بوركينا فاسو.. نهاية عهد

كومباوري.. غادر السلطة بثورة ربيعية بعد 27 عاما من الحكم المتسلط

نيران واشتباكات احتجاجا على بقاء كومباوري في الحكم
نيران واشتباكات احتجاجا على بقاء كومباوري في الحكم
TT

بوركينا فاسو.. نهاية عهد

نيران واشتباكات احتجاجا على بقاء كومباوري في الحكم
نيران واشتباكات احتجاجا على بقاء كومباوري في الحكم

«27 عاما من الفساد وهيمنة ثلة قليلة من الأشخاص على رقاب 16 مليون نسمة.. لقد أدركنا بعد أن رحل أننا لم نكن أحرارا»؛ بهذه الكلمات حاول شاب ثلاثيني شارك في المسيرات الشعبية التي أسقطت حكم رئيس بوركينا فاسو بليز كومباوري، أن يصف الدوافع التي حركته للخروج في ما يسميه هو «ثورة» ويصفه آخرون بنهاية رجل قوي لن تنساه بوركينا فاسو.
غادر كومباوري قصره الرئاسي منتصف يوم الجمعة 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد أقل من أسبوعين فقط من الذكرى الـ27 لوصوله إلى الحكم (15 أكتوبر/ تشرين الأول، 1987)، ذكرى كان كومباوري يريد أن يحتفل فيها بتعديل المادة 37 من الدستور ليبقى في الحكم خمسة عشر عاما أخرى؛ غير أن شعب بوركينا فاسو المُسالم خرج إلى الشارع وصرخ: «كفى.. عليك أن ترحل».
لطالما وُصف نظام بليز كومباوري بالأقوى والأكثر استقرارا في المنطقة، واستطاع بفضل ذلك أن يلعب دورا محوريا في المعادلة الإقليمية من خلال وساطات ناجحة في عدد من الملفات الشائكة والصراعات الدموية التي شهدتها منطقة غرب أفريقيا خلال السنوات العشر الأخيرة، فحجز مكانة دبلوماسية أكبر من حجم بلده الصغير القابع في خاصرة القارة السمراء وعلى حافة الصحراء الكبرى.
كومباوري كان يرتبط بعلاقات كثيرا ما وُصفت بـ«المشبوهة» مع نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، مما جعل مراقبين يتحدثون عن بداية نهايته مع سقوط نظام العقيد؛ بالإضافة إلى ذلك اشتهر كومباوري بعلاقاته القوية مع أغلب حركات التمرد في غرب القارة السمراء، بداية بأشهر متمردي المنطقة وأكثرهم دموية تشارلز تايلور في ليبيريا، مرورا بالمتمردين في كوت ديفوار وسيراليون، وصولا إلى الطوارق في شمال مالي؛ كل هؤلاء جمعهم كومباوري في بلده الصغير والفقير، قبل أن يلعب دورا محوريا في إنهاء صراعاتهم ليستحق لقب «الوسيط الناجع».
كان كومباوري الحالم بالبقاء في السلطة يعتقد أن المدخل الوحيد إلى ذلك هو تعديل الدستور، وأمامه خياران: إما أن يجري استفتاء شعبيا لا يضمن نتيجته في ظل تعبئة شعبية كبيرة ضد بقائه في الحكم تقوم بها منظمات المجتمع المدني وبعض الأحزاب السياسية؛ وإما أن يعرض تعديل الدستور على ممثلي الشعب في البرلمان حيث يحظى بأغلبية مريحة؛ فاختار المرور عبر البرلمان هربا من مواجهة إرادة الشعب.
أعلنت الحكومة يوم 20 أكتوبر الماضي أنها ستمرر تعديل المادة التي تحدد عدد المأموريات الرئاسية، عبر البرلمان في غضون أسبوعين؛ لتبدأ في اليوم الموالي احتجاجات شعبية رافضة للقرار، واكتفت في يومها الأول بإغلاق بعض الطرق الرئيسية في العاصمة واغادوغو.
مواجهة الشارع
بدأت الاحتجاجات الشعبية تكبر وتزداد تنظيما مع دخول حركة «المكنسة الوطنية» على الخط، وهي حركة شبابية أسسها قبل عام بعض الموسيقيين الذين يحظون بشعبية واسعة في أوساط الشباب، وأغلب مناضليها ولدوا إبان حكم كومباوري ولم يسبق لهم أن عرفوا رئيسا للبلاد غيره.
منذ تأسيسها استطاعت حركة «المكنسة الوطنية» أن تستقطب الشباب الذي لم يجد نفسه في الأحزاب السياسية، وزادت شعبيتها بعيد اعتصام نظمته قبل عدة أشهر أمام أحد المستشفيات العمومية لتجبر إدارته على الاعتذار عن سوء الخدمات والتعهد بتحسينها، كما أحرجت الشركة الوطنية للكهرباء باعتصام للاحتجاج على الانقطاع المتكرر للكهرباء في العاصمة.
نظمت الحركة الشبابية بالتنسيق مع بعض الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني، يوم الثلاثاء 28 أكتوبر الماضي، مسيرة وصفها مراقبون بالأكبر في تاريخ البلاد، فيما وصفها آخرون بـ«المليونية». كانت المسيرة التي طالبت بالتراجع عن تعديل الدستور بمثابة الإنذار الأول لنظام كومباوري الذي تجاهلها وواصل استدعاء البرلمان للتصويت.
خلال مسيرة 28 أكتوبر دعا زعيم المعارضة زيفرين ديابري المواطنين إلى «العصيان المدني»، فيما كان قادة حركة «المكنسة الوطنية» يخططون للاعتصام في «ساحة الأمة» التي أرجع لها الشباب اسمها القديم «ساحة الثورة»، وهو الاسم الذي كانت تحمله في عهد الرئيس توماس سانكارا؛ الذي قُتل رفقة 11 وزيرا من الحكومة إبان انقلاب كومباوري عام 1987.
بعد مفاوضات مع الأمن قررت الحركة الشبابية إخلاء الساحة والتجوال داخل الأحياء الشعبية من أجل تعبئة السكان للمشاركة في مسيرة كبيرة تنوي تنظيمها فجر الخميس 30 أكتوبر، موعد التصويت على تعديل الدستور، وهو اليوم الذي انفجر فيه الوضع.
في هذا الإطار يقول إيمانويل بيث، وهو عسكري فرنسي متقاعد سبق أن عمل سفيرا لفرنسا لدى بوركينا فاسو، إن «قضية مراجعة المادة 37 من الدستور المتعلقة بعدد المأموريات الرئاسية كانت الخيط الناظم لجميع مطالب سكان المدن والمجتمع المدني والمعارضة؛ مطالبُ تتعلق بالفقر والبطالة والتوزيع غير العادل للثروات؛ وهذه المطالب جميعها كان يعبَّر عنها من خلال رفض تغيير الدستور؛ والإجماع حول هذا الموضوع كان هو المحرك الحقيقي الذي فجر الثورة».
استطاعت حركة «المكنسة الوطنية» والأحزاب السياسية أن تجد التجاوب الشعبي الكبير في دعوتها للخروج إلى الشارع يوم 30 أكتوبر، وهو ما يعلق عليه الدبلوماسي الفرنسي بيث بالقول إن «طبيعة وشكل التحرك الشعبي يمكن تفسير جزء كبير منه من خلال بعض المعطيات: تقييم ناقص من طرف الأغلبية الرئاسية لحجم الرفض الشعبي لتغيير الدستور؛ تغاضي السلطات عن الخطر الذي يمثله البقاء طويلا في الحكم؛ البعد عن انشغالات ومطالب المواطنين؛ تأثير المحيط العائلي والسياسي الذي يخفي عن رأس السلطة الحاكمة حقيقة ما يجري خارج دهاليز القصر، ففي أحاديثه الخاصة لم يكن كومباوري يخفي تعبه من الحكم».
ويضيف الدبلوماسي الفرنسي أن «بطالة الشباب الذي يمثل أكثر من 60 في المائة من السكان؛ وانتشار الفقر؛ هذا بالإضافة إلى التفاعل مع الصراعات التي تضرب البلدان المجاورة؛ كل هذا مكّن من توحيد المطالب السياسية للمعارضة مع القدرات الثورية لدى الشباب الذي يحركه عدم الرضا عن الوضع القائم منذ سنوات سبقت ميلاد نسبة كبيرة منهم».
يوم انهار النظام
غير بعيد من «ساحة الأمة» كان رؤساء الأحزاب السياسية المعارضة يفِدون جماعات وأفرادا على مبنى البرلمان، وهم ينوون إقناع بعض نواب الأغلبية الحاكمة بالتصويت ضد مشروع تعديل الدستور، لكنهم واجهوا صعوبة كبيرة في ظل حرص الحكومة على تمرير خططها من دون أي مفاجآت.
في الخارج كان المشهد مختلفا بشكل كامل، حيث يجوب الشباب وبعض الناشطين السياسيين الأحياء الشعبية لحشد المواطنين للمشاركة في مسيرة توجهت إلى مبنى البرلمان من أجل منع التصويت على تعديل الدستور، في المقابل كانت وحدات الأمن تمنع الوصول إلى وسط المدينة؛ غير أنها لم تصمد أمام الشباب الغاضب.
بعد ساعات من المواجهات وصل المتظاهرون إلى مبنى البرلمان وأضرموا النار فيه، بالإضافة إلى مبنى التلفزيون ومنازل بعض قيادات نظام كومباوري، وسقط أول قتيل أمام منزل شقيق الرئيس فرنسوا كومباوري؛ قبل أن يتوجه المتظاهرون نحو القصر الرئاسي بحي «واغا 2000» الراقي.
المفارقة التي أذهلت أغلب المراقبين هي أن كومباوري لم يغادر قصره ذلك اليوم، حيث استقبل ممثلين عن الحشود التي تعتصم أمام القصر، ودخل معهم في مفاوضات لإقناعهم بأنه سحب مشروع تعديل الدستور من البرلمان، وأنه لم يعد ينوي البقاء في السلطة، كما أبدى استعداده لفتح حوار مع المعارضة، قبل أن يطلب من الوفد إقناع الجماهير الغاضبة بالعودة إلى منازلها والحفاظ على أمن واستقرار البلاد؛ وكان كومباوري يراهن على خبرته في التفاوض، وتاريخه المليء بالتفاوض والعمل الدبلوماسي الشاق، غير أنه فشل في إقناع مواطنيه بالهدوء.
في الجانب الآخر من المشهد أقدمت بعض قيادات حركة «المكنسة الوطنية» على خطوة غير متوقعة، حين توجهوا إلى قيادة أركان الجيش وطلبوا من الزعامات العسكرية تحمل مسؤولياتها لمنع «حمام دم» أمام القصر الرئاسي، ووقف عمليات نهب واسعة في العاصمة واغادوغو ومدن كبيرة أخرى.
الموقف الذي اتخذته القيادات الشبابية برره الصحافي الفرنسي برينو جافريه، المختص في شؤون بوركينا فاسو ومؤلف كتاب عن حياة توماس سانكارا، بالقول إن «الجيش هو المؤسسة الوحيدة المنظمة والمتماسكة في البلاد، خاصة كتيبة الحرس الرئاسي التي استطاعت أن تظهر بقوة وتجبر بقية الجيش على الالتحاق بها وقيادة البلاد بعد الفراغ الذي خلفه سقوط كومباوري»، قبل أن يضيف أن «القيادات الشبابية واجهت اتهامات ببيع كفاح الشعب، ولكن اتضح أنها كانت مصيبة في موقفها حيث بدأت الفوضى وكان لا بد من عودة الهدوء من أجل التقدم نحو الأمام».
وفي السياق نفسه، يؤكد الصحافي الفرنسي جافريه أن «قيادات المكنسة الوطنية كانوا يعتقدون أنهم من أطلق شرارة الفوضى ويجب عليهم لعب دور في عودة الهدوء، لذا جلسوا لعدة ساعات مع المقدم إسحاق زيدا، المسؤول الثاني في الحرس الرئاسي، قبل أن يرافقوه إلى ساحة الثورة حيث قرأ بيانه الشهير الذي أسهموا في كتابته، أمام عشرات آلاف المتظاهرين المتحمسين».
المعارضة الهشة
منذ تلك اللحظة بدأ المقدم زيدا يمسك خيوط اللعبة ويتضح أنه الرجل القوي الجديد لبوركينا فاسو، خاصة بعد اختياره من طرف المؤسسة العسكرية ليدير المرحلة الانتقالية، فبدأت مخاوف الشباب من طموحات العسكريين للبقاء في السلطة رغم تعهدهم بتسليمها للمدنيين أمام ضغط المجموعة الدولية؛ لكن المراقبين يرجحون أن العسكر سيسلمون السلطة للمدنيين ولو شكليا، فالطبقة السياسية لا تزال هشة وغير متماسكة، ويشكك الكثيرون في قدرتها على إدارة مرحلة انتقالية ناجحة.
الصحافي الفرنسي المختص في الشأن البوركيني يؤكد أن «تأخر أحزاب المعارضة في مواكبتها لسير الأحداث المتسارعة كشف عجزها عن تقدير الموقف وتوقع سير الأمور، لقد كان الشباب والنقابات أكثر حركيّة وديناميكية منها»؛ ويضيف «المعارضة تعاني نقصا كبيرا في الشعبية، خاصة أنها منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة وهي تقاد من طرف شخصيات من اليمين كان أغلبها من المقربين من نظام كومباوري في مراحل عديدة من حكمه، وبالتالي لم تتمكن هذه الشخصيات من كسب ثقة الشباب؛ أما الأحزاب اليسارية المتشبعة بفكر توماس سانكارا فتمزقها الصراعات الداخلية، وتحاول هذه الأحزاب منذ فترة أن تتوحد لتعيد جزءا من قوتها الجماهيرية المفقودة».
وضعية أحزاب المعارضة الهشة جعلت المراقبين يتساءلون عن مدى جاهزيتها لتسلم الحكم وتسيير البلاد؛ سؤال يجيب عنه الباحث الموريتاني المختص في الشؤون الأفريقية إسماعيل ولد يعقوب بالقول إن «بوركينا فاسو ستواجه صعوبات في الفترة الانتقالية لأنه حتى الآن لا توجد شخصية محل إجماع، حتى المعارضة شخصياتها ليست محل إجماع، فهي في أغلبها من أصدقاء الأمس القريب للرئيس المخلوع كومباوري، بالإضافة إلى بعض العسكريين المتقاعدين؛ المعارضة متهالكة ومتآكلة بسبب 27 عاما من الديكتاتورية».
في غضون ذلك، يؤكد إيمانويل بيث، السفير الفرنسي السابق لدى بوركينا فاسو، أنه «لا شك في أن قادة الأحزاب السياسية المعارضة لم يتمكنوا من تقييم الوضع والتفاعل معه بسرعة، وذلك ما يؤكد شكوكي في أن هذه المعارضة تملك مشروعا سياسيا حقيقيا».
نفس الرأي يدعمه الباحث الموريتاني المقيم في بوركينا فاسو إسماعيل ولد يعقوب حين يقول إن «العسكر قد يكون صمام أمان لهذه المعارضة حتى ترتب أوراقها ويتضح ميزان القوى داخلها، لكن الصورة قاتمة وستبقى كذلك إلى نهاية الفترة الانتقالية». ويضيف ولد يعقوب في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن «التركيبة الإثنية والدينية لبوركينا فاسو مختلفة عنها في الكثير من البلدان الأفريقية، فهي تركيبة غير قابلة للانفجار لأن هنالك تناغما وتمازجا بين المكونات الاجتماعية، فتجد رجلا مسيحيا اسمه محمد، وآخر مسلما اسمه أوغستين؛ حتى الرجل القوي الجديد في بوركينا فاسو المقدم إسحاق زيدا ينحدر من قبيلة الموسى وهو مسلم، وابن عمه الرئيس المخلوع بليز كومباوري مسيحي كاثوليكي؛ هكذا تبدو الحالة البوركينية توحي بشيء من العافية والجنوح نحو السلم».
وفي ظل الهدوء الشعبي الذي أعقب الإطاحة بحكم بليز كومباوري، بدأت المجموعة الإقليمية والدولية تتحرك ضد العسكريين في بوركينا فاسو، وفي هذا السياق يعلق الصحافي الفرنسي برينو جافريه ويقول «منذ سقط كومباوري والمجموعة الدولية تصدر البيانات شديدة اللهجة تطالب بعودة الحكم للمدنيين، مما يجعلنا نتساءل عن سبب هذه اليقظة المتأخرة. ألم يكن كومباوري بالنسبة لهم (رجل السلام) مع أنهم كانوا يعرفون ماضيه غير المشرف في الحروب البشعة بسيراليون وكوت ديفوار، ودعمه الواضح والصريح للمتمردين في مالي؟ لكن الأكثر بشاعة هو دوره القوي في الحرب الأهلية في ليبيريا، وقد ذُكر اسم كومباوري عدة مرات خلال محاكمة تشارلز تايلور، فهل يمكننا أن نتساءل عن محاكمة كومباوري لكشف ماضيه الغامض؟



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.