ملحمة عائلية عن الهجرة والانتماء

«بتلة البحر الطويلة» لإيزابيل الليندي

ملحمة عائلية عن الهجرة والانتماء
TT

ملحمة عائلية عن الهجرة والانتماء

ملحمة عائلية عن الهجرة والانتماء

صدرت في مطلع عام 2020 رواية إيزابيل الليندي العشرين «بتلة البحر الطويلة» التي ترجمها إلى اللغة الإنجليزية كل من نيك كايستور وأماندا هوبكنسون. إنها ملحمة عائلية تنقلنا إلى حقبة نهاية الثلاثينات إبان فرار العديد من اللاجئين من الحرب الإسبانية في عهد الجنرال فرانكو، إثر هزيمته لأنصار الجمهورية وصعود الفاشية.
واستندت إيزابيل الليندي في هذا العمل إلى شخصيات واقعية وقصص مبنية على حقائق فعلية، لا سيما أنها عاشت تجربة الهجرة والترحال، إذ وُلِدت في البيرو وترعرعت في تشيلي، واضطرت إلى الانتقال للعيش لفترة في فنزويلا قبل استقرارها في كاليفورنيا في الولايات المتحدة. ومن هنا، جاء تعاطفها مع محن اللاجئين والمنفيين من أوطانهم. وكذلك عشقها لمسقط رأسها تشيلي، وهي تسرد ما يجري في عملها الأخير من أحداث في سانتياغو، وافتتان الشخصيات المحورية لمدينتها، وإسقاطها لشخصية عمها سلفادور الليندي الرئيس الاشتراكي الذي يتعرض لانقلاب عسكري، ويظهر دوره في الرواية في عدد من الأحداث، أبرزها اشتراطه لفيكتور أن يلاعبه الشطرنج.
إيزابيل التي رُشحت لجائزة نوبل العالمية وذاع صيتها من خلال عدة أعمال روائية، منها: «بيت الأرواح»، تُعدّ صوتاً أنثوياً صارخاً في الأدب اللاتيني، بالأخص فيما تميزت به كتاباتها بميلها إلى ثيمات أقرب للواقعية السحرية، وقد وصفت مراراً تأثرها بأعمال الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، والشاعر التشيلي بابلو نيرودا، إلا أن هذا التأثر ظهر مؤخراً في عملها الروائي الأخير، بدءاً من عنوانه: «بتلة البحر الطويلة»، الذي تم اقتباسه من إحدى قصائد الشاعر نيرودا، كتوصيف لتشيلي، ومن ثم تتوغل إيزابيل في وصف دور الشاعر والدبلوماسي التشيلي بابلو نيرودا الفعلي في تهريب ألفي لاجئ إسباني عبر متن سفينة «ويني بيج»، ويظهر هنا كإحدى الشخصيات المحتبسة في متن روايتها تارة ويظهر الاستشهاد بعدد من أبيات شعره في بداية كل فصل من العمل الروائي تارة أخرى، وتتطرق أبيات شعره إلى الدموية التي جرت أثناء الحروب، وألم المنفى والانتماء للوطن والتطلع إلى مستقبل أفضل، مثل اشتراطه حين يجري مقابلة لاختيار الطبيب دالماو وجود حس فني أو ما يمكن الاستفادة منه في تشيلي، فيختار زوجته روزر لمهاراتها كعازفة بيانو، ولتقدير نيرودا للفن، ورغبته في انتشاره في تشيلي.
ورغم أن الرواية تحمل بين طياتها أحداثاً تاريخية مكثفة، وتتطرق لشخصيات عاصرت قارتين تجلى فيهما صراع وحرب أهلية من جهة وانقلاب من جهة أخرى في دولتين، في ملحمة تتجاوز ستين عاماً. فإن القارئ ينشغل في الغوص في ثنايا الشخصيات وصراعها الداخلي والمقاومة في ظل المتغيرات واللااستقرار، ابتداء بإسبانيا وانتهاء بأميركا اللاتينية، حيث ملحمة الحب تطغى على كل شيء، وصراع البقاء يُعدّ الشغل الشاغل للجميع، ومن ثم يصعب الوقوع في ثقل الأحداث السياسية التي تذوب في ثنايا الشخصيات التي تعاني من التهجير والمعاناة، في ظل الحروب الأهلية والصراعات وشظف العيش، وما يظهر أشبه بتكرار المآسي والتشرذم، فما حدث في إسبانيا يتكرر في تشيلي فيما بعد بصورة أخرى من خلال الانقلاب العسكري.
إلا أن ذلك لا يمنع من ظهور حب عقلاني صامت ما بين فيكتور وروزر اللذين يمثلان عائلة مثقفة من الطبقة الوسطى، يتطور ما بينهما ببطء ولا يتوقف عند عمر معين؛ إذ يزهو حين يشعر أحدهما بحاجته للآخر وعدم قدرته على مفارقته، وذلك رغم المغامرات وقصص الحب الوقتية التي عاشها كل واحد منهما دون الآخر حتى انحسرت.
جمال الرواية يتجلى في التعمق في الصراع الوجودي للشخصيات المحورية دون السقوط في هوة السرد التاريخي، حيث يتعلق القارئ بشخصية فيكتور دالماو وما يعانيه في حياته من اضطهاد وتشتت أسري وعدم استقرار عاطفي وعملي ومقاومته المستمرة في معترك الحياة حتى أرذل العمر، حتى يصل مع زوجه إلى قناعة بأن الانتماء إلى الوطن ليس بالضرورة حيث وُلدا وترعرعا، حيث يشعران لاحقاً بالانتماء لتشيلي، وهنا يظهر مجدداً إسقاط الروائية لتجاربها الشخصية، وذلك من خلال ملحمة عائلية تمتد لستين عاماً وعلى مر عدة أجيال.



على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

فلوبير
فلوبير
TT

على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

فلوبير
فلوبير

بمناسبة مرور 200 عام على ولادة فلوبير عام 1821، نظم معرضان فوتوغرافيان تحولا إلى معرضين دائمين في المتحف المخصص له في مدينة «روان» - مقاطعة روماندي - حيث ولد الكاتب في 1821 ورحل في 1880. وقد احتوى المتحف على جميع مقتنياته. كان المعرض الأول بعنوان «رحلة إلى بلاد إيما، عبر الدروب والأحلام» بعدسة «إيريك بينار»، في قلعة «مارتانفيل» (على بُعد 4 كم من «ري»). والثاني «هدوء، تصوير! في ديكورات مدام بوفاري»، وهو مسارٌ بصريّ يتتبّع مواقع تصوير أفلام «رينوار» و«شابرول» في «ليون - لا - فوريه».

ومن المعروف أن فلوبير قد استلهم معظم شخصيات رواياته من منطقة روماندي، الواقعة شمال غربي فرنسا، واستمد ديكوراتها من طبيعة أراضي المنطقة. وكانت عائلة «فلوبير» من جهة الأم قد ضربت بجذورها في أراضي «بونت - ليفيك»، منذ منتصف القرن الثامن عشر، وهي الأرض ذاتها التي شهدت ولادة أمه «كارولين» عام 1793.

وقد حفرت تلك المنطقة، وتحديداً إقليم «أوج»، في وجدان الكاتب أثمن ذكريات طفولته؛ حيث عاش أياماً تعبق بالبراءة والصفاء في مزرعة «جيفوس» الريفية التي اقتناها والده عام 1829.

وقبيل بضعة أشهر من وضع النقطة الأخيرة لقصته القصيرة «قلبٌ بسيط» في صيف 1876، اشتاقت روحه المتعبة لزيارة بلدة والدته الحبيبة التي رحلت عن عالمه قبل أربع سنوات. هناك، اعتصره حنينٌ طاغٍ، فانسابت مشاعره في نصه، وسمح لعاطفته - على غير عادته الصارمة - أن تتحدث وتفيض. فجاءت كلماته مشبّعةً بندى تلك الأيام الخوالي، تحمل في طيّاتها أثراً لا يُمحى من لوعة الفقد وصدق المحبة.

تمثال فلوبير

لقد ارتبط فلوبير بمنطقة نورماندي ارتباط الابن البار بأمه؛ فلم تكن مجرد مسقط رأسه، بل الملاذ الروحي الذي صاغ وجدانه. فضّل صاحب «مدام بوفاري» العزلة في صومعته النورماندية بعيداً عن صخب باريس، ليُبدع في سكونها أعظم أعماله. واتخذ من تضاريسها الجيولوجية مسرحاً لروايته «بوفار وبيكوشيه». وهكذا ظلت نورماندي الرحم الحقيقية لعبقريته، ولم يخرج عن جلبابها إلا نادراً حين ارتحل شرقاً لكتابة «سالامبو»، لتبقى البصمة النورماندية هي الأعمق في هويته الأدبية.

وكان فلوبير قد أجرى، في خريف عام 1877، رحلة استكشافية توثيقية في «نورماندي السفلى»، حيث أسرته التكوينات الجيولوجية الفريدة المنبثقة من العصر الجوراسي، بمنحدراتها الصخرية الشاهقة وغاباتها العتيقة. وقد اتخذ فلوبير من هذه التضاريس مسرحاً لمشروعه الروائي الساخر، جاعلاً منها ميداناً لبطليْه «بوفار» و«بيكوشيه»؛ وهما رفيقان مهووسان باكتساب المعارف. وهكذا، قادهما الكاتب عبر منحدرات وأودية المنطقة لتصوير هوسهما العبثي والمحموم بعلوم الجيولوجيا والأحافير في قالبٍ من السخرية السوداء.

وفي هذه المنطقة، وفي عطلة صيفية بقرية «تروفيل» خلال ثلاثينات القرن التاسع عشر، اختبر الفتى «غوستاف فلوبير» الحب من النظرة الأولى؛ حين أسرت قلبه السيدة الناضجة «إليزا شليزنغر»، لتصبح منذ تلك اللحظة أيقونته الأنثوية ومثله الأعلى للجمال. وقد انعكس هذا العشق العميق لاحقاً في روايته «التربية العاطفية»؛ حيث استلهم شخصية «السيدة أرنو» من طيف حبيبته، بينما جعل بطل الرواية «فريديريك» مرآةً لروحه، ليُخلّد من خلاله لوعة حبه الصبوي وحنينه الدفين.

فاجعة تلهم مدام بوفاري

في عام 1848، شهدت قرية «ري» الفرنسية فاجعةً واقعية حين أنهت سيدة تُدعى «دلفين ديلامار» حياتها بتجرع الزرنيخ، هرباً من وطأة الديون الخانقة وصدمة تخلي عشيقها عنها، لتنطوي مأساتها في صمتٍ موحش. إلا أن هذه الحادثة المحلية العابرة أصبحت الشرارة التي ألهمت غوستاف فلوبير لإبداع تحفته الخالدة. فقد استلهم من تلك الواقعة شخصية «إيما بوفاري» المتمردة، وحوّل قرية «ري» إلى بلدة «يونفيل - لاباي» الخيالية، مُخلّداً بذلك فاجعةً منسية لتغدو أيقونةً أبدية في تاريخ الأدب.

كتب «فيليب دوفور»، أستاذ أدب القرن التاسع عشر بجامعة «تور»، عن فلوبير بعد قراءته «مدام بوفاري»:

«لقد صاغ غوستاف فلوبير جوهر أسلوبه في (مدام بوفاري)، ليثبت عليه كقانونٍ لا يتبدّل. لقد تخلّى عن التحليقات العاطفية المفرطة للرومانسية، ليغوص في تيار الواقعية الجارف. ولِكي يعكس وجه الواقع العاري، كان يصفّي كتاباته بلا هوادة، ويُقصيها عن ذاته. الكاتبُ في نظره ليس مجرّد شاعر، بل هو حِرفيٌّ يتألّم في محراب الكلمة، لا يتردد لحظةً في التضحية بمشاهدَ قد تبدو خلّابة لكنها لا تخدم البناء المعماري للنص. وتكمن حداثته أيضاً في شحّ الأحداث داخل رواياتٍ يبدو فيها العالم الماديّ متسيّداً على خبايا النفس البشرية. ورغم اعتناقه لمبدأ «الفن للفن» كمثلٍ أعلى للجمال، فإن لفلوبير رؤيته الفلسفية العميقة للوجود: فهو يشهر سلاح سخريته اللاذعة في وجه «التقدم» المزعوم الذي كانت تعبده الطبقة البرجوازية، ويحتقر الرداءة، راسماً صورةً لعالمٍ قاسٍ، بل دنيء أحياناً، لا تخترقه سوى ومضاتٍ عابرة من الحنان تجاه البائسين، ولحظاتٍ نادرة من الإنسانية والجمال الخالص».

عشق «فلوبير» الغوص في بحار المفردات التقنية الدقيقة، صاقلاً قلمه الذي شبّهه أحد النقّاد بـ«مبضع الجرّاح»، لِما يتمتع به من دقةٍ تشريحيةٍ لا تُخطئ الهدف. يُقاطع التدفق السردي في نصوصه بوصفٍ خالص، وبإحساساتٍ تُنقل بلمساتٍ انطباعيةٍ سريعة للألوان، والضوء، وكثيراً ما تكون للأصوات. ولا ريب أن هذا الجوّ المشحون يسهم - بشكل خفيّ - في رسم ملامح البناء النفسي للشخصيات وصياغة الحبكة؛ فتأثير تلك الانعكاسات الضوئية على وجه «إيما» لا يملك إلا أن يسحر القارئ، كما سحر «شارل» الذي كان يتأمّلها. يفيض أسلوب «فلوبير» باستخدام الفعل الماضي الناقص المستمر (L›imparfait)، ليؤكد رتابة الزمن، وملل العيش، وثقل الديمومة الخاضعة لأعراف وتقاليد الأرياف الصارمة. من أهم ابتكارات «فلوبير» التي تجاوز بها أقرانه، هو تبنّيه لموقف الراوي المُتجرّد من ذاته، الذي يقف على مسافةٍ حيادية من الحدث. إنه لا يقحم نفسه في استطراداتٍ شخصية، بل يكتفي بالمراقبة «السريرية» المحايدة لما يدور أمام عينيه. وعلى النقيض من «هوجو» أو «بلزاك»، فهو لا يعظ، ولا يُنصّب نفسه قاضياً أخلاقياً على شخصياته. حقاً، في عالم «فلوبير»، لا أحد يدرك يقيناً ما الكلمة الأخيرة للكاتب!

يتسم أسلوب الكاتب بالدقة والإيقاع المضبوط عبر توظيف تقنية التجاور والاستخدام الذكي لعلامات الترقيم لخلق مساحات للتأمل. وتبرز في نصوصه روح الشاعر المهووس بالكمال الموسيقي، والذي يبحث بضراوة عن «الكلمة الأصدق»، متجنباً بشدة أي تكرار يُفقد اللغة بريقها وجمالها. إلى جانب لغته المتفردة، يمتلك الكاتب رؤية سينمائية سابقة لأوانها؛ حيث يعتمد على «لقطات مقربة» ترصد أدق التفاصيل لتعرية الخبايا النفسية لشخصياته. وتتجلى عبقريته هنا في قدرته على رسم المفارقات الإنسانية الصارخة بصرياً ونفسياً؛ كالتناقض بين براءة ونعومة فتاة برجوازية، والأيادي الخشنة لخادمة أفنت عمرها في الشقاء.

من رماد المحاكمة إلى خلود قرطاج

في خريف عام 1857، وعقب خروجه منهكاً من محاكمة روايته «مدام بوفاري»، قرر غوستاف فلوبير هجر الواقعية الحديثة واللجوء إلى سحر الشرق والعصور القديمة. وقع اختياره على مدينة قرطاج لتخليد «حرب المرتزقة» التي دارت في القرن الثالث قبل الميلاد. ولأجل ذلك، سافر إلى تونس عام 1858 ليتشرب روح المكان وعبق ثقافته، مبدياً اهتماماً بالغاً بتفاصيل المشهد رغم أنه لم يجد حينها سوى أرضٍ جرداء وقناة مياه رومانية.

استغرق فلوبير خمس سنوات من البحث المضني في الآثار والمخطوطات ليبدع رائعته «سالامبو». لقد نسج ميثولوجيا كاملة حول كاهنة القمر «سالامبو» وزعيم المرتزقة «ماثو»، مستخدماً لغةً بصرية مرهفة وأسلوباً سينمائياً يضج بالعنف المكثف. والمثير للدهشة أن الحفريات الأثرية الدولية التي أُجريت في أواخر القرن العشرين أثبتت دقة تفاصيله التاريخية المذهلة، والتي بدت للوهلة الأولى وكأنها محض خيال جامح.

ورغم الاستقبال المتناقض الذي حظيت به الرواية عند صدورها عام 1862، حيث هاجمها البعض ودافع عنها بشراسة عمالقة الأدب كـ«فيكتور هوجو»، فإنها تحولت سريعاً إلى أيقونة فنية ألهمت الأجيال. واليوم، يسعى المعرض المتنقل «سالامبو: غضب! شغف! أفيال!» لرد الاعتبار لهذه التحفة وإعادتها للواجهة، عبر عرض 350 قطعة فنية وأثرية تمزج بين أسرار كتابتها، والإبداعات البصرية المستلهمة منها، واللقى الأثرية الحقيقية لقرطاج، في رحلة بصرية تدعو للتأمل العميق.

هكذا يتم الربط بين أعمال الكاتب الروائية والمعارض التي تُقام لغرض فهم أوسع لإبداع الكاتب. فيما عدا رواية «سالامبو» التي استوحاها من قرطاج تونس، فإن أغلب رواياته استقاها، كما ذكرنا، من موطنه الأصلي منطقة النورماندي، بتراثها التاريخي العريق؛ حيث تضم دير مون سان ميشيل الأثري والمذهل المبني على جزيرة صخرية. كما تحمل شواطئها، مثل شاطئ أوماها، ذكرى عسكرية خالدة لكونها مسرحاً لعملية إنزال النورماندي التاريخية لتحرير أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.

إلى جانب ثقلها التاريخي، تُعد المنطقة مهداً للفن الانطباعي، وتبرز فيها قرية جيفرني التي تحتضن منزل وحدائق الفنان «كلود مونيه»، والتي ألهمته لرسم أشهر لوحاته. وتتكامل هذه الروح الفنية مع طبيعة نورماندي الريفية الخلابة ومنحدراتها الطباشيرية البيضاء الساحرة، مثل منحدرات «إيتريتا» المطلة على المحيط الأطلسي. أما على صعيد فن الطهي، فتقدم نورماندي تجربة زراعية فريدة؛ فهي تشتهر بمنتجات التفاح كعصير السيدر ومشروب الكالفادوس، وأفخر أنواع الأجبان الفرنسية كجبنة كامامبير - ذات الرائحة القوية - فضلاً عن لحوم الضأن المتميزة، لتشكل بذلك وجهة استثنائية تجمع بين عبق التاريخ، وروعة الفن والطبيعة، وأصالة المذاق الفرنسي. ثم تتجلى روائع ابنها غوستاف فلوبير لتضفي على المشهد رونقاً آخر من الأدب الرفيع، عبر أسلوبٍ متفردٍ شكّل ثورةً حقيقيةً في أروقة الأدب الفرنسي.


تاريخ قبرص من خلال المشروبات والأعشاب

تاريخ قبرص من خلال المشروبات والأعشاب
TT

تاريخ قبرص من خلال المشروبات والأعشاب

تاريخ قبرص من خلال المشروبات والأعشاب

عندما شُيّد فندق «ليدرا بالاس» في خمسينات القرن العشرين لم يكن مجرد مبنى، بل كان رمزاً لدخول قبرص إلى العالم الحديث، تلك هي الفكرة الأساسية التي تنطلق منها الكاتبة كونستانتيا سوتيريو في روايتها المشوقة «براندي لاذع» الصادرة حديثاً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عباس عبد العزيز.

في هذا النص القصير المكثف، يجد القارئ نفسه إزاء لوحة إنسانية لأحلام وإخفاقات القرن العشرين المضطرب عبر ساكني الفندق غريبي الأطوار، فمنهم من يحاول أن يغرق أحزانه في كؤوس من الخمر مقنعة على شكل شاي. وهناك من يزرع سراً وردة من قريته بين حدائق الفندق الإنجليزية ليصنع منها شاي الورد، ومنهم الذي يواجه حر الصيف وأكاذيب السياسة بكوب من عصير الليمون. جميعهم شخصيات تتحرك على هامش التاريخ في عمل أدبي يقدم صورة حميمية، شديدة الخصوصية، لقصص هؤلاء الأشخاص الذين كانوا مشهورين يوماً قبل أن يصبحوا صفحة مطوية من الماضي.

وفي تقديمه للعمل، يشير المترجم محمد عباس عبد العزيز إلى أن النص يتقاطع فيه الفن السردي مع الذاكرة السياسية والتفاصيل اليومية عبر الأسئلة الكبرى عن الهوية والانتماء والانقسام، حيث يتحول فندق ليدرا بالاس الواقع في قلب نيقوسيا من مجرد معلم عمراني إلى مركز سردي نابض يختزن في غرفه أسراراً وأصواتاً وجراحاً تتقاطع مع تاريخ قبرص الحديث.

تُشيد الرواية على هيكل روائي تتوالى فيه الحكايات كغرف متجاورة، حيث يشكل كل فصل غرفة مستقلة تؤوي شخصيات مختلفة وتقدم من منظورها الخاص جزءاً من الصورة العامة التي لا تكتمل إلا بتجميع أجزائها المتناثرة، من خلال أسلوب مكثف مقتصد في اللغة لكنه غني بالرمزية والانفعال المكتوم، مما يمنح النص توتراً سردياً داخلياً ويجعل القراءة تجربة شعورية مركبة.

من أبرز الجوانب الفنية للعمل اعتماد الكاتبة على الرموز الحسية من المشروبات والأعشاب مثل السوماتا والزيفتنيا والكمنداريا إلى الشاي بالنعناع وماء الورد، وتحمّلها دلالات تاريخية ونفسية فتغدو كل نكهة امتداداً لذاكرة وكل وصفة محاولة للشفاء، وبهذا تتحول التفاصيل الحياتية العابرة إلى إشارات دقيقة على الجراح العميقة التي لم تندمل وإلى طقوس داخلية تحفظ ما تبقى من هوية مهددة.

لا تكتب سوتيريو التاريخ نفسه، لكنها تروي انعكاساته على الأفراد عبر شخصيات مهمشة، رجل أو امرأة أو لاجئ أو تركي أو يوناني أو شاعر، أو خادمة تتناوب في السرد حاملة وجهات نظر متقاطعة تنبذ الثنائية الجامدة وتعيد الاعتبار إلى التعدد والاختلاف، من دون خطاب مباشر أو شحنة آيديولوجية ظاهرة بل من خلال سرد متقشف.

وُلدت كونستانتيا سوتيريو عام 1975 وتعد من أهم الأصوات الأدبية في قبرص المعاصرة، حيث قدمت عدداً من الروايات والمجموعات القصصية التي لاقت اهتماماً نقدياً واسعاً من أبرزها «عائشة تذهب في عطلة» و«البلاد المرة»، إلى جانب أعمال أخرى للكبار والأطفال.

حازت عام 2019 على «جائزة الكومونولث» العالمية للقصة القصيرة عن «طقوس الموت» في إنجاز لافت، كونها أول كاتبة تفوز بالجائزة عن عمل مترجم. تركز كتاباتها بشكل خاص على التجربة الإنسانية في قبرص وقضايا الذاكرة والهوية والانقسام السياسي مع اهتمام واضح بأصوات النساء والهامش الإنساني الذي غالباً ما يغفله التاريخ الرسمي.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«من بين جميع الأجانب الذين التقتهم في الفندق لم يبق في ذاكرتها سوى يوري جاجرين، لا الأميرة مارغريت ولا الممثلة أليكي فويوكلاكي، ولا حتى إليزابيث تايلور. وحده يوري جاجرين ظل محفوراً في ذهنها لأنه ذات يوم غادر الأرض وسافر إلى السماوات ورأى الأرض من بعيد والقمر عن قرب.

عندما تعود إلى قريتها خلال إجازتها القصيرة لزيارة عائلتها يكون اهتمامهم بالفندق وفخامته، لا أحد يستطيع تصديق أن كل غرفة فيها حمام خاص وأن صنابير الماء توفر الماء الساخن والبارد وأن النزلاء الأجانب يستطيعون الاستحمام يومياً إن أرادوا.

يتحدثون بدهشة عن قاعة الرقص وصالون تصفيف الشعر وملعب التنس، «ما هو التنس؟»، يتساءل الجميع لكنهم في الحقيقة يريدون أن يسمعوا عن الغرفة ذات الطراز الفينيسيي وقاعة الرقص الكبرى ذات الأرضية المصنوعة من خشب البلوط، عن الثريات المستوردة من إيطاليا وعن الرخام القادم من اليونان، يريدون أن يعرفوا عن السهرات الراقصة وفساتين النساء الأنيقة وتسريحات الشعر المزخرفة والمشروبات والمأكولات الفاخرة.

تحكي لهم بلا كلل عن الغرف الواسعة والأضواء البراقة والأرضيات الرخامية والنوافذ العالية التي تبدو من بعيد كأزهار اللافندر.

تجيب عن أسئلة أهل القرية بصبر لا يصدق، الجميع هناك يريد أن يعرف عن الفندق الكبير وعن الحياة بداخله، لكن لم يسألها أحد عن جاجرين. لا أحد في القرية يهتم بأنه سافر من الأرض إلى النجوم البعيدة أو أنه رأى القمر عن قرب، ربما لأنهم في لياليهم الهادئة يرون النجوم بوضوح ويمكنهم رؤية القمر عن قرب».


العوام يطالعون بلا قصدية... والخواص يقرأون بقصدية

إمبرتو إيكو
إمبرتو إيكو
TT

العوام يطالعون بلا قصدية... والخواص يقرأون بقصدية

إمبرتو إيكو
إمبرتو إيكو

كثيراً ما يتردد في اللقاءات والحوارات الثقافية سؤال القراءة من ناحية العزوف عنها، وهجران الكتاب الورقي. وعادة ما يُلقى باللائمة في الإجابة عن مثل هذا السؤال على وسائل التواصل الافتراضي (السوشيال ميديا)، وذلك بوصف التكنولوجيا غولاً، والناس ضحايا لها. وتستدعي هذه الظاهرة في فهم معنى القراءة أن نتساءل:

> هل يمكن لفعل القراءة أن يكون بهذا الشمول بحيث إن أي عملية إمرار للبصر على الكلمات هي عملية قرائية بالتمام والكمال؟

> أليست ثمة مسافة فكرية بين «قصدية (Intentionality)» فعل الإمرار البصري ولا قصديته. ومن ثم يكون الفعل «قرأ» غير الفعل «طالع»؟

إن هذه التساؤلات وغيرها هي ما تثيره مقالة خالد الغنامي الموسومة: «هل لا تزال الناس تقرأ؟: كمية القراءة وطبيعتها»، والمنشورة في «ثقافية» جريدة «الشرق الأوسط» بتاريخ 12 /7 /2026. وهي تدور حول محور رئيسي يضعنا أمام مقاربات تُمثل جوهر ما أراد الغنّامي طرحه فيها. ويتمثل هذا المحور في وجهة النظر الإيجابية لفعل القراءة على أساس «أن الإنسان لم يقرأ في تاريخه كما يقرأ اليوم»، و«أن القراءة تغيّرت أكثر مما تراجعت، وأن الوسائط الرقمية غيّرت مفهوم القراءة».

وعلى الرغم من هذا التفاؤل المفرط، فإن الغنامي يعترف بأنه لا قدرة للناس على المكوث مع فكرة واحدة أو الصبر في زمن متسارع الإيقاع، وأن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم أو عمقه.

ولنعد إلى معجم «لسان العرب» لابن منظور، الجزء الـ12، وفيه نجد أن للفعل قرأ دلالة الجمع والضم «فكل شيء جمعته فقد قرأته»... و«الاقتراء افتعال من القراءة...»، ويعني قولهم: أقرئ فلاناً السلام أن يحمله على أن يقرأ السلام ويرده. بينما نجد في الجزء الـ9 من لسان العرب أن للفعل طالع دلالة الاطلاع على الأخبار، والطلعة الرؤية، يقال: طالعته طلاعة ومطالعة.

من هنا تأتي أهمية تحديد مفهوم القراءة وتمييزه عن مفهوم المطالعة، كي يتأطر البُعد المعرفي لأي فعل من أفعال الإبصار والتلقي والاستجابة. فتكون القراءة ممارسة محددة بسمات معينة تجعلها غير المطالعة؛ فمن يُطالع شاشة إلكترونية أو يتصفح موقعاً هنا أو هناك أو كتاباً إلكترونياً أو ورقياً إنما يتلقى المعلومات بلا قصدية واعية، بعكس ذلك الذي يقرأ كي يتلقّى المعلومات، ويجمعها بقصدية تفكيكها وإعادة إنتاجها. وهذا بالضبط ما يجعل فعل القراءة مرهوناً بالكتابة لا محالة.

وما لا شك فيه أن عوام الناس من مستخدمي الوسائط الرقمية ووسائل التواصل الافتراضية هم مطالعون بالضرورة، بينما خواص الناس من الكُتّاب والنقاد والمفكرين، ومعهم هواة القراءة -على اختلاف مستوياتهم وتنوع مداركهم- هم قرّاء بالضرورة لوجود مقصدية القراءة/الكتابة. وبذلك يكون الفارق بين المطالعة والقراءة جوهرياً؛ فالأولى تكتفي بنفسها في التوصيل، والتفاعل العابر والسطحي، في حين الثانية مندمجة بالكتابة لا محالة. وما من تحسين لفعل القراءة إلا بتوسيع المدارك بالكتابة التي بها يختبر القراء كيفية تطور مفرداتهم، وطبيعة عمل ذاكرتهم في استقبال المعلومات وضم بعضها إلى بعض.

ولا فرق في ذلك بين أن يكون المقروء ورقياً أو إلكترونياً، بل إن الأخير هو الذي سيفرض نفسه لسهولة الحصول عليه. وهذا يعني أن تراجع مبيعات الكتب الورقية في الأسواق والمعارض المحلية والدولية ليس بسبب هجران القراءة، وإنما هي سلطة الكتاب الإلكتروني بوصفه وسيلة متاحة للتواصل الثقافي، وتعميق الوعي.

وبناءً على هذه الصورة المستقبلية ستظل القراءة فعلاً مخصوصاً بقصدية الكتابة ضمن جدلية العلاقة الأنطولوجية والمعرفية بين كون القارئ يتلقى النصوص ويهضمها وكونه كاتباً يُعيد إنتاج ما قرأه. فالكتابة شرط أساسي في تأكيد قصدية الوعي بالمادة المقروءة. والكاتب لا يبتكر النصوص من عندياته، ومن ثم هو ملزم بأن يكون قارئاً ذا مدارك معرفية ونفسية ومرجعيات ثقافية تؤهله لأن يهندس فعل القراءة بصورة تتماشى وطبيعة ما يتمتع به من قدرات وإمكانات. وإذا عددنا القراءة أثراً؛ فإن الكتابة هي اقتفاء الأثر وإعادة إنتاجه عبر شفرات جمالية ولغوية وفكرية تخضع لسلطات عدة، منها العلامة، والكلام، والمعنى، وأفق التوقع.

ولا يفوتني أن أشير في هذا الصدد إلى تنظيرات أومبرتو إيكو حول النص المفتوح الذي يمنح قارئه فرصاً لأن يتعدد فعل الكتابة لديه بوصفه شريكاً في إنتاج المعنى؛ تارة بممارسة فعل الشرح والتفسير، وتارة أخرى بممارسة فعل التأويل. ووفقاً لهذه القصدية في تعالق فعلي القراءة والكتابة تتضح مستويات كل قارئ، وتتحدد درجة المساهمة القرائية الفاعلة في الوعي بالتلقي المبني على قصدية الإنتاج المعرفي الخلّاق.