لمن الغلبة في الحرب على الجراد؟

الإنذار المبكر أساس المكافحة الفعَّالة

إلى جانب الجراد الصحراوي، توجد أنواع عدة من الجراد الغازي في جميع أنحاء العالم
إلى جانب الجراد الصحراوي، توجد أنواع عدة من الجراد الغازي في جميع أنحاء العالم
TT

لمن الغلبة في الحرب على الجراد؟

إلى جانب الجراد الصحراوي، توجد أنواع عدة من الجراد الغازي في جميع أنحاء العالم
إلى جانب الجراد الصحراوي، توجد أنواع عدة من الجراد الغازي في جميع أنحاء العالم

وباء «كورونا» الجديد الذي أصاب العالم بالذعر، وما زال يحصد آلاف القتلى والمصابين، طغى إخبارياً على كارثة من نوع آخر لم تشهدها منطقتنا منذ عشرات السنين. فغزو الجراد الصحراوي الذي قُرعت لأجله نواقيس الخطر في القرن الأفريقي خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، وصل إلى شبه الجزيرة العربية، وانتشر في مناطق واسعة من باكستان وأفغانستان، وأضحى يهدد سلامة المزروعات في إيران التي تعاني أيضاً من تبعات فيروس «كورونا»، بعدما أصبحت بؤرة أساسية لانتشاره.
ويعدُّ غزو الجراد الصحراوي أحد أخطر الآفات الحشرية في أفريقيا والشرق الأدنى وجنوب غربي آسيا، بسبب قدرة أسرابه على الطيران إلى أماكن بعيدة، بسرعة تصل إلى 150 كيلومتراً في اليوم. ويمكن لسرب الجراد الذي تبلغ مساحته كيلومتراً مربعاً واحداً أن يلتهم من الطعام في يوم واحد ما يكفي لإطعام 35 ألف شخص، كما يمكنه التكاثر لتكوين حتى 5 أجيال في السنة، بمعدل تضاعف يراوح بين 10 و20 مرة في كل جيل.
وإلى جانب الجراد الصحراوي، توجد أنواع عدة من الجراد الغازي في جميع أنحاء العالم. ويتميَّز الجراد الصحراوي بانتشاره في الصحاري القاحلة وشبه القاحلة، على مساحة تقارب 16 مليون كيلومتر مربع تضم نحو 30 دولة تنتشر النزاعات في كثير منها، مع ما يعنيه ذلك من ضعف في الاستجابة المنسقة لمواجهة هذه الآفة، على الرغم من وجود منظومة دولية لتعقبها.
يعمل نظام مراقبة الجراد الصحراوي التابع لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو) على رصد الأحوال الجوية والظروف البيئية، وحالة الجراد على أساس يومي. ويتلقى النظام نتائج عمليات المسح والتحكم التي تقوم بها الفرق الوطنية في البلدان المتأثرة، وتُجمع هذه المعلومات مع بيانات الأقمار الصناعية وتقديرات هطول الأمطار، والتنبؤات الموسمية بالحرارة، لتقييم الوضع الحالي، وتوقع توقيت وموعد وموقع التكاثر والهجرة قبل ستة أسابيع.
وتعتبر بيانات منظمة الأغذية والزراعة مشكلة الجراد هذه السنة في القرن الأفريقي مقلقة للغاية. وبينما تعاني منطقة شرق أفريقيا من الصدمات المرتبطة بالمناخ والنزاعات التي تؤدي إلى انعدام الأمن الغذائي بشكل حاد، تواجه حالياً ما وصفه بيان «الفاو» على أنه «طفرة جراد لم يسبق لها مثيل في العصر الحديث».
ومنذ أطلقت المنظمة الدولية مناشدتها الأولى في 20 فبراير الماضي لمساعدة ثلاثة بلدان متضررة، هي كينيا وإثيوبيا والصومال؛ حيث يتكاثر الجراد على نطاق واسع ويدمر الإمدادات الغذائية، تحركت أسراب الجراد بسرعة عبر مسافات شاسعة، فشوهدت في جيبوتي وإريتريا وجنوب السودان وأوغندا وتنزانيا.

- الصلح: من المراقبة إلى المكافحة
يقول الدكتور محمود الصلح، عضو فريق الخبراء الدولي الرفيع المستوى المعني بالأمن الغذائي، والمدير العام السابق للمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة، إنه «على الرغم من تكاثر الجراد بشكل كثيف، والأضرار الجسيمة للمزروعات في اليمن، لم يتمكن المجتمع الدولي حتى الآن من المساعدة بسبب الأوضاع الأمنية في هذا البلد، علماً بأنه المصدر الأساسي لانتشار الجراد في الجزيرة العربية. ومن المتوقع أن ينتقل الجراد إلى شمال السودان وباكستان والهند في الصيف المقبل، في حال عدم مكافحته بطريقة فعَّالة».
ويلاحظ الصلح أنه مع أن أضرار الموجة الحالية من الجراد في القرن الأفريقي، ولا سيما كينيا، كانت جسيمة، فإنها لم تبلغ حتى الآن مستوى الأضرار التي حصلت في موسم الجراد عام 2005 في دول الساحل وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي، حين وصلت الأسراب إلى مصر والمملكة العربية السعودية، واستعملت في مكافحتها كميات هائلة من المبيدات الكيميائية تجاوزت قيمتها 110 ملايين دولار. وقد شارك الصلح في إدارة هذه الحملة بصفته مديراً لشعبة الإنتاج والحماية النباتية في «الفاو» في ذلك الوقت.
ويشير الصلح إلى أن هناك مبيدات كيميائية عدة فعالة تستعمل لمكافحة الجراد، إن على الأرض أو عن طريق الطائرات الخاصة برش المبيدات. وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة لهذه المبيدات الكيميائية، فإن بعضها يتفكك خلال 24 ساعة تحت الظروف الطبيعية، من دون أن يترك رواسب في التربة أو المياه أو الهواء. وهناك أدوية تعمل عن طريق المكافحة البيولوجية، مثل «متاريزيوم»، ويمكن استخدامها في المناطق الحساسة بيئياً. ولكن لما كانت تستغرق ما بين 8 أيام و18 يوماً لتبدأ في التأثير الفعلي، فهي لا تصلح لعلاج الجراد البالغ، وينبغي أن تُستخدم فقط لعلاج الحشرات غير الناضجة، في وقت مبكر من دورة حياتها.
ولكن على الرغم من المخاطر على البيئة، كان رش المبيدات الكيميائية السامة هو الخيار المتاح في كينيا. ويبدو أن السلطات الكينية لم تكن مستعدة بما يكفي لمواجهة الجيل الأول من الجراد الذي دمَّر بالفعل آلاف الهكتارات في منطقة يعاني فيها 13 مليون شخص من تراجع حاد في الأمن الغذائي. ومع قلة المبيدات وعدم كفاية طائرات الرش، قد تكون الحرب غير متكافئة في مواجهة مليارات البيوض التي تفقس حالياً.
وما لبثت مؤسسة وقاية النبات في إيران أن أعلنت عن وصول أسراب ضخمة من الجراد الصحراوي إلى جنوب البلاد. واعتبرت المؤسسة في مطلع مارس (آذار) أن الغزو ضخم للغاية وليس بالإمكان مواجهته إلا باستخدام المبيدات الحشرية السامة. وكانت كثافة الأسراب الغازية مرتفعة للغاية؛ حيث شكَّل الجراد المتساقط بعد رشه بالمبيدات طبقة بلغت سماكتها نحو 10 إلى 15 سنتيمتراً. ولم تفلح الطرق البيولوجية التقليدية، كاستخدام الطيور مثل البط والإوز، أو حفر الخنادق ونصب الشباك، في مواجهة أسراب الجراد.
وتتركز مكافحة الجراد عندما يكون في طور الحورية؛ لأنه يكون أكثر تنقلاً وطلباً للطعام في هذه المرحلة. وعندما يصبح في طور الحشرة الكاملة بعد أربعة أو خمسة أسابيع من فقسه، يقل تنقل الجراد وينشغل أكثر في التكاثر ووضع البيض. كما يجري رش أسراب الجراد في فترة الخمول بين السادسة مساءً والسادسة صباحاً.
وتستخدم أنواع عديدة من المبيدات السامة للقضاء على الجراد، إلا أن هذه المنتجات السامة لا تؤثر على الجراد فحسب؛ بل تقتل أيضاً الحشرات المفيدة، مثل النحل والخنافس وغيرها من الأنواع التي تُعد ملقِّحات للأزهار، وأعداء طبيعيين لحشرات ضارة أخرى. وهذا يعني أن الاستخدام المكثف للمبيدات سيخل بالنظام البيئي، ويخلق حلقة مفرغة قوامها الاعتماد على المكافحة الكيميائية لمواجهة الآفات الحشرية.
وبينما يعتمد تلقيح ثلاثة أرباع المحاصيل حول العالم على الحشرات، يستهلك نحو ملياري شخص في 113 بلداً الحشرات كغذاء مباشر، كما أنها تلعب دوراً مهماً، ليس فقط في الهرم الغذائي وإنما أيضاً في تحلل الكائنات الحية، وتخصيب التربة، والحفاظ على التنوع الحيوي. ولذلك يحذِّر العلماء من المخاطر الكبرى التي ستتعرض لها البشرية من التهديدات المتزايدة التي تطال الحشرات، نتيجة استخدام المبيدات السامة، بالإضافة إلى تغيُّر المناخ، والقضاء على الموائل والأنواع الغازية وغيرها.
ولا تزال المكافحة الكيميائية لأسراب الجراد أكثر فعالية حتى الآن من ناحية الوقت، مقارنة بالمكافحة البيولوجية التي تشمل الفطريات والبكتيريا والمستخلصات الطبيعية. ولكنها - إلى جانب إخلالها بالتنوع الحيوي - تشكل خطراً صحياً في المجتمعات التي تستسيغ تناول الجراد كطعام.
ويُذكر أن الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية في الكويت أصدرت في مايو (أيار) 2019 تحذيراً من تناول الجراد وحتى لمسه، لتلوثه بمبيدات سامة. كما أن وزارة الصحة السعودية أصدرت تحذيرات سابقة من أن أسراب الجراد قد تسبب أمراضاً عديدة، وربما تكون مصدراً لنقل أمراض فيروسية غير معروفة.

- الجراد يهدد المنطقة العربية
تواجه دول شبه الجزيرة العربية حالياً غزواً من الجراد الصحراوي لم تشهده منذ نحو ربع قرن. ففي السعودية، غزت أسراب الجراد مناطق الرياض وحائل والقصيم ونجران وعسير والشرقية، كما رُصد تكاثر الجراد الصحراوي في الربع الخالي. وفي البحرين، انتشرت أسراب هائلة من الجراد الصحراوي في مناطق عدة. ويستمر تكاثر الجراد على ساحل البحر الأحمر في اليمن وعلى ساحله الجنوبي بالقرب من عدن، وكذلك الحال على السواحل الشمالية والشرقية في عُمان التي تتأثر بأسراب قادمة من منطقة الحدود بين الهند وباكستان.
ولم تكن الكويت استثناءً بين الدول الخليجية، إذ تعرَّضت لغزو أسراب كثيفة من الجراد الصحراوي الذي ساعدته الرياح القوية على الانتشار في المناطق البرية والزراعية شمال البلاد وجنوبها. كما شوهدت أسراب الجراد ضمن مناطق محدودة في إمارة أبوظبي، وفي جنوب شرقي العراق بين البصرة والناصرية.
وبينما ساهمت الأحوال الجوية حتى الآن في تغيير اتجاه أسراب الجراد بعيداً عن بلاد الشام، فإن هطول الأمطار الربيعية المتوقعة في وسط شبه الجزيرة العربية وشمالها، مع الاعتدال في درجات الحرارة، سوف يساعد الجراد على النضج والتزاوج كبداية للتكاثر الربيعي، مما سيزيد من فرص هجرة أسرابه في مطلع أبريل (نيسان) نحو الدول المجاورة.
وتبدو الظروف الحالية المحيطة بالحرب في سوريا مشابهة لما أصاب بلاد الشام خلال الحرب العالمية الأولى، عندما قضى الجراد على المحاصيل طيلة ثلاثة أشهر متتالية، فأدى مع ظروف الحرب إلى مجاعة واسعة راح ضحيتها عشرات الآلاف.
واللافت أن البريطانيين استفادوا خلال الحرب العالمية الثانية من الدروس السابقة، فأسسوا سنة 1942 وحدة مكافحة الجراد في الشرق الأوسط (MEALU) بهدف القضاء على أسراب الجراد من مصدرها، وضمان استمرار الإمدادات العسكرية. ومن خلال الاستعانة بالطعم المسموم ورشِّ المواد الكيميائية من الطائرات، نجحت بعثات المكافحة البريطانية المرسلة إلى السعودية وإيران واليمن والكويت وعُمان سنة 1943، في الحيلولة دون حدوث تفشٍّ كبير للجراد.
وفي زمننا المعاصر، يزداد تهديد الجراد لأنه أقدر على التكيُّف في كوكب ترتفع درجة حرارته سنة بعد سنة. ويرى كثيرون أن الأعاصير المتكررة في الآونة الأخيرة فوق البحار الدافئة جلبت الرطوبة إلى الأراضي الصحراوية؛ حيث يتكاثر الجراد، فوفرت غطاءً نباتياً لتغذيته وانتشاره إلى مسافات أبعد خلال فترات أطول. وعلى الجانب الآخر من الكوكب، يبدي جراد الطاعون الأسترالي تكيفاً كبيراً مع دورات الحرارة والجفاف؛ حيث صار بإمكانه العيش لمدة تصل إلى الشهر من دون ماء.
وبينما تكافح الأنواع الأخرى للبقاء في عالم متغيِّر المناخ، فإن قدرة الجراد بجميع أنواعه على تحمل الحرارة مع انخفاض المنافسة من قبل أنواع الحشرات الأقل حظاً ستمنحه السيادة على مناطق أكثر اتساعاً، مما يهدد الإمدادات الغذائية لمئات الملايين من البشر. وفي الغالب، قد تنتهي المعارك الدورية التي تخوضها البلدان المهددة، متسلحة بالمبيدات الكيميائية، في صالح الجراد.
في هذه الظروف المتغيِّرة، يؤكد الصلح أن أهم استراتيجية لمكافحة الجراد الصحراوي بطريقة فعالة، مع تقليل استخدام المبيدات الكيميائية، هي تفعيل أنظمة الإنذار والتدخل المبكرة، ضمن استراتيجية المكافحة لبرنامج منظمة الأغذية والزراعة للطوارئ. ولكن نجاح أي برنامج يتطلَّب أولاً تعاون البلدان المتأثرة.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
يوميات الشرق مستعمرات النحل داخل منحل واحة الرياض (تركي العقيلي) p-circle 02:10

العسل يحلي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف أسرار الشهد الأصفر

نظمت «واحة الرياض» في شارع التحلية فعالية «تعرف على النحل»، وذلك ضمن برامجها الأسبوعية الثابتة التي تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي، والتعرف على أهمية النحل.

فاطمة القحطاني (الرياض)
بيئة غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي ‌لمسات مميزة على المناظر الطبيعية المألوفة يحتمل أن تختفي بحلول نهاية القرن.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
يوميات الشرق طيور مهاجرة في مساراتها بسيناء (الشرق الأوسط)

مصر لحماية مسارات الطيور المهاجرة بالمحميات الطبيعية

أعلنت مصر جهوداً متعددة لإنقاذ وحماية مسارات لطيور المهاجرة بمحمياتها الطبيعية، ضمن مشاركتها في الاحتفال بـ«اليوم العالمي للطيور المهاجرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطراً بيئياً متصاعداً قد يعيد رسم ملامحها الديموغرافية والعمرانية، ويهدد بنزوح ملايين السكان إذا استمر الوضع.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».