السودانيون يحتفلون بذكرى اقتلاع البشير... و«كورونا» تمنعهم التظاهر

في ذكرى خلع نظام «الإخوان» الأولى

TT

السودانيون يحتفلون بذكرى اقتلاع البشير... و«كورونا» تمنعهم التظاهر

شروق شمس اليوم، 11 أبريل (نيسان)، أكمل السودانيون عاماً بالتمام والكمال على نغمات «الموسيقى العسكرية»، التي دقت في الصباح الباكر معلنة نهاية حكم «الإخوان» للسودان، وبداية مرحلة جديدة من تاريخ البلاد، وتحقيق شعارات الثورة السودانية، التي هتف بها الثوار طوال أربعة أشهر «حرية سلام وعدالة»، وقدموا مئات الشهداء والجرحى من أجلها.
غير أن جائحة «كورونا» حالت بين السودانيين والاحتفال بثورتهم كما ينبغي. فقد كان من المتوقع أن يخرج الملايين مجددا في ذكرى النصر الشعبي، لكن السلطات الصحية حرمتهم من هذا الاحتفال، بالقرارات التي اتخذتها للحد من انتشار الجائحة.
في ديسمبر (كانون الأول) 2018 انطلقت شرارة الثورة، حيث خرج السودانيون في مواكب عفوية، شملت البلاد بأكملها للمطالبة بتنحي الرئيس البشير وحكومته، قبل أن يتبنى تنظيمها وقياداته «تجمع المهنيين السودانيين» وقوى «إعلان الحرية والتغيير»، وينقلانها من العفوية للتخطيط.
وأطلق المحتجون السودانيون مواكب هادرة وجسورة، تحدت قوات الأمن، بإعلان زمان ومكان انطلاقها وتوجهها، وأصبحت «الساعة الواحدة ظهرا» توقيتا للثورة والميادين المعلنة مكاناً لها، وضجت شعارات وهتافات «تسقط تسقط بس، وأي كوز ندوسو دوس»، و«حرية سلام وعدالة... الثورة خيار الشعب» مضاجع النظام وإسلامييه طول أربعة أشهر، ولم تهدأ طوال فترة الاحتجاجات.
وواجهت أجهزة الأمن والقمع، التابعة للنظام، المحتجين بعنف مفرط، واستخدمت ضدهم الرصاص والرصاص المطاطي، والعصي والغاز المسيل للدموع والاعتقالات، ما أدى إلى مقتل العشرات برصاص الأمن والميليشيات، وجرح العديد واعتقال المئات. لكن العنف أحال أوار الثورة ناراً، وتواصلت المواكب، التي توجها المحتجون بالاعتصام الشهير والباسل أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة في السادس من أبريل، وشارك فيها الملايين، ما اضطر القيادة الأمنية للنظام بقيادة نائبه، عوض بن عوف، إلى إعلان تنحية البشير وتكوين مجلس عسكري انتقالي، وإعادة إنتاج النظام بوجوه جديدة، بعد خمسة أيام من الاعتصام، ليدون يوم 11 أبريل في ذاكرة الشعب بأنه «يوم انتصار».
ولم ترهب المحتجين حالة حظر التجول، التي أعلنها بن عوف، وظلوا يهتفون «تسقط... تسقط تاني، وبن عوف جابو الكيزان» وغيرها من الشعارات، ولم تصمد حكومة بن عوف ليوم واحد، ودونت في تاريخ البلاد أسرع حكومة تتم تنحيتها، ليحل الفريق عبد الفتاح البرهان في رئاسة المجلس العسكري الانتقالي.
وخاض الثوار معارك شرسة ضد بقايا النظام المعزول، وقاموا بمحاولات مستميتة لإعادة السيطرة على مقاليد الحكم، وواصلوا اعتصامهم بعد تكوين المجلس العسكري الانتقالي، واستمروا في المطالبة بحكومة مدنية. لكن المجلس العسكري الانتقالي فجع السودانيين في 3 يونيو (حزيران) 2019. ونفذ مأساة فض الاعتصام، التي شهدت فظائع لا توصف، حيث قتل فيه أكثر من مائة معتصم سلمي، وجرح واختفى العشرات، وحينها أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي وقف التفاوض مع «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير».
ولم ترهب فظائع فض الاعتصام الشعب، الذي خرج عن بكرة أبيه في الثلاثين من يونيو في مدن البلاد، لرفض الحكم العسكري، والمطالبة بحكم مدني والثأر لدماء الشهداء، فاضطر العسكريون للعودة إلى مائدة التفاوض مجدداً، ولعبت الوساطة الإثيوبية والأفريقية، التي قادها رئيس الوزراء آبي أحمد دوراً محورياً في الوصول إلى اتفاق، قضى بمشاركة العسكريين والمدنيين في حكومة انتقالية تحكم لثلاث سنوات، ووقعوا وثيقة دستورية تحكم البلاد خلال فترة الانتقال.
وفي أغسطس (آب) 2019 تم تكوين الحكومة المدنية، برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وتم تكوين مجلس سيادة مشترك بين العسكريين والمدنيين، يتولى مهام السيادة. لكن الحكومة الانتقالية واجهت صعوبات عديدة، إذ ورثت اقتصادا منهارا، وبني تحتية متلاشية، ودولة عميقة تعيق عملها بكل ما تملك، فتفاقمت الأزمات الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية. لكن الشعب والثوار ما زالوا يتمسكون بشعارات الثورة، وبالحكومة الانتقالية التي أتت بها الثورة.
وقال عضو المجلس السيادي محمد الفكي سليمان، إن الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية حددت العديد من الأهداف للفترة الانتقالية، وهي أهداف الثورة، وعلى رأسها ملف «تحقيق السلام»، الذي يعد أهم الأهداف، وحددت له ستة أشهر، وملف الاقتصاد، وملف تصفية وتفكيك نظام الإنقاذ، وهي ملفات مترابطة ببعضها.
ويعترف الفكي في تصريحات بعدم تحقيق «تقدم كبير» في ملف الاقتصاد، وبأن الناس ما يزالون يعيشون أوضاعا اقتصادية قاسية، بقوله: «المطلوب من حكومة الثورة تحسين الوضع الاقتصادي، لكونه واحدا من الأهداف التي قامت بسببها الثورة».
ويربط الفكي بين ملف الاقتصاد وملف إزالة التمكين وملف السلام، بقوله: «كل موارد البلاد تحت مجموعة سياسية محددة ومحدودة، وبالتالي فإن إزالة التمكين الذي نصت عليه الوثيقة الدستورية يعد واحداً من مطالب الثورة، ويتمثل في تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن، واسترداد مقدرات الأمة».
ووجهت لجنة التفكيك، التي يترأسها الفكي بالإنابة أول من أمس، ضربة موجعة لمراكز النظام باسترداد قرابة 150 قطعة أرض مملوكة لرموز النظام المعزول وقادته، منها 99 مملوكة للقائد الأمني والتنظيمي للإسلاميين وزير الخارجية الأسبق علي كرتي، إضافة إلى ضرب المعقل الإخواني الأشهر «منظمة الدعوة الإسلامية» بإلغاء تسجيلها، واسترداد ممتلكاتها التي تعد مصدر تمويل كبير لـ«الإخوان». وقال بخصوص مواجهة الحملة التي يشنونها ضد القرار: «لقد بدأ صوتهم يتعالى لأنهم لا يريدون إعادة الأموال التي حاذوها من أموال الشعب دون حق».
وتوقع الفكي أن تؤدي عمليات استرداد أموال الشعب من «الإسلاميين»، وتفكيك الشركات «السرطانية» المتورمة التابعة لهم إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد، بيد أنه عاد ليقول: إن «الآمال أكبر مما تم إنجازه، ونعمل على الإيفاء بوعودنا للشعب، وإلاّ فسنوضع أمام محكمة التاريخ».
من جهته، قال القيادي البارز بقوى «إعلان الحرية والتغيير»، ساطع أحمد الحاج، إن قوى الشعب السوداني، بكل مكوناتها السياسية والشعبية، حققت في 11 أبريل 2019 انتصاراً جريئاً في مواجهة نظام استبدادي، بإرادة وتصميم الشعب.
ويؤكد الحاج أن انتصار الشعب في حراكه ضد النظام المعزول، «كان خالصاً ونتيجة حتمية لرغبة الجماهير، وإصرارها الباسل لإسقاط حكم الرئيس المعزول عمر البشير، وبطانته الإسلامية، ولم تلعب أي قوة دورا فيه»، مبرزا أن اللجنة الأمنية بقيادة وزير الدفاع عوض بن عوف، التي أعلنت إطاحة البشير، لم تلعب أي شيء في نجاح الثورة الشعبية، بل حاولت القفز على الإرادة الجماهيرية، وتسلقها للعب دور جديد.
ووفقا للحاج، فإن حراك الشعب، الذي امتد أشهراً، أكد أن الشعب لم يعد يقبل استمرار النظام الديكتاتوري في الحكم، واستطاع تحقيق إرادته وقام بعزله، وتابع موضحا: «بعد عام من سقوط نظام الجبهة الإسلامية، ما زالت بعض الصعوبات تكتنف مسيرة التغيير والثورة»، بيد أنه أكد تجاوز عقبات وصعوبات الطريق لتحقيق أهداف الثورة في الحرية والسلام والعدالة.
الفكي والحاج وخلفهم ملايين السودانيين، ينتظرون تحقيق شعارات الثورة في «الحرية والسلام والعدالة» رغم العثرات، لكن الجميع يضعون أياديهم على قلوبهم خوفا، وحرصاً على ثورتهم وحريتهم من «قوى الردة»، رغم ثقتهم بأن عودة «الإسلاميين» للحكم تعد في حكم «الغول والعنقاء والخل الوفي».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.