الطواقم الطبية العربية في إسرائيل على جبهة الصدام الأولى مع «كورونا»

يشكلون 20.8 % من العاملين في المهن الصحية ويتعرضون للعنصرية

أطباء وممرضون يهود وعرب يحتجون على قيام عنصريين بالاعتداء على طبيب عربي في مستشفى إسرائيلي عام 2006 (الشرق الأوسط)
أطباء وممرضون يهود وعرب يحتجون على قيام عنصريين بالاعتداء على طبيب عربي في مستشفى إسرائيلي عام 2006 (الشرق الأوسط)
TT

الطواقم الطبية العربية في إسرائيل على جبهة الصدام الأولى مع «كورونا»

أطباء وممرضون يهود وعرب يحتجون على قيام عنصريين بالاعتداء على طبيب عربي في مستشفى إسرائيلي عام 2006 (الشرق الأوسط)
أطباء وممرضون يهود وعرب يحتجون على قيام عنصريين بالاعتداء على طبيب عربي في مستشفى إسرائيلي عام 2006 (الشرق الأوسط)

في الوقت الذي تقف الطواقم الطبية في العالم أجمع، على جبهة الصدام الأولى في مواجهة فيروس «كورونا» الفتاك، ويكون العديدون منهم عرضة لخطر الإصابة، يبرز في إسرائيل دور الطواقم الطبية العربية في هذه المعركة. فصحيح أن «كورونا» هي عدو مشترك لجميع شعوب الأرض، وصحيح أن الطبيب في كل مكان يؤدي قسم شرف المهنة بألا يفرق بين مريض ومريض في تقديم العلاج، بل صحيح أن القيادات السياسية الفلسطينية والإسرائيلية تترفع عن الصراع القومي والخلافات الحادة وتتعاون بشكل علني ورسمي على مواجهة الفيروس الفتاك، إلا أن هناك غيوماً متلبدة تخيم فوق رؤوس «ملائكة الرحمة» ولا تتيح لهم أداء دورهم الإنساني بالشكل الطبيعي.
وحسب معطيات رسمية لوزارة الصحة ودائرة الإحصاء المركزية، تبلغ نسبة العرب من السكان 18.5 في المائة لكنها تبلغ 20.8 في المائة من العاملين في المهن الطبية. إذ إن 17 في المائة من الأطباء في إسرائيل هم من العرب. و24 في المائة من الممرضات والممرضين و47 في المائة من الصيادلة، و33 في المائة من العاملين في النظافة والصيانة في المستشفيات والعيادات الطبية هم من العرب. وهذه ليست مجرد أرقام، بل تترجم في الحياة العملية بشكل صارخ. فأنت لا تدخل إلى مشفى أو عيادة إلا وتلاحظ وجود العرب جنباً إلى جنب مع اليهود، يقدمون الخدمات الطبية بلا تفرقة، أكان ذلك في المستشفيات العربية في الناصرة أو المستشفيات في البلدات اليهودية. وهناك مديران اثنان عربيان لمستشفيين حكوميين يهوديين، في صفد وفي نهاريا، ونحو 30 مديراً عربياً لدوائر أساسية في المستشفيات اليهودية، وهناك عشرات الباحثين في الشؤون الطبية من العرب في معاهد الأبحاث في الجامعات، بينهم عدد من كبار المخترعين أمثال العالم حسام حايك.
منذ اندلاع فيروس كورونا، وهبوب عواصف الهلع بين المواطنين، تشتغل هذه الطواقم الطبية في ظروف غير طبيعية. وهي عوضاً عن واجبها في تقديم الخدمات الطبية، تحاول امتصاص توتر الناس والتخفيف عنهم من حالات الألم وتهدئتهم من المخاوف الشديدة وما يرافق ذلك من أمزجة صعبة وحالات انفجار للغضب الذي يكون له أساس أو لا يكون له أساس. وفي المجتمعات التي تسود فيها قيم العرفان بالجميل، ينظرون إلى هذا العمل على أنه مقدس. لكن، عندما تتسلل السياسة إلى هذا الجسم، قد تتحول إلى فيروس آخر.
الدكتور عبد العزيز دراوشة، ابن قرية اكسال (قرب الناصرة)، الذي يدير قسم الطوارئ في «رمبام» حيفا، أحد أضخم المستشفيات الإسرائيلية والذي عين قبل شهور رئيساً للجنة العليا لامتحانات الطب، يقول إن «الطواقم الطبية العربية هي مصدر اعتزاز وطني، وهي تقوم بمهامها المهنية والإنسانية على أكمل وجه وبنجاحات باهرة، وبتعاون تام مع الزملاء اليهود، ويحاولون التغلب على مباذل السياسيين والعنصريين بواسطة التميز والتفاني في خدمة مرضاهم».
ويثير أداء الطواقم العربية هذا اهتماماً ملحوظاً في وسائل الإعلام العبرية، في عصر «كورونا». وقالت صحيفة «هآرتس» في تقرير لها: «في حين أنهم في بلفور (يقصدون مقر رئيس الوزراء الإسرائيلي، في شارع بلفور في القدس الغربية)، يرسمون صورة حالة الطوارئ (يقصدون دعوة بنيامين نتنياهو لإقامة حكومة طوارئ من الأحزاب الصهيونية فقط)، ويقولون بلا خجل إنه يجب إقصاء العرب «الخطرين»، فإن المعطيات تظهر أنه من دون أصحاب المهن الطبية من أبناء هذا المجتمع فإن جهود إنقاذ الحياة كانت ستتعرض لضربة شديدة».
وتقول الصحيفة في تقرير لها، نشر أمس الأربعاء: «في هذه الأثناء يبدو أنه لا يوجد خطر (حكومة طوارئ لـ«كورونا») كهذا على جدول الأعمال، حتى لو استمر رئيس الحكومة في التحدث عن ائتلاف صهيوني، وبالأساس عن ائتلاف من دون العرب. أطباء كثيرون توجهت إليهم الصحيفة من أجل هذا المقال صدموا من التفكير الذي يقول إنهم سيرفضون تقديم العلاج أثناء الأزمة بسبب العنصرية ضدهم». وإلى جانب ذلك ظهر الخوف في أوساط عدد كبير منهم، وهؤلاء رفضوا إجراء مقابلة فيما يتعلق بالتمييز الذي يشعرون به، وبالتأكيد تحفظوا عن ذكر أسمائهم، وقالوا: «لقد تعودنا على أنهم يقولون بأننا لسنا بشراً في هذه الدولة. هذا لا يفاجئنا»، قالت واحدة منهن وأضافت. «إذا قلنا شيئاً ما فيمكن أن يقوموا بإقالتنا وأن ينظروا إلينا كمن يفتعل المشاكل. نحن نريد الذهاب إلى العمل الذي درسنا كثيراً من أجله، كي ننقذ الحياة ونحاول نسيان العنصرية. في المستشفى الجميع متساوون أمام الموت. نحن نتذكر هذا، وربما أن (كورونا) سيذكر الجمهور اليهودي بأننا جميعاً متساوون».
وتتماهى مع هذه الأقوال، الدكتورة سعاد حاج يحيى. وحسب قولها، في حين تسود فيه بين الطواقم الطبية اليهودية والعربية، الأخوة والتضامن، لكن الأمر ليس دائماً هكذا عند اتصال المعالجين العرب مع المرضى اليهود. العنصرية تتسرب إلى هناك أيضاً. في السنوات الأخيرة، تقول الدكتورة سعاد، إنها واجهت هذا الأمر بنفسها. «لقد جاءت إلي مريضة من قسم آخر وقالت لي إنها لن توافق على تلقي العلاج هناك لأن الأطباء عرب. نظرت إليها وقلت إنني أنا أيضاً عربية. وقد تفاجأت وقالت لي بأنه لا يظهر أنني كذلك، وطلبت أن يعالجها طبيب آخر. ولكن رئيس القسم، وهو يهودي، رفض طلبها وقام بصدها على الفور». هذه لم تكن الحادثة الوحيدة، تضيف الطبيبة العربية، فذات مرة جاءت مريضة تعاني من ألم في البطن. «وكنت أعالج مريضاً آخر في وضع حرج. وبدأت هي وزوجها بالصراخ علي بأنني عربية قذرة. وأنه لا يجب أن أعمل في المستشفى. كل حادثة كهذه تضر ولكنها لا تكسرنا. أنا أقوم بتجاهل ذلك. وأقوم بعلاج أي حالة من أعماق قلبي. وهناك يهود آخرون يحترموننا ويقدرون عملنا ويعبرون عن ذلك بوضوح. وأنا فخورة بأنني عربية وأنني طبيبة وأنني أنقذ الحياة. أيضاً أنا أؤمن بالتعايش وبالحياة المشتركة».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...