تونس تفرض حجراً صحياً عاماً وسط مخاوف من «سيناريو إيطاليا»

سجّلت أول وفاة بـ«كورونا»

زحمة مسافرين في مطار قرطاج تونس الدولي أمس قبل إغلاق المجال الجوي التونسي أمام حركة الطيران بدءاً من ليلة الجمعة (د.ب.أ)
زحمة مسافرين في مطار قرطاج تونس الدولي أمس قبل إغلاق المجال الجوي التونسي أمام حركة الطيران بدءاً من ليلة الجمعة (د.ب.أ)
TT

تونس تفرض حجراً صحياً عاماً وسط مخاوف من «سيناريو إيطاليا»

زحمة مسافرين في مطار قرطاج تونس الدولي أمس قبل إغلاق المجال الجوي التونسي أمام حركة الطيران بدءاً من ليلة الجمعة (د.ب.أ)
زحمة مسافرين في مطار قرطاج تونس الدولي أمس قبل إغلاق المجال الجوي التونسي أمام حركة الطيران بدءاً من ليلة الجمعة (د.ب.أ)

أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد، أمس (الجمعة)، حجراً صحياً عاماً وطلب من أغلب المواطنين البقاء في بيوتهم إلا للضرورة القصوى، وعلّق التنقل بين المدن، في تشديد للإجراءات الهادفة إلى منع تفشي فيروس كورونا المستجد. وجاء قراره في وقت أغلقت السلطات التونسية المجال الجوي للبلاد أمام الرحلات من تونس وإليها بدءاً من منتصف ليلة الجمعة لتنتهي معها رحلات الإجلاء.
وشهد مطار قرطاج الدولي، أمس، ازدحاماً لافتاً مع تسارع عمليات إجلاء الرعايا الأجانب العالقين أو المقيمين في تونس نحو بلدانهم، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية.
وكانت السلطات التونسية قد كشفت، صباح أمس، عن تسجيل أول حالة وفاة بوباء «كورونا» المستجد، مشيرة إلى ارتفاع الإصابات المؤكدة بالفيروس إلى 54 حالة، وسط مخاوف من أن تشهد البلاد تكراراً لـ«السيناريو الإيطالي» البالغ السوء أوروبياً، وحتى عالمياً، لجهة أعداد الضحايا.
وقالت نصاف بن علية، المديرة العامة لـ«المرصد الوطني للأمراض المستجدة» التابع لوزارة الصحة التونسية، في مؤتمر صحافي، أمس، إن حالة الوفاة تعود إلى امرأة مسنة مصابة بفيروس «كوفيد 19». وأوضحت أن نتائج التحاليل المخبرية التي جرت على المرأة المتوفاة بمستشفى «فرحات حشاد» بمدينة سوسة (وسط شرقي تونس) أثبتت أنها توفيت بالفيروس. وأشارت إلى أنها قدمت إلى تونس من تركيا، وامتثلت للحجر الصحي الذاتي في منزلها إثر عودتها.
وأكدت بن علية أيضاً ارتفاع عدد الإصابات بفيروس «كورونا» في تونس إلى 54 حالة مؤكدة، من بينها أربع حالات خطرة، وهي تتوزع على 44 مصاباً تونسياً و10 مصابين أجانب، وذلك بعد تسجيل 15 إصابة جديدة.
من ناحيته، قال سامي الرقيق، المدير الجهوي للصحة بمدينة سوسة، إن مراسم دفن الضحية الأولى لفيروس «كورونا» ستتم «بصفة استثنائية ووقائية»، على حد تعبيره، مشيراً إلى توفير كل وسائل الوقاية للمشاركين في دفن الجثمان، وإلى أنه لن تتم عملية غسل الجثمان نتيجة بقاء الفيروس بعد الوفاة، مضيفاً أن المصالح البلدية والصحية ستتكفل بكافة الإجراءات.
وبشأن التوزيع الجغرافي للإصابات في تونس، تحتل ولاية (محافظة) تونس المرتبة الأولى في عدد الإصابات بواقع 17 إصابة، تليها أريانة بـ13 إصابة، و4 إصابات في كل من تطاوين وسوسة، و3 حالات في المهدية والمنستير. كما سُجِّلت حالتان في كل من بنزرت والقيروان وبن عروس، وإصابة واحدة في كل من مدنين ونابل وصفاقس وقفصة (حيث سُجِّلت حالة شفاء واحدة). وقالت بن علية، في هذا الإطار، إن المعدل العمري للمصابين يقدّر بـ45 سنة.
ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن بن علية قولها أيضاً: «إذا اضطرَّنا الوضع الوبائي للإعلان عن حجر صحي شامل في بعض المناطق، فسنعلن عنه في الإبان (حينه)». وأشارت الوكالة إلى أن السلطات الطبية في تونس أخضعت حتى اليوم قرابة 11 ألف شخص للحجر الصحي الذاتي، أغلبهم من الوافدين من الخارج.
وأكد مصدر طبي أن تونس انتقلت الآن، كما يبدو، إلى المرحلة الحرجة، مقارنة ببقية بلدان الجوار. وأضاف أن الأرقام الجديدة المسجلة تعني أن تونس تواجه احتمال أن تكون الأعداد الحقيقية للمصابين أكبر بكثير، نتيجة قلة التحاليل المخبرية التي يتم إجراؤها للكشف عن الوباء؛ مشيراً إلى أن وزارة الصحة التونسية «قد تفقد السيطرة على الوضع على غرار السيناريو الإيطالي». ودعا إلى تطبيق الحجر الصحي الكامل، وعزل مدن العاصمة التونسية والولايات الثلاث القريبة منها (منوبة وأريانة وبن عروس)، مشدداً على أن العدد الحقيقي للمصابين قد يكون ضعف المعلن عنه رسمياً.
في غضون ذلك، أشارت وكالة الأنباء الألمانية إلى أن وزارة الشؤون الدينية في تونس حظرت صلاة الجماعة في المساجد، غير أنها أبقت على إذاعة تلاوات القرآن والأدعية عبر المآذن. وتابعت بأن تلاوات القرآن الكريم تُسمع وهي تنطلق من مكبرات الصوت في أعلى المآذن في العاصمة التونسية، ولكن مشاعر القلق، والخوف أحياناً، تبدو على الوجوه في طوابير ممتدة أمام الصيدليات والمطاحن، وأماكن البيع بالتجزئة.
وقالت المكلفة بالإعلام في وزارة الشؤون الدينية، نجاة همامي، لوكالة الأنباء الألمانية: «أرسلنا منشوراً إلى المديرين الجهويين للسماح بإذاعة القرآن والأدعية بين فترتي المغرب والعشاء، وحتى خارج هذه الأوقات». وأضافت: «سيساعد هذا في بث السكينة والهدوء والطمأنينة في نفوس المواطنين. في مثل هذه الأوقات نحتاج إلى الدعاء وطلب المغفرة».
وأشارت الوكالة الألمانية إلى أن تونس حظرت التجمعات، بما في ذلك صلاة الجماعة في المساجد وصلاة الجمعة، وقلَصت ساعات العمل في المقاهي والمؤسسات العمومية، للوقاية من انتشار الفيروس القاتل؛ لكنها أضافت أنه برغم قرار السلطات، فإن مصلين يتجمعون أمام الباب المغلق لجامع ابن عرفة بحي التحرير في العاصمة، من أجل صلاة الجماعة، قبل سريان حظر التجول الليلي، بدءاً من يوم الأربعاء الماضي.
وقال الإمام الخطبي طارق العكروت، إن «إلغاء صلاة الجماعة أثار بعض القلق لدى المواطنين؛ لكننا في وضع استثنائي. حفظ النفس أمر مقدس في الإسلام. وقرار الحظر الذي صدر بُني على أساس صحي وشرعي، ولم نخالف شرع الله فيما تم اتخاذه».
وتابعت الوكالة الألمانية بأن مطران الكنيسة الكاثوليكية في تونس وكبير أحبار اليهود أوقفا أيضاً كافة الأنشطة الدينية في الكنائس والمعابد. كما توجه ممثلو الديانات الثلاث بنداء مشترك من أجل التضرع إلى الله، والتقرب إليه بالدعوات لرفع البلاء.
وأشارت الوكالة الألمانية إلى أن حالة من الترقب والخوف تسود في الشوارع والبيوت بتونس، في ظل الأنباء القادمة من الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط؛ حيث قضى الفيروس على أكثر من ثلاثة آلاف شخص في إيطاليا، التي تبعد نحو 160 كيلومتراً فقط، وهي أقرب نقطة من التراب التونسي. وتابعت بأن سبب هذا الخوف أن الإمكانات المادية والتقنية المتوفرة بالقطاع الصحي العمومي في تونس، قد لا تسمح للدولة بمقاومة وباء فتاك، في وقت انهارت فيه إيطاليا، المصنفة بين الدول السبع الكبرى المصنِّعة في العالم، وحيث اعترفت أيضاً ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا بالوضع الحرج والدقيق.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركتان أميركية وسعودية لتسليم كوكبة الأقمار الاصطناعية «SAR» لرصد الأرض

رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
TT

شركتان أميركية وسعودية لتسليم كوكبة الأقمار الاصطناعية «SAR» لرصد الأرض

رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)

وقعت شركة «Antaris»، الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي للفضاء، وشركة «SARsatX™»، المتخصصة في الفضاء التجارية السعودية، على هامش معرض الرياض الدولي للدفاع، مذكرة اتفاقية، تستهدف تعزيز تطوير وتنفيذ وتسليم مجموعة الأقمار الاصطناعية ذات الفتحة الاصطناعية «(SAR) EO»، للمملكة.

وبموجب الاتفاقية، ستتعاون كل من «SARsatX»، التي تطوّر حمولة رادار ذات فتحة اصطناعية (SAR) متقدمة ومملوكة لها، و«Antaris»، التي توفر أحدث منصات الأقمار الاصطناعية والقطاع الأرضي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وتشمل المنصات الرقمية، كلاً من «TrueTwin™» الرقمي التوأم وقدرات «Full Mission Virtualization™» معاً لدعم النشر الموثوق، وفي الوقت المناسب لكوكبة أقمار «SAR» الاصطناعية لتحقيق أهداف التنمية السعودية.

ومن المتوقع أيضاً أن تتيح الشراكة زيادة توطين المنتجات والخدمات الفضائية، فضلاً عن تطوير الخبرة الفنية ورأس المال البشري داخل الدولة لإدارة وتشغيل الأبراج المعقدة متعددة الأقمار الاصطناعية.

ويتوقع الطرفان تسليم القمر الاصطناعي الأول في غضون 12 شهراً، تليها الأقمار الاصطناعية المتبقية وفقاً لجدول زمني مرحلي، مع هدف طويل المدى يتمثل في إنشاء قدرات تصنيع محلية، بوصفها جزءاً من برنامج كوكبة الأقمار الاصطناعية المخطط له.

وقال توم بارتون، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «Antaris»، توضح الشراكة مع «SARsatX» في هذه الكوكبة كيف يمكن لمنصة «Antaris Intelligence™» تسريع الوقت للحصول على ذكاء قابل للتنفيذ من خلال دعم العملاء أثناء قيامهم بتوسيع قدراتهم التصنيعية والتشغيلية.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن رؤيتنا في «Antaris» تتمثل في جعل المهام الفضائية أسرع وأبسط وأكثر فاعلية من حيث التكلفة.

من ناحيته، قال الدكتور عمرو العمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في «SARsatX»: «تلتزم (SARsatX) ببناء القدرات الوطنية في مجال تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية، وتتيح لنا الشراكة مع (Antaris) تسريع خريطة طريقنا».

وتابع العمودي: «ستعمل الشراكة على تطوير المواهب المحلية، وإظهار النجاح المبكر مع إطلاقنا الأول، وإرساء الأساس للتصنيع المستقبلي في المملكة العربية السعودية، بما يتماشى مع خطتنا الأوسع لإنشاء ونشر قدرات متعددة الوسائط في السنوات المقبلة».

من جهته، قال كارثيك جوفينداسامي، المدير التنفيذي للتكنولوجيا والمؤسس المشارك لشركة «Antaris»: «تُظهر هذه المهمة قدرة منصة (Antaris Intelligence™) على تقليل الوقت اللازم للوصول إلى المدار ووقت الرؤية بشكل كبير».

وتابع: «من خلال نمذجة القطاع الفضائي والأرضي بالكامل ضمن (Antaris Intelligence™)، يمكن لـ(SarsatX) إزالة مخاطر البرنامج، وخفض التكاليف، وتسريع تقديم رؤى قابلة للتنفيذ للعملاء».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» في السياق نفسه، قال عبد الله زيد المليحي، رئيس مجلس إدارة «الشركة السعودية للتميز»، الوسيط المسهل للاتفاقية والشراكة: «إن الدعم الذي توفره القيادة السعودية يعزز نشاط المبادرات القوية لتنمية قطاع الفضاء».

وأضاف المليحي: «من خلال شراكتنا مع (Antaris) و(SarsatX) نستهدف العمل معاً لدفع الابتكار والتنمية الاقتصادية وتعظيم المنافع المجتمعية، ليس فقط في المملكة العربية السعودية، بل أيضاً لصالح الشركات الأميركية والعالمية العاملة في المنطقة. كما سنعمل على توفير وظائف عالية المهارات في المملكة وتنفيذ مشروعات تكنولوجية متقدمة تُسهم في خلق فرص عمل جديدة ومجزية».


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.