كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

لماذا ننسى كتابنا الراحلين سريعاً؟ (1-2)

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب
TT

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

حين اخترنا عنوان هذا الملف «لماذا ننسى كتابنا الراحلين سريعاً»، كنا نقصد به القطيعة شبه الكاملة تقريباً، خصوصاً بالنسبة للأجيال الجديدة، مع كتابنا، شعراء وروائيين وقاصين ونقاداً، قدامى ومحدثين، بمعنى أنهم لم يعودوا حاضرين بقوة في المشهد الثقافي بأعمالهم ونتاجاتهم، التي شكلت أساس ثقافتنا المعاصرة. قد نذكرهم، ونستشهد بهم في هذه المناسبة أو تلك، وفي هذا المقال أو ذلك، ولكن لا تزال معظم أعمالهم ساكنة فوق الرفوف، وقلما نعود إليها درساً وبحثاً وقراءة، على المستوى النقدي والأكاديمي والتربوي، مما خلق فجوة كبيرة بين ماضينا الثقافي وحاضرنا، وقطع الوصل بينهم وبين الأجيال اللاحقة إلى حد كبير.
هنا مداخلات حول الموضوع من كتاب ونقاد عرب، يطرحون فيها تصوراتهم وأفكارهم حول أسباب هذا الخلل في ذاكرتنا الثقافية، وما يمكن عمله لتجاوزه.

محمد جبريل: حقيقة لا نريد أن نراها
حارتنا تحرص في أحيان كثيرة على أن يصبح النسيان لا مجرد آفة نسعى إلى التخلص منها إنما نظام وأسلوب حياة. أذكر حكاية عن شاعر في أحد البلدان ضاق بإهمال مواطنيه والنقاد لإبداعه ولشخصه فأزمع الرحيل إلي بلد آخر ولما طالت إقامته في ذلك البلد ظن المسؤولون في بلاده، أنه قد مات فدعوا المواطنين إلى التبرع بمبلغ يشيدون به تمثالا له في أكبر ميادين العاصمة. عاد الشاعر إلي وطنه وصارح شعبه بأنه لم يكن يظن أنه حظي بكل هذا الحب في قلوبهم ولأن ظروفه المادية قبل الرحيل وبعده قاسية للغاية فقد اقترح أن يقف هو في موضع التمثال على أن يتقاضى مقابل تكاليف إنشاء التمثال، رفض المواطنون عرض الشاعر وأصروا على إقامة النصب التذكاري لشاعرهم الراحل العظيم.
الحكاية كما ترى لا تخلو من رمز ودلالة وهي أننا نصر على وفاة مشاعلنا حتى في حياتهم عبر عدم الاهتمام واللامبالاة والتعتيم ونصرة الشللية، وإعطاء الحق لغير صاحبه ومنح الجوائز لغير مستحقيها فتصبح حكاية الشاعر ونصبه التذكاري مثلا يثير الأسى لكنه يعبر في الوقت نفسه عن الحقيقة التي لا نريد أن نراها.

د. عمار علي حسن: أمر يبعث على الأسى
أعتقد أن نسيان من ماتوا من الكتاب لا يشمل الجميع، فهناك من بينهم الذي يزدهي حضورا بعد الغياب، أو على الأقل يحافظ على الوجود الثقافي والفكري عقب رحيله. وهؤلاء إما أنهم قد تركوا خلف ظهورهم ما يستحق الاستدعاء والاستفادة منه، أو ما ينطوي في داخله على أمر قابل للتجدد وإعادة الاكتشاف والفهم بمرور الوقت، أو أنهم حرصوا على أن يربوا على أيديهم تلاميذ أوفياء، يحملون أفكارهم لأجيال لاحقة، ويستمرون في الحديث عنهم وكأنهم يعيشون بين ظهرانينا.
كما أن هناك من لا يتمكن من نشر كل ما أنتجه أو أبدعه وهو على قيد الحياة، فيتوالى صدور كتبه بعد وفاته فيتجدد جريان اسمه على الألسنة. وهناك من تتوالى طبعات كتبه إما لأن دور نشر قد تحمست له، أو له ورثة يحرصون على نشرها، ويبذلون جهدا في هذا. ويوجد أيضا من يجدون جهات تتحمس لأفكارهم؛ لأنها تخدم مصالحها ومسارها.
فالبعض تستدعي السلطة اسمه، وتدفع الجهات الثقافية الرسمية لتعقد لأعماله المؤتمرات والندوات، لأنها تعتبره ابنها، الذي يجب أن تظل وفية له، حتى تغري من هم على قيد الحياة بأن يحذوا حذوه. ويوجد من تخدم أفكاره اتجاهات سياسية أو اقتصادية معينة، كأن يستدعي أتباع التيار الإسلامي كتابهم وكبار باحثيهم بعد رحيلهم، ويروجون لهم، وفي الاتجاه المضاد يفعل التياران اليساري والليبرالي مع كتاب كانوا يقعون في قلب مشروعهما. ويضعف وجود أسماء الكتاب بضعف التيارات التي كانوا ينتمون إليها، سواء كان هذا الضعف من زاوية تمثيلها للجمهور، أو قدراتها المادية وسمعتها.
في وجه هذا لا يبقى للكاتب المستقل من سبيل لاستمرار وجود اسمه سوى الإخلاص لمشروعه، وبذل جهد فائق في إبداعه على أفضل وجه، وأن يكون مشروعا عميقا منحازا إلى قيم حقيقية، وينطوي على فن أصيل، ويعبر عن أشواق الناس إلى الحرية والعدل والكفاية والكرامة.
يكفي أن ننقر على أجهزة حاسوبنا لنبحث عن أسماء مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومحمد عبده وأمل دنقل ويوسف إدريس ومحمود درويش وبدر شاكر السياب ويحيى حقي، لنرى أخبارا عنهم وكتابات أكثر من تلك التي تتحدث عن كتاب على قيد الحياة.
في المقابل، هناك من يعتمد في وجوده الثقافي على حضور جسده، وينشغل بهذا أكثر من انشغاله بأعمال تتحدث عنه، سواء وهو بين الناس أو بعد أن يفارقهم إلى قبره. وهناك من لا يترك ما يراه اللاحقون مستحقا للاستدعاء والتفاعل من جديد، أو ليس له تلاميذ يتحدثون ويكتبون عنه إلى من لم يره أو يقابله، وربما لم يسمع عنه من قبل.
ولا يمكن في هذا المقام أن ننسى السرعة التي أصبحت حياتنا تتسم بها، والضجيج الذي يثيره الأدعياء في كل مجال حتى غطى على صوت الجدارة، وأيضا الموقف السلبي لبعض الورثة والأهل من إهمال كاتب هو أبوهم أو أخوهم.
في كل الأحوال فإن نسيان الكتاب بعد سنوات قليلة من رحيلهم، أمر يبعث على الأسى، لاسيما أن كثيرا من أصحاب الأقلام يفكرون دوما في خلود أسمائهم.

د. زينب العسال: نسيان أم قتل للآباء؟
«آفة حارتنا النسيان» هذه العبارة التي قالها نجيب محفوظ صارت مثلا يجرى على ألسنة المثقفين، بل سمعت بعض العامة يرددونها، لا أريد أن أذكر أمثلة أخرى أطلقها آخرون تفيد بأن العرب لا يستوعبون الدرس التاريخي بل هم ينسون ما مر عليهم من تجارب، لا يفيدون منها، ولا يفيدون من الأخطاء التي يقعون فيها. بالطبع أعلم من أطلق هذه العبارة الأخيرة، لكن أيعنى ذلك أننا نحيا بلا ذاكرة أم أن ذاكرتنا أصابها عطب. نحن نحيا اليوم بيومه، من لا يعرف المثل القائل «احييني النهارده وموتني بكرة»، أي أننا نعيش أيامنا وحياتنا لحظة بلحظة ويوما بيوم.
وجهة نظري للإجابة عن هذا السؤال المهم الذي يمثل بالنسبة لي سؤالًا محيرًا، لماذا تخبو تلك الأضواء الباهرة، التي سطعت في وجود المبدع... هل لأننا ننشغل بأنفسنا، نريد أن نتحقق بعد رحيل هؤلاء، هل يجب أن نتناسى هؤلاء فقد تمتعوا بكل ما يلازم الشهرة من أضواء ودراسات وأخبار وحوارات ومناصب سياسية أو ثقافية تتمسح في أذيال السلطة وما يتبع ذلك من نفوذ.
فإذا غيب الموت هؤلاء الكبار الذين اعتمدوا على ما سبق ترى ماذا يبقى لهم؟!... لذا لا يبقى إلا من اعتمد على فنه وإبداعه وحتى لا أطيل في ذكر الأمثلة أذكر بنجيب محفوظ ويحيى حقي وطه حسين ويوسف إدريس.
هل لأننا أصبحنا لا نؤمن بل نمارس «نظرية قتل الآباء»، هنا فعلينا التعتيم على ذلك أو ذكر ذلك، نلمح هذا إذا كان للراحل أبناء يقدرون إبداعه ويستمرون في ذكره وتذكير قرائه بأن إبداعه موجود ويحظى بالمتابعة وبالنشر والدراسة أي الاهتمام بالآباء البيولوجيين، وبخاصة إن أنعم الله على كتابنا الراحلين بابن أو ابنة ورثت الكاتبة والموهبة، هل الموهبة تورث؟ سؤال يحتاج هو الآخر إلى إجابة؟

وليد علاء الدين: هل ننسى كتابنا الراحلين بسرعة؟
تعديل طفيف رأيته ضروريا في صيغة السؤال بدلا من «لماذا ننسى كتابنا بعد الرحيل بسرعة؟» حتى لا تكون الإجابة على صيغة «لماذا» اعترافًا بصحة فرضية لا يمكن اختبار صحتها من عدمه.
من نحن؟ ومن الكتاب الراحلون؟ إذا كانت نحن عائدة على القراء بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي هؤلاء الذين قرأوا بالفعل لكتّاب بأعينهم، ففي ظني أن العلاقة لن تسمح بالنسيان؛ إذ صار الكاتب - متمثلًا في كتابته - جزءًا من ذاكرة وثقافة القارئ، فلا تذكّر ولا نسيان بالمعنى التقليدي، وإنما امتداد للحياة عبر الأفكار والرؤى. أما إذا كان المعني بنحن - في العلاقة مع الكتّاب - أي الجمهور بالمعنى الإعلامي؛ فلا توجد علاقة من الأساس، سوى ما يخلقه الإصرار الإعلامي على استعادة صورية واحتفالية لأسماء كتّاب راحلين بالجسد أو حتى حاضرين به. وهو في ظني استحضار لا قيمة له هنا؛ إذا افترضنا أن النسيان في السؤال مقصود به التأثر والتمثل والإفادة وليس مجرد الاحتفال بذكرى الميلاد أو الرحيل.
إذا عدنا لصيغة السؤال بلا التفاف، ففي ظني أننا ننسى كتابنا الراحلين لأننا لم نُحسن قراءتهم وهم أحياء... ونحن هنا، المقصود بها مفهوم ومعنى القراءة داخل المنظومة الثقافية، نحن أي ثقافتنا - لم تضع القراءة في موضعها الصحيح، بل فرغتها تماما من معناها، القراءة حالة حوار فكري، لكنها في ثقافتنا حالة تلق سلبي بهدف تمضية الوقت وليس استثماره، القراءة في ثقافتنا «ضريرة» لا تطمئن سوى لما تعرفه وتألفه، تخشى الجديد وتكره المختلف وترفض الجدل.
القارئ في ثقافتنا يبحث في الكتاب عما يعزز قناعاته المسبقة، لا ما يطورها لذلك ينسى إن لم يكره كل من يشكك في هذه القناعات أو يناقشها، يكره من يمنحه حجرًا يحرك ماءه الراكد ويقدس كل من يمنحه حجرًا يستخدمه لرجم من يخالف قناعاته المكتسبة بالتلقين.
إذا أردنا أن نتذكر كتّابنا الراحلين فعلينا أن نعيد للقراءة قيمتها بوصفها حالة تفكير في كل ما يُطرح علينا من أفكار ليصبح العقل قارئًا، وإذا صار العقل قارئًا تحول الكون كله إلى كتاب.



وفاة كلايف ديفيس صانع نجوم الموسيقى عن عمر يناهز 94 عاماً

كلايف ديفيس (رويترز)
كلايف ديفيس (رويترز)
TT

وفاة كلايف ديفيس صانع نجوم الموسيقى عن عمر يناهز 94 عاماً

كلايف ديفيس (رويترز)
كلايف ديفيس (رويترز)

توفي كلايف ديفيس، المحامي وقطب صناعة التسجيلات الأميركي، الذي يعتبر من أقوى الشخصيات في صناعة الموسيقى، حيث أطلق الحياة المهنية لنجوم بارزين أمثال جانيس جوبلين وويتني هيوستن وكارلوس سانتانا وأليشيا كيز، عن عمر يناهز 94 عاماً، حسبما أكدت عائلته.

وفي وقت سابق من العام الجاري، تم نقل ديفيس إلى المستشفى بعد إصابته بمشكلة في الجهاز التنفسي وخرج بعد بضعة أيام. وأكدت وكيلته الإعلامية أليزا رابينوف، التي شاركت أيضاً في بيان العائلة، أن ديفيس وافته المنية في شقته في مانهاتن.

وجاء في البيان: «بالنسبة للعالم، كان والدنا أسطورة الموسيقى الشهير الذي شكّلت رؤيته وإحساسه وسعيه الدؤوب لتحقيق التميز الموسيقى التصويرية لعدد من الأشخاص لا حصر لهم. لقد اكتشف وأرشد ودافع عن أعظم الفنانين في تاريخ الموسيقى الحديث، وترك بصمة لا تمحى على الثقافة ستستمر لأجيال».

وعلى عكس أقطاب التسجيلات الأخرى الذين تضاءل تأثيرهم مع تقدمهم في السن، يبدو أن ديفيس كان ينمو خلال مسيرته المهنية، التي امتدت إلى أنواع متعددة. وفي الثمانينات من عمره، كان يدير أعمال عدد كبير من النجوم بدءاً من باري مانيلو وحتى الفائزين ببرنامج «أميركان أيدول» كاري أندروود وكيلي كلاركسون.


هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد
TT

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

3 مقاصد أساسية انطوى عليها كتاب يوميات كاتب عرايض: «كوديا للنشر والتوزيع – بغداد: 2026» للكاتب والشاعر العراقي كاظم غيلان. يتَّصل الأول بالأصل «الشعبي» المقصود لوظيفة «العرضحالجي»، وهي مهنة كتابة «العرايض» أو «العرائض» التي يتولاها «شخص» متعلِّم يعرف أصول كتابة «الشكاوى» بصياغات قانونية معروفة. وكاتب «العرايض» يأخذ على عاتقه «صياغة» «عريضة» تشرح لجهة حكومية، غالباً، حال المشتكي. وكتاب «غيلان» يلتزم في أغلب مفاصله بهذا المعنى والوظيفة لكاتب الـ«عرايض»، ويضيف إليها دلالات أخرى توسِّع كثيراً في الدلالة السردية لمعنى «العرضحال» ليلامس معنى ووظيفة «السيرة» الذاتية للكاتب والمجتمع العراقي الذي عاش فيه، لا سيَّما في عراق التسعينات بناسه المحاصرين. وهو، كذلك، سيرة ثقافية للبلاد ومثقفيها. وفي الدلالة الأخيرة ثمة فائدة أساسية لهذا الكتاب، يمثِّلها «التدوين» اليومي، العشوائي، ربما، ليوميات الحياة تحت حكم الديكتاتور.

كاتب مذكرات أم عرضحالجي؟

في البدء، ثمة خشية أولى، لا يخفيها الكاتب، أن تكون عريضته صيغة مماثلة لمنطق شاع في عراق ما بعد صدام، وفي زمن محايث له أيضاً، عن كتابة «المذكرات» و«السير» الشخصية لشخصيات سياسية، وحتى ثقافية، غلب عليها الكذب والافتعال، بل الرغبة الشديدة بالانتقام وتمرير «بطولات» و«أدوار» زائفة لا أساس لها. يُظهر مدخل الكتاب تفهُّم الكاتب لكتابة المذكرات في مجتمعات ما بعد الديكتاتور؛ فنجده يسأل نفسه: «ماذا سأكتب؟ سيغضب البعض... وربما يفرح البعض». فهل هذا مسوِّغ كافٍ لكتابة تخوض عميقاً في «الشر» و«الخير» على السواء؟ لا يبدو «غيلان» مهتماً كثيراً بالإجابة قدر اهتمامه بإظهار أقصى قدر من الصدق في مراجعة حياته، أقصد مهنته بصفته كاتب عرايض، فيعدنا بأن: «سأقول ما يمليه عليَّ ضميري وللوقائع التي عشتها».

لكن الكتابة عن حافة الموت قهراً وتعسفاً لا تساوي مسألة الصدق أو التماثل معه، أو حتى الادعاء به، لا سيَّما في حالة الكتابة السيرية في ظل سلطة قاهرة، وعنها لاحقاً؛ ثمة ما هو أهم بكثير منها، إنه ما يسمَّى ميثاق السيرة الذاتية كما يفترض فيليب لوجون. والميثاق هنا يتحدَّد بالأصول الثلاثة الرئيسة التي بدأنا بها هذه المراجعة لكتاب أساسي كما نرى. وهو كذلك لأنه يتخطى عقبة الثأر أو الانتقام من كتَّاب ومثقفي العهد البعثي، لينشغل بما هو أساسي، بالضبط بما، وتمثَّله «العريضة» من «تدوينات» يومية تتَّصل بحياة الناس في ظل حكم الديكتاتور. هذا أمر ذو فائدة أساسية. ولكن لماذا أعطى الكاتب هذه الأهمية للعريضة؟ هي ذات قيمة كبرى لسببين. يختصُّ الأول بصفة خاصة؛ كونه خزَّاناً يجمع شكاوى الناس اليومية، الشخصية والرسمية، الموجَّهة للمؤسسات الحكومية.

وفي تلك «العرايض» نجد الحياة اليومية الحقيقية للناس بلا زيادة أو نقصان. وقد تكون تلك «العرايض» الوثيقة الحقيقية الوحيدة المسموح بها من قبل السلطات بما تمثِّله من «احتجاج» و«رفض» رسمي لحياة تضيق بها السبل حتى كأنها تصبح نثاراً يومياً. بجانبها، ثمة «أرشيف» النكات المتداولة، سراً، على شفاه الناس همساً في المقاهي والبيوت. ولا فرق بينهما سوى أنّ العريضة تُكتب بموجب موافقات حكومية أصولية، وبصياغات كتابية تفرضها أنظمة أمنية عقابية، بينما النكتة يخترعها «الشعب» كما يخترع صبره وأوهامه، لكن النكتة لا تصبر كثيراً في حياة الناس وذاكرتهم؛ فهي بعض سبل المقاومة المغلَّفة بكنايات لا تُعدُّ ولا تُحصى. ويؤلف «الشكل» اللساني للعريضة سبباً ثانياً لما يزعم به الكتاب من قيمة متعاظمة للعريضة؛ فهي بعض خطاب السلطة، وبعض خطاب معارضيها. وإذا كانت الصياغات اللسانية المفروضة من قبل أجهزة السلطة، وهي متغيرة حسب تغير السلطة نفسها، فإن الصياغات اللسانية الخاصة بالناس تعبِّر، بوضوح كافٍ، عن «منطق» الحكاية الشعبية. نحن، هنا، إزاء «يوميات» منتظمة يؤلفها كاتب «العرايض»، كل صباح يعيد صياغة حكايات الناس «شكاواهم» في «قوالب» لسانية جاهزة. ولا حدود لمخيلة الواقع التعيس: أمٌّ تشكو أباً «يزني»، يومياً بابنته. عائلة مطرب شهير تلتمس العطف والعفو من صاحب العفو الأول وهو، ذاته، الوحيد القادر على إنهاء حياة أي «مواطن» في بلادنا العظيمة حد اللعنة؛ فهو حاكمها الأوحد.

حياة كاملة نتعرَّف عليها في يوميات كاظم غيلان؛ نحن الذين بقينا، رغم ذلك، في بلاد الواق واق، نعرف منها «الوجه الآخر» لحياة عراقي في أقسى الأزمنة، زمن الجوع والحاجة الماسة للفرار من البلاد، وهو نفسه زمن الهزيمة الشاملة للبلاد وحاكمها. كاتب العرايض يعود بنا إلى لحظة عراقية سابقة سبق لي، شخصياً، أن استمعت لملخصات عنها، كان ذلك بُعيد احتلال البلاد، وكان صاحبها فؤاد التكرلي يشرح لي، في مكان بعيد عن البلاد التي طحنتنا، كيف أنّ باب المحكمة التي دخلها قاضياً، هو نفسه باب الحكاية المختلفة في عراق الخمسينات؛ فكانت قصته المطوَّلة «بصقة في وجه الحياة»، ومثلها بالضبط قصته الشهيرة «الوجه الآخر»، كناية كلية عن المنظور المختلف للحكاية، عامة، وللقصة المفارِقة، جذرياً، عن قصص اليسار العراقي ذات الصياغات السردية الجاهزة. كان باب المحكمة عتبة أولى لعالم مختلف، عالم لا تعبِّر عنه الوقائع المعلنة للعراق الرسمي في تلك الحقبة، والمحكمة وعوالمها الرهيبة كانت هي روح وجوهر «الوجه الآخر» في قصة التكرلي الشهيرة. وهو نفسه ما حققته تلك الجلسة القلقة لكاتب العرايض؛ فقد أعفته من ذلك الـ «مديح» الكاذب للحاكم، كما فعل كثيرون، وفتحت أمامه عالم السحر كله، عالم آخر لا يعرفه سوى من دخله وعاشه، وهو عالم الناس وحكاياتهم «عرائضهم»، وهو نفسه، ربما، عالم السلطة القبيح.

عن حياة الليل الشحيحة

في مقابل حياة النهار المشبعة باليأس والمراقبة والتحايل، أيضاً ثمة عالم الليل وحياة المدينة الجائعة والخائفة حد اللعنة؛ إنه عالم بغداد الليلي في حاناتها المتقشفة، لكن الصاخبة حتى ساعات الليل المتأخرة. ينفتح الليل على حكايات السكارى والمشردين وصعاليك الحياة والشعر على السواء. لا فرق؛ فالليل أرشيف الحكايات المؤجلة، وهو كذلك ميدان زوار الليل وبوابة كبرى للسطوة على المدينة وعوالمها. إنه مفتاح السيرة الأخرى للمدينة، مما لا يمكن ذكره أو معاقرته نهاراً. أفكِّر بأن حياة المدينة ليلاً هو يومياتها الملغاة، وهي المكمِّلة ليوميات الحياة الشحيحة تحت سلطة تستبدُّ بالبلاد وناسها. هذا بعض ما تقدِّمه يوميات المدينة النائمة على ضفاف نهرها الجائع للحياة كما المدينة نفسها؛ ثمة صورة بانورامية موسعة لحياة بغداد في ليلها الطويل، نقرأ فيها ما لم يقله كثيرون، ونرى في تفاصيلها وجوه المدينة المتعبة الطامحة للفرار من لعنة القهر والجوع.

أريد هنا أن أستعيد، لأجل استكمال مشهد الليل ذي العتمة الحالكة، معنى أن يكون كاتب اليوميات شاعراً شعبياً قادماً من هوامش الجنوب العراقي الفقير والمقصي إلى مدينة مسيَّجة بالحرس والليل والشكوك السياسية بالقادمين الغرباء إليها؛ فهي عاصمة البلاد، وهي مكان السلطة بأجهزتها المختلفة. هذه حقيقة أساسية حاكمة ومتحكمة بإشكالية أية «يوميات» أو «سيرة» شخصية أو موضوعية للكاتب والمدينة معاً.

أتحدَّث هنا عن «المكان» أو «الموقع» الذي سيرى من خلاله الكاتب للمدينة التي تقصيه، بينما يرتاب به حاكمها وعسسه. الملمح الأول والأساسي شكل السكن وموقعه. أقول «شكل» السكن وأقصد ما يتضمنه من إقصاء وتهميش مضاعف فالكاتب، مثل غيره من شعراء وكتَّاب الهوامش العراقية، لا يجد بيتاً يستأجره ونجده يتخذ من الفنادق الرخيصة مكاناً للسكن والحياة. وسكان أو شاغلو الفنادق، لا سيَّما الرخيصة منها، هم الغرباء غير المرغوب فيهم، فهم الطارئون عليها المعرَّضون للطرد منها في أي لحظة.

وسيكون الفندق الرخيص في «الميدان»، وسط بغداد، موقعاً مثالياً للكتابة ورؤية هوامش بغداد. هكذا سيكتب المهمشون أنفسهم عن فنادقهم وحياتهم الرثة، وسيكتب الراحل «ناظم السعود» عن ظاهرة «أدباء الفنادق»، كما سيكتب المسرحي والشاعر العراقي «عبد الخالق كيطان» عن الظاهرة في مقالاته وكتبه السيرية الخاصة بحياته في بغداد وفنادقها الشعبية الرخيصة. من تلك الغرفة الفقيرة سنرى بغداد في لياليها الملتهبة. ورغم ذلك لا نجد في يوميات كاتب العرايض بغضاً للمدينة ولا كرهاً لناسها؛ ولِم الكره والبغض؟!، ثمة كلمات الشاعر الهائم على روحه في بغداد الشاسعة. ولا شيء سوى الشعر وشكاوى الناس والخمر الرخيص في الليالي المتخمة باليأس.

«يوميات كاتب عرايض» كتاب متفرِّد حقاً؛ أسهمت عوامل كثيرة في صناعة هذا التفرُّد، ليس آخرها ما انطوى عليه من شجاعة استثنائية يندر أن نجدها لدى كتَّاب عراقيين عاشوا محن البلاد، وخرجوا منها بيد وقلب وضمير حي ونظيف، وأحدهم كاظم غيلان، الساخر المتفرِّد من آلامه الشخصية، غالباً، ومن مكائد أصدقائه الألدَّة؛ فنراه يقول كلمته الأخيرة بأريحية بالغة، وقد ختم بها تصدير يومياته: «أتمنَّى نومة عميقة... بلا كوابيس؛ ولذا أحتاج عذركم ومسامحتكم لي... كي أسامحكم». هذه اليوميات سيعود إليها مؤرخون كُثر؛ فقد كُتبت بالجمر والألم حد الموت قهراً ويأساً، وهي عن محنة الناس والبلاد، كما أنها عن محنة حاكم المدينة كذلك؛ لِم لا؟!


«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن
TT

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

صدرت مؤخراً عن «دار عرب» في العاصمة البريطانية لندن، رواية «حواليس» للكاتب والإعلامي العُماني الدكتور محمد اليحيائي، وهي الرواية الثالثة في سجله الأدبي.

تأتي هذه الرواية لتؤكد مجدداً الحضور السردي لليحيائي، الحائز على جائزة «كتارا» للرواية العربية عام 2023 عن روايته «الحرب»، مستفيداً من خلفيته المهنية كصانع أفلام ومصور ومحقق صحافي، وهي العوامل التي انعكست بوضوح على انشغاله بالتاريخ العماني وإعادة تأمله.

تقع الرواية في 260 صفحة، وتميل إلى التكثيف والاقتصاد، مع اعتماد الحوار الداخلي وتعدد مستويات السرد، وهو ما يجعل القارئ شريكاً في إعادة تركيب الأحداث، لا مجرد متلقٍ لها.

استلهم اليحيائي عنوان روايته من الموروث الشعبي العُماني والخليجي؛ إذ إن «حواليس» هي لعبة تقليدية يشبهها البعض بالطاولة، يمارسها الصيادون عبر حفرٍ في الرمال وتحريك القواقع والحجارة. ويحمل هذا الاختيار دلالة رمزية لافتة، حيث تبدو الرواية أشبه برقعة تاريخية تتداخل فيها الإرادات والأقدار، وتتحرك عليها الشخصيات بين التقدم والتراجع، والربح والخسارة، والصراع بين السلطة والقبيلة.

تفتتح الرواية صفحاتها بعبارة شهيرة للروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا: «الرواية تدريب على الحرية»، لتكشف سريعاً عن ملامح لعبة روائية مبتكرة تتنقل بالقارئ عبر فضاء زمني ممتد لأكثر من قرن؛ يبدأ من أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى تسعينات القرن العشرين.

تنطلق «حواليس» من فكرة سردية وتقنية روائية مغايرة في بناء النص الأدبي (تعدد الأصوات وكسر الجدار الرابع بين المؤلف ونصّه)؛ وشخصيات الرواية لا تعيش داخل الحدث فحسب، بل تُبدي وعياً مقلقاً بكونها شخصيات مكتوبة، تعلّق على فعل السرد نفسه، ومشدودة إلى كاتبٍ يمنحها الحياة أو يحجب عنها مصائرها.

وبلغة دقيقة ومشحونة بالتوتر، تفكك «حواليس» بنى العنف السياسي، والولاء، والخيانة، وتعيد مساءلة مفاهيم البطولة والشرعية والتاريخ الرسمي، من خلال شخصيات تقف على تخوم السلطة أو في ظلالها.

تؤدي شخصيات الرواية أدواراً سياسية واجتماعية وإنسانية، أبرزها شخصية «القومندان»، وهو جنرال سابق يرمز إلى فئة أسهمت في بناء الدولة الحديثة، وتقاطعت أدوارها مع السلطة والنفوذ الاقتصادي. وكذلك الشيخ عبد الله بن راشد، الذي اغتيل بطعنات خنجر غامضة بعد عقود من نضاله؛ ويجسد تياراً من تيارات المقاومة القبلية والشعبية للتدخلات الأجنبية، وبين هاتين الشخصيتين يأتي أبناء الشيخ عبد الله ومساعد القومندان، الذين يوسعون مساحة الحوار داخل الرواية، بما يعزز التوازن بين الذاكرة الجماعية والواقع الاجتماعي وتحولاته على مدى نصف قرن.

الرواية والتاريخ

نجح الروائي اليحيائي في روايته «حواليس» في إنتاج عمل أدبي جريء يزاوج بين السياسي والإنساني، ويؤكد قدرة الرواية على مساءلة الذاكرة الجماعية دون الوقوع في خطاب آيديولوجي مباشر، وتضع الرواية القارئ مباشرة أمام الثمن الإنساني الباهظ للتحولات الكبرى، لتطرح سؤالين جوهريين: كيف يُكتب التاريخ؟ ومن يملك حق روايته؟

سبق لليحيائي أن قال في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» عن اهتمامه بتقديم الحدث التاريخي كمادة أدبية للرواية، إن «كل كتابة هي نصّ تاريخي. لكن الرواية ليست وثيقة تاريخية. والرواية تنهض على الحدث التاريخي. ولا توجد رواية لم تنهض على حدث تاريخي».

وقال: «أنا مهتم بالتاريخ إجمالاً، وبتاريخ عُمان على نحو أخص، ودارس للتاريخ، وأظن أن تاريخنا مادة خام لم نحسن، حتى الآن، توظيفها في أعمال أدبية وفنية، بما في ذلك المسرح والسينما، لكن من المهم التنبه إلى أن الحدث التاريخي أو الشخصية التاريخية وحدهما لا يكفيان لكتابة رواية أو إنتاج عمل فني، بل ربما يكون التاريخ معيقاً لذلك، إذا لم نمتلك القدرة على نقد التاريخ ومساءلته، وإذا لم نمتلك حرية الخيال في تهشيم المقدس في تاريخنا وفي ماضينا وجعله عادياً، بل ومادة للعب».

من أجواء الرواية

«هل شعرنا بالإحباط لأنها أخذته منا؟ نعم، ولكن بدرجات متفاوتة، تفاوت المكانة التي يحتلها كل واحد منا في الرواية، كما ستكتشفون بأنفسكم، إذا ما عاد إلى الكتابة، وإذا ما قُدّر لمصائرنا أن تمضي إلى نهايتها، وللرواية أن تنشر».