إدخال مساعدات إلى حي القدم بدمشق.. وإجماع المعارضة على فشل الاتفاقات المحلية

عضو في الائتلاف لـ(«الشرق الأوسط») : النظام انتزع اتفاقات بالحصار والتجويع

أطفال في مركز تعليمي ومساندة نفسية بريف دمشق بعد ان تدمرت غالبية المدارس في المنطقة (عابد دوماني أ. ف.ب)
أطفال في مركز تعليمي ومساندة نفسية بريف دمشق بعد ان تدمرت غالبية المدارس في المنطقة (عابد دوماني أ. ف.ب)
TT

إدخال مساعدات إلى حي القدم بدمشق.. وإجماع المعارضة على فشل الاتفاقات المحلية

أطفال في مركز تعليمي ومساندة نفسية بريف دمشق بعد ان تدمرت غالبية المدارس في المنطقة (عابد دوماني أ. ف.ب)
أطفال في مركز تعليمي ومساندة نفسية بريف دمشق بعد ان تدمرت غالبية المدارس في المنطقة (عابد دوماني أ. ف.ب)

ترفض المعارضة السورية التعويل على إدخال مساعدات إنسانية إلى حي القدم الدمشقي، أمس، بوصفها دليلا على نجاح الهدنة بين مقاتلي المعارضة والقوات الحكومية السورية، أو أنه يمكن الاستناد إليها لرسم ملامح نجاح مرتقب لخطة المبعوث الدولي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، للتوصل إلى «تجميد القتال في مدينة حلب»؛ إذ أجمعت مصادر المعارضة على أن الهدنة السابقة «استغل فيها نظام الرئيس السوري بشار الأسد، الوضع الإنساني للمناطق المحاضرة حول العاصمة لإجبار المعارضة على القبول بالتوصل إلى اتفاقات»، وأنه «لم يلتزم بتطبيقها».
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، أمس، أن سيارات تحمل موادا غذائية وإغاثية دخلت أحد أحياء جنوب دمشق بفضل اتفاق لوقف إطلاق النار بين المسؤولين المحليين الموالين للحكومة السورية وقوات المعارضة، مشيرا إلى أن «وقف إطلاق النار في حي القدم بجنوب دمشق تم التوصل إليه في أغسطس (آب) بعد أشهر من المفاوضات؛ مما مهد الطريق لدخول المساعدات اليوم».
لكن المعارضة لا ترى في إدخال المساعدات إلى حي القدم، وعودة بعض سكانه نهاية الشهر الماضي، تجربة ناجحة يمكن التأسيس عليها لنجاح تجارب مماثلة، وقال رئيس المجلس الوطني السابق وعضو الائتلاف، عبد الباسط سيدا، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهدنة في محيط العاصمة «وقعت نتيجة ظروف صعبة استغلها النظام، بعد استخدامه استراتيجية التجويع والحصار؛ مما سهل التوصل إلى حلول وقتية محلية»، مشيرا إلى أن «جزءا منها لم يستمر، لأن كل طرف لا يثق بالآخر، فضلا عن أن النظام يحاول دائما إعطاء الانطباع بأنه المتحكم بالأرض وبالمساعدات».
وأضاف: «انطلاقا من ذلك، تبدو خطة دي ميستورا (التي تهدف إلى التوصل لاتفاق يقضي بتجميد القتال في حلب)، ضبابية في غياب استراتيجية واضحة تبيّن كيف ستكون ملامح العملية السياسية بعده»، موضحا: «إننا على قناعة بأن الحل في سوريا يجب أن يكون سياسيا، لكن لم يتضح حتى الآن مصير الأسد ومعاونيه»، وقال: «ما لم تكن هناك استراتيجية واضحة تفسرّ الخطة التالية، وهي رحيل الأسد، فإن الخطة لن تكون موضع مناقشة ولن تحظى بموافقة من المعارضة».
وكان دي ميستورا وصف، أول من أمس، عمليات تجميد القتال في سوريا، بأنها «أفضل السبل لإنهاء الصراع على أساس المنطقة»، وقال إنه تلقى «إشارات إيجابية من المسؤولين السوريين في شأن مقترح للأمم المتحدة لإبرام هدنة في مدينة حلب في شمال البلاد».
وكان اتفاق أبرم بين قوات المعارضة في حي القدم ومحافظ دمشق وقائد قوات الدفاع الوطني وأعيان في الحي، في 20 أغسطس الماضي، وقال المرصد إن «عشرات السكان تمكنوا من دخول الحي في نهاية الشهر الماضي»، لكن الاتفاق، لم ينجح، بحسب ما أكد عضو مجلس قيادة الثورة في ريف دمشق، إسماعيل الداراني، لـ«الشرق الأوسط»، أن الجيش السوري الحر في حي القدم والعسالي «هدد بفسخ الهدنة، لأن النظام لم يلتزم بتطبيق بنودها»، وأوضح أن المعتقلين «لم يُفرج عنهم، كما أن النظام لم يعد ببناء البنى التحتية في الحي، ولم يعُد جميع السكان إلى الحي، وأن القدم تعرض لقصف مرارا، كان آخره وأعنفه قصفا مدفعيا تعرض له قبل أسبوعين». وكان الاتفاق قد قضى بوقف إطلاق النار والانسحاب الكامل للجيش من كل أراضي حي القدم وإعادة انتشار حواجز الجيش على مداخله فقط، كما نصّ على إطلاق سراح المعتقلين على أن يتولى الجيش السوري الحر مسؤولية تسيير أمور المنطقة في شكل كامل من دون تسليم السلاح.
وينسحب الفشل في نجاح الهدنة في حيي القدم والعسالي، على سائر المناطق التي توصل فيها الطرفان إلى هدنة في جنوب دمشق، والمناطق المحيطة بالعاصمة. ويرجع رئيس الرابطة السورية لحقوق الإنسان، عبد الكريم ريحاوي، هذا الواقع إلى أن المعارضة في تلك الأحياء «كانت مجبرة على القبول بها»، مشيرا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الثوار يلجأون للحل بهدف حماية الأهالي وإنقاذهم من الجوع والمرض».
ويستدل ريحاوي إلى فشل الهدنة، بتسليط الضوء على قضية مخيم اليرموك الذي قال إنه «دخل يومه الرابع والستين بلا ماء؛ حيث يعاقبه النظام بالعطش»، لافتا إلى أن انتهاكات النظام في المخيم «تتمثل في اعتقال الناشطين يوميا، خلال توزيع الحصص الغذائية، وكان أهمهم الناشطة الفلسطينية سميرة السهلي التي اعتقلت على حاجز على مدخل المخيم في يونيو (حزيران) الماضي، قبل أن تسلم جثتها قبل أيام بعد موتها تحت التعذيب».
ويرى ريحاوي أن النظام «غير جدي في الهدنة، ولا يلتزم بتطبيق بنودها، كما لا يفتح أي مجال في المستقبل أمام الشعب السوري لبناء الثقة في حال وجود تهدئة، وهو ما يدفع الثوار للتشبث بسلاحهم ومواقفهم».
ويستكمل النظام السوري في منطقة جنوب دمشق مساعيه لتنفيذ مصالحات في المنطقة، تهدف إلى تأمين عاصمته من منطقة الجنوب، وتقليص بؤر التوتر والمعارك حولها، وكان هذا المسار بدأ العام الماضي بالتوصل إلى اتفاق حول المعضمية جنوب دمشق، قبل أن يتوسع إلى مخيم اليرموك، ويمتد إلى شمال العاصمة في منطقتي برزة والقابون في الغوطة الشرقية المحاذيتين لأحياء العاصمة السورية من الشمال.
ويقول ريحاوي إن هذه الهدنة «غالبا ما تكون أقرب إلى الاستسلام، بعد تجويع الناس ومحاصرتهم، وخصوصا في المناطق ذات الاكتظاظ السكاني التي تغيب فيها مساحات زراعية تقوت المحاصرين، مما يعني أن الهدنة لا تقوم على أسس تسمح لها بالاستمرار»، مؤكدا أن النظام «لم يلتزم بالتعهدات واخترق الهدنة عن طريق الاعتقال أو عن طريق عدم الوفاء بالتعهدات بالإفراج عن المعتقلين، وما يعني أيضا أنها عمليات كسب للوقت واحتيال على البنود، وسرعان ما تعود الحالة إلى ما كانت عليه في السابق».
وكان الاتفاق في القدم، الذي وقع في شهر أغسطس الماضي، قضى بـ«إعادة الخدمات إلى الحيين وإصلاح البنى التحتية تمهيدا لعودة المدنيين»، و«فتح الطرقات الرئيسية مع وضع حواجز على الشارع العام»، و«السماح بعودة الأهالي بعد إصلاح الخدمات»، كما أوكل الاتفاق الجيش السوري الحر مهام «تسيير أمور المنطقة بشكل كامل دون تسليم سلاحه»، باستثناء السلاح الثقيل، كما قضى بـ«تقديم العلاج للجرحى مع إدخال عيادات متنقلة وإبقائها في الداخل»، و«تسوية أوضاع بعض الشبان في الحيين للوقوف على حواجز مشتركة في منطقة القدم غرب»، إضافة إلى أن يتولى الجيش السوري الحر «حماية منشآت الدولة وضمان عدم التعرض لموظفيها».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.