تلميحات إلى «صفقة» مع واشنطن لإطلاق الفاخوري

القضاء العسكري اللبناني يميّز القرار بعد غضب شعبي وتصعيد سياسي

تلميحات إلى «صفقة» مع واشنطن لإطلاق الفاخوري
TT

تلميحات إلى «صفقة» مع واشنطن لإطلاق الفاخوري

تلميحات إلى «صفقة» مع واشنطن لإطلاق الفاخوري

قرر القضاء العسكري اللبناني، أمس، تمييز الحكم الصادر بحق آمر معتقل الخيام السابق والمتعامل مع إسرائيل عامر الفاخوري، والقاضي بكفّ التعقبات عنه، وسط جدل سياسي سلك طريقين، أولاهما تصعيد من قبل «حزب الله» الذي وصف القرار بـ«الخاطئ»، معتبراً أنه ناتج عن «ضغوط أميركية»، وصولاً إلى الحديث عن بلورة «صفقة سياسية» مع الولايات المتحدة.
ويُستدل إلى التلميحات لـ«الصفقة» من تصريحات لسياسيين ومسؤولين، أبرزهم رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط الذي قال في تغريدة له في «تويتر»، «في أوجّ الأزمة الصحية والاقتصادية محامي الشيطان في مركز القرار والمزدوج الولاءات يجد الفتوى المناسبة للإفراج عن العميل عامر فاخوري. ما نفع كل التشكيلات القضائية والحديث عن استقلالية القضاء مع تقديري لرئيس مجلس القضاء الأعلى وللقضاة الذين حاكموا العميل. إنها جرعة السم للرئاسة».
وتزامن ذلك مع كتابات صحافية، دفعت مكتب رئيس «التيار الوطني الحر» ‏الوزير السابق والنائب جبران باسيل إلى إصدار بيان، قال فيه «احتراماً للقضاء، لم يعلق النائب باسيل على الانتقادات والافتراءات التي طاولته زوراً بموضوع العميل فاخوري، لا عند توقيفه ولا عند إخلاء سبيله»، مشيراً إلى أن ما ورد في إحدى الصحف اللبنانية «يشكّل افتراءً فاضحاً وتزويراً للحقيقة لا يمكن السكوت عنه؛ لأن الهدف منه إعلامياً وسياسياً هو تحميل النائب باسيل ‏عندما كان وزيراً للخارجية عودة هذا العميل إلى لبنان وتوقيفه مع ما استتبع ذلك من ‏انعكاسات على البلد». وأكد، أن باسيل وخلافاً لما ورد أمس «لا يعرف الفاخوري أصلاً ولا علاقة له به إطلاقاً، وكل كلام عن تعهد من باسيل لمساعدته هو تحامل وكذب؛ ولذلك قرر ملاحقة الصحيفة أمام القضاء».
وفي حين قال الوزير الأسبق المقرب من «حزب الله» وئام وهاب، إن «لبنان لا يستطيع رفض الطلب الأميركي»، قال النائب جميل السيد في تغريدة «لا يمكن أن تجرؤ هذه المحكمة بمفردها على تبرئة فاخوري، وأتمنى فعلاً أن يكون قد أُفرِج عنه بصفقة لصالح لبنان وليُعلنوا عنها للناس، أما إذا كان ببلاش، فيجب أن تتدحرج رؤوس».
وسألت مصادر سياسية معارضة عبر «الشرق الأوسط» عما إذا كان قرار وقف التعقّب مرتبطاً بالمعلومات عن عقوبات أميركية ستطال حلفاء لـ«حزب الله» من خارج الثنائي الشيعي. كما سألت المصادر عما إذا كانت هناك أثمان ستدفع لقاء وقف التعقب بحق الفاخوري، مرتبطة «بتطبيع العلاقات الأميركية - اللبنانية والإبقاء على خيط رفيع بين واشنطن والحكومة اللبنانية يسهل ضوءاً أخضر أميركياً لصندوق النقد الدولي لتقديم مساعدات نقدية للبنان»، كما سألت عما إذا كان الثمن محلياً أم إقليمياً؟
وأكدت المصادر، أن الطلب الأميركي من لبنان تكرر خلال الأشهر الماضية خلال لقاءات مسؤولين أميركيين مع مسؤولين لبنانيين، ومن بينهم السفير ديفيد هيل، والسفيرة الأميركية السابقة في لبنان إليزابيث ريتشارد التي لم تتردد بطرح الطلب خلال أكثر من مناسبة، فضلاً عن أن السفيرة الجديدة لدى لبنان دوروثي شيا طرحته مع المسؤولين اللبنانيين.
وتصدر «حزب الله» التصعيد السياسي ضد القرار، فأصدر بياناً قال فيه «إن الضغوط الأميركية وللأسف قد أثمرت اليوم». ورأى أن «هذا اليوم هو يوم حزين للبنان وللعدالة، وهو قرار يدعو إلى الأسف والغضب والاستنكار، وكان من الأشرف والأجدى لرئيس المحكمة العسكرية وأعضائها أن يتقدموا باستقالاتهم بدلاً من الإذعان والخضوع للضغوط التي أملت عليهم اتخاذ هذا القرار المشؤوم». ودعا «القضاء إلى استدراك ما فات، من أجل سمعته ونزاهته التي باتت على محك الكرامة والشرف، وكذلك من أجل حقوق اللبنانيين والمعذبين والمظلومين، وكل من ضحى في سبيل وطنه وتحرير أرضه».
وقال «تجمّع محامي» الحزب، في بيان، إن «الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية بكف التعقبات عن العميل عامر فاخوري الملقب بجزار الخيام لم يصدر باسم الشعب اللبناني»، مضيفاً «إنه يوم أسود في تاريخ العدالة اللبنانية والقضاء العسكري لن يمحه إلا استدراك هذه السقطة من خلال الطعن بهذا الحكم الفضيحة ووقف تنفيذه وصولاً إلى نقضه، ومن ثم إنزال القصاص العادل بالعميل فاخوري».
وتوقفت مصادر سياسية معارضة عند الجدل السياسي الذي حصل، سائلة أن قراراً مشابهاً «هل يمكن أن يحصل من دون استمزاج رأي الأطراف الأساسية بالحكومة التي قد تبرر الموضوع على أنه يساعد على تنفيس الاحتقان مع الولايات المتحدة، ويتم عبره استيعاب الوضع وتذليل التأزّم مع واشنطن؟». ولم تستبعد المصادر أن تكون المواقف الصادرة هي «لتسجيل موقف لامتصاص ردود الفعل والاحتقان، في حين قرار الإفراج عنه يبرّد التوتر مع واشنطن ويخرجها من دائرة التنافر». وفي الوقت نفسه، سألت المصادر «ماذا لو حصل الحكم في زمن حكومة الرئيس سعد الحريري؟ ماذا كان يمكن أن يكون موقف الأطراف الممثلة في الحكومة اليوم منه؟».
وكانت عودة عامر الفاخوري من الولايات المتحدة، حيث أقام منذ سنوات طويلة عبر مطار بيروت في سبتمبر (أيلول) الماضي قد أثارت غضباً واسعاً في لبنان وسط اتهامات بممارسته التعذيب داخل معتقل سابق في بلدة الخيام أثناء احتلال إسرائيل لجنوب البلاد. واعتبرت المحكمة العسكرية، الاثنين، أن الجرائم المسندة إليه «لجهة تعذيب سجناء في عام 1998، سقطت بمرور الزمن العشري (أي مرور أكثر من عشر سنوات على وقوع الجرم)، وقررت إطلاق سراحه فوراً ما لم يكن موقوفاً بقضية أخرى».
لكن مفوض الحكومة لدى محكمة التمييز العسكرية، القاضي غسان الخوري، ميّز أمس الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية الدائمة أول من أمس (الاثنين). وأشارت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية إلى أن القاضي الخوري طلب من محكمة التمييز العسكرية نقض الحكم وإصدار مذكرة توقيف بحقه وإعادة محاكمته من جديد بالجرائم المنسوبة إليه، وهي خطف وتعذيب وحجز حرية مواطنين لبنانيين داخل معتقل الخيام وقتل ومحاولة قتل آخرين. وقد سجل طلب التمييز صباح أمس في قلم محكمة التمييز العسكرية.
ومنذ إصدار حكم وقف التعقب، تعالت الانتقادات السياسية والشعبية، وصبّ مناصرون لـ«حزب الله» وقوى يسارية أخرى جام غضبهم على القضاء والتدخلات السياسية، وطالت بعض الانتقادات المحكمة العسكرية في لبنان برئاسة العميد حسين عبد الله، غير أن مصادر سياسية اعتبرت أن الحملة على القاضي عبد الله «غير مبررة»، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن القرار هو «وقف تعقّب» وليس «تبرئة»؛ ذلك أن القضية التي يُحاكم فيها، لجهة فضّ التمرد بالقوة في الثمانينات في القرن الماضي في معتقل الخيام الذي كان تديره ميليشيا «جيش لبنان الجنوبي» المتعاملة مع إسرائيل، والتي أسفرت عن مقتل اثنين من السجناء عندما ألقى مسؤول آخر في السجن قنبلة في غرفتهما. وقالت المصادر، إن القضية «حوكم فيها عميل آخر في 2003 بعد عامين على تحرير جنوب لبنان عام 2000، وخرج من السجن أيضاً لسقوط الجرم بالمرور الزمني أيضاً»، من غير أن تنفي أن الفاخوري كان مسؤولاً عن المعتقل في هذا الوقت ومشرفاً عليه ويتحمل مسؤولية أيضاً.
ووجهت إلى الفاخوري تهمة إخماد الانتفاضة في المعتقل والتسبب في قتل المعتقلين الاثنين، والتسبب في تعذيب وقتل وإخفاء جثة السجين علي عبد الله حمزة في عام 1986، حيث قتل ونقل جثمانه إلى مكان مجهول. لكن القضية نفسها، مر حتى تاريخ ملاحقة الفاخوري فيها 30 عاماً، ويقتضي بالتالي، قانوناً، إعلان سقوط دعوى الحق العام لمرور الزمن العشري، وهو ما استندت إليه المحكمة، بحسب ما قالت مصادر قضائية لـ«الشرق الأوسط». وأشارت المصادر إلى أن محامي الفاخوري حضر إلى لبنان عام 2016، وقام بإجراءات أدت إلى شطب اسمه عن لائحة «303» التي تضعها السلطات الأمنية اللبنانية للمتهمين بقضايا العمالة والإرهاب؛ وذلك لمرور الزمن على التهم المنسوبة إليه. وأوضحت أن الفاخوري عاد إلى لبنان بعد إزالة اسمه عن اللائحة، ما أتاح له دخول الأراضي اللبنانية قبل أن يتم توقيفه في سبتمبر الماضي.
ويلاحق الفاخوري بملف آخر أمام قاضي التحقيق في بيروت بلال حلاوي، في الدعوى المقامة ضده من عدد من المعتقلين السابقين في سجن الخيام، بجرم اعتقالهم وحجز حريتهم وتعذيبهم، إلا أن قاضي التحقيق لم يستجوب الفاخوري بعد بسبب وضعه الصحي.
ولم يصدر مذكرة توقيف بحقه. ويمثل ذلك جزءاً من حالة الغضب الشعبي ضد القضاء. وقالت المصادر السياسية، إن الفاخوري الذي يخضع للعلاج، «ليس موقوفاً في مقر أمني، بل في مستشفى ويخضع لعلاج صحي» وهو تحت حراسة أمنية مشددة.



نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير في عدن


حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
TT

نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير في عدن


حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، أمس، انفجار سيارة مفخخة استهدفت موكباً للعميد حمدي شكري الصبيحي، قائد الفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وأحد أبرز القادة الذين أسهمت قواته في فرض الأمن في عدن. وتفيد المعلومات بأن العميد الصبيحي نجا من التفجير الذي وقع خلال مرور الموكب العسكري في منطقة جعولة التابعة لمديرية دار سعد، وهي من المناطق الحيوية التي تشهد حركة مرورية نشطة.

وجاء التفجير غداة كشف السلطات المحلية في مدينة المكلا، كبرى مدن حضرموت، عن سجون سرية ومتفجرات تستخدم في الاغتيالات كانت في عهدة مجموعات من «المجلس الانتقالي الجنوبي» تديرها الإمارات قبل خروج الأخيرة من اليمن منذ نحو ثلاثة أسابيع.

وأعادت الحادثة إلى الواجهة المخاوف الأمنية، في وقت يسعى فيه تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية إلى إعادة الاستقرار للمحافظات الجنوبية وتوحيد القوات العسكرية والأمنية بعد حلّ ما كان يسمى «المجلس الانتقالي».


هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
TT

هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

في الوقت الذي جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ووصفه بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر ويتعين عليه حل الأزمة بشأنه»، رأت مصادر مصرية وإثيوبية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن احتمالات نجاح ترمب في كسر جمود مفاوضات السد تظل ضعيفة، مع وجود عدة عوامل متشابكة في هذه الأزمة.

وخلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، جدد ترمب حديثه عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم، كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

ويأتي حديث ترمب بعد ثلاثة أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث أفريقيا في مجلس الوزراء المصري، رأفت محمود، قال إن تصريح ترمب جاء نتيجة الرسالة المصرية التي وصلته من مستشاره للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بعدما التقى السيسي الشهر الماضي وناقشا عدة ملفات، منها ما يتعلق بالسودان وأرض الصومال، وأيضاً ملف سد النهضة والهواجس المصرية، «وبالتالي ترمب التقط الرسالة وأخذها فرصة لينشط الوساطة الأميركية في سبيل صفقة ما تخص المنطقة».

وأضاف محمود قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه بمثابة محاولة محتملة من ترمب لإعادة ضبط المشهد السياسي المحيط بالأزمة، ورغبة واضحة في استعادة دور الوسيط الأميركي المؤثر».

وتابع: «في الإجمال، الخطاب الأميركي يجعل أديس أبابا تواجه أحد خيارين: إما الانخراط الجاد في مسار تفاوضي منظم، أو مواجهة ضغوط سياسية قد تؤثر على صورتها الدولية. ووفقاً للسلوك الإثيوبي في المفاوضات السابقة، فإن تمسك أديس أبابا بالنهج الذي اتبعته ورغبتها في السيطرة على مجرى نهر النيل النابع من أراضيها دون الالتزام باتفاقية ملزمة تدير تدفق المياه من سد النهضة هو العامل المرجح حالياً، خصوصاً مع ارتباط ملف سد النهضة بحسابات الداخل الإثيوبي والتي تشبعت خلال الفترة الماضية بأن هذا الملف يعد مشروعاً قومياً ضمن سيادة إثيوبيا».

وتابع: «هناك عدد من التغيرات السياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حدثت مؤخراً استدعت التدخل الأميركي في هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأرض الصومال واعتراف إسرائيل بها، وهو ما أثار غضباً دولياً بالمنطقة. وهناك أيضاً ملف السودان وملف اليمن، وهذه الملفات حدث فيها تشابك بين عدد من القوى في الإقليم وبما قد يؤثر على المصالح الأميركية».

واستطرد: «لكن نجاح التدخل الأميركي مرهون بالقدرة على تحويل التصريح إلى أدوات فعل، وقدرة ترمب على إدارة صفقة ترضي كافة الأطراف، ومنها إثيوبيا التي ترغب في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو أمر تظل احتمالات نجاحه ضعيفة في الوقت الحالي».

وكان ترمب قد خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

مستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، محمد العروسي، قال إنه «في ظل حساسية اللحظة وتعقيد المشهد السياسي المحيط بملف سد النهضة، من المهم التفريق بهدوء بين التصريحات السياسية ذات الطابع الخطابي والتحولات الفعلية في موازين التفاوض».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تبني الرئيس الأميركي لوجهة نظر مصر أو التعبير عن تفهمه لمخاوفها «لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية أميركية متكاملة لاستهداف المصالح الإثيوبية، لكن التجربة العملية مع الوساطة الأميركية في هذا الملف تجعلنا حذرين بطبيعتنا من باب القراءة الواقعية للتاريخ القريب، وليس من باب العداء لواشنطن».

ويرى العروسي، وهو عضو بالبرلمان الإثيوبي ورئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية لدول غرب آسيا»، أن الوساطة الأميركية في محطتها السابقة «لم تكن محايدة بالكامل»، وأنه لا يمكن تجاهل أن ترمب نفسه «سبق أن أدلى بتصريحات خطيرة تحدث فيها صراحة عن احتمال قيام مصر بتفجير السد».

ومضى قائلاً: «كما أن تصريحاته الأخيرة التي تُفهم على أنها انحياز كامل لرواية طرف واحد تعزز القناعة بأن أي دور أميركي محتمل سيبقى محكوماً باعتبارات سياسية داخلية وتحالفات تقليدية أكثر من كونه سعياً نزيهاً لحل عادل ومتوازن».

وتابع: «من هذا المنطلق فإن حالة الفرح السريع والتهافت على فكرة الوساطة الأميركية لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن تبدو أقرب إلى قراءة عاطفية»؛ محذراً من تحويل التصريحات السياسية إلى «أوهام»، وهو «ما قد يعمق الجمود بدل أن ينهيه».

واستضافت واشنطن عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات بمشاركة البنك الدولي، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بـ«الانحياز».


محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري بينهما تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً وأنها على خلاف مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي جراء «سد النهضة».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، الأربعاء، قال مصدر مصري مطلع إن ذلك التعاون العسكري المغربي - الإثيوبي، الذي لم تعلق عليه القاهرة رسمياً بعد، «لا يقلق القاهرة، وسيكون هناك حديث عبر الدبلوماسية الهادئة مع الرباط بشأنه».

ويتفق معه خبير عسكري كان مسؤولاً بارزاً سابقاً بالجيش المصري، مؤكداً أن ذلك التعاون «ليس مقلقاً للقاهرة»، لكنه تعجب من إبرام تعاون مغربي مع إثيوبيا التي يصفها بأنها «باتت عدواً للقاهرة وتقف ضد حقوقها المائية».

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على فيسبوك)

غير أنّ برلمانياً إثيوبياً نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هذا التعاون مع المغرب «موجهاً للقاهرة أو يحمل رسائل تهديد أو نية للمواجهة»، مشيراً إلى أن «أديس أبابا تركز على نهضة بلادها وتنميتها، ولا تنوي أي مناكفات عسكرية تجاه أحد».

اجتماع مثير للجدل

كانت صحيفة «هسبريس» المغربية قد أفادت، منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، بأن اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا، وأن الاجتماع تناول «دراسة مخطط عمل في مجال التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين».

ونصت اتفاقية التعاون العسكري، الموقعة في يونيو (حزيران) 2025 في الرباط، على إنشاء هذه اللجنة العسكرية المشتركة، بالإضافة للتعاون في مجالات التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، وفق المصدر ذاته.

وفي اليوم التالي، أفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، بأن أديس أبابا والرباط عقدتا أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة على الإطلاق، بهدف تعزيز التعاون الثنائي عبر مختلف المجالات العسكرية.

وشملت المناقشات «دفع التعاون العسكري بين البلدين بطرق تضمن المنفعة المتبادلة لمؤسساتهما الدفاعية، والتعاون في التعليم والتدريب، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، ومجالات أخرى من المشاركة العسكرية»، وفق الوكالة.

وأكد المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، تشومي جيميتشو، آنذاك أن العلاقات بين إثيوبيا والمغرب تتعزز باطراد عبر قطاعات متعددة، وأن الصداقة طويلة الأمد بين البلدين تعكس التضامن الأفريقي والالتزام المشترك بالعمل معاً من أجل المصالح المشتركة.

وذكر أيضاً أن اجتماع اللجنة المشتركة «يمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الإثيوبية - المغربية، ويفتح مرحلة جديدة للتنفيذ العملي لمجالات التعاون المتفق عليها».

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن العميد عبد القهار عثمان، مدير مديرية التموين في القوات المسلحة المغربية، وصفه الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الاجتماع بأنه «تطور مهم في العلاقات العسكرية»، وتأكيده أن «المغرب عازم على زيادة رفع مستوى التعاون الدفاعي مع إثيوبيا».

«الدبلوماسية الهادئة»

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك التعاون المغربي - الإثيوبي «بحاجة لتوضيح، لكنه بشكل عام ليس مقلقاً، خصوصاً وعلاقات القاهرة مع الرباط جيدة جداً».

وهو يعتقد أن «الدبلوماسية الهادئة» ستكون مسار التعامل مع الرباط، وأنه سيكون هناك حديث في هذا الأمر «ليس في إطار إلقاء اللوم، ولكن معرفة طبيعة الموضوع، ومناقشة الشواغل المصرية بشأنه».

وتزامن ذلك الاجتماع المغربي - الإثيوبي مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عارضاً التوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة إن إدارته منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه، دون مزيد من التفاصيل.

ويعتقد المصدر المصري المطلع أن إثيوبيا تحاول إرسال رسائل لمصر، وستزداد بعد إعلان ترمب الوساطة، وسط تجاوب مصري وسوداني وعدم تعليق من أديس أبابا.

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التعاون مع المغرب ليس تعاوناً عسكرياً فحسب، بل يشمل التجارة والدبلوماسية، ويحمل رسائل مفادها تقوية العلاقات مع دول المنطقة، وليس أي تهديد لأحد.

وشدّد في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن مصر بلد شريك لبلاده «لم يتقاتلا ولن يتقاتلا، خصوصاً وأن أديس أبابا تهتم بالنهوض والازدهار، وليس لديها أي نية للقتال مع مصر أو غيرها».

غير أن الخبير الاستراتيجي العسكري المصري اللواء سمير فرج رفض تلك التبريرات الإثيوبية، ووصف أديس أبابا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «عدوة لحقوق مصر المائية»؛ لافتاً إلى أن مصر «لا يقلقها هذا التعاون».

إلا أنه تساءل: «كيف لدولة بالجامعة العربية أن تتعاون مع أخرى تهدد مصالح مصر؟».

ولا يعتقد فرج أن الرسائل الإثيوبية من تلك الاجتماعات تحمل أي تأثير على مصر سواء كان أمنياً أو عسكرياً، متوقعاً ألا تثير مصر هذا الأمر مع الرباط فوراً، لكن ذلك ربما يحدث في أي لقاءات مستقبلية بين البلدين «حيث ستبدي موقفاً دون أي تأثير يذكر على العلاقات المصرية - المغربية».