة طبية متخصصة طُورت خصيصاً للعمل في المجال الصحي.

وتشير هذه النتائج إلى أن اتساع المعرفة التي تكتسبها النماذج العامة من مصادر متنوعة قد يمنحها قدرة أكبر على الربط بين المعلومات وفهم السياقات المختلفة. فبدلاً من التعلم من قواعد بيانات طبية محدودة نسبياً، تستفيد هذه الأنظمة من كم هائل من المعارف العلمية، واللغوية، والبحثية التي تسمح لها بتطوير قدرات استدلالية أكثر مرونة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن النماذج الطبية المتخصصة فقدت أهميتها، لكنه يشير إلى أن الفجوة التي كانت تفصل بين النماذج العامة والمتخصصة بدأت تتقلص بوتيرة أسرع مما توقعه كثير من الخبراء.

السر ليس في المعلومات وحدها

أهمية خاصة للعالم العربي

لا تقتصر أهمية هذه النتائج على المختبرات البحثية، أو شركات التكنولوجيا، بل قد تحمل دلالات خاصة للعالم العربي في وقت تتسارع فيه الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي الصحي، والنماذج اللغوية العربية.

فعلى مدى السنوات الأخيرة اتجهت مبادرات كثيرة حول العالم إلى تطوير نماذج طبية متخصصة انطلاقاً من الاعتقاد بأن التخصص العميق هو الطريق الأفضل لتحقيق الأداء السريري الأمثل. غير أن الدراسة الجديدة تطرح احتمالاً مختلفاً يتمثل في أن النماذج العامة واسعة النطاق قد تكون قادرة، في بعض الحالات، على تحقيق مستويات مماثلة من الأداء بعد تكييفها، وتدريبها على السياقات المحلية المناسبة.

وبالنسبة للدول العربية، يكتسب هذا السؤال أهمية إضافية. فبناء نموذج طبي متخصص من الصفر يتطلب موارد مالية وبشرية هائلة، وقواعد بيانات سريرية واسعة، ومحدثة باستمرار. أما الاستفادة من النماذج العامة المتقدمة، وتكييفها للغة العربية، والاحتياجات الصحية المحلية فقد تمثل مساراً أكثر سرعة ومرونة في بعض التطبيقات. قد يكون هذا النهج أكثر واقعية للدول التي تسعى إلى تسريع التحول الرقمي الصحي دون تحمل التكلفة الكاملة لبناء نماذج طبية ضخمة من الصفر.

كما أن هذه المقاربة قد تساعد على تسريع تطوير أدوات صحية رقمية تدعم العاملين الصحيين في المناطق البعيدة، وتسهم في تحسين الوصول إلى المعرفة الطبية الحديثة، خصوصاً في البيئات التي تعاني نقصاً في بعض التخصصات الدقيقة، أو تفاوتاً في توزيع الخدمات الصحية.

ومع التوسع المتسارع في برامج التحول الرقمي الصحي في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج، وعدد من الدول العربية الأخرى، قد لا يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة هو كيفية بناء أكبر عدد من النماذج المتخصصة، بل كيفية الاستفادة من القدرات المتنامية للنماذج العامة، مع ضمان سلامتها، وموثوقيتها، وملاءمتها للواقع الصحي العربي.

اختبارات متعددة ومتكاملة

مرحلة جديدة من الطب

• أسئلة تتجاوز التكنولوجيا. لكن كما حدث مع كثير من التحولات التقنية الكبرى في تاريخ الطب، لا تقتصر الأسئلة المطروحة على ما تستطيع التكنولوجيا فعله، بل تمتد إلى ما ينبغي لها أن تفعله. فإذا كانت النماذج العامة بدأت تحقق أداءً يضاهي بعض الأنظمة الطبية المتخصصة، أو يتفوق عليها، فإن ذلك يفتح باباً جديداً من التساؤلات حول كيفية توظيف هذه التقنيات داخل الممارسة السريرية. فالتفوق في الاختبارات لا يكفي وحده لضمان سلامة التطبيق في الواقع، حيث تتداخل العوامل الطبية والنفسية والاجتماعية والإنسانية في كل قرار علاجي. كما تثير هذه النتائج سؤالاً محورياً يتعلق بالثقة. فهل ينبغي الاعتماد على نموذج عام جرى تدريبه على مليارات النصوص من مجالات متنوعة، أم على نظام طبي صُمم خصيصاً للعمل داخل بيئة سريرية محددة؟ وما المعايير التي يجب أن تستند إليها المؤسسات الصحية عند اختيار أحد هذين المسارين؟

وتزداد أهمية هذه التساؤلات كلما اقتربت الأنظمة الذكية من التأثير المباشر في القرارات السريرية. فإذا أوصى النظام بخطة علاجية غير مناسبة، أو أغفل معلومة مؤثرة في مسار الرعاية، فإن المسؤولية لا تقع على الخوارزمية، بل تبقى مسؤولية بشرية ومؤسسية في المقام الأول.

ولهذا فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي لن يتحدد فقط بقدرة النماذج على الإجابة عن الأسئلة، أو اجتياز الاختبارات، بل أيضاً بقدرتنا على بناء أطر أخلاقية وتنظيمية تضمن استخدام هذه الأدوات بصورة آمنة، وشفافة، ومسؤولة.

• مرحلة جديدة من الطب. قبل سنوات قليلة كان السؤال المطروح هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على مساعدة الأطباء في فهم البيانات الطبية، وتحليلها. أما اليوم، وبعد التطور السريع للنماذج اللغوية واسعة النطاق، فقد أصبح السؤال مختلفاً: ما نوع الذكاء الاصطناعي الذي سيقود المرحلة المقبلة من التحول الرقمي في الرعاية الصحية؟

تشير نتائج الدراسة الجديدة إلى أن الحدود التقليدية بين النماذج العامة والنماذج الطبية المتخصصة بدأت تصبح أقل وضوحاً مما كانت عليه في السابق. فالنماذج العامة لم تعد مجرد أدوات متعددة الاستخدامات، بل أصبحت تمتلك قدرات متنامية تسمح لها بأداء مهام كانت تُعد حتى وقت قريب حكراً على الأنظمة المصممة خصيصاً للقطاع الصحي.

ولا يعني ذلك بالضرورة نهاية عصر النماذج الطبية المتخصصة، لكنه قد يشير إلى بداية مرحلة جديدة تتعايش فيها مقاربتان مختلفتان: الأولى تقوم على بناء أنظمة شديدة التخصص لمهام سريرية محددة، والثانية تعتمد على الاستفادة من القدرات الواسعة للنماذج العامة، ثم تكييفها لتلبية الاحتياجات الطبية المحلية.

وفي نهاية المطاف، قد لا تكون الرسالة الأهم لهذه الدراسة أن النماذج العامة أصبحت أكثر ذكاءً، بل إن مستقبل الطب الرقمي قد يكون أكثر مرونة مما تصورناه سابقاً. فبينما تتغير التقنيات بسرعة غير مسبوقة، يبقى الهدف ثابتاً: توظيف أفضل ما تقدمه الخوارزميات لخدمة الإنسان، مع الحفاظ على الحكم السريري، والمسؤولية الأخلاقية، والثقة الإنسانية التي شكلت جوهر الممارسة الطبية عبر التاريخ.


حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب
TT

حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

العقم ليس موضوعاً يُحب الرجال التحدث عنه، ولكنه شائع جداً، إذ يُعاني نحو واحد من كل عشرة أزواج من مشاكل في الإنجاب، وفي نصف الحالات يكون السبب كلياً أو جزئياً متعلقاً بالحيوانات المنوية (الحيامن). وفي كثير من الحالات، لا تُجدي العلاجات الحالية نفعاً، لكن شركة ناشئة أميركية تُدعى «باتيرنا بيوساينسز» تعتقد أنها قادرة على تغيير هذا الواقع، كما كتب مايكل لو بيج في مجلة «نيوساينتست».

إنتاج عينات من «الحيامن»

هناك أسباب عديدة قد تجعل الرجال يُعانون من صعوبة الإنجاب. قد يكون لديهم عدد قليل من الحيوانات المنوية، أو قد لا تتمكن حيواناتهم المنوية من اختراق البويضة، وما إلى ذلك. في هذه الحالات، عادة ما ينجح حقن الحيوانات المنوية مباشرة في البويضة كونه جزءاً من علاج التلقيح الصناعي.

إلا أن نحو واحد من كل مائة رجل لا يحتوي سائله المنوي على أي حيوانات منوية على الإطلاق. قد يكون سبب هذا النقص وجود انسداد ما، يمنع الحيوانات المنوية من الوصول إلى البروستاتا. في هذه الحالات، عادة ما يكون من الممكن إزالة الانسداد أو الحصول على الحيوانات المنوية مباشرة من الخصيتين.

لكن في معظم الحالات التي لا يحتوي فيها السائل المنوي على حيوانات منوية، فإن ذلك يعود إلى قلة إنتاجها في الخصيتين أو انعدامه. وهنا يأتي دور شركة «باتيرنا» للعلوم الحيوية. ويقول أليكس باستوزاك، المؤسس المشارك ورئيس الشركة، إن الشركة قادرة على أخذ عينات صغيرة من أنسجة الخصيتين وإنتاج «عدد يتراوح بين بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف من الحيوانات المنوية» من كل عينة.

وتؤكد الشركة أن الحيوانات المنوية التي استخلصتها قادرة على تخصيب بويضات بشرية، التي تطورت إلى أجنة في مراحلها المبكرة. ويوضح باستوزاك أن فريق «باتيرنا» قادر على تحقيق ذلك؛ لأنه حدد الإشارات التي تحفز الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية على بدء تكوينها. وتستغرق هذه العملية نحو شهر في المختبر.

لم تقدم «باتيرنا» أي دليل يدعم ادعاءاتها حتى الآن، ويقول باستوزاك إن الأمر يتعلق بحماية الملكية الفكرية. وإذا كانت «باتيرنا» قد حققت ما تدّعيه، فالسؤال التالي هو: هل هذا آمن؟

محاذير ومخاطر

تتكون الحيوانات المنوية من خلايا جذعية في الخصيتين. وعندما تنقسم هذه الخلايا الجذعية إلى خليتين، تبقى إحداهما خلية جذعية، بينما تنقسم الأخرى لتكوين أربع حيوانات منوية عبر عملية تُسمى الانقسام الاختزالي، حيث تتبادل الكروموسومات أجزاءً من الحمض النووي.

يقول مايلز ويلكنسون، من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، الذي يدرس الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية: «هذا وضع خطير للغاية». فعندما ينكسر الحمض النووي، هناك خطر من عدم إعادة تركيبه بشكل صحيح، لذا من المهم جداً عدم تعطيل عملية الانقسام الاختزالي.

إلا أن باستوزاك يقول إن الحيوانات المنوية المُستنبتة مختبرياً تبدو طبيعية. ويضيف: «لقد أثبتنا أن الحيوانات المنوية التي نُنتجها في المختبر تُشبه جزيئياً الحيوانات المنوية التي تُنتج (في الخصيتين) تماماً».

بافتراض أن تقنية «باتيرنا» آمنة، فإن السؤال الأهم التالي هو: ما نسبة الرجال المصابين بالعقم الذين يمكن أن تُساعدهم هذه التقنية؟ فبعض الرجال الذين لا يُنتجون حيوانات منوية يفتقرون إلى الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية تماماً، ومن المؤكد أن هذه التقنية لن تُجدي نفعاً معهم. أما لدى البعض الآخر فإن الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية لا تتحول إلى حيوانات منوية، ومن المرجح أن تكون الطفرات هي السبب في كثير من الحالات.

يقول جيرت هامر، من معهد أمستردام لأبحاث التكاثر والتطور في هولندا، إنه إذا كانت الطفرة تعيق الانقسام الاختزالي في الخصيتين، فمن المرجح أن تعيقه أيضاً في المختبر.

لكن باستوزاك يدّعي أن فريقه تمكن من استخلاص الحيوانات المنوية في المختبر من رجال لا ينتجون أي حيوانات منوية في خصيتيهم. ويعزو ذلك إلى وجود طفرات لديهم تمنع الخلايا الداعمة من تحفيز الانقسام الاختزالي، كما يقول، وبالتالي فإن توفير الإشارات الصحيحة يسمح بتكوين الحيوانات المنوية.

ومع ذلك لا يوجد لدينا دليل يدعم هذا... لكن الأمل هو أن تكون الشركة على صواب، لأن الكثير من الأزواج قد يستفيدون إذا كان كذلك. ولكن ماذا لو كان «باتيرنا» مخطئة؟ حسناً، ثمة حل محتمل؛ وهو استخدام تقنية كريسبر لتعديل الجينات لتصحيح الطفرة المسببة للعقم في الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية، ما يُمكّنها من التحول إلى حيوانات منوية، وبالتالي ولادة أطفال مُعدّلين جينياً لا يحملون هذه الطفرة الضارة.

ولكن هذا ليس بالأمر الهين، ففي معظم الحالات فإننا لا نملك فكرة واضحة عن الطفرة المُسببة للعقم، بل مجرد بعض الارتباطات غير المؤكدة. ومع ذلك، وفي الحالات التي نستطيع فيها تحديد الطفرة بدقة، يكون استخدام تعديل الجينات في الخلايا الجرثومية لهذا الغرض مُبرراً في الواقع.

ولا تستبعد «باتيرنا» هذا الخيار. ويقول باستوزاك: «لن أستبعده تماماً، لأنني أعتقد أن العلم والتكنولوجيا سيواصلان التقدم، والهدف هنا هو مساعدة الكثير من الناس».


جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد
TT

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

في اكتشاف قد يغيّر فهم العلماء لأحد أكثر الاضطرابات العصبية تعقيداً، نجح باحثون كنديون في تحديد جين غير تقليدي يبدو أنه يرتبط مباشرة بالسمات الأساسية لاضطراب طيف التوحد مثل صعوبات التفاعل الاجتماعي والسلوكيات التكرارية دون أن يؤثر في الذكاء أو القدرات المعرفية الأخرى.

جينات «غير مشفرة»

وتأتي أهمية هذا الاكتشاف من كونه يسلط الضوء على جزء من الحمض النووي ظل مهمشاً لعقود طويلة. فبينما ركز معظم الأبحاث السابقة على الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات كشفت الدراسة الجديدة أن بعض الجينات غير المشفرة قد تلعب دوراً حاسماً في تشكيل السلوك البشري.

الدراسة التي قادها باحثون كنديون بقيادة ستيفن شيرر بمركز علم الجينوم التطبيقي برنامج علم الوراثة وبيولوجيا الجينوم في مستشفى الأطفال المرضى في تورونتو بأونتاريو، ونُشرت في مجلة «Nature» العلمية بتاريخ 13 مايو (أيار) 2026، ركزت على جين يُعرف باسم PTCHD1 – AS يقع على الكروموسوم إكس X (الأنثوي). ورغم أنه لا ينتج بروتينات فإنه يعمل باعتباره منظماً لنشاط جينات أخرى داخل الخلايا العصبية.

* لماذا يعد الاكتشاف مهماً؟ يُعد اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضطرابات النمائية انتشاراً ويتميز بدرجات متفاوتة من صعوبات التواصل الاجتماعي وأنماط السلوك المتكررة. ورغم التقدم العلمي الكبير لا تزال الآليات البيولوجية الدقيقة التي تقف وراء هذه السمات غير مفهومة بالكامل. وحتى الآن ربط العلماء نحو مائة جين بالتوحد إلا أن معظمها يؤثر في مجموعة واسعة من الوظائف الدماغية بما في ذلك التعلم والقدرات الإدراكية. أما الجين الجديد فيبدو مختلفاً؛ إذ تشير النتائج إلى أنه يرتبط تحديداً بالسلوك الاجتماعي والتكراري وهما السمتان الأكثر تميزاً في التوحد. ويقول الباحثون إن هذا التحديد الدقيق قد يساعد مستقبلاً على تطوير علاجات تستهدف الأعراض الأساسية للاضطراب بدلاً من التأثير على وظائف دماغية أخرى.

* أدلة من آلاف الأشخاص. اعتمد الفريق العلمي على تحليل بيانات وراثية لأكثر من 9300 شخص من قواعد بيانات عالمية. وكشفت النتائج أن حذف أجزاء من الجين PTCHD1 - AS كان مرتبطاً بزيادة احتمالية الإصابة بالتوحد لدى الذكور.

ويعتقد العلماء أن ظهور التأثير بشكل أوضح لدى الذكور يعود إلى وجود نسخة واحدة فقط من الكروموسوم «إكس» لديهم بينما تمتلك الإناث نسختين، ما يوفر نوعاً من الحماية الجينية في بعض الحالات.

وللتأكد من النتائج أجرى الباحثون تجارب على نماذج حيوانية جرى فيها تعطيل الجين نفسه.

وكانت النتيجة لافتة، إذ أظهرت الحيوانات تغيرات واضحة في التفاعل الاجتماعي وزيادة في السلوكيات التكرارية، بينما بقيت قدراتها على التعلم والانتباه والذاكرة طبيعية.

فهم أعمق للدماغ

* ماذا يحدث داخل الدماغ؟ عند دراسة أدمغة هذه النماذج اكتشف العلماء أن غياب الجين يؤثر في منطقة تُعرف باسم «المخطط الدماغي» وهي منطقة تلعب دوراً مهماً في تنظيم السلوك والعادات الحركية.

كما رصد الباحثون تغيرات في عملية «اللدونة المشبكية» synaptic plasticity وهي قدرة الدماغ على تعديل الروابط بين الخلايا العصبية استجابة للتجارب المختلفة. وتُعد هذه العملية أساسية للتعلم والتكيف مع البيئة.

إضافة إلى ذلك ظهرت تغيرات في الجينات والبروتينات المرتبطة بتكوين غمد الميالين وهو الغلاف الذي يسرّع انتقال الإشارات العصبية بين الخلايا. وتشير هذه النتائج إلى أن الجين يؤثر في دوائر عصبية محددة ترتبط مباشرة بالسلوك الاجتماعي والسلوكيات النمطية.

ويرى الباحثون أن أهمية الدراسة تتجاوز اكتشاف جين جديد مرتبط بالتوحد. فهي تقدم نموذجاً لفهم كيفية ارتباط جينات محددة بسمات سلوكية معينة وهو ما قد يساهم في تطوير علاجات أكثر دقة وشخصية في المستقبل.

* فهم أعمق للسلوك البشري. ويأمل الفريق العلمي في مواصلة دراسة المسارات الجزيئية والخلوية التي يتحكم بها هذا الجين بهدف تحديد أهداف علاجية محتملة تساعد في تخفيف الأعراض الأساسية للتوحد لدى الأشخاص الذين يرغبون في الاستفادة من هذه التدخلات.

تكشف هذه الدراسة جانباً مدهشاً من علم الوراثة الحديث وهو أن أجزاء من الحمض النووي كانت تُعتبر في الماضي عديمة الوظيفة قد تكون مسؤولة عن جوانب أساسية من شخصياتنا وسلوكياتنا.

ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات عملية فإن الاكتشاف يضيف قطعة مهمة إلى لغز التوحد المعقد ويقرب العلماء خطوة أخرى من فهم الكيفية التي تشكل بها الجينات طريقة تفاعلنا مع العالم من حولنا.

عاجل مونديال 2026: النروج إلى دور الـ32 بثنائية جديدة لهالاند أمام السنغال (3-2)