متى ستكتُبُ روايتك؟

الكتابة الروائية فنّ يتّسمُ بالغواية أكثر من الأنماط السردية الأخرى

متى ستكتُبُ روايتك؟
TT

متى ستكتُبُ روايتك؟

متى ستكتُبُ روايتك؟

«الرواية هي كتابُ الحياة المشرق» بهذه العبارة المشعّة يختزل أحد أقطاب الحداثة الروائية «دي. إتش. لورنس» قيمة الرواية ومكانتها الاعتبارية في حياة الأفراد والأمم، وقد جاءت عبارته تلك في سياق مقالة تأريخية له «تعدُّ اليوم واحدة من أهم الأدبيات التأسيسية لفن الرواية» عنوانها «لماذا تُحسبُ الرواية شأناً مهماً؟».
ليس لورنس وحده هو من كتب في أهمية الفن الروائي؛ بل إن معظم روائيي وروائيات عصر الحداثة وما بعد الحداثة وحتى حقبة الرواية المعاصرة ورواية القرن الحادي والعشرين ساهموا في تدعيم نظرية الرواية وكشفوا عن رؤاهم بشأن الفن الروائي، وإذا ما شئتُ إيراد أمثلة فسأكتفي بالأمثلة القياسية التالية: «فن الرواية» للروائي ميلان كونديرا، «تأمّلات في السرد الروائي» للكاتب والروائي أمبرتو إيكو، «فن الرواية» للكاتب والروائي كولن ويلسون. ذهب بعض الروائيين إلى كتابة مطوّلات روائية صارت بمثابة كتب منهجية تدرّسُ في الجامعات، وأميل في هذا الشأن للإشارة إلى الكتاب المهم الذي كتبته الروائية والأستاذة الجامعية جين سمايلي (Jane Smiley) بعنوان «13 طريقة في النظر إلى الرواية»، ذلك الكتاب الذي أراه عظيم الأهمية للروائي المبتدئ والمتمرّس في حرفته الروائية لسببيْن: الأول، لكون الكتاب مكتوباً من وجهة نظر روائية خبرت العملية الروائية وحيثياتها الدقيقة، وبالتالي لم يأتِ ما كتبته بدفعٍ من المتطلبات الأكاديمية واشتراطاتها الضيقة، أما السبب الثاني فهو أنّ الكتاب يضمّ في فصله الأخير قراءة الكاتبة لمائة رواية ورواية «101 رواية»، «ونلاحظ قصدية الكاتبة في الإحالة إلى ألف ليلة وليلة وأجوائها السحرية!!»، والكاتبة إذ تقدّمُ هذه القراءة فهي تعلن للقارئ معتمدها الأدبي (Literary Canon) الخاص بها والذي تراه خليقاً بتشكيل الذائقة الروائية المميزة لكلّ من يعتزم الانغمار الكامل في مخاضة الكتابة الروائية العسيرة.
الكتابة الروائية فنٌّ يتّسمُ بالغواية، وهي قادرة على الإمساك بعقل القارئ وروحه بطريقة -ربما- تعجز عنها الأنماط السردية الأخرى، وتلك حقيقة كُتِب بشأنها الكثير من الشروحات والمسوّغات التي تتفق جميعها على أنّ الرواية تمتلك مقدرة متفرّدة في قول أي شيء وكلّ شيء؛ الأمر الذي جعلها ممارسة مهنية وإنسانية ذات طبيعة معولمة تتعالى على محدّدات الزمان والمكان والبيئة والجغرافيات البشرية. تناولتُ في مقدّمة كتابي المترجم «تطوّر الرواية الحديثة» الأسباب التي أراها مسوّغة لامتلاك الرواية هذه الفتنة المغوية التي تدفع الجميع لتجريب الكتابة الروائية في طورٍ واحد -على الأقلّ- من أطوار حياتهم.
تروي الكتب التي تتناول التأريخ الروائي أنّ الرواية كانت تُخاطِبُ النساء حصراً في بواكيرها الأولى، وكان مطلوباً من الرواية أن تملأ ذلك الفراغ العاطفي لديهن بكتابات تغلب عليها الرومانسية الفيّاضة التي وصفها الدكتور جونسون بأنها «مفسدة للعقل الجميل وحسّ المحاكمة الأخلاقية المسؤولة». لستُ في حاجة إلى القول إن تلك كانت عهوداً شهدت بواكير الكتابة الروائية المثبتة تأريخياً في القرن الثامن عشر؛ أما في وقتنا الحاضر فقد شهد الفن الروائي اعترافاً راسخاً بكونه الفاعلية الإنسانية الأكثر رواجاً وتأثيراً من سواه حتى بات كلّ فردٍ في هذا العالم -حتى لو كان عالماً وأكاديمياً متخصّصاً في أحد الفروع المعرفية الصلبة- يتوق لكتابة روايته، ولو شئت إيراد مثال معاصر فسأذكر الرواية المنشورة حديثاً بعنوان «موت الشمس – Sunfall» للفيزيائي الأشهر «جِم الخليلي». لا يمكن للمرء أن يغفل هنا ملاحظة أنّ الرياضياتيين والفيزيائيين هم أكثر شغفاً في الفن الروائي بالمقارنة مع سواهم من العلماء، وربما تشير هذه الحقيقة إلى أنّ الرواية فاعلية فكرية تتناغم مع آلية تخليق الأفكار في الفروع المعرفية خارج نطاق الفاعلية السردية المتداولة.
لستُ هنا مهجوسة بتقديم المسوّغات التي تُعلي شأن الكتابة الروائية، أو تقديم وصفة -كما وصفات الطبخ- للرواية الجيدة؛ بل أسعى لمخاطبة كلّ من يستأنسُ في نفسه شغفاً في الولوج لغابة السرد الروائي -من الشباب والشابات بخاصة- وسأسجّلُ بعض الأفكار التي أراها مفيدة في هذا الشأن:

الرواية الأولى تتصادى مع وقائع من سيرتك الذاتية
كلّ من جرّب كتابة روايته الأولى سيجد نفسه مدفوعاً بقوة قهرية لتوظيف وقائع من سيرته الذاتية، والسبب وراء ذلك واضح: إنه أشبه ما يكون بآلية دفاعية لا تنفكّ تضغط على المرء للتشبث بملاذ آمن يكمنُ في سيرته الذاتية. هذه آلية طبيعية ناجمة عن الخشية من ولوج عالم الأفكار والوقوع في مطبّات منطقية أو نهايات مستغلقة أو عوالم هيكلية فكرية غير مقنعة أو ساذجة. لا ضير بالطبع من تناول المرء لسيرته الذاتية وبخاصة في روايته الأولى؛ لكنما يتوجب أن تنطوي هذا السيرة على ما يستحقُّ التحوّل من واقعة حياتية عادية إلى تجربة إنسانية نتشاركُها مع الآخرين، والمعيارُ الأوحد لتقدير هذه الأهمية هو الفرد ذاته ومروءة أخلاقياته وتقديره الشخصي المرتكن إلى منظومة يفترضُ أن تتّسم بقدر معقول من النزاهة.

غواية المُعتمد الأدبي
أغلبنا تلبّستنا غواية المعتمد الأدبي في بواكيرنا الأدبية: أن نرتكن لمعتمدٍ أدبي اتفق عليه أحد كبار النقّاد «هارولد بلوم، جورج شتاينر، فرانك كيرمود... إلخ» ونمضي في قراءة الأعمال الروائية المسطورة فيه تباعاً حتى نأتي عليها كلها. القراءة فعلٌ محمود في كلّ الأحوال، والنتائج المترتبة عليها رائعة ومفيدة؛ لكنما الاختلاف يكمن في طبيعة المعتمد الأدبي الذي نعتمده؛ فهو ناتجٌ كيفي يتفق مع سيكولوجيا الفرد وذائقته القرائية وعمره البيولوجي وخبرته الحياتية، وما مِن معتمد أدبي يتفق عليه اثنان باستثناء المعتمدات الأدبية التي ترسّخت بفعل المواضعات النقدية. كلّ منّا يخلق معتمده الأدبي الخاص به بفعل القراءة الروائية المتصلة والمتنوّعة وغير المقتصرة على أسماء روائية بعينها دون سواها.

أهمية القراءة الواسعة والمتنوّعة في الحقول المعرفية المستجدة
لا أقصدُ هنا القراءة الواسعة في الحقول المعرفية المعروفة: الفلسفة والسيكولوجيا وتأريخ الأفكار؛ بل أقصدُ -بالتحديد- القراءات في الميادين المعرفية المشتبكة التي نشأت مع الثورة المعلوماتية الرابعة -تلك الثورة التي باتت تطرق أبواب العالم، وباتت تتمظهرُ في مفردة الأنسنة الانتقالية (Transhumanism) وسائر موضوعات الثقافة الثالثة. كان القطار -على سبيل المثال- أحد الأمثلة كثيرة الشيوع في الروايات الحداثية لكونه التجسيد الشاخص للحداثة العلمية والتقنية، وفي السياق ذاته ينبغي لمفردات عصر الثورة الرابعة أن تكون جزءاً من أي مشروع روائي جاذب يسعى لنيل الاعتراف والمقبولية في حدودها الدنيا الممكنة.

وهمُ الاندفاع وراء الأخدوعات السائدة
تشيعُ بين آونة وأخرى موضة كتابية معيّنة تلقى دعماً من جانبٍ ما، ثمّ تتغوّلُ تلك الموضة لتستحيل نمطاً يسعى الجميع لاعتماده تقليداً روائياً سائداً. من الطبيعي أن يميل الشباب لتقليد تلك الموضات الكتابية طمعاً في جائزة أو حظوة؛ غير أنّ مقتلة الكاتب الروائي تكمن في اعتماده نمطاً كتابياً مصطنعاً لا يتناغم مع ميله الطبيعي وشغفه.
أودّ هنا الإشارة إلى ظاهرة «الفصاحة الجديدة» كمثال؛ فقد شاع هذا النمط الكتابي باعتباره محاولة جريئة للتوغّل في القيعان المجتمعية السحيقة الحافلة بالعوالم الديستوبية المسكوت عنها، وقد تمادى بعض كتّابنا الشباب -بل حتى بعض الروائيين المخضرمين كذلك- في هذه الفصاحة الجديدة التي صارت ميداناً لتجريب كلّ القباحات اللغوية الفجة والمبتدعات الروائية المصطنعة.
الكتابة الأصيلة المتناغمة مع خبرة الفرد وممكناته اللغوية لهي أفضلُ وأبقى من كتابة مصطنعة يتوسّلُ بها الفرد وسائل وأساليب مفروضة بطريقة قسرية ومُخادِعة.

أهمية إتقان لغة ثانية
قد يقرأ أحد الشباب مئات وألوفاً من الأعمال الروائية وغير الروائية المكتوبة باللغة العربية؛ لكن ما من وسيلة تعويضية للنقص الكامن في معرفتنا بالآخر وعوالمه وتجاربه سوى قراءة أعماله بلغتها الأصلية. الإنجليزية بالطبع هي اللغة العالمية الأكثر رواجاً وتأثيراً من سواها؛ وعليه لو أراد أي منّا ترسيخ فرادته الروائية ورصانته المعرفية العامة فليس من بديل عن إتقان الإنجليزية في المقام الأول، ولو استطاع لمعرفة لغة أخرى –إلى جانب الإنجليزية- سبيلاً فسيكون أمراً عظيم الفائدة والأهمية.

هاجسُ التجنيس الروائي
لا يوجد في العالم كاتبٌ روائي يخاطبُ نفسه قبل الشروع في عمل روائي جديد: هذا عمل سأكتبه بموجب مقاسات رواية ما بعد الحداثة، أو رواية القرن الحادي والعشرين. إنّه يكتبُ بموجب ذائقته الشخصية ومواصفات الكتابة التي تستطيع استيعاب ما يبتغي تمريره من أفكار وخبرات. تمثل رواية القرن الحادي والعشرين مصداقاً للمدى الواسع الذي يمكن أن تبلغه الحدود القصوى في الكتابة الروائية؛ فقد ارتدّت الكتابة الروائية إلى نمطٍ من السرديات الكلاسيكية -التي سادت في بواكير الرواية- مع تطعيمها بأنماط سردية تناغم المقدرة المفترضة للرواية في تناول كل شيء وأي شيء، ولو تفحّصنا واحدة من روايات كاتب معاصر (إيان ما كيوان، على سبيل المثال) لشهدنا توليفة من الكتابة الفنتازية والوثائقية وسرديات التخييل التأريخي ورواية الخيال العلمي والمستقبليات المحكومة بالذكاء الصناعي.

التعجل الروائي مصيدة ومثلبة كبرى
يستلزم العمل الروائي المصنوع بطريقة تستحقّ جهد القراءة ثلاث سنوات -في المعدّل- من البحث والمتابعة والكتابة، وهذا ما نشهده في الروايات المبدعة لكبار الكتّاب العالميين. إنّ إصدار رواية «أو ما يشبه الرواية» كلّ ستة أشهرٍ أو سنة، وبصرف النظر عن المسوغات الدافعة له، لهو فعلٌ يشي بكتابة متعجّلة تفتقر إلى البحث الرصين والتنقيب في الوقائع والتواريخ والحيثيات الدقيقة فضلاً عن كونه إشارة غير محمودة لكاتب يكتبُ كلّ ما يعنّ له من أفكار لحظية متوهماً أن هذا الفعل هو رواية. الرواية صناعة دقيقة وصبورة تعتمد خريطة تضاريس فكرية مسبقة ومحدّدة المعالم -يمكن إعادة ترتيبها كلّ حين؛ إنما ليس ممكناً العمل من دونها أو حتى التخلي عنها- وسنكون غشماء كثيراً لو صدّقنا الأكذوبة التي تقول «إن الرواية هي من تقودك ولستَ أنت من يقودُها».

- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في الأردن



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».