«كورونا» يقترب من دمشق وينشر الذعر بين سكانها

«الشرق الأوسط» تنقل تفاصيل التأهب... تموين بالغلاء رغم الفقر والبطالة

سوق الحميدية غاب عنه الباعة والمشترون (أ.ف.ب)
سوق الحميدية غاب عنه الباعة والمشترون (أ.ف.ب)
TT

«كورونا» يقترب من دمشق وينشر الذعر بين سكانها

سوق الحميدية غاب عنه الباعة والمشترون (أ.ف.ب)
سوق الحميدية غاب عنه الباعة والمشترون (أ.ف.ب)

ولد تفشي فيروس «كوفيد - 19» المتسارع رعباً كبيراً لدى الدمشقيين لتهديده إياهم بالموت بسبب تدهور القطاع الصحي في البلاد، أو جوعاً لاستغلال أبناء جلدتهم من التجار لهم، في وقت بدت مدينتهم مذعورة أيضاً. حيث أغلقت أسواقها وخلت من روادها في مشهد لم يمر مثله على السوريين قط.
الرعب الكبير لدى الغالبية العظمى من أهل العاصمة السورية من «كورونا» المستجد، يدفعهم رغم فقرهم إلى التدفق في ساعات النهار المسموح بها بالتجول نحو الأسواق للتزود أولاً بالمعقمات على أمل تفادي الإصابة، ومن ثم بمواد غذائية وخضراوات، بحسب ما تسمح لهم إمكانياتهم المادية.

من ذعر القصف إلى رعب الوباء
«مكتوب علينا الشقاء. مكتوب علينا ألا نرتاح»، عبارات رددتها ربة منزل وهي تسير على عجل وسط أعداد كبيرة من الناس متوجهة إلى السوق وتتحاشي الاقتراب من بعضها بعضاً، وذلك في إجابتها على سؤال حول الوضع في البلاد مع الإجراءات الوقائية المتخذة لمواجهة انتشار الفيروس الذي اجتاح دول العالم.
السيدة وبصوت خافت مع محاولات عديدة لحبس دموعها، تصف لـ«الشرق الأوسط» الوضع بـالنسبة للدمشقيين وكل السوريين بـ«الصعب جداً»، وتقول: «كل المصائب تراكمت عليهم من حرب وعقوبات وغلاء وحالياً فيروس كورونا»، مشيرة إلى أن فرحة الدمشقيين بانتهاء القتال في العاصمة ومحيطها لم تكتمل حتى وجدوا أنفسهم وسط حرب جديدة أشد وأعتى يشنها عليهم «كوفيد - 19».
وتقول: «كل يوم نسمع عن إصابات، وكل يوم يزداد الخوف. من نجا من الحرب يبدو أنه سيموت بـ(كورونا)».
وتوضح السيدة، أنه و«أثناء الحرب في العاصمة ومحطيها كانت الناس تحتمي بالمنازل أثناء القصف، وبعضهم كان يهرب إلى مناطق آمنة، وربما بذلك نجا كثيرون من الموت، ولكن الآن إصابة أي شخص قد تحصل في أي لحظة وقد تأتيه من ابنه، من قريبه، من جاره، والناس لا تعرف ماذا تفعل».
يذكر أن الحرب في سوريا التي دخلت عامها العاشر تسببت، بحسب إحصاءات منظمات دولية وحقوقية بمقتل نحو 400 ألف شخص، بينما تقدر دراسات ومراكز أبحاث أعداد القتلى بأكثر من نصف مليون. كما أدت إلى تشريد وتهجير أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها ودمّرت البنى التحتية واستنزفت الاقتصاد وأنهكت القطاعات المختلفة، منها القطاع الصحي.
ومع الانتشار المتسارع للفيروس في دول العالم، اتخذت الحكومة السورية إجراءات وصفتها بـ«الاحترازية» لمواجهة الفيروس كان آخرها منع التنقل بين مراكز المحافظات وأريافها اعتباراً من يوم أمس، بعد حظر التجول الليلي، ووقف وسائل النقل العام وإغلاق المدارس والجامعات والحدائق العامة والمقاهي والمسارح والصالات الرياضية والأسواق ودور العبادة، إضافة إلى إغلاق المؤسسات الرسمية وتقليل عدد الموظفين فيها، وبيع الخبز عبر المعتمدين والسيارات في الأحياء بعد إيقاف بيعه للناس مباشرة من الأفران لمنع حصول حالات ازدحام يمكن أن تكون السبب في انتقال الفيروس.

تموين رغم الفقر
وعلى غرار ما تشهده عموم الأسعار من ارتفاع متواصل منذ بداية الحرب في البلاد قبل تسع سنوات، ترافق جائحة «كورونا»، مع موجة تحليق جنونية جديدة وتتصاعد يومياً وفي كل ساعة وفاقت نسبتها حتى الآن ضعفي ما كانت عليه قبل انتشاره، وترافقت مع انخفاض جديد لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار ووصوله إلى 1350 ليرة بعد أن كان قبلها نحو ألف. وما بين 45 و50 ليرة قبل الحرب التقليدية.
ويلاحظ أن موجة الغلاء الجديدة أكثر ما طالت أسعار الخضراوات والفواكه، والمواد الغذائية، حيث يصل سعر كيلو الخيار إلى ألف ليرة بعد أن كان بـ300، والبرتقال إلى 800 ليرة بعد أن كان بـ200، والبصل إلى ألف بعد أن كان بـ350، بينما يبلغ سعر كيلو الرز الوسط (مصري) 900 ليرة بعد أن كان بنحو 350 ليرة.
لم ينكر مالك إحدى البقالات أن البعض من باعة المفرق يعمدون إلى استغلال إقبال الناس الكبير على التزود بالمواد الغذائية خوفاً من فقدانها في الأسواق بسبب الأوضاع الجارية، لكنه يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن السبب الرئيسي في هذا الغلاء هم كبار التجار الذين يعتبرون المصدر الأساسي لهذه المواد، ويقول: «منذ إعلان الحكومة عن الإجراءات الاحترازية تتناقص الكميات بشكل يومي، ولدى الإلحاح عليهم لتزويدنا بها ندخل معهم في بازار ينتهي بسعر جديد، وهذا الأمر باتت مسلسلاً يومياً».
الكثير من المواطنين يروون لـ«الشرق الأوسط» معاناتهم من جراء ارتفاع الأسعار، ويؤكد أحدهم، أن «سعر السلعة لم يعد يتغير كل يومين أو كل يوم بل كل ساعة»، بينما تصف إحدى السيدات ما يقوم به التجار تجاه الناس في ظل هذه الأزمة بـ«الظلم الكبير»، وتقول: «انعدمت الرحمة لديهم، انعدمت الإنسانية. هذا إن كان لديهم إنسانية بالأصل»، وتضيف: «هذا تجويع متعمد للناس التي باتت معدمة للغاية».
ووفق دراسات ومراكز أبحاث بات أكثر من ثمانين في المائة من السوريين تحت خط الفقر، وانتشرت البطالة بشكل كبير في البلاد، وتزايدت ظاهرة التسول، وسط تراجع كبير في العمل الخيري.

تقصير طبي
لم يقتصر الاحتكار على المواد الغذائية بل شمل أيضاً الأدوية وحليب الأطفال والمواد المعقمة، وفق مصادر طبية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» وتقول: «بتنا كلما نطلب نوعاً من الأدوية أو المعقمات ترد الشركة المصنعة بأنه غير موجود»، وتضيف: «بعض الأنواع فعلاً موادها الأولية مفقودة، ولكن الأخرى موجودة إلا أنهم يريدون رفع سعرها على ما يبدو».
رسمياً أعلنت الحكومة عن خمس إصابات بالفيروس من دون الإعلان عن أي حالة وفاة، وسط تشكيك من قبل كثيرين بأن الأرقام أكبر من ذلك، بينما تؤكد المصادر الطبية السابقة، أن النظام الصحي في مناطق سيطرة الحكومة متدهور وغير مؤهل بالمطلق لاستقبال أعداد كبيرة من الإصابات، وتلفت إلى أنه وفي حال حدوث ذلك فإن «المحسوبيات والواسطة ستلعب دورها في عملية العلاج!»، وهو أسلوب يتم العمل به في معظم المشافي منذ فترة ما قبل الحرب وتفاقم خلال سنواتها.
وبينما تشير تقارير إلى أنه يوجد في سوريا بأكملها فقط 12 ألف سرير في المستشفيات ووصل إلى البلاد منذ أيام قليلة ألف جهاز اختبار، يذكر تقرير داخلي للأمم المتحدة وبحث أعده «برنامج أبحاث النزاعات» التابع لكلية لندن للاقتصاد الممول من الخارجية البريطانية، أن العدد الأقصى لحالات الإصابة بالفيروس التي يمكن خضوعها للعلاج في سوريا يصل إلى 6500 حالة، ويضيف: «بمجرد تجاوز عدد الحالات المسجلة العدد المذكور البالغ 6500 حالة من المتوقع انهيار نظام الرعاية الصحية مع الحاجة اللازمة لاتخاذ القرارات الترشيدية مع توقعات بارتفاع المعدل الإجمالي للوفيات بما لا يقل عن نسبة 5 في المائة بين الحالات المصابة».

فقدان لمصادر الرزق
الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوباء أدت إلى فقدان الكثيرين من العاملين لمصدر رزقهم، ويوضح سمير، وهو شباب في العقد الثالث ولديه طفلان لـ«الشرق الأوسط»، أنه ومع إغلاق ورشة الخياطة التي كان يعمل فيها بعد الإجراءات الحكومية الاحترازية، وتوقف راتبه الشهري يجد نفسه في حيرة في كيفية تدبر مصروف العائلة. ويقول: «البعض من أرباب الورش لديهم رحمة وسيواصلون دفع أجور العمال، لكن الغالبية ليس لديهم رحمة، وأنا ومثلي كثيرون عندما نعمل نأكل وعندما لا نعمل لا نأكل».

الشاب يبدي تخوفاً كبيراً من أن تطول فترة الإجراءات الاحترازية، ويؤكد أن ما يدخره من مال «بالكاد يكفي العائلة مدة أسبوعين أو ثلاثة»، ويقول: «لا أعرف ماذا أفعل، والمصيبة أن غالبية الناس حالياً تتحسب للأيام القادمة، وباتت ترفض إقراض بعضها البعض»، ويضيف: «قد تكون منيتنا أن نموت من الجوع، أو بـ(الكورونا) الذي لا نملك ثمن معقمات تحمينا منه».
ولم يفلح قرار إيقاف الأفران بيع مادة الخبز بشكل مباشر للناس في إنهاء حالات الازدحام، حيث باتت الحشود تتجمع أمام محال المعتمدين وسيارات التوزيع، بينما نشرت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر العشرات من الشباب والأطفال يركضون وراء السيارات للحصول على ربطة خبز (سبعة أرغفة)، والتي وصل ثمنها في السوق السوداء إلى 600 ليرة، على حين يبلغ سعرها الحكومي 50 ليرة.
ومع إعلان الحكومة منع التنقل بين مراكز المحافظات وأريافها، بات كثير من السوريين في مناطق سيطرة الحكومة يتندرون على مواقع التواصل الاجتماعي بالإعلان عن لائحة أسعار لتهريب الأشخاص من حارة إلى حارة ومن مدينة إلى أخرى ومن محافظة إلى أخرى، في إشارة إلى ظاهرة الرشوة المتفشية بشكل كبير في مناطق سيطرة الحكومة.

الرعب والذعر من «كوفيد - 19» لم يشمل الأشخاص فقط، بل انسحب على المشهد العام لمدينة دمشق، حيث أغلقت المحال التجارية في أسواقها القديمة والعريقة وأبرزها «الحميدية» و«الحريقة» و«الطويل» والحديثة مثل «الحمراء» و«الصالحية»، وبدت فارغة من روادها في مشهد لم يمر مثله على السوريين قط، بينما يقول لـ«الشرق الأوسط» أحد أصحاب المحال التجارية: «مو بس البشر مرعوبة من (كورونا)، حتى الحجر مرعوب».
وفي ساعات فرض حظر التجول الممتدة من الساعة السادسة مساء وحتى السادسة صباحاً تبدو الشوارع خالية إلا من دوريات الشرطة وعدد نادر من المخالفين والمصرح لهم بالتجول، حيث يقوم عناصر الشرطة بالتحقق من هوياتهم والتأكد إن كانوا من المصرح لهم بالخروج في هذه الفترة أم لا، حيث يتم تنظيم ضبوط بحق المخالفين.


مقالات ذات صلة

عدالة توزيع اللقاحات قد تنقذ حياة 3 ملايين شخص في الوباء المقبل

صحتك رجل يتلقى لقاحاً (رويترز)

عدالة توزيع اللقاحات قد تنقذ حياة 3 ملايين شخص في الوباء المقبل

خلصت دراسة جديدة إلى أنه يمكن إنقاذ حياة نحو 3 ملايين شخص في الجائحة المقبلة إذا تقاسمت الدول اللقاحات بطريقة عادلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك  الفيروسات المسببة لنزلات البرد تزداد نشاطاً خلال الأشهر الباردة (رويترز)

عادات يومية قد تساعد في الوقاية من نزلات البرد والإنفلونزا

مع بداية شهر سبتمبر من كل عام، غالبا ما تنتشر الفيروسات المسببة لنزلات البرد الشائعة بكثافة، وفيروسات الإنفلونزا، وكورونا، والفيروس المخلوي التنفسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أطباء وممرضات يرتدون معدات الوقاية الشخصية يقومون برعاية مريض على جهاز التنفس الصناعي بوحدة العناية المركزة بمستشفى سانت لازلو الذي يعالج مرضى كورونا في بودابست 13 ديسمبر 2021 (أ.ب)

أبرز أطباء أميركا يقدّمون توصيات بشأن تطعيمات الإنفلونزا وكورونا

حثت أبرز المؤسسات الطبية في الولايات المتحدة السكان على الحصول على اللقاحات المحدَّثة ضد الإنفلونزا وكورونا، الخريف المقبل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك اكتسب العمل عن بُعد زخماً منذ جائحة «كورونا» (أرشيفية-رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

أشارت دراسة جمعت إجابات من عاملين عن بُعد إلى أن العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية، بل وقد يرتبط ببقاء الموظفين مع جهة عملهم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الحكومة اليمنية توسع حشد المجتمع لإسناد الجبهات

قوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية في الساحل الغربي على البحر الأحمر (أ.ف.ب)
قوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية في الساحل الغربي على البحر الأحمر (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية توسع حشد المجتمع لإسناد الجبهات

قوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية في الساحل الغربي على البحر الأحمر (أ.ف.ب)
قوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية في الساحل الغربي على البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وسَّعت الحكومة اليمنية، نطاق الإسناد المجتمعي للقوات المسلحة والجبهات، عبر حشد مختلف فئات المجتمع والمحافظات للمشارَكة في دعم المقاتلين وتوفير الاحتياجات الأساسية للجبهات، في وقت تصف فيه القيادة اليمنية المواجهة مع جماعة الحوثي بأنها «معركة مصيرية».

وقال نايف البكري، وزير الشباب والرياضة، رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن لجنة الإسناد المجتمعي تعمل بناءً على توجيهات الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وأعضاء المجلس ورئيس الوزراء، بهدف تنظيم وتفعيل الدعم الشعبي للقوات المسلحة والمقاتلين في مختلف الجبهات، والذي يشمل توفير الغذاء والمشتقات النفطية والوقود والمواد الأساسية التي يحتاج إليها المقاتلون للبقاء في مواقعهم، إلى جانب مساهمة المجتمع في تقديم الدعم المعنوي والمادي.

لجنة متعددة

أوضح البكري، أن لجنة الإسناد المجتمعي تضم ممثلين عن عدد من الوزارات، بينها الداخلية والدفاع والشؤون الاجتماعية والنقل والصحة والصناعة، وتعمل على ترسيخ وتنظيم الجهد المجتمعي وتنسيق عمليات الدعم، إضافة لوجود لجنة أوسع تضم ممثلين عن أكثر من 15 محافظة، بهدف توحيد الجهود الشعبية وتعزيز حالة الإسناد.

أوضح البكري أن مسؤولية التجنيد والإجراءات العسكرية تتبع اللجنة العسكرية العليا (الشرق الأوسط)

ولفت رئيس لجنة الإسناد، إلى أن عملياتهم لا تقتصر على المحافظات الواقعة في مناطق المواجهة، إذ تعمل المحافظات المستقرة أمنياً على تقديم الدعم وإرسال القوافل إلى الجبهات، لافتاً إلى أن محافظات عدة تستعد حالياً لتسيير قوافل إغاثية إلى مناطق المواجهة، كما أن محافظة سقطرى ستشارك كذلك في جهود الإسناد.

ويشير البكري إلى أن الإسناد المجتمعي يشمل كذلك الجانب الصحي، من خلال التبرع بالدم ودعم بنوك الدم في المحافظات، إلى جانب مشاركة التجار والبنوك التجارية والمستثمرين والغرف التجارية والمنتديات والقوى السياسية، كما أن مختلف الفئات الاجتماعية أصبحت جزءاً من منظومة الإسناد، مؤكداً أن اللجنة تستهدف حشد المجتمع بكل مكوناته لدعم الجبهات.

أولوية الجبهات

حول الجبهات ذات الأولوية تحدَّث الوزير عن تعز، والحديدة، ولحج، والضالع، ومأرب، والجوف وشبوة، إضافة إلى جبهات أخرى في المحافظات الواقعة ضمن نطاق المواجهات.

وقال إن تعز تخوض وفق وصفه «معركة فاصلة» بينما تشهد جبهات الحديدة والخوخة ولحج وكهبوب ويافع مواجهات، إلى جانب جبهات الضالع ومأرب والجوف. ووصف مأرب بأنها تخوض «معركة الكرامة»، في حين أشار إلى تحقيق تقدم وانتصارات في بعض جبهات الجوف.

وأضاف أن جبهات كرش وغيرها في لحج وشبوة تحظى كذلك بأولوية في عمليات الإسناد، مؤكداً أن «كل جبهات الوطن مهمة»، إلا أن طبيعة المواجهات تفرض تركيز الدعم على الجبهات الأكثر احتياجاً.

الشباب... واللجنة

وحول ما إذا كانت لجنة الإسناد ستتولى تهيئة الشباب للانخراط في الجبهات، أوضح البكري أن مسؤولية التجنيد والإجراءات العسكرية تتبع اللجنة العسكرية العليا، إلى جانب الجهات العسكرية المختصة، موضحاً أن المحافظين واللجان الأمنية وقيادات القوات العسكرية يعملون على استيعاب الشباب الراغبين في الانخراط في القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية.

وقال، إن عدداً كبيراً من الشباب انخرط بالفعل في صفوف الجيش والتشكيلات العسكرية للدفاع عن محافظاتهم ومدن البلاد كافة، مشدداً على أن المعركة واجب وطني، تتطلب دعم الجميع الذي تحرك بالفعل بمختلف فئاته لدعم الجبهات.

وعدَّ الوزير، أن جماعة الحوثي المدعومة من إيران تمثل، وفق قوله، تهديداً لليمن وللاستقرار الإقليمي، خصوصاً في ظلِّ ما وصفها بـ«محاولاتها المساس بأمن الملاحة والمياه الإقليمية»، مشيراً إلى أن السعودية تمثل الداعم الأول لليمن، والذي يشمل الملفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية كافة، إضافة إلى الدعم الإغاثي والتنموي.

الوضع الميداني

يتفاءل البكري بتحقيق القوات المسلحة اليمنية، وفق قوله، تقدماً في كثير من المواقع، منها المواجهات في تعز وكهبوب وشبوة، مع التَّقدُّم في الجوف، إلى جانب صمود القوات في عدد من الجبهات الأخرى، مشيراً إلى مشاركة ألوية العمالقة، ودرع الوطن والمقاومة والقبائل في العمليات، وذكّر بأن هذه التشكيلات تعمل في إطار مواجهة واحدة ضد الحوثيين.

كما تحدث عن تنفيذ القوات الجوية ضربات في عدد من الجبهات، وقال إنها أسهمت في تقليص قدرات الحوثيين ووقف بعض هجماتهم، إضافة إلى استهداف عدد من قيادات الجماعة.

وتضع لجنة الإسناد المجتمعي، بحسب البكري، هذا التحرك في إطار أوسع يقوم على نقل المواجهة من كونها مسؤولية عسكرية محضة إلى حالة من التعبئة المجتمعية، بحيث تصبح المحافظات والمجتمع بمختلف فئاته جزءاً من منظومة الدعم، في مواجهة جماعة يقول إنها تمثل تهديداً لليمن وأمن المنطقة.

وعن قدرة المجتمع على توفير الاحتياجات في ظلِّ الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد، قال المسؤول اليمني إن هذه «معركة مصيرية»، وإن الحكومة والمجتمع سيبذلان كل الإمكانات المتاحة، مشيراً إلى الدعم السعودي وما يقوم به «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن».

في الوقت نفسه، يؤمن الوزير بأنَّ الشعب اليمني «أصيل وكريم»، وأن التجار والمستثمرين وكل مَن يستطيع تقديم الدعم لن يبخل في هذه الظروف.


دبلوماسي أميركي: العقوبات تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين

العقوبات الأميركية تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين (إ.ب.أ)
العقوبات الأميركية تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين (إ.ب.أ)
TT

دبلوماسي أميركي: العقوبات تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين

العقوبات الأميركية تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين (إ.ب.أ)
العقوبات الأميركية تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين (إ.ب.أ)

أكد مسؤول أميركي أن الولايات المتحدة تعمل مع السعودية على تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لوقف التدفقات غير المشروعة لمكونات الأسلحة وأنظمة التوجيه المتطورة للطائرات المسيّرة إلى الحوثيين، لافتاً إلى استهداف العقوبات الأخيرة على طهران تجفيف مصادر التمويل التي تمكّن إيران من دعم الجماعة، وتعطيل شبكات التهريب الممتدة عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

نيل هوب القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن (السفارة الأميركية)

وقال نيل هوب، القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن، في رده على سؤال من «الشرق الأوسط»، إن الولايات المتحدة ستبحث مع السعودية ودول أخرى «كيف يمكن العمل معاً لوقف التدفقات غير المشروعة لمكونات الأسلحة وأنظمة التوجيه المتطورة للطائرات المسيّرة وغيرها من المعدات»، مشيراً إلى أن واشنطن تعمل بالتوازي مع شركائها الإقليميين والقوات الدولية ودول القرن الأفريقي لاعتراض مزيد من هذه الشحنات.

وأوضح هوب، في لقاء مع عدد محدود من الصحافيين بالرياض الثلاثاء، أن العقوبات الأميركية الجديدة على طهران تأتي ضمن ما وصفها بـ«عملية العزل الاقتصادي»، وتهدف إلى إخراج إيران من النظام المالي العالمي، وملاحقة الجهات التي تسهّل تجارتها النفطية أو معاملاتها المالية، وصولاً إلى تقليص الأموال المتاحة لدعم الحوثيين.

وأضاف: «كلما نجحنا في قطع مصادر التمويل الإيرانية، تراجعت الأموال التي يمكن توجيهها إلى الحوثيين».

«صفر تسرّب»

ووفق القائم بالأعمال الأميركي، فإن التحرك يشمل فرض عقوبات أولية وثانوية على جميع أشكال التجارة بالنفط الخام الإيراني والمنتجات النفطية المكررة، إلى جانب ملاحقة الجهات التي تسهّل المعاملات المالية الإيرانية عبر البنوك وشركات الصرافة والمناطق التجارية أو أي وسطاء آخرين.

ووصف هوب النهج الأميركي بأنه يقوم على مبدأ «صفر تسرّب»، موضحاً أن واشنطن لن تحصر ضغطها على طهران في قطاع واحد، بل ستتحرك في مجالات عدة في الوقت نفسه.

وقال إن الولايات المتحدة تستعد لاتخاذ «خطوات تصعيدية» ضد جميع الجهات التي تسهّل الأنشطة المالية الإيرانية، باستخدام كامل الأدوات والصلاحيات المتاحة لها، محذراً بأن أي جهة أجنبية تنتهك العقوبات ستواجه إجراءات قد تحرمها من الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

وأضاف أن الجهات التي تستخدم معاملات مقيّمة بالدولار في مخالفة العقوبات قد تتعرض أصولها المقيّمة بالعملة الأميركية للتجميد.

سفن إيرانية في البحر الأحمر

ولفت هوب إلى أن العقوبات تشمل أيضاً الخدمات وأعمال الصيانة والتخزين المقدمة إلى «خطوط الشحن التابعة لجمهورية إيران الإسلامية» المعروفة اختصاراً بـ«IRISL».

أكد هوب أن العقوبات تطول شركة إيرانية في البحر الأحمر نفذت عمليات سيبرانية واستخباراتية للحوثيين (أ.ف.ب)

واتهم الشركة الإيرانية بامتلاك سفن عملت في البحر الأحمر ونفذت في السابق عمليات سيبرانية واستخباراتية لمصلحة الحوثيين، فضلاً عن نقل مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة، والمشاركة في نقل النفط عبر ما يعرف بـ«أسطول الظل».

وقال إن الإجراءات الأميركية تستهدف كذلك الالتفاف الإيراني على القيود المفروضة على صادرات النفط والمنتجات المكررة، موضحاً أن طهران استخدمت قنوات خلفية و«أسطول الظل»، وشبكات موجودة في دول خليجية وأوروبية وأميركية لاتينية، إلى جانب تعاملات مرتبطة بالصين وروسيا.

البنوك وشركات الطيران

وأشار هوب إلى وجود عقوبات أولية وثانوية صارمة على شركتي «إيران إير» و«ماهان إير»، وغيرهما من شركات الطيران الإيرانية المدرجة في قوائم العقوبات، مبيناً أن الإجراءات تطول الجهات التي تزود طائرات الشركتين بالوقود أو تقدم إليها خدمات فنية.

وأكد أن الشركات التي تواصل تقديم هذه الخدمات، بما في ذلك جهات تعمل داخل دول خليجية، قد تصبح عرضة للعقوبات الأميركية.

طائرة من طراز «إيرباص A340 - 600» تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

كما تحدث عن تحركات تتعلق بفروع بنوك إيرانية، وفي مقدمتها «بنك ملي» و«بنك صادرات»، قائلاً إن واشنطن تجري «محادثات مباشرة وحازمة» مع السلطات في كل من الإمارات والكويت لضمان إلغاء تراخيص المؤسسات المالية الإيرانية الخاضعة للعقوبات ووقف تدفقاتها المالية.

شبكات القرن الأفريقي

في سياق متصل، أقر هوب بأن وقف شبكات التهريب الإيرانية يتطلب عملاً أكبر مع دول القرن الأفريقي، موضحاً أن بعض هذه الدول «تعاني محدودية القدرات، بينما لا تتوافر لدى بعضها الآخر إرادة كافية لمنع أنشطة التسهيل والتهريب».

وأضاف: «ما زال أمامنا كثير من العمل، خصوصاً مع الصومال وإريتريا»، مشيراً إلى تعاون واشنطن مع السلطات الصومالية والقوات الأميركية والدولية العاملة في المنطقة لاعتراض عمليات نقل الأسلحة والمكونات المتطورة إلى الحوثيين.

قوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية في الساحل الغربي على البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وأشار إلى وجود تقارير إعلامية مفصلة عن صلات بين الحوثيين وجماعات مسلحة وإرهابية في القرن الأفريقي، إلى جانب علاقات بجماعات القرصنة الصومالية تُستخدم في نقل مواد ومعدات.

كما تحدث عن تقارير توثق صلات بين الحوثيين وحركة «الشباب» الصومالية، موضحاً أن هذه العلاقات رصدتها مؤسسات إعلامية تابعت أنشطة التهريب والتحركات الميدانية في المنطقة.

تحركات تجاه العراق

وفي رده على سؤال بشأن الدعم الذي يتلقاه الحوثيون من جهات عراقية، قال القائم بالأعمال الأميركي إن السعودية والولايات المتحدة تعملان بصورة مكثفة مع القيادة العراقية والمسؤولين في بغداد، لدفعهم نحو اتخاذ موقف حازم ضد التسهيلات المقدمة إلى إيران والحوثيين.

وأبدى هوب قدراً من التفاؤل إزاء تعامل القيادة العراقية الجديدة مع هذا الملف، قائلاً إنها أظهرت إرادة سياسية أكبر وبدأت اتخاذ إجراءات تعكس هذه الإرادة، وإن كانت الخطوات المنفذة حتى الآن لا تزال غير كافية.

وأضاف: «ألمس اليوم قدراً من الجدية لدى السلطات العراقية لم أكن أراه قبل 5 سنوات»، عادّاً أن التحدي بات مرتبطاً بمحدودية القدرات أكثر من غياب الإرادة السياسية، ومعرباً عن ثقته بإمكان إحراز تقدم في هذا الجانب.


الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
TT

الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)

أظهرت بيانات حكومية يمنية أن أكثر من 158 ألف شخص فرُّوا من المناطق التي دخلتها جماعة الحوثيين في الساحل الغربي، بينما حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين، مع فرار العائلات من العنف، داعية المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم للنازحين والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم مواردها المحدودة.

ووفقاً للوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، ارتفع عدد الفارين من مناطق الساحل الغربي والمسجلين في 8 محافظات إلى 158109 أشخاص، يمثلون 23550 أسرة، نتيجة استمرار العمليات العسكرية والقصف والاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية.

وتشير البيانات الحكومية، حتى 20 سبتمبر (أيلول)، إلى أن محافظة تعز تصدَّرت المحافظات المستضيفة، باستقبال 11867 أسرة، تضم 83123 شخصاً موزعين على 15 مديرية، تلتها محافظة لحج بـ5472 أسرة (38304 أشخاص) في 9 مديريات، أبرزها المضاربة ورأس العارة وتبن والمسيمير.

وفي العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ بلغ عدد الأسر النازحة المسجلة 3114 أسرة، تضم 15003 أشخاص موزعين على مديريات المحافظة، بينما سجلت محافظة الحديدة 1471 أسرة، تضم 10297 شخصاً في مديريتي حيس والخوخة.

عشرات الآلاف من اليمنيين النازحين يعيشون تحت الأشجار (إعلام محلي)

ورصدت الوحدة الحكومية حركة نزوح جديدة من مديريتي حيس والخوخة جنوب الحديدة باتجاه عدن، وقالت إنها تتابع هذه الحركة، في وقت استقبلت فيه محافظة أبين 1420 أسرة، تضم 9940 شخصاً في مخيمَي خنفر وزنجبار.

وتوزعت بقية الأسر النازحة -وفق البيانات الحكومية- على حضرموت بواقع 110 أسر، والمهرة 70 أسرة، وشبوة 26 أسرة.

وأكدت الوحدة أن معظم الأسر اضطرت إلى ترك منازلها وممتلكاتها بصورة مفاجئة، الأمر الذي فاقم معاناتها الإنسانية وزاد هشاشتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً تشمل المأوى ومواد الإيواء الطارئة والسلال الغذائية والمساعدات النقدية متعددة الأغراض، إلى جانب مياه الشرب والخدمات الصحية ومستلزمات النظافة.

أرقام أممية

من جهتها، حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين في اليمن، ودعت المجتمع الدولي إلى دعم الفارين من العنف والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم «ما تملكه من موارد شحيحة».

وأظهرت أحدث بيانات المنظمة أن 129438 شخصاً، أي ما يعادل 21573 أسرة، نزحوا في 7 محافظات منذ بدء موجة النزوح المرتبطة بالقتال، مع تسجيل زيادة قدرها 11352 شخصاً خلال 3 أيام فقط، مقارنة بـ118086 نازحاً في 18 سبتمبر.

وقال عثمان بلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن كثيراً من النازحين اضطروا إلى النزوح أكثر من مرة بحثاً عن الأمان، محذراً من أن الأعداد «في ازدياد مستمر».

الغالبية العظمى من النازحين اليمنيين يفتقدون أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وتستضيف تعز العدد الأكبر من النازحين المسجلين لدى المنظمة، بواقع 73494 شخصاً، تليها لحج بـ33828، وعدن بـ8946، والحديدة بـ8244، إضافة إلى أبين وحضرموت ومأرب.

وقال بلبيسي إن هذه العائلات فقدت منازلها ومصادر دخلها، وتصل إلى بلدات تعاني أصلاً أوضاعاً صعبة، مضيفاً أن المجتمعات المضيفة «لا تستطيع القيام بذلك بمفردها»، في إشارة إلى الحاجة المتزايدة للدعم الإنساني.

وبالتزامن مع النزوح الداخلي، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن 3106 أشخاص عبروا البحر الأحمر من اليمن إلى جيبوتي حتى مساء الأحد الماضي، مشيرة إلى أنها تقدم مساعدات عاجلة لعدد من الوافدين، ومجددة دعوتها إلى توفير مزيد من الدعم في ظل استمرار حركة الفرار.