لمن الغلبة في الحرب على الجراد؟

الإنذار المبكر أساس المكافحة الفعَّالة

إلى جانب الجراد الصحراوي، توجد أنواع عدة من الجراد الغازي في جميع أنحاء العالم
إلى جانب الجراد الصحراوي، توجد أنواع عدة من الجراد الغازي في جميع أنحاء العالم
TT

لمن الغلبة في الحرب على الجراد؟

إلى جانب الجراد الصحراوي، توجد أنواع عدة من الجراد الغازي في جميع أنحاء العالم
إلى جانب الجراد الصحراوي، توجد أنواع عدة من الجراد الغازي في جميع أنحاء العالم

وباء «كورونا» الجديد الذي أصاب العالم بالذعر، وما زال يحصد آلاف القتلى والمصابين، طغى إخبارياً على كارثة من نوع آخر لم تشهدها منطقتنا منذ عشرات السنين. فغزو الجراد الصحراوي الذي قُرعت لأجله نواقيس الخطر في القرن الأفريقي خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، وصل إلى شبه الجزيرة العربية، وانتشر في مناطق واسعة من باكستان وأفغانستان، وأضحى يهدد سلامة المزروعات في إيران التي تعاني أيضاً من تبعات فيروس «كورونا»، بعدما أصبحت بؤرة أساسية لانتشاره.
ويعدُّ غزو الجراد الصحراوي أحد أخطر الآفات الحشرية في أفريقيا والشرق الأدنى وجنوب غربي آسيا، بسبب قدرة أسرابه على الطيران إلى أماكن بعيدة، بسرعة تصل إلى 150 كيلومتراً في اليوم. ويمكن لسرب الجراد الذي تبلغ مساحته كيلومتراً مربعاً واحداً أن يلتهم من الطعام في يوم واحد ما يكفي لإطعام 35 ألف شخص، كما يمكنه التكاثر لتكوين حتى 5 أجيال في السنة، بمعدل تضاعف يراوح بين 10 و20 مرة في كل جيل.
وإلى جانب الجراد الصحراوي، توجد أنواع عدة من الجراد الغازي في جميع أنحاء العالم. ويتميَّز الجراد الصحراوي بانتشاره في الصحاري القاحلة وشبه القاحلة، على مساحة تقارب 16 مليون كيلومتر مربع تضم نحو 30 دولة تنتشر النزاعات في كثير منها، مع ما يعنيه ذلك من ضعف في الاستجابة المنسقة لمواجهة هذه الآفة، على الرغم من وجود منظومة دولية لتعقبها.
يعمل نظام مراقبة الجراد الصحراوي التابع لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو) على رصد الأحوال الجوية والظروف البيئية، وحالة الجراد على أساس يومي. ويتلقى النظام نتائج عمليات المسح والتحكم التي تقوم بها الفرق الوطنية في البلدان المتأثرة، وتُجمع هذه المعلومات مع بيانات الأقمار الصناعية وتقديرات هطول الأمطار، والتنبؤات الموسمية بالحرارة، لتقييم الوضع الحالي، وتوقع توقيت وموعد وموقع التكاثر والهجرة قبل ستة أسابيع.
وتعتبر بيانات منظمة الأغذية والزراعة مشكلة الجراد هذه السنة في القرن الأفريقي مقلقة للغاية. وبينما تعاني منطقة شرق أفريقيا من الصدمات المرتبطة بالمناخ والنزاعات التي تؤدي إلى انعدام الأمن الغذائي بشكل حاد، تواجه حالياً ما وصفه بيان «الفاو» على أنه «طفرة جراد لم يسبق لها مثيل في العصر الحديث».
ومنذ أطلقت المنظمة الدولية مناشدتها الأولى في 20 فبراير الماضي لمساعدة ثلاثة بلدان متضررة، هي كينيا وإثيوبيا والصومال؛ حيث يتكاثر الجراد على نطاق واسع ويدمر الإمدادات الغذائية، تحركت أسراب الجراد بسرعة عبر مسافات شاسعة، فشوهدت في جيبوتي وإريتريا وجنوب السودان وأوغندا وتنزانيا.

- الصلح: من المراقبة إلى المكافحة
يقول الدكتور محمود الصلح، عضو فريق الخبراء الدولي الرفيع المستوى المعني بالأمن الغذائي، والمدير العام السابق للمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة، إنه «على الرغم من تكاثر الجراد بشكل كثيف، والأضرار الجسيمة للمزروعات في اليمن، لم يتمكن المجتمع الدولي حتى الآن من المساعدة بسبب الأوضاع الأمنية في هذا البلد، علماً بأنه المصدر الأساسي لانتشار الجراد في الجزيرة العربية. ومن المتوقع أن ينتقل الجراد إلى شمال السودان وباكستان والهند في الصيف المقبل، في حال عدم مكافحته بطريقة فعَّالة».
ويلاحظ الصلح أنه مع أن أضرار الموجة الحالية من الجراد في القرن الأفريقي، ولا سيما كينيا، كانت جسيمة، فإنها لم تبلغ حتى الآن مستوى الأضرار التي حصلت في موسم الجراد عام 2005 في دول الساحل وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي، حين وصلت الأسراب إلى مصر والمملكة العربية السعودية، واستعملت في مكافحتها كميات هائلة من المبيدات الكيميائية تجاوزت قيمتها 110 ملايين دولار. وقد شارك الصلح في إدارة هذه الحملة بصفته مديراً لشعبة الإنتاج والحماية النباتية في «الفاو» في ذلك الوقت.
ويشير الصلح إلى أن هناك مبيدات كيميائية عدة فعالة تستعمل لمكافحة الجراد، إن على الأرض أو عن طريق الطائرات الخاصة برش المبيدات. وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة لهذه المبيدات الكيميائية، فإن بعضها يتفكك خلال 24 ساعة تحت الظروف الطبيعية، من دون أن يترك رواسب في التربة أو المياه أو الهواء. وهناك أدوية تعمل عن طريق المكافحة البيولوجية، مثل «متاريزيوم»، ويمكن استخدامها في المناطق الحساسة بيئياً. ولكن لما كانت تستغرق ما بين 8 أيام و18 يوماً لتبدأ في التأثير الفعلي، فهي لا تصلح لعلاج الجراد البالغ، وينبغي أن تُستخدم فقط لعلاج الحشرات غير الناضجة، في وقت مبكر من دورة حياتها.
ولكن على الرغم من المخاطر على البيئة، كان رش المبيدات الكيميائية السامة هو الخيار المتاح في كينيا. ويبدو أن السلطات الكينية لم تكن مستعدة بما يكفي لمواجهة الجيل الأول من الجراد الذي دمَّر بالفعل آلاف الهكتارات في منطقة يعاني فيها 13 مليون شخص من تراجع حاد في الأمن الغذائي. ومع قلة المبيدات وعدم كفاية طائرات الرش، قد تكون الحرب غير متكافئة في مواجهة مليارات البيوض التي تفقس حالياً.
وما لبثت مؤسسة وقاية النبات في إيران أن أعلنت عن وصول أسراب ضخمة من الجراد الصحراوي إلى جنوب البلاد. واعتبرت المؤسسة في مطلع مارس (آذار) أن الغزو ضخم للغاية وليس بالإمكان مواجهته إلا باستخدام المبيدات الحشرية السامة. وكانت كثافة الأسراب الغازية مرتفعة للغاية؛ حيث شكَّل الجراد المتساقط بعد رشه بالمبيدات طبقة بلغت سماكتها نحو 10 إلى 15 سنتيمتراً. ولم تفلح الطرق البيولوجية التقليدية، كاستخدام الطيور مثل البط والإوز، أو حفر الخنادق ونصب الشباك، في مواجهة أسراب الجراد.
وتتركز مكافحة الجراد عندما يكون في طور الحورية؛ لأنه يكون أكثر تنقلاً وطلباً للطعام في هذه المرحلة. وعندما يصبح في طور الحشرة الكاملة بعد أربعة أو خمسة أسابيع من فقسه، يقل تنقل الجراد وينشغل أكثر في التكاثر ووضع البيض. كما يجري رش أسراب الجراد في فترة الخمول بين السادسة مساءً والسادسة صباحاً.
وتستخدم أنواع عديدة من المبيدات السامة للقضاء على الجراد، إلا أن هذه المنتجات السامة لا تؤثر على الجراد فحسب؛ بل تقتل أيضاً الحشرات المفيدة، مثل النحل والخنافس وغيرها من الأنواع التي تُعد ملقِّحات للأزهار، وأعداء طبيعيين لحشرات ضارة أخرى. وهذا يعني أن الاستخدام المكثف للمبيدات سيخل بالنظام البيئي، ويخلق حلقة مفرغة قوامها الاعتماد على المكافحة الكيميائية لمواجهة الآفات الحشرية.
وبينما يعتمد تلقيح ثلاثة أرباع المحاصيل حول العالم على الحشرات، يستهلك نحو ملياري شخص في 113 بلداً الحشرات كغذاء مباشر، كما أنها تلعب دوراً مهماً، ليس فقط في الهرم الغذائي وإنما أيضاً في تحلل الكائنات الحية، وتخصيب التربة، والحفاظ على التنوع الحيوي. ولذلك يحذِّر العلماء من المخاطر الكبرى التي ستتعرض لها البشرية من التهديدات المتزايدة التي تطال الحشرات، نتيجة استخدام المبيدات السامة، بالإضافة إلى تغيُّر المناخ، والقضاء على الموائل والأنواع الغازية وغيرها.
ولا تزال المكافحة الكيميائية لأسراب الجراد أكثر فعالية حتى الآن من ناحية الوقت، مقارنة بالمكافحة البيولوجية التي تشمل الفطريات والبكتيريا والمستخلصات الطبيعية. ولكنها - إلى جانب إخلالها بالتنوع الحيوي - تشكل خطراً صحياً في المجتمعات التي تستسيغ تناول الجراد كطعام.
ويُذكر أن الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية في الكويت أصدرت في مايو (أيار) 2019 تحذيراً من تناول الجراد وحتى لمسه، لتلوثه بمبيدات سامة. كما أن وزارة الصحة السعودية أصدرت تحذيرات سابقة من أن أسراب الجراد قد تسبب أمراضاً عديدة، وربما تكون مصدراً لنقل أمراض فيروسية غير معروفة.

- الجراد يهدد المنطقة العربية
تواجه دول شبه الجزيرة العربية حالياً غزواً من الجراد الصحراوي لم تشهده منذ نحو ربع قرن. ففي السعودية، غزت أسراب الجراد مناطق الرياض وحائل والقصيم ونجران وعسير والشرقية، كما رُصد تكاثر الجراد الصحراوي في الربع الخالي. وفي البحرين، انتشرت أسراب هائلة من الجراد الصحراوي في مناطق عدة. ويستمر تكاثر الجراد على ساحل البحر الأحمر في اليمن وعلى ساحله الجنوبي بالقرب من عدن، وكذلك الحال على السواحل الشمالية والشرقية في عُمان التي تتأثر بأسراب قادمة من منطقة الحدود بين الهند وباكستان.
ولم تكن الكويت استثناءً بين الدول الخليجية، إذ تعرَّضت لغزو أسراب كثيفة من الجراد الصحراوي الذي ساعدته الرياح القوية على الانتشار في المناطق البرية والزراعية شمال البلاد وجنوبها. كما شوهدت أسراب الجراد ضمن مناطق محدودة في إمارة أبوظبي، وفي جنوب شرقي العراق بين البصرة والناصرية.
وبينما ساهمت الأحوال الجوية حتى الآن في تغيير اتجاه أسراب الجراد بعيداً عن بلاد الشام، فإن هطول الأمطار الربيعية المتوقعة في وسط شبه الجزيرة العربية وشمالها، مع الاعتدال في درجات الحرارة، سوف يساعد الجراد على النضج والتزاوج كبداية للتكاثر الربيعي، مما سيزيد من فرص هجرة أسرابه في مطلع أبريل (نيسان) نحو الدول المجاورة.
وتبدو الظروف الحالية المحيطة بالحرب في سوريا مشابهة لما أصاب بلاد الشام خلال الحرب العالمية الأولى، عندما قضى الجراد على المحاصيل طيلة ثلاثة أشهر متتالية، فأدى مع ظروف الحرب إلى مجاعة واسعة راح ضحيتها عشرات الآلاف.
واللافت أن البريطانيين استفادوا خلال الحرب العالمية الثانية من الدروس السابقة، فأسسوا سنة 1942 وحدة مكافحة الجراد في الشرق الأوسط (MEALU) بهدف القضاء على أسراب الجراد من مصدرها، وضمان استمرار الإمدادات العسكرية. ومن خلال الاستعانة بالطعم المسموم ورشِّ المواد الكيميائية من الطائرات، نجحت بعثات المكافحة البريطانية المرسلة إلى السعودية وإيران واليمن والكويت وعُمان سنة 1943، في الحيلولة دون حدوث تفشٍّ كبير للجراد.
وفي زمننا المعاصر، يزداد تهديد الجراد لأنه أقدر على التكيُّف في كوكب ترتفع درجة حرارته سنة بعد سنة. ويرى كثيرون أن الأعاصير المتكررة في الآونة الأخيرة فوق البحار الدافئة جلبت الرطوبة إلى الأراضي الصحراوية؛ حيث يتكاثر الجراد، فوفرت غطاءً نباتياً لتغذيته وانتشاره إلى مسافات أبعد خلال فترات أطول. وعلى الجانب الآخر من الكوكب، يبدي جراد الطاعون الأسترالي تكيفاً كبيراً مع دورات الحرارة والجفاف؛ حيث صار بإمكانه العيش لمدة تصل إلى الشهر من دون ماء.
وبينما تكافح الأنواع الأخرى للبقاء في عالم متغيِّر المناخ، فإن قدرة الجراد بجميع أنواعه على تحمل الحرارة مع انخفاض المنافسة من قبل أنواع الحشرات الأقل حظاً ستمنحه السيادة على مناطق أكثر اتساعاً، مما يهدد الإمدادات الغذائية لمئات الملايين من البشر. وفي الغالب، قد تنتهي المعارك الدورية التي تخوضها البلدان المهددة، متسلحة بالمبيدات الكيميائية، في صالح الجراد.
في هذه الظروف المتغيِّرة، يؤكد الصلح أن أهم استراتيجية لمكافحة الجراد الصحراوي بطريقة فعالة، مع تقليل استخدام المبيدات الكيميائية، هي تفعيل أنظمة الإنذار والتدخل المبكرة، ضمن استراتيجية المكافحة لبرنامج منظمة الأغذية والزراعة للطوارئ. ولكن نجاح أي برنامج يتطلَّب أولاً تعاون البلدان المتأثرة.


مقالات ذات صلة

ارتفاع حصيلة الإجلاءات تحسباً لفيضانات إلى أكثر من 140 ألفاً في المغرب

شمال افريقيا جانب من الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير شمال المغرب (إ.ب.أ)

ارتفاع حصيلة الإجلاءات تحسباً لفيضانات إلى أكثر من 140 ألفاً في المغرب

تجاوزت حصيلة عمليات الإجلاء بسبب فيضانات شمال غربي المغرب  140 ألف شخص حتى صباح الخميس وفق ما أعلنت وزارة الداخلية بينما يتوقع أن يستمر هطول الأمطار

«الشرق الأوسط» (الرباط)
المشرق العربي جنديان من الجيش اللبناني بموقع عسكري بقرية علما الشعب جنوب لبنان في نوفمبر 2025 يراقبان موقع حانيتا الإسرائيلي وموقع لبونة إحدى التلال الخمس التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية منذ أكثر من عام (أ.ب)

«الأورومتوسطي»: رشُّ إسرائيل مواد كيميائية في سوريا ولبنان «جريمة حرب»

اعتبر المرصد الأورومتوسطي أن رش إسرائيل مواد كيميائية في سوريا ولبنان يعدّ جريمة حرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي رئيس الدورة الحالية للمجلس المهندس عبد الرحمن الفضلي خلال أعمال المجلس الوزاري لمبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» (واس)

السعودية تؤكد أهمية توحيد الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم

أكَّدت السعودية أهمية توحيد الجهود الدولية وتعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات البيئية حول العالم، بما يُسهم في إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
بيئة محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
آسيا الثلوج والأمطار الغزيرة في أفغانستان  (أ.ب)

الثلوج والأمطار الغزيرة في أفغانستان تودي بحياة 61 شخصاً في 3 أيام

أودت الثلوج والأمطار الغزيرة بحياة 61 شخصاً في أفغانستان خلال الأيام الثلاثة الماضية حسبما أعلن مسؤولون في إدارة الكوارث السبت، مع انقطاع الكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كابول)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

وجد باحثون درسوا بيانات من الأقمار الاصطناعية في ولاية كاليفورنيا الأميركية أن الأحياء التي يزداد بها عدد السيارات الكهربائية شهدت تراجعا في ​تلوث الهواء الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

وعلى العكس من ذلك، أكدت بيانات الأقمار الاصطناعية أيضا أن الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث. وقالت رئيسة الدراسة ساندرا إيكل من كلية كيك للطب في جامعة جنوب كاليفورنيا في بيان «إننا حتى لم نصل بعد إلى مرحلة الاستخدام الكامل للسيارات الكهربائية، لكن ‌بحثنا يظهر أن ‌تحول كاليفورنيا نحو السيارات الكهربائية يحدث بالفعل ‌اختلافات ⁠يمكن ​قياسها ‌في الهواء الذي نتنفسه».

وذكر الباحثون في مجلة «ذا لانست بلانيتاري هيلث» أنه مقابل كل 200 سيارة عديمة الانبعاثات أضيفت إلى أحياء كاليفورنيا بين عامي 2019 و2023، انخفضت مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 1.1 بالمئة. ويمكن أن يؤدي هذا الغاز الملوِث، الذي ينبعث من حرق الوقود الأحفوري، إلى نوبات ربو والتهاب ⁠بالشعب الهوائية وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

ولإجراء التحليل، قسم الباحثون ‌كاليفورنيا إلى 1692 حيا وحصلوا على البيانات ‍المتاحة للجمهور من إدارة ‍المركبات في الولاية بشأن عدد السيارات المخصصة للاستخدامات الخفيفة ‍وعديمة الانبعاثات المسجلة في كل حي. وتشمل هذه المركبات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية، والسيارات الهجينة القابلة للشحن، والسيارات التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين.

ثم حصلوا بعد ذلك على بيانات من جهاز استشعار عالي ​الدقة بقمر اصطناعي يراقب مستويات ثاني أكسيد النيتروجين من خلال قياس كيف يمتص الغاز أشعة الشمس ويعكسها. وقال ⁠الباحثون إنهم يعتزمون مقارنة البيانات المتعلقة باستخدام السيارات عديمة الانبعاثات بعدد زيارات غرف الطوارئ ودخول المستشفيات للعلاج بسبب الربو في جميع أنحاء كاليفورنيا.

وتفضل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيارات التي تعمل بالوقود وألغت الإعفاءات الضريبية التي كانت تهدف إلى تشجيع استخدام السيارات الكهربائية. وأشار التقرير إلى أنه من المتوقع أن يؤدي الانتقال الكامل إلى السيارات الكهربائية إلى تقليل تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الطلق بنسبة 61 بالمئة في الولايات المتحدة وبنسبة تصل إلى 80 بالمئة في الصين.

وقالت إيكل إن النتائج الجديدة «‌تظهر أن الهواء النقي ليس مجرد نظرية، بل إنه يحدث بالفعل في مجتمعات محلية في أنحاء كاليفورنيا».


السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.