مستقبل الإنسان على الأرض.. ستحدده الابتكارات والتقنيات

السنوات المقبلة ستغير معالم الحاضر جذريا

مستقبل الإنسان على الأرض.. ستحدده الابتكارات والتقنيات
TT

مستقبل الإنسان على الأرض.. ستحدده الابتكارات والتقنيات

مستقبل الإنسان على الأرض.. ستحدده الابتكارات والتقنيات

مليونا عام من الابتكارات غيرت معالم أجسادنا، وعقولنا، وسلوكنا، وطريقة تفكيرنا، وأصبحنا أقواما بلغات معقدة. وملأنا الأرض، وأنشأنا علاقات معقدة مع بعضنا البعض، ومع العالم الطبيعي. كما وأن عبقريتنا الابتكارية أتاحت لنا حماية أنفسنا من أخطار الطبيعة، وتجاوز قيود أجدادنا وأسلافنا البيولوجية. لكن هذا الأمر لن يتوقف هنا، فمع استمرار وتيرة ابتكاراتنا وتطورها، سيستمر التغيير ليوصلنا إلى بعض المناحي التي قد يمكن تصورها.

* نهاية الشيخوخة

* ربما قد يتحول الأطباء إلى ما يشبه التجار يقومون بصيانة أجساد البشر بشكل دوري، ومن ثم مقاومة الشيخوخة وإطالة الحياة. وهذا قد يمكن البشر من دخول القرن الثاني من أعمارهم، وربما أطول من ذلك بكثير. والشيء المميز هنا هو أننا قد بتنا في منتصف هذه الثورة، كما يقول إندرز ساندبيرغ الأستاذ في معهد مستقبل البشرية في جامعة أكسفورد. وعندما تصبح الوفاة نتيجة الشيخوخة من الأمور غير العادية، تبقى الحوادث والأمراض المزمنة فقط هي التي تشكل الأخطار الكبيرة، مع زيادة سلامة البيئة وتعقيمها.
ولكن كيف ستتغير حياتنا أكثر فأكثر؟ أولا سيتغير إيقاع حياتنا، فمراحل حياتنا الـ7 ستصبح 6، إذ ستبقى الـ5 الأولى منها كما هي، أما الـ6 فستطول إلى ما لا نهاية، كما نقلت مجلة «نيوساينتست» عن أوبري دي غراي العالم في علم الشيخوخة، وأحد مؤسسي مؤسسة «سينس» للأبحاث في ماونتن فيو في كاليفورنيا، فمع بداية الـ50 سنة الأولى تبقى الحياة كما نعرفها حاليا، مع مراحلها الأساسية، مثل معالم البلوغ والمراهقة ثم الخصوبة المتقهقرة. وبعد ذلك يجري إيقاف التغيرات البيولوجية الحاصلة في صحتنا العامة باختيارنا نحن، سواء كان ذلك يتعلق أو يتأثر بمهنتنا، أو علاقاتنا، أو أي عامل آخر.
وستتغير حياتنا العائلية أيضا، إذ لن يظل الأجداد أحياء يعايشون أحفادهم فحسب، في غالبية مراحل حياتهم، بل سيحيا آباء الأجداد أيضا. وثمة سؤال يبرز إلى العلن هنا، هل سيبقى الزوج مع زوجته ذاتها طوال قرن من الزمن أو أكثر؟
وهذا التعايش بين الأعمار المختلفة قد يعرضنا إلى خبرات، وتجارب، وآراء واسعة جدا. ومثل هذا العيش الطويل قد يجعل الأشخاص يعتنون أكثر ليس ببعضهم البعض فحسب، بل بأشياء أخرى مختلفة أيضا، كالبيئة مثلا.

* آلات تتخذ القرارات

* وسيجري التعامل مع الكثير من المشكلات والمعضلات في الحياة اليومية، حتى الصغيرة منها، بالرموز الكومبيوترية الخاصة، مثل ماذا نقرأ؟ أو إلى ماذا نصغي؟ ومن نتعامل معه ونتواصل اجتماعيا؟ وإلى أين نذهب؟ كل ذلك سيجري عن طريق الخرائط التي توجهنا، والتطبيقات التي تملي علينا أفعالنا متى وصلنا إلى وجهتنا، ومع تزايد معرفة الآلات بنا، ستزداد وتيرة هذه الأمور، مما يجعل حياتنا تدار بالعالم الافتراضي الذي يتوقع كل التفاتة نقوم بها.
قد يبدو هذا الأمر بركة؟ ربما، فثمة أدلة تشير إلى أننا سنتحرر من الخيارات وعبوديتها. لكن بماذا سنشغل عقولنا بدلا من ذلك؟ نحن جنس اجتماعي، وقد نلهو مع أطفالنا أكثر، مع وجود مزيد من الوقت لنقضيه معهم، ومن ثم قد يتعزز العامل الاجتماعي، ويصبح أكثر أهمية وبروزا.
بيد أن عالمة الأعصاب فالاري رينا من جامعة كورنيل في نيويورك تعتقد العكس وعدم التسليم للآلة بسرعة لاتخاذ القرارات بدلا عنا، فالخبرة والتجربة تساعداننا على تطوير أنفسنا وتعلماننا على تقييم المخاطر على سبيل المثال. وهذا ما يجعل أولادنا أحيانا لا يرتكبون أخطاء زملائهم ورفاقهم. فقدرة الأفراد على تقرير الخيارات هي من الأمور الأساسية تقول رأينا.

* أجسام حسب الطلب

* ومع تحول التقنية الاستهلاكية إلى عامل لا يمكن الاستغناء عنه يوما بعد يوم، يختار الكثير من الأفراد تعزيز وضعيتهم البيولوجية بالأنسجة والأعضاء المزروعة، فقد حل عصر البشر المصممون حسب الطلب. وأفضل مكان للشروع باختبار ما سيبدو عليه هذا المستقبل هو في حقل تحسين الجنس البشري. فسواء كان ذلك جيدا أم سيئا، فإن محاولاتنا لمعالجة المعاقين جسديا قد تتحول إلى محاولات لإعادة بناء أجسادهم وفقا للوضعية الطبيعية. لكن «عندما يحصل مثل هذا العلاج، فإن الشخص المعني قد يفقد فرديته»، كما يقول نايجل أكلاند الذي فقد ذراعه اليمنى في حادث صناعي. فالأطباء في هذا الصدد، يملكون قياسا واحدا يناسب الجميع. بيد أن البعض يعارض حاليا هذا الرأي، ولا يرون سببا في أن تزرع الجراحات الترقيعية ذراعا، أو ساقا يبدو كالذراع أو الساق الطبيعية. وهذه هي الفكرة العقلانية التي تكمن وراء «مشروع الأطراف البديلة» الذي تديره صوفي دي أوليفيرا براتا في لندن. فمشغلها قد يصنع لك ساقا مرصعة بالجواهر، أو ذراعا مغطاة بريش الطيور. فإلى أين سيقودنا ذلك عندما تصبح مثل هذه الأعضاء الصناعية من الأشياء الطبيعية التي ستعزز من قدراتنا البشرية، مما يمكننا مثلا من صنع ذراع تكون بجودة الذراع الطبيعية. ولماذا نتوقف هنا ولا نشيد واحدة تفوق بقوتها الذراع الطبيعية، وتكون أسرع منها بـ3 أضعاف.
وسيكون لكل طرف صناعي قدرات لا يستطيع الطرف البشري مجاراته. يقول أكلاند، «فعندما أدير رسغي بمقدار 360 درجة يندهش الناس، لكنهم لا يرون الحقيقة القائلة بأنني لا أستطيع مثلا العزف على البيانو، أو الطباعة بسرعة على الكومبيوتر، أو أشعر بيد زوجتي وهي تلامس ذراعي. فهم يرونني أفعل أمورا لا يستطيعونها، وهذا يجعلني أشعر بفرديتي وشخصيتي ثانية».
وثمة مخاوف من أن مثل هذا التعزيز للقدرات البشرية قد يطلق شرارة «سباق تسلح» بين أولئك الذين يملكون مثل هذه القدرات الجديدة، والذين لا يملكون، خصوصا الذين لا يستطيعون القيام بمثل عمليات الزرع هذه، أو الذين لا يتمكنون من مجاراة هذا الوضع الجديد والتأقلم معه.

* نهاية الخصوصية الفردية

* من ناحية أخرى يبدو أن حدود الحفاظ على الخصوصيات شرع يتغير أيضا، فكلما سمحت لنا التقنيات بعمليات المشاركة، كلما انغمسنا فيها أكثر، فمواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالاعترافات، بينما مواقع الصور والفيديوهات زاخرة بترويج الذات. حتى إننا بتنا نثمن الآلات والمعدات التي تكشف علنا عن عواطفنا وأحاسيسنا. وبات الخط الذي يفرق بين حياتنا الخاصة والعامة، هشا رقيقا، فأندرو هودج مثلا عالم الرياضيات، وكاتب سيرة ألن تيورنغ، يكشف على موقعه في الإنترنت عن مثليته الجنسية. وهذا التحرر في كشف الأسرار الشخصية بات من الصعب معه التحكم بالمعلومات والسيطرة عليها، فحتى مع التشارك في إشارات التأييد والإعجاب (لايك) في «فيسبوك»، يتم الكشف عن أمور خاصة عن ذاتك، التي قد لا تعرفها أنت. والكثير من هذه الأمور تكشف عن الميول والانتماءات السياسية التي قد تكون عرضة للاستغلال من قبل الوكالات والهيئات المختلفة، وبالتالي تقرير أي الأشخاص الذين يمكن تجنيدهم لأغراض معينة، أو يكونون مرشحين لغايات محددة. فضلا عن أن ذلك يشكل مشروعا تجاريا كبيرا، سواء كان أخلاقيا أم لا.
والعالم اليوم بات غارقا بتقنيات التقصي والاستطلاع إلى درجة أن كل فرد يستطيع مراقبة الشخص الآخر ويراه. فالكاميرات تراقب كل شيء وتصوره وتشارك به مع الآخرين. ففي عالم المراقبة اليوم يحمل كل واحد منا في جيبه ما يدل عليه، ومكان وجوده، والذي عليه تحركاته.
وقد يكون مثل هذا المجتمع المفتوح مجتمعا أفضل كما تشير بعض الدلائل، لكن مثل هذا الانفتاح قد لا يتعادل في بعض البلدان مع الحريات العامة، وهنا تكمن المشكلة، إذ يحاول بعضها إزالة بعض المحتويات الحساسة من الإنترنت أو التقييد عليها، أو كما هو الحال عندما زرعت بعض الدول مخبرا واحدا بين كل 63 شخصا من المواطنين. فهل يمكن قياس ذلك مثلا على صعيد القرية الكونية التي نعيش فيها حاليا؟

* عالم الوفرة

* وإذا تمكنا من إتمام الأمور بوجهتها الصحيحة، فنحن نتجه إلى عالم من الوفرة، فالمواد المستعملة سيجري تدويرها عن طريق الطابعات الثلاثية الأبعاد التي ستنتج كل الأشياء، من الإلكترونيات الاستهلاكية، إلى الطعام ومواد البناء، مرورا بالمواد والأعضاء المركبة، فالتقدم الحاصل بالهندسة الجزيئية، سيجعلنا ننتج كل الأشياء من كل الأشياء، عن طريق إعادة صياغة الجزيئات من مادة وتحويلها إلى مادة أخرى، فالابتكار سيصبح أكثر قيمة من إنتاج السلع، استنادا إلى ستيوارت أرمسترونغ من جامعة أكسفورد، وبذلك سيزداد تقديرنا للأشياء القديمة، مقابل الجديدة منها، وتصبح التحف من الندرة في عالم يقوم بتدوير ما جرى التخلص منه بكفاءة عالية جدا. ومع مستقبل كهذا، تصاب روابطنا مع العالم الطبيعي بالتفكك شيئا فشيئا، فإذا بات بمقدورنا إنتاج اللحوم والخضار صناعيا، مع اختفاء الزراعة، هل سنقوم بعد ذلك بتجنب الذهاب إلى الريف، أم سنحن إليه أكثر؟ الإشارات الحالية تقول إنه بدلا من عزل أنفسنا عن البيئة، فإن التقنية ستقربنا منها، فالتنوع البيولوجي ليس بدعة. وفقا لبين نوفاك من مؤسسة «لونغ ناو فاونديشن» التي مركزها مدينة سان فرانسيسكو.
والأقطار الغنية اليوم تملك القدرة على زيادة التركيز والتأكيد على الحفاظ على البيئة، وإقامة الحدائق العامة، والمحميات الطبيعية التي يتزايد عددها باستمرار. وسيجري إنعاش بعض أنواع الحياة البرية بعدما وضعت خطط لمقاومة انقراض بعض الفصائل الحيوانية والنباتية. فالتنوع البيولوجي والحفاظ عليه يمثلان الكون بكل تعقيداته، ذلك المصدر الواسع للمعلومات، بل ذلك اللغز الكبير الذي يستعصي على الحل كما يقول نوفاك.
بيد أن كل ذلك قد لا يجعلنا بالضرورة نحن البشر سعداء، فإحدى السمات البشرية هو عدم الرضا أو الاكتفاء، وهذا أحد الأسباب إلى حد ما الذي يدفع بالتقدم التقني، استنادا إلى إيان تاترسال العالم في المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي في نيويورك. فحتى لو تمكنا من الحصول على كل الأشياء التي نريدها، فلن نتوقف عن رغبة الحصول على الأشياء التي لم نحصل عليها بعد.



الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.