العلاقات الهندية ـ الماليزية تعود إلى {مسارها الصحيح} بعد استقالة مهاتير

صادرات زيت النخيل كانت محور نزاع تجاري بين الهند وماليزيا (رويترز)
صادرات زيت النخيل كانت محور نزاع تجاري بين الهند وماليزيا (رويترز)
TT

العلاقات الهندية ـ الماليزية تعود إلى {مسارها الصحيح} بعد استقالة مهاتير

صادرات زيت النخيل كانت محور نزاع تجاري بين الهند وماليزيا (رويترز)
صادرات زيت النخيل كانت محور نزاع تجاري بين الهند وماليزيا (رويترز)

تحولت العلاقات المشوبة بالتوتر بين الهند وماليزيا إلى مسارها الصحيح إثر استقالة رئيس الوزراء الماليزي الأسبق مهاتير محمد وصعود محيي الدين بن حاجي ياسين مكانه.
وبدأت العلاقات بين البلدين تشهد قدرا من التدهور في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي. وبينما كانت الهند ما تزال تواجه عاصفة داخلية شديدة بسبب إلغاء المادة 370 من الدستور الهندي الخاصة بإقليم جامو وكشمير، زعم مهاتير بن محمد وقتذاك بأن الهند غزت واحتلت الإقليم، وطالب نيودلهي بالعمل مع باكستان على تسوية تلك القضية. كما علق على قانون تعديل المواطنة الهندي، الأمر الذي انعكس سلبا على العلاقات بين البلدين.
وجاء الرد الهندي على الهجوم الدبلوماسي الماليزي هادئا وغير مباشر، والذي ظل من أبرز ما يميز الدبلوماسية الهندية، وأصبح الانتقام بالوسائل الاقتصادية هو القاعدة المعمول بها في خضم النزاعات الدبلوماسية على نحو متزايد. وأوقفت الهند صادرات زيت النخيل من ماليزيا، مما جعل المستوردين الهنود يضطرون إلى الحصول على تصريح حكومي قبل جلب كل شحنة منه إلى البلاد. وكانت الهند أكبر مستورد لهذه المادة، وكان تأثير هذه الخطوة على ماليزيا كبيرا للغاية.

الدبلوماسية الانتقامية الهندية الهادئة
كانت تلك هي المرة الأولى التي تتبنى فيها الحكومة الهندية سياسات خارجية انتقامية مع استخدام قوة أسواقها الضخمة. وقال المحلل الهندي نيرانجان مارجانيان: «إن استراتيجية مودي في الاستعانة بسلاح المقاطعة الصامتة هو أشد إيلاما، ناهيكم عن كونها وسيلة أكثر دهاء من سياسات مهاتير محمد. ونظرا لأن المقاطعة الهندية على واردات النخيل الخام من ماليزيا ليست رسمية، فلم تتمكن الحكومة الماليزية من التقدم بشكاوى رسمية بشأنها إلى أي جهة كانت».
وعلى نحو مماثل، تعمدت الهند اتخاذ سلسلة من ردود الفعل المدروسة إزاء الروايات الاستفزازية من جانب تركيا ضد الهند. وذلك عندما أثار رجب طيب إردوغان قضية كشمير في الجمعية العامة للأمم المتحدة، رد رئيس الوزراء ناريندرا مودي بعقد اجتماعات مع الرئيس القبرصي، ورئيس وزراء أرمينيا، واليونان على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولدى كل من هذه البلدان علاقات شديدة التوتر ترقى لمستوى النزاعات مع تركيا. وفي الأثناء ذاتها، عززت الحكومة الهندية من علاقاتها الثنائية مع أرمينيا، حيث أبرمت صفقة دفاعية حديثة مع أرمينيا بقيمة 40 مليون دولار، وبموجب الصفقة الجديدة تزود الهند أرمينيا بأربعة أنظمة رادار لتحديد الأسلحة المضادة.
كما ألغى رئيس الوزراء الهندي زيارته المرتقبة إلى أنقرة. وخفضت نيودلهي صادراتها الدفاعية إلى تركيا، وقلصت كذلك من الواردات بين البلدين، مع إلغاء عقود البناء مع الشركات التركية. وفي الآونة الأخيرة، عندما أثار الرئيس التركي قضية كشمير مرة أخرى خلال زيارته إلى باكستان، طالبت الهند من خلال المبعوث التركي إلى الهند أنه يجب على تركيا ألا تتدخل في الشؤون الداخلية الهندية.
وكشفت مصادر مطلعة على مجريات الأحداث أن مودي تخير معاقبة مهاتير بن محمد، بما يلحق المزيد من الأضرار. وخسر نجيب عبد الرزاق – سلف مهاتير محمد، في الانتخابات العامة في مايو (أيار) 2018 إلى حد كبير بسبب معاناة مستوطني فيلدا بسبب انخفاض أسعار زيت النخيل. وعلى خلفية كل ذلك، وصلت العلاقات الثنائية مع ماليزيا إلى طريق مسدود.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، كانت العلاقات بين الهند وماليزيا على مسار التصاعد خلال السنوات الأخيرة رغم الاختلافات العارضة التي برزت على السطح بشأن قضايا مثل التجارة، حيث ارتقت العلاقات إلى مستوى الشراكة المعززة منذ عام 2015 في ظل سياسة التوجه شرقا التي اعتمدها رئيس الوزراء الهندي مع رئيس الوزراء الماليزي الأسبق نجيب عبد الرزاق.
لكن بعد ذلك، جاءت حكومة حزب باكاتان هارابان إلى السلطة في انتخابات مفاجئة في مايو (أيار) من عام 2018.
ومع تطورات السياسة الخارجية في ظل عودة مهاتير محمد، 94 عاما. واختيار مهاتير محمد التهدئة حيال الهند والامتناع عن إصدار أي بيانات رسمية ضد نيودلهي. لكن كانت هناك مؤشرات على ظهور خلافات في بعض جوانب العلاقات الماليزية الهندية. بما في ذلك زيادة الترابط مع باكستان. ثم وقعت بعد ذلك مناوشات أخرى، من بينها رفض تسليم الداعية الإسلامي المتشدد ذاكر نايك. وكان الداعية البالغ من العمر 53 عاما قد غادر الهند في عام 2016. وانتقل للعيش في ماليزيا، حيث نال حق الإقامة الدائمة من قبل حكومة نجيب عبد الرزاق. والداعية مطلوب لدى السلطات الهندية منذ عام 2016 باتهامات تتعلق بغسل الأموال، والتحريض على التطرف من خلال نشر خطابات الكراهية. ورغم التأكيد الهندي مرارا وتكرارا أنهم أثاروا مسألة تسليم ذلك الداعية مع مهاتير محمد في اجتماعه مع مودي، إلا أن ماليزيا قد زعمت خلاف ذلك. وفي سبتمبر (أيلول) من عام 2019. قال رئيس الوزراء الماليزي أن ناريندرا مودي لم يطلب تسليم الداعية الهندي المتشدد، لكن الهند نفت تلك المزاعم جملة وتفصيلا، وقالت إن المسألة قد أثيرت حال اجتماع الزعيمين في روسيا عام 2018.

ما الذي يخبئه رئيس الوزراء الجديد للهند؟
من المبكر للغاية أن نتوقع أي شيء من محيي الدين الآن. ولكن، قال وزير السلع الجديد محمد خير الدين إن بلاده حددت شهرا كاملا لمحاولة تسوية النزاعات التجارية مع الهند بشأن صادرات زيت النخيل.
وأضاف في مؤتمر صحافي بعد الاجتماع الأول للحكومة «من بين أولى الخطوات التي تعتزم الحكومة الجديدة اتخاذها هي إعادة بناء العلاقات مع الهند، لا سيما فيما يتعلق بقضية زيت النخيل».
وأضاف الوزير الماليزي أنه يرغب في إرسال وفد إلى الهند في أقرب فرصة ممكنة بهدف محاولة تحسين العلاقات المتوترة بين البلدين، وقال «سوف نضع هذه المسألة على رأس جدول أعمال الوزارة في الفترة المقبلة ضمن إطار زمني لا يتجاوز الثلاثين يوما».
وفي الأثناء ذاتها، التقى المبعوث الهندي إلى ماليزيا، مريدول كومار، مع رئيس الوزراء الجديد محيي الدين ياسين، ووزير خارجيته هشام الدين حسين مؤخرا، فيما يعد أول اتصال ذي شأن بين الجانبين منذ تصريحات مهاتير محمد التي هبطت بالعلاقات إلى مستوى منخفض خلال العام الماضي.
وقال مسؤول هندي من المطلعين على مجريات الأمور إن نيودلهي حريصة للغاية على تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين، بما في ذلك استئناف تجارة زيت النخيل، شريطة أن تنأى ماليزيا بنفسها تماما عن التدخل في الشؤون الداخلية الهندية.
وأضاف المسؤول الهندي – الذي صرح مشترطا حجب هويته أن الهند يمكنها كذلك توجيه الدعوة الرسمية لرئيس الوزراء الماليزي الجديد لزيارة البلاد خلال العام الجاري.
قال المشرع الماليزي وي كا سيونغ، الذي يتوقع الحصول على منصب وزاري في الحكومة الجديدة، إن إصلاح العلاقات بين الهند وماليزيا من الأولويات الملحة نظرا لمعاناة منتجي زيت النخيل في البلاد بسبب الحظر الفعلي المفروض من جانب الهند على الواردات.
وأضاف لوكالة رويترز «هل يمكننا إعادة التفاوض؟ فهو أمر مهم بالنسبة للدولة وبالنسبة للشعب. وبما أننا حكومة جديدة، لنترك رئيس الوزراء والحكومة الجديدة التعامل مع الأمر. وما من شك أننا نعتز بالصداقة الوطيدة مع الهند».
وشهدت العلاقات الثنائية بين البلدين توترات شديدة للغاية لدرجة سخرية أحد نواب البرلمان الهندي – رافيندرا كيشور سينها – من حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم من رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد زاعما إصابته بقصور في المخ بسبب التدخلات في الشؤون الداخلية الهندية، وبسبب التصريحات المزيفة التي كان يصدرها ضد الهند بصفة مستمرة.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».