انتخابات محليَّة في فرنسا تتحدى الخوف من «كورونا»

توقعات بتراجع المشاركة بعد حث ماكرون كبار السن على البقاء في منازلهم

قصر فرساي القريب من باريس ويكاد يخلو من زائريه (أ.ف.ب)
قصر فرساي القريب من باريس ويكاد يخلو من زائريه (أ.ف.ب)
TT

انتخابات محليَّة في فرنسا تتحدى الخوف من «كورونا»

قصر فرساي القريب من باريس ويكاد يخلو من زائريه (أ.ف.ب)
قصر فرساي القريب من باريس ويكاد يخلو من زائريه (أ.ف.ب)

تجرى اليوم الدورة الأولى للانتخابات البلدية الفرنسية، وسط أجواء ملبدة، عنوانها تفشي وباء كورونا، والتخوف من انتشاره على نطاق واسع، رغم الإجراءات والتدابير التي أقرتها الحكومة الفرنسية. وثمة تساؤلان رئيسيان تصعب، وفق المراقبين السياسيين، الإجابة عنهما مسبقاً: الأول، يتناول نسبة المشاركة التي يتوقع أن تكون ضعيفة بسبب المخاوف من ارتياد مكاتب الاقتراع، خصوصاً بالنسبة لكبار السن الذين حث الرئيس إيمانويل ماكرون من تجاوز منهم السبعين على البقاء في منازلهم. والثاني، مدى تأثير كيفية تعاطي السلطات مع الوباء على وجهة انتخاب الفرنسيين. وبكلام آخر، هل جعل الرئيس والحكومة مواجهة تفشي الوباء أولوية قصوى لعملهما سيلاقيه الناخبون بالاقتراع لصالح اللوائح التي يتبناها الحكم والحزب الرئاسي «فرنسا إلى الأمام»، أم أن الطابع المحلي للانتخابات سيجعلها بعيدة عن التأثر بتبعات الفيروس وانعكاساته السياسية؟
تجدر الإشارة إلى أن ماكرون حسم الجدل بين ساعٍ لتأجيلها ومصرٍ على إجرائها، بإعطاء الضوء الأخضر للسير بها. لكنه أرفق ذلك بالدعوة لاتخاذ الحيطة، والتزام تدابير الوقاية، مثل غسل اليدين قبل وبعد الاقتراع، والتقيد بمسافة آمنة في الصفوف، وتجنب ساعات الازدحام، واستخدام القلم الشخصي للتوقيع على السجل الانتخابي، واللجوء إلى التوكيل، في حال تعذر الانتقال شخصياً.
وذهب أدوار فيليب، رئيس الحكومة، في الاتجاه عينه، مشيراً إلى أن «المخاطر» المحيطة بعملية الاقتراع «لا تزيد» على تلك التي يواجهها أي متسوق في محل تجاري. ورغم ذلك كله، فإن مراقبين تساءلوا عن نسبة احتمال إجراء الجولة الثانية من الانتخابات الأحد المقبل، إذا استمر الوباء بالتفشي، علماً بأن ماكرون شخصياً نبه من وصول «الموجة الثانية» منه في الأيام أو الأسابيع المقبلة. كذلك، فإن وزير الصحة أوليفيه فيران حذر من أن الوباء ما زال في «بداياته».
وهكذا، في انتخابات استثنائية، لم تعرف الجمهورية الخامسة أجواء مشابهة لها في تاريخها، فإن 47.7 مليون ناخب وناخبة موزعين على 35 ألف مدينة وقرية مدعوون اليوم للتقدم من مكاتب الاقتراع، في منافسة ستوفر رؤية واضحة لتوزع موازين القوى السياسية، بعد أقل من 3 أعوام على وصول ماكرون إلى قصر الإليزيه. وليس سراً أن الرئيس الحالي، البالغ من العمر 43 عاماً، ينوي الترشح لولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية التي ستحصل ربيع عام 2022. وبالتالي، فإن الانتخابات المحلية التي تحصل بعد عامين حفلا بالإضرابات ومظاهرات «السترات الصفراء، والاحتجاجات ضد تغيير أنظمة التقاعد، وضد تعديل شهادة البكالوريا، وبشكل عام ضد الإصلاحات الحكومية» ستكون بمثابة اختبار لشعبية ماكرون وصورته. ومعضلة حزب ماكرون ثلاثية الأوجه: فهو، أولاً، لا يتمتع، بعكس بقية الأحزاب القديمة، بانغراس محلي «تاريخي»، نظراً لحداثة عهده. ومن هنا، فإنه يتقدم لهذا النوع من الانتخابات للمرة الأولى بلوائح خاصة به، وجل من يستطيع الاعتماد عليهم جاءوه إما من اليمن أو من اليسار. وثانياً، عودة حزب اليمين الكلاسيكي (الجمهوريون) إلى الساحة السياسية بعد النكسات المتلاحقة التي ألمت به منذ الانتخابات الرئاسية عام 2017، وهو بذلك يسترجع نسبة من محازبيه وأنصاره الذين التحقوا بحزب «فرنسا إلى الأمام». وثالثاً، يرى الخائفون من سياسة ماكرون أن الانتخابات المحلية فرصة للتعبير عن حنقهم من السياسات التي سار عليها منذ وصوله القصر الإليزيه، والتي يرون أنها تميل إلى الطبقات العليا.
ويبدو واضحاً، من خلال قراءة دقيقة للخريطة الانتخابية المحلية، ومن خلال استطلاعات الرأي، أن حزب ماكرون لن يكرر هذه المرة «الإنجاز» الذي حققه في الانتخابات الأوروبية العام الماضي، عندما نجح في احتلال المرتبة الثانية، متخلفاً بنسبة ضئيلة عن حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي تقوده مارين لوبن. ويعترف قادة الحزب أن آمالهم بنتائج مماثلة قد تراجعت. وبعد أن تراجع رهانهم على الفوز بمدينتين رئيسيتين، هما باريس وليون، فإنهم اليوم يأملون بمضاعفة أعداد المنتخبين على لوائحهم. ومع ذلك، فإن أنظارهم مركزة على «معركة باريس» التي ترتدي أهمية استثنائية. كذلك، فإن الأنظار ستتوجه إلى مدينة «لوهافر»، شمال غربي فرنسا، حيث يترشح رئيس الحكومة إدوار فيليب الذي سبق له أن شغل منصب عمدة المدينة لولايتين، قبل أن يستدعيه ماكرون ويكلفه برئاسة الحكومة.
وكان حزب «فرنسا إلى الأمام» يعد باريس لقمة سائغة يسهل الفوز بها، وانتزاعها من براثن رئيسة بلديتها الحالية آن هيدالغو، اشتراكية الهوى التي «ورثتها» عن اشتراكي آخر هو برتراند دولانويه. والدليل على ذلك أن 4 مرشحين من داخل الحزب، بينهم وزيران، شمروا عن سواعدهم وتهيأوا لهذه المهمة. لكن خيار ماكرون وقع، عبر لجنة ترشيح صورية، على الوزير بنجامين غريفو، الناطق باسم الحكومة رفيق دربه السياسي منذ أن كان وزيراً للاقتصاد. وأثار هذا الخيار نقمة النائب سيدريك فيلاني، وهو شخصية محترمة وعالم رياضي رفض الإمحاء والخضوع للخيار الرئاسي. وجاءت فضيحة غريفو الجنسية لتدفعه إلى الانسحاب. عندها، ضاقت الخيارات، وعمد ماكرون إلى تسمية وزيرة الصحة أنياس بوزين للحلول مكانه، ما جعل المنافسة في العاصمة تدور بين 3 نسوة، هن: هيدالغو، وبوزين، ومرشحة اليمين الكلاسيكي رشيدة داتي، وزيرة العدل الأسبق رئيسة بلدية الدائرة السابعة في باريس. وداتي المنحدرة من أصول مغربية أخذ ينظر إليها على أنها «فلتة الشوط» لنجاح حملتها. وتفيد استطلاعات الرأي بأنها تتقارب مع هيدالغو في نسب الأصوات التي يمكن أن تحصلا عليها «24 إلى 26 في المائة»، بينما مرشحة ماكرون تأتي في المرتبة الثالثة «نحو 19 إلى 20 في المائة». وباتت تسمع في الأيام الأخيرة نغمة تحالف داتي - بوزين في الدورة الانتخابية الثانية، لغرض انتزاع باريس من هيدالغو. وتعول الأخيرة على أصوات اليسار، وعلى البيئيين، وكل الناقمين على ماكرون، للمحافظة على رئاستها، ولكن أيضاً على برنامجها الانتخابي الذي يركز على تحويل باريس إلى مدينة «بيئية» خضراء، ينحسر فيها دور السيارة لصالح وسائل النقل العام والسيارات الكهربائية والدراجات، وعلى زيادة الشوارع والساحات المخصصة فقط للمشاة وزرع آلاف الأشجار. وبالمقابل، فإن ثنائية داتي - بوزين عناوينها: الأمن، والنظافة، والبيئة. وتتميز باريس «ومعها ثاني أكبر مدينتين ليون ومرسيليا» بنظام انتخابي معقد. فالعاصمة مقسومة إلى 17 دائرة انتخابية، كل منها يتمتع بعدد من «المستشارين» يتناسب مع عدد سكانها. ويبلغ العدد الإجمالي لهؤلاء 163 مستشاراً، هم الذين ينتخبون رئيسة البلدية. وبشكل عام، تنقسم باريس إلى قسمين: غربها «البورجوازي» الذي يميل يميناً، وشرقها «الشعبي» الذي يميل يساراً. وبما أن الشرق له الغلبة ديموغرافياً، فإن عدد مستشاريه هو الأعلى، ما يوفر لـهيدالغو عدداً أكبر منهم. لكن الأمور غير محسومة، وكل السيناريوهات واردة.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.


الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الاثنين إن اليهود «سيتغلبون على هذا الشر» بينما كان يقدم تعازيه لضحايا عملية إطلاق النار التي أودت بحياة 15 شخصا كانوا يحتفلون بعيد يهودي على شاطئ بونداي في سيدني.

وصرّح هرتسوغ بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي «ستبقى الروابط بين الناس الجيّدين من كل الأديان وكل الأمم قوية في مواجهة الإرهاب والعنف والكراهية».

من جهة ثانية، يعتزم متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين التجمع في سيدني للاحتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي، بعد أن وصفت السلطات زيارته بالحدث المهم ونشرت آلافا من رجال الشرطة للسيطرة على الحشود. وحثت الشرطة المتظاهرين على التجمع في حديقة بوسط سيدني لأسباب تتعلق بالسلامة العامة، لكن منظمي الاحتجاج قالوا إنهم يعتزمون التجمع عند مبنى البلدية التاريخي في المدينة بدلا من ذلك.

ومنحت السلطات الشرطة صلاحيات نادرا ما يتم اللجوء إليها خلال الزيارة، بما في ذلك القدرة على تفريق الحشود ونقلها وتقييد دخولها إلى مناطق معينة وتوجيه الناس للمغادرة وتفتيش المركبات.

وقال بيتر ماكينا مساعد مفوض شرطة نيو ساوث ويلز لقناة ناين نيوز «نأمل ألا نضطر إلى استخدام أي من هذه الصلاحيات، لأننا على تواصل وثيق مع منظمي الاحتجاج». وأضاف « نريد بوجه عام الحفاظ على سلامة جميع أفراد المجتمع... سنكون موجودين بأعداد كبيرة فقط لضمان سلامة المجتمع». وسيتم نشر حوالي 3000 شرطي في جميع أنحاء سيدني، أكبر مدينة في أستراليا.

يزور هرتسوغ أستراليا تلبية لدعوة من رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في أعقاب حادث إطلاق النار الدامي في شاطئ بونداي.

ولاقت زيارة هرتسوغ معارضة من الجماعات المؤيدة للفلسطينيين، حيث جرى التخطيط لتنظيم احتجاجات في المدن الكبرى في جميع أنحاء أستراليا، كما رفعت مجموعة العمل الفلسطينية دعوى قضائية في محكمة سيدني ضد القيود المفروضة على الاحتجاجات المتوقعة.

وقالت مجموعة العمل الفلسطينية في بيان «سيكون يوما للاحتجاج الوطني للمطالبة باعتقال إسحق هرتسوغ والتحقيق معه بعد أن خلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى أنه حرض على الإبادة الجماعية في غزة».

وأصدر المجلس اليهودي الأسترالي، وهو من أشد منتقدي الحكومة الإسرائيلية، اليوم الاثنين رسالة مفتوحة وقعها أكثر من ألف من الأكاديميين والشخصيات المجتمعية البارزة من يهود أستراليا حثوا فيها ألبانيزي على إلغاء دعوة هرتسوغ.