العاهل المغربي يطالب الأمم المتحدة والدول الكبرى بموقف واضح من «نزاع الصحراء»

حمل الجزائر مسؤولية حله.. وعد مبادرة الحكم الذاتي أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده

الملك محمد السادس لدى القائه الخطاب مساء أول من أمس بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء وإلى جانبه شقيقه الأمير مولاي رشيد (ماب)
الملك محمد السادس لدى القائه الخطاب مساء أول من أمس بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء وإلى جانبه شقيقه الأمير مولاي رشيد (ماب)
TT

العاهل المغربي يطالب الأمم المتحدة والدول الكبرى بموقف واضح من «نزاع الصحراء»

الملك محمد السادس لدى القائه الخطاب مساء أول من أمس بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء وإلى جانبه شقيقه الأمير مولاي رشيد (ماب)
الملك محمد السادس لدى القائه الخطاب مساء أول من أمس بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء وإلى جانبه شقيقه الأمير مولاي رشيد (ماب)

طالب العاهل المغربي الملك محمد السادس الأمم المتحدة والدول الكبرى بموقف واضح من «نزاع الصحراء»، وقال إنه «في الوقت الذي يؤكدون فيه أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب، فإنهم في المقابل، يتعاملون بنوع من الغموض مع قضية وحدته الترابية».
وحمل الملك محمد السادس، في خطاب ألقاه، الليلة قبل الماضية، بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء، الجزائر مسؤولية حل «النزاع»، مؤكدا أن مبادرة الحكم الذاتي «هي أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده في هذا الشأن، وعبر عن رفض بلاده لأي محاولة لمراجعة مبادئ ومعايير التفاوض، وإعادة النظر في مهام (مينورسو) أو توسيعها».
ودعا الملك محمد السادس إلى إجراء قطيعة مع نمط التدبير السابق في الأقاليم الجنوبية (الصحراء)، وتفعيل الجهوية المتقدمة (الحكم اللامركزي)، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، مشيرا إلى أن «السنة المقبلة ستكون حاسمة لمستقبل المنطقة». وفي هذا السياق أوضح العاهل المغربي أن «الجهوية التي نتطلع إليها ليست مجرد نصوص قانونية، وتحويل اختصاصات وموارد مادية وبشرية، من المركز إلى الجهات (المناطق)، وإنما نريدها أن تقوم على الغيرة الوطنية الصادقة، وعلى الوحدة الترابية لبلادنا»، وتابع: «إننا نريد مناطق وجهات متضامنة ومتكاملة، غيورة على بعضها البعض، فالمغاربة تلاقح حضاري أصيل، بين جميع مكونات الهوية المغربية، وهم عندنا سواسية، لا فرق بين الجبلي والريفي، والصحراوي والسوسي»، ومن هذا المنطلق، فإن البحث الأكاديمي - يضيف الملك محمد السادس: «في مكونات هويتنا، مفيد لترسيخ الوحدة الوطنية، أما النقاش الذي يقوم على التعصب، ويميل لزرع التفرقة، فلا يسمن ولا يغني من جوع، ومن يدعي أنه لا ينتمي لهذا المزيج، فهو مخطئ، ومن يحاول إثبات عكس ذلك قد يفقد صوابه».
وأوضح الملك محمد السادس أن الجهوية التي يريدها هي «استثمار لهذا الغنى، والتنوع البشري والطبيعي، وترسيخ لهذا التمازج والتضامن والتكامل بين أبناء الوطن الواحد، وبين جميع مناطقه، فالمغرب الموحد الجهات لا يعني أبدا التعصب القبلي، ولن يكون عاملا للتفرقة والانفصال لأنه أمر ممنوع، سواء في الدستور القديم، أو الجديد».
وقال الملك محمد السادس إنه «مرت 40 سنة من التضحيات من أجل استرجاع الأرض، وتحرير الإنسان، وتكريم المواطن المغربي بالصحراء، وكسب قلبه، وتعزيز ارتباطه بوطنه»، مستحضرا في هذا الصدد «جميع الذين قدموا حياتهم، في سبيل الدفاع عن الصحراء، وبينهم أمهات وآباء من جميع أنحاء الوطن فقدوا أبناءهم في الصحراء، وأرامل تحملن أعباء الحياة وحدهن، وأيتام لم يعرفوا حنان الأب من أجل الصحراء، وهناك شباب فقدوا حريتهم، وعاشوا أسرى لسنوات طويلة، في سبيل الصحراء».
فالصحراء - يضيف العاهل المغربي: «ليست قضية الصحراويين وحدهم بل قضية كل المغاربة، وكما قلت في خطاب سابق: الصحراء قضية وجود وليست مسألة حدود، والمغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها».
وإضافة إلى التضحية بأرواحهم قال الملك محمد السادس: «إن المغاربة قدموا أشكالا أخرى من التضحيات، المادية والمعنوية من أجل تنمية الأقاليم الجنوبية، وتقاسموا خيراتهم مع إخوانهم في الجنوب»، مذكرا بالوضع الذي كانت عليه الصحراء قبل 1975، وأضاف أن مؤشرات التنمية البشرية بالمنطقة سنة 1975، كانت أقل من 6 في المائة من جهات شمال المغرب، و51 في المائة مقارنة بإسبانيا. أما اليوم - يضيف العاهل المغربي، فإن هذه المؤشرات بالأقاليم الجنوبية «تفوق بكثير المعدل الوطني لبقية جهات المملكة. لهذا أقول، وبكل مسؤولية: كفى من الترويج المغلوط لاستغلال المغرب لثروات المنطقة، فمن المعروف أن ما تنتجه الصحراء لا يكفي حتى لسد الحاجيات الأساسية لسكانها، وأقولها بكل صراحة: المغاربة تحملوا تكاليف تنمية الأقاليم الجنوبية، لقد أعطوا من جيوبهم ومن رزق أولادهم ليعيش إخوانهم في الجنوب، في ظل الكرامة الإنسانية، كما أن الكل يعرف أن المغرب حريص على استفادة سكان المنطقة من ثرواتها، في ظل تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية».
وأقر العاهل المغربي بأن نمط التدبير بالصحراء عرف بعض الاختلالات، جعلتها مع توالي السنوات مجالا لاقتصاد الريع وللامتيازات المجانية، وهو ما أدى، برأيه، إلى حالة من الاستياء لدى البعض، وتزايد الشعور بالغبن والإقصاء لدى فئات من المواطنين، وأضاف: «إننا نعرف جيدا أن هناك من يخدم الوطن بكل غيرة وصدق. كما أن هناك من يريد وضع الوطن في خدمة مصالحه»، وتابع قائلا: «إن هؤلاء جعلوا من الابتزاز مذهبا راسخا، ومن الريع والامتيازات حقا ثابتا، ومن المتاجرة بالقضية الوطنية مطية لتحقيق مصالح ذاتية، كما نعرف أن هناك من يضعون رجلا في الوطن، إذا استفادوا من خيراته، ورجلا مع أعدائه إذا لم يستفيدوا. وهنا أقول: كفى من سياسة الريع والامتيازات، وكفى من الاسترزاق بالوطن». بيد أن العاهل المغربي نبه إلى أنه «لا يجب تضخيم الأمر، لأن الانتهازيين قلة وليس لهم أي مكان بين المغاربة، ولن يؤثروا على تشبث الصحراويين بوطنهم».
و«إنصافا لكل أبناء الصحراء، وللأغلبية الصامتة التي تؤمن بوحدة الوطن»، دعا العاهل المغربي إلى إعادة النظر جذريا في نمط الحكامة بالأقاليم الجنوبية وتفعيل الجهوية المتقدمة (الحكم اللامركزي)، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، وذلك بهدف إجراء قطيعة مع نمط التدبير السابق، وتمكين أبناء المنطقة من المشاركة في تدبير شؤونهم المحلية، في ظل الشفافية والمسؤولية وتكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، دعا الملك محمد السادس إلى فتح حوار وطني صريح، ومناقشة مختلف الأفكار والتصورات، بكل مسؤولية والتزام، من أجل بلورة إجابات واضحة لكل القضايا والانشغالات، التي تهم سكان المنطقة، وذلك في إطار الوحدة الوطنية والترابية للبلاد، كما دعا القطاع الخاص إلى الانخراط أكثر في تنمية الأقاليم الجنوبية. وقال إن التزامه بتوفير شروط العيش الكريم للمواطنين لا يعادله إلا حرصه على ضمان الأمن العام، وسلامة المواطنين في إطار دولة الحق والقانون.
وعبر الملك محمد السادس عن رفض المغرب لكل الممارسات التي تستهدف المس بأمنه واستقراره، مؤكدا أنه سيتصدى لها بكل حزم ومسؤولية في إطار القانون، وتحت سلطة القضاء، وأضاف متسائلا: «متى كان ترهيب المواطنين وتخريب ممتلكاتهم، التي اكتسبوها بجهدهم وعرق جبينهم، حقا من حقوق الإنسان؟ ومتى كان الإخلال بالأمن العام، وتدمير الممتلكات العمومية، يدخل في إطار ممارسة الحقوق والحريات؟».
وقال إنه سبق له في خطاب المسيرة سنة 2009 أن عبر عن رفضه القاطع لهذه الممارسات، ونبه إلى أن «أي شخص إما أن يكون وطنيا أو خائنا، فليس هناك مرتبة وسطى بين الوطنية والخيانة، كما أنه ليست هناك درجات في الوطنية ولا في الخيانة، فإما أن يكون الشخص وطنيا، وإما أن يكون خائنا»، وتابع: «صحيح أن الوطن غفور رحيم، وسيظل كذلك، ولكن مرة واحدة لمن تاب ورجع إلى الصواب، أما من يتمادى في خيانة الوطن، فإن جميع القوانين الوطنية والدولية تعتبر التآمر مع العدو خيانة عظمى».
وأضاف: «إننا نعرف أن الإنسان يمكن أن يخطئ، ولكن الخيانة لا تغتفر، والمغرب لن يكون أبدا مصنعا (لشهداء الخيانة)»، موضحا أن «الشهداء الحقيقيون هم الذين وهبوا أرواحهم في سبيل حرية واستقلال الوطن، والذين استشهدوا دفاعا عن سيادته ووحدته»، وزاد قائلا: «كفى من المزايدات على المغرب، وكفى من استغلال فضاء الحقوق والحريات، التي يوفرها الوطن للتآمر عليه».
ولفت الملك محمد السادس إلى أن المغرب يتوفر على آلياته ومؤسساته الخاصة، المشهود لها دوليا بالالتزام والمصداقية لمعالجة كل القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان، وبأنه البلد الوحيد بالمنطقة الذي يتعاون مع الآليات الخاصة للمجلس الأممي لحقوق الإنسان، معبرا عن استعداد بلاده للانفتاح أكثر على مختلف الهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية، التي تعتمد الحياد والموضوعية، في التعامل مع قضاياه.
وأكد العاهل المغربي أن المغرب «يرفض سياسة تبخيس مبادراته، وتضخيم الأحداث التي تقع بالأقاليم الجنوبية، مقابل الصمت والتواطؤ تجاه ما يقع في تندوف، وفي بلدان الجوار».
وفي هذا السياق، أوضح الملك محمد السادس أن «المغرب عندما فتح باب التفاوض من أجل إيجاد حل نهائي للنزاع المفتعل حول صحرائه، فإن ذلك لم يكن قطعا، ولن يكون أبدا حول سيادته ووحدته الترابية»، مشيرا في هذا الصدد إلى أنه سبق له أن تفاوض مع بعض المغاربة من تندوف (قيادات في البوليساريو)، عندما كان وليا للعهد: «وليس عندي في ذلك أي مشكل، لأنني كنت أفاوض مواطنين مغاربة، ولأن الأمر يتعلق بالدفاع عن حقوق المغرب».
فالمغرب - يضيف الملك محمد السادس - ليس لديه أي عقدة، لا في التفاوض المباشر، ولا عن طريق الوساطة الأممية مع أي كان، ولكنه أكد على أن سيادة المغرب على أراضيه كاملة ثابتة، وغير قابلة للتصرف أو المساومة، موضحا أن «اختيار المغرب للتعاون مع جميع الأطراف بصدق وحسن نية، لا ينبغي فهمه على أنه ضعف، أو اتخاذه دافعا لطلب المزيد من التنازلات».
وأكد العاهل المغربي على أن مبادرة الحكم الذاتي «هي أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده، في إطار التفاوض، من أجل إيجاد حل نهائي لهذا النزاع الإقليمي»، وأضاف أنه بصفته الضامن لاستقلال البلاد ولوحدتها الترابية، فإن من واجبه تحديد المفاهيم والمسؤوليات، في التعامل مع الأمم المتحدة، والتعبير عن رفض المغرب للمغالطات والانزلاقات، التي تعرفها هذه القضية، وسرد الملك محمد السادس موقف بلاده بهذا الشأن بـ 5 لاءات، وهي: «لا لمحاولة تغيير طبيعة هذا النزاع الجهوي، وتقديمه على أنه مسألة تصفية الاستعمار، فالمغرب في صحرائه لم يكن أبدا قوة محتلة، أو سلطة إدارية، بل يمارس صلاحياته السيادية على أرضه»، و«لا لأي محاولة لمراجعة مبادئ ومعايير التفاوض، ولأي محاولة لإعادة النظر، في مهام الـ(مينورسو) أو توسيعها، بما في ذلك مسألة مراقبة حقوق الإنسان»، و«لا لمحاباة الطرف الحقيقي في هذا النزاع، وتمليصه من مسؤولياته»، و«لا لمحاولة التوازي بين دولة عضو في الأمم المتحدة، وحركة انفصالية»، و«لا لإعطاء الشرعية لحالة انعدام القانون بتندوف».
فسيادة المغرب - يضيف الملك محمد السادس - «لا يمكن أن تكون رهينة، لأفكار آيديولوجية، وتوجهات نمطية لبعض الموظفين الدوليين، وأي انزلاقات أو مغالطات سترهن عمل الأمم المتحدة في هذه القضية»، معبرا عن استعداد المغرب للتعاون مع كل الأطراف، للبحث عن حل يحترم سيادته، ويحفظ ماء وجه الجميع، ويساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار بالمنطقة، وتحقيق الاندماج المغاربي.
كما عبر الملك محمد السادس عن تقديره للأمين العام للأمم المتحدة، وللقوى الدولية الكبرى، وخصوصا الولايات المتحدة، وعلى رأسها البيت الأبيض، لمساهمتها الإيجابية في مختلف المراحل لإيجاد حل لهذه القضية، وثمن دعمهم للجهود التي يبذلها المغرب، وللمسار التفاوضي، على أساس مبادرة الحكم الذاتي، وطالب في المقابل بموقف واضح من هذا النزاع، وقال إنه «في الوقت الذي يؤكدون أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب؛ فإنهم في المقابل، يتعاملون بنوع من الغموض، مع قضية وحدته الترابية»، مشددا على أنه من دون تحميل المسؤولية للجزائر، الطرف الرئيس في هذا النزاع، لن يكون هناك حل. ومن دون منظور مسؤول للواقع الأمني المتوتر بالمنطقة، لن يكون هناك استقرار.
بيد أن الملك محمد السادس نبه إلى أن كلامه «لا يعني الإساءة للجزائر، أو لقيادتها، أو شعبها، الذي نكن له كل التقدير والاحترام، فكلامنا موزون، ومعناه واضح، وإنما نتحدث عن الواقع والحقيقة، التي يعرفها الجميع. هذه الحقيقة التي كلما قالها المغاربة، يتم اتهام الحكومة والأحزاب والصحافة المغربية، بمهاجمة الجزائر».
وأوضح في هذا الصدد أنه «إذا كان المغرب لا يملك بترولا ولا غازا، بينما الطرف الآخر(يقصد الجزائر) لديه ورقة خضراء، يعتقد أنها تفتح له الطريق ضد الحق والمشروعية، فإن لدينا مبادئنا وعدالة قضيتنا، بل لدينا أكثر من ذلك: حب المغاربة وتشبثهم بوطنهم»، وتابع قائلا: «مخطئ من يعتقد أن تدبير قضية الصحراء، سيتم عبر تقارير تقنية مخدومة أو توصيات غامضة، تقوم على محاولة التوفيق بين مطالب جميع الأطراف، ومخطئ أيضا من يحاول مقارنة الصحراء بتيمور الشرقية أو ببعض النزاعات الترابية بأوروبا الشرقية، لأن لكل قضية خصوصياتها، فارتباط سكان الصحراء بالمغرب ليس وليد اليوم، بل تمتد جذوره في أعماق التاريخ».
وعبر العاهل المغربي عن إيمانه بعدالة قضية بلاده، وبانتصار الحق والمشروعية على نزوعات الانفصال، مؤكدا أنه يتطلع «بكل أمل وتفاؤل، لجمع الشمل بين أبناء الصحراء، في وطنهم»، وأنه «واثق من انخراطهم في مسيرات جديدة، للنهوض بالتنمية، وتوفير العيش الحر الكريم لكافة المواطنين، أينما كانوا».



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended