قصة إصابة بـ{كورونا}... 14 يوماً من العزلة وأكثر

مدينة نيويورك
مدينة نيويورك
TT

قصة إصابة بـ{كورونا}... 14 يوماً من العزلة وأكثر

مدينة نيويورك
مدينة نيويورك

أبلغني الأطباء، في 17 مارس (آذار)، بأنني مصاب بفيروس «كورونا».
أضاف الخبر السيئ هواجس كثيرة على القلق الذي بدأ ينتابني منذ صبيحة الجمعة 13 مارس (آذار). استيقظتُ يومذاك في بيتي بمدينة نيويورك على حمى وصداع، وبعض الأوجاع. مثل كل الناس المتوجسين من أخطار العدوى والإصابة بــ«كورونا»، قمتُ أولاً إلى ميزان الحرارة الذي نستخدمه (زوجتي وأنا) بصورة دائمة في بيتنا، للتأكُّد من سلامة ابنتنا وابننا. ظهر القياس فوق المائة بقليل على مقياس فهرنهايت (نحو 38 درجة مئوية). كان هذا المؤشر الأول إلى أمر غير طبيعي، علماً بأنني عانيتُ منذ البداية من سعال جافّ، ولكنه لم يكن بالغ السوء. تحسَّن وضعي قليلاً بعدما تناولتُ حبتَيْ دواء لخفض الحرارة والألم. تغلبتُ على بعض ما انتابني من القلق، ثم حاولتُ أن أزاول حياتي اليومية كالمعتاد... طبعاً من المنزل على سبيل الاحتياط.
أعاد الدواء حرارتي طبيعية بضع ساعات. بيد أن التعب والإرهاق رافقاني رغم أنني لم أقم بأي جهد كبير. لازمتُ الفراش في غالب الوقت. عاودتني الحمى مساء. عالجتها بالدواء مجدداً. لم يكن الأمر سيئاً. غير أن الشّكوك ساورتني أكثر. كانت الأنباء عن الوباء والجائحة والعدوى بلغت كل الأرجاء، قريبة وبعيدة، وعبرت كل الحدود.
كنتُ أحسب طويلاً (كما كثيرين وكثيرات) أن العيش في نيويورك يوفر رعاية صحية لا تُضاهى. تنعم المدينة بعدد وافر من المستشفيات والأطباء والممرضات والممرضين. هنا مقصد الساعين إلى الصحة الفضلى والعافية الكبرى. رغم المخاوف والهواجس التي انتابتني، لم أشأ أن أكون عبئاً على النظام الصحي في نيويورك. بدأتُ أسمع أن هذا النظام متعَب ومنهَك، مع أنه من الأغلى عالمياً. هل جاء هذا الفيروس ليزيل الفوارق بين العالم الأول والعالم الثالث؟ ماذا عدا مما بدا؟
تكررت العوارض ذاتها لديّ السبت 14 مارس (آذار)، فسألت طبيباً صديقاً عما ينبغي القيام به. لم يتردد في نصحي بإجراء فحص «كورونا». سألتُ طبيباً آخر، فجاء جوابه أن الفحص ضروري. عندها حاولت الوصول إلى طبيبي العام في مستشفى «وايل كورنيل»، فلم أفلح. طلبت معاينة إلكترونية عن بُعد. ولم أتلقَّ إجابة فورية. بتُّ في حيرة وفي مزيد من القلق. تساءلتُ في قرارتي: كيف يمكن أن يصاب شخص ما بعوارض مرضية رئيسية، ويجد أن ثمة ما يعوق الذهاب إلى طبيب، حتى في نيويورك؟
عانيت عوارض إضافية، مثل التصلبات والتشنجات العضلية في أنحاء مختلفة من جسدي، بما في ذلك الرقبة والجوانب والبطن والأرجل واليدين. اتصلت هاتفياً بعيادة قريبة «ووك إن كلينيك»، وهي خدمة صحية على طريقة الوجبات السريعة. قيل لي إنه يمكنني الدخول والحصول على معاينة من طبيب متخصص. وأضافوا أن نسبة الفحوص المتوافرة قليلة للغاية. بيد أن الطبيب المتخصص سيقرر... هكذا كان. وضعتُ كمامة على وجهي، وأكفّاً بلاستيكية في يدي، وذهبت. قابلتُ الطبيب الأول الذي كان يرتدي كمامة واقية أيضاً. وجه لي كثيراً من الأسئلة، ثم أجرى مجموعة من الفحوص الحيوية الأولية. الحرارة 101 على مقياس فهرنهايت (أكثر من 38 مئوية). دقات القلب سريعة بعض الشيء (99 في الدقيقة). ضغط الدم طبيعي.
ثم جاءني طبيب متخصص آخر بدا لي وكأنه رائد فضاء. اطّلع على نتائج الفحوصات الأولية، ثم سألني عن عملي، وما إذا كنتُ قابلتُ أي شخص يمكن أن يكون مصاباً بالفيروس. الأمم المتحدة؟ سأل. هذا مقصد لعاملين ولزوار من كل أصقاع الأرض. للأسف، انطبقت عليّ شبهات عديدة. قال لي إنه سيجري فحصاً لمعرفة ما إذا كنتُ مصاباً بالإنفلونزا. بعد انتظار لنحو 15 قيقة، جاءت النتيجة سلبية. قال لي على الفور: تنطبق عليك كل المواصفات لإجراء فحص «كورونا». ذهب وعاد بعدة الفحص: قشة طبية طويلة في رأسها غلاف قطني. أدخلها إلى عمق الأنف وأدارها مرات عدة للحصول على عينة. سحبها، ثم وضعها على الفور في أنبوب يحتوي على سائل خاص. أغلقها وأبلغني أن النتيجة ستظهر بعد خمسة إلى سبعة أيام. طلب مني أن أضع نفسي في الحجر الذاتي إلى حين ظهور نتيجة الفحص، وأن أتوجه إلى العيادة أو الطوارئ في المستشفى إذا شعرتُ بعوارض إضافية أو مضاعفات، أخطرها أي شعور بضيق التنفس. طلبوا أيضاً أن تخرج زوجتي وابنتي وابني من المنزل الذي نعيش فيه، ريثما تظهر نتيجة الفحص. وأضافوا أنه إذا كان هذا غير ممكن، فعلى الأقل أن أضع نفسي في حجر تام، وألا أتقاسم دورة المياه مع بقية أفراد العائلة.
عدتُ إلى البيت حاملاً المزيد من الآلام والهموم والمخاوف. حبستُ نفسي في غرفة. وضعت بجانبي بعض الماء والدواء المخفف للألم والحمى وميزان الحرارة، وبعض الكتب. حاولت أن أقرأ، ثم استسلمت إلى النوم. مرّت الصباحات والنهارات والمساءات والليالي، وأنا في عزلتي أحصي الآلام المتنقلة في جسدي.
اتّصل بي الأطباء، الثلاثاء، في 17 مارس (آذار)، لإبلاغي أن نتيجة الفحص جاءت إيجابية. لم أُفاجأ كثيراً لأن الشعور بالإصابة كان فعل فعله بي. حرصت على إبلاغ جميع من كنتُ على صلة مباشرة معهم خلال الأيام السابقة، وبينهم زملاء من الصحافيين والإعلاميين والمسؤولين في الأمم المتحدة والعديد من السفراء والدبلوماسيين في نيويورك. كان أملي في ألا أكون نقلتُ العدوى إلى أي شخص، وفي أن يدرك أي شخص يصاب كيفية انتقال العدوى في حال حصولها.
تلاشت الحمى شيئاً فشيئاً. غير أن الأوجاع في صدري صارت تقلقني أكثر. ثم أتى الألم الحاد في العينين ليحرمني ثلاثة أيام متتالية حتى سلوى القراءة ومتعتها. تلاشى هذا الألم أيضاً، ليأتي الفصل الأخير (كما آمل) من العوارض؛ فقدتُ بشكل كلي حاستي الشم والطعم، اللتين قال الأطباء إنهما من مظاهر الإصابة بـ«كورونا».
تلقيتُ كثيراً من الاتصالات من أناس حريصين على صحتي، ومن آخرين قلقين على صحتهم، وأولئك الخائفين من انتقال العدوى إليهم مني مباشرة أو بواسطة شخص ثالث. أهم الأسئلة هي تلك التي تتعلق بالعوارض وتدرُّجها وخطورتها، فضلاً عن كيفية انتقال الفيروس من شخص إلى آخر، وما إذا كان هناك سبيل للشفاء الناجز والتام.
نعم، هذا الذي حصل بعد 14 يوماً من العزلة. زالت الآلام والحمى والعوارض غير الطبيعية. عادت الحيوية إلى جسدي. عدتُ كما كنتُ ولكن بتواضع أكبر، تواضع أمام هول ما حصل لي وما أصابني. الجسد الذي نحمله ويحملنا ليس منيعاً على كل الأمراض والأوبئة.
أحسب أننا نعيش في عالم جديد تسافر فيه الأوبئة عبر كل الحدود والمسافات، يُضطرّنا إلى عزل أنفسنا وعلى حجر أنفسنا في أضيق الأمكنة، بغية حماية أنفسنا وحماية الآخرين. وجدت نفسي مرغماً على وضع جديد: نرى العالم يدخل في فضاءات افتراضية جديدة.
وباء «كورونا» ليس بداية عزلة من 14 يوماً فحسب، بل أكثر. لعلها غيرّت وجه هذا العالم.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

رئيس وزراء أستراليا يدعو إلى التحلي بالهدوء بعد تهديد بوجود قنبلة في مقر إقامته

مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
TT

رئيس وزراء أستراليا يدعو إلى التحلي بالهدوء بعد تهديد بوجود قنبلة في مقر إقامته

مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)

قال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، اليوم (الأربعاء)، إنه لا يعدّ أمنه أمراً مفروغاً منه، بعد أن أُجلي من مقر إقامته لعدة ساعات، عقب تهديد بوجود قنبلة.

وأُجلي ألبانيزي من مقر إقامته في كانبرا خلال وقت متأخر من أمس الثلاثاء بعد تهديد أمني، وعاد بعد بضع ساعات، بعدما لم تعثر الشرطة على أي شيء مريب.

رئيس الوزراء الأسترالي (د.ب.أ)

وقالت الشرطة إنه لم يعد هناك أي تهديد.

وذكر ألبانيزي في فعالية بملبورن، اليوم (الأربعاء): «أعتقد أن هذا مجرد تذكير. اغتنموا كل فرصة لإخبار الناس، تحلوا بالهدوء رجاء».

وأضاف: «لا يمكننا أن نعدّ هذه الأشياء أمراً مفروغاً منها».

أعمدة منصوبة خارج «ذا لودج» المقر الرسمي لرئيس الوزراء الأسترالي في كانبرا بأستراليا (رويترز)

وأوضحت محطة «إيه بي سي» الحكومية، اليوم (الأربعاء)، أن التهديد مرتبط بفرقة «شين يون»، وهي فرقة رقص صينية كلاسيكية محظورة في الصين، ومن المقرر أن تقدم عروضاً في أستراليا هذا الشهر.

وذكرت المحطة أن الرسالة التي أُرسلت إلى المنظمين المحليين للفرقة زعمت أنه جرى زرع متفجرات حول مقر إقامة ألبانيزي، وأنها ستنفجر إذا قدمت الفرقة عرضاً في البلاد. ورفضت الشرطة التعليق على مصدر التهديد. ولم ترد «شين يون»، التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، على الفور على طلب للتعليق.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
TT

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

كشفت السلطات المحلية، اليوم الثلاثاء، أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكدت إدارة الإطفاء بالولاية ‌مقتل 16 ‌شخصاً في مدينة ‌جويز ⁠دي فورا وستة أشخاص ⁠في أوبا، على بعد نحو 110 كيلومترات.

سيارة عالقة داخل مطعم للوجبات السريعة في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

وعبر الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا عن تعازيه في منشور على «إكس»، قائلاً: «⁠ينصب تركيزنا على ضمان ‌المساعدة ‌الإنسانية، واستعادة الخدمات الأساسية، ودعم النازحين، والمساعدة ‌في إعادة الإعمار».

سكان يساعدون في جهود الإنقاذ وإزالة الأنقاض في منطقة تضررت من الأمطار الغزيرة في جويز دي فورا بالبرازيل (إ.ب.أ)

وقالت بلدية جويز ‌دي فورا إن نحو 440 شخصاً نزحوا من المدينة، حيث تسببت الأمطار في فيضانات وانهيارات ‌أرضية وأجبرت على تعليق الدراسة في المدارس.

وأضافت أن فرقاً ⁠متخصصة ⁠استدعيت للاستجابة للحوادث والبحث عن المفقودين.

وأفادت بوابة «جي 1» الإخبارية بأن 45 شخصاً في المدينة في عداد المفقودين، وبينهم أطفال.

وأعلنت الحكومة البرازيلية في بيان حالة الطوارئ في جويز دي فورا، مما سرع عمليات الإغاثة والمساعدات الإنسانية.


مؤسس تطبيق «تلغرام» يتهم روسيا بقمع الخصوصية 

بافيل دوروف مؤسس تطبيق ​تلغرام (أ.ف.ب)
بافيل دوروف مؤسس تطبيق ​تلغرام (أ.ف.ب)
TT

مؤسس تطبيق «تلغرام» يتهم روسيا بقمع الخصوصية 

بافيل دوروف مؤسس تطبيق ​تلغرام (أ.ف.ب)
بافيل دوروف مؤسس تطبيق ​تلغرام (أ.ف.ب)

قال بافيل دوروف، مؤسس تطبيق ​تلغرام، اليوم (الثلاثاء)، إن موسكو تواصل حملتها على الخصوصية وحرية التعبير، وذلك عقب تقارير لوسائل ‌إعلام روسية ‌أفادت ​بأن السلطات ‌فتحت ⁠دعوى ​جنائية ضده.

وتسعى ⁠روسيا لحجب «تلغرام»، الذي لديه أكثر من مليار مستخدم نشط، ويستخدم على نطاق ⁠واسع في كل ‌من ‌روسيا وأوكرانيا، ​وتوجيه ‌عشرات الملايين من الروس ‌نحو بديل مدعوم من الدولة، يُعرف باسم «ماكس».

ووفقاً لـ«رويترز»، كتب دوروف على ‌قناته على «تلغرام»: «فتحت روسيا قضية ⁠جنائية ضدي ⁠بتهمة 'مساعدة الإرهاب'. كل يوم، تختلق السلطات ذرائع جديدة لتقييد وصول الروس إلى (تلغرام) في سعيها لقمع الحق في الخصوصية وحرية ​التعبير».