كيف ينضم الشباب في مصر إلى «داعش»؟

«آل حرب وأبو سياف والظواهري الصغير» سفراء عبر الإنترنت.. وعملاء بالمساجد للتجنيد

صفحة  من موقع الكتروني بأسماء حركية لمن انضموا إلى تنظيم داعش
صفحة من موقع الكتروني بأسماء حركية لمن انضموا إلى تنظيم داعش
TT

كيف ينضم الشباب في مصر إلى «داعش»؟

صفحة  من موقع الكتروني بأسماء حركية لمن انضموا إلى تنظيم داعش
صفحة من موقع الكتروني بأسماء حركية لمن انضموا إلى تنظيم داعش

«السلام عليكم.. أخوك أحمد، أحب أتعرف عليك يا فضيلة الشيخ».. «اسمي محمد (ف) أدرس في جامعة الأزهر».. «أنت تأتي كثيرا إلى الجامع الأزهر؟».. «نعم».. «سوف نلتقي في وقت آخر لتسهم معنا في نصرة الإسلام». هذه العبارات الخاطفة كانت حديثا دار بين أحد العملاء ويدعى «أحمد» من الذين ينتمون لعدد من الجماعات الإرهابية ومن بينهم تنظيم داعش، وبين طالب وافد للدراسة بالأزهر من مالي يرتدي الزي الأزهري، يتلقي الدروس الفقهية في الجامع الأزهر بالقاهرة.
حال الجامع الأزهر لا يختلف كثيرا عن حال مسجد الإمام الحسين في الجهة المقابلة من الطريق، حيث يقف عملاء لتجنيد الشباب أمام المسجد وفي داخله، سواء من الذين يدرسون في جامعة الأزهر أو الوافدين، أو الشباب الذي لا يجدون فرصة عمل ويأوون إلى هذا المسجد خاصة من أقاليم مصر.
«الشرق الأوسط» رصدت في جولة لها بمنطقة الحسين كيف يتم تجنيد الشباب للسفر لـ«داعش» من أمام المسجدين العريقين أو داخلهما في طريقة جديدة، كما كشفت عن طريقة أخرى قديمة ما زال يتبعها الشباب للسفر لـ«داعش» بواسطة أشخاص وسطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر».
مصادر مصرية أكدت أن «هناك شبابا يتم تجنيدهم من أمام المساجد الكبرى في القاهرة وبعض الأقاليم أو في داخلها»، لافتة إلى أنها ظاهرة كبيرة وتنذر بكارثة، خاصة أن من بين هؤلاء العملاء طلابا وافدين من معظم دول العالم للدراسة بمصر ويقيمون في مدينة البعوث الإسلامية بمنطقة الدراسة. وكشفت المصادر التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن أن «العملاء يكثفون جهودهم لضم أكبر عدد من الشباب ولا يستطيع أحد التعرف عليهم، لأنهم دائما ما يوجدون داخل المساجد يؤدون الصلاة، وخارجها يقفون على أسورها أو بالقرب منها، لتسهيل مهمة من يريد السفر».
ويسرد محمد، وهو طالب أزهري، تحفظ عن ذكر اسمه الثاني «عددا من أصدقائه تم تجنيدهم وتسفيرهم إلى (داعش)»، مضيفا «علمت منهم أن أحد الأشخاص التقى بهم عقب الدروس التي تقدم في الجامع الأزهر ومسجد الحسين، وأقنعهم بالسفر والانضمام لـ(داعش) لنصرة الدين الإسلامي». محمد رفض الإفصاح عن أسماء أصدقائه، قائلا «هم استجابوا وسافروا.. وانتهى الأمر. ولا بد من النظر في المستقبل وغلق كل هذه القنوات التي تغرر بالشباب».
الطالب محمد أدرك عقب تجنيد زملائه أن من طلب التعرف عليه (وهو أحمد) كان يريد تجنيده وتسفيره لـ«داعش»، ويقول «هذا الشخص لم أراه مرة ثانية في المسجد»، لافتا إلى أن هذا الوسيط يأتي مرة واحدة فقط للبحث عن العملاء ويستجيب له البعض والبعض الآخر يرفض، وأن من يستجيب له من المرة الأولى يفتح معه حوارا بعد ذلك.. وغالبا ما يخرج الاثنان من المسجد معا لإتمام الاتفاق بعيدا عن المسجد في أحد المطاعم الشهيرة القريبة من منطقة الحسين. ويضيف محمد أن «شكل الوسيط يتغير في كل مرة، فهو ليس شخصا واحدا، حتى لا يثير الشبهات حوله، وينتقل من مسجد لآخر في أماكن لا يعرفه أحد فيها».
ويقدر عدد المصريين الذين أعلنوا انضمامهم لتنظيم داعش - حسب إحصائيات غير رسمية - بنحو ألف شخص. ووفقا لتقديرات مصادر أمنية فإن عدد المصريين الذين يقاتلون في صفوف جماعات متشددة في الخارج مثل «القاعدة» «وداعش» وغيرهما يصل إلى ثمانية آلاف.
طريقة أخرى يسلكها الشباب المصري للسفر لـ«داعش» وهي عن طريق الإنترنت، وقالت المصادر المطلعة نفسها إنه «عقب تضييق السلطات في مصر على مواقع التواصل الاجتماعي ومراقبتها، والتي كانت وسيلة لانضمام الشباب لـ(داعش) عبر وسطاء، لجأ الوسطاء لتجنيد الشباب من المساجد»، لافتة إلى أن «أغلب الأسماء التي تتحدث عن تجاربها للسفر لـ(داعش) تكون أسماء حركية».
محمد محمد (22 عاما)، تحدث عن كيفية الانضمام لصفوف «داعش»، قائلا إن «السفر لا يستلزم أكثر من 2000 جنيه (نحو 250 دولارا)، ويكون عن طريق تركيا، حيث يخرج الشباب من مصر عن طريق السفر بدعوى السياحة ويذهبون إلى الحدود التركية السورية، ومنها يقوم أحد المجاهدين - حسب قوله - في سوريا بتهريبهم عبر الحدود»، مؤكدا أن الشاب هناك لا يحتاج للأموال فكل خدماته متاحة، وفي الفترة الأولى له يكون هناك تدريب قوي.
وأضاف محمد (وهو اسمه الحركي)، والذي درس في كلية الآداب بإحدى الجامعات المصرية، وتم التواصل معه عبر الـ«فيسبوك»، أن «الشباب المصريين يتعرفون على أحد المنسقين للسفر إلى (داعش) عبر (تويتر) و(فيسبوك)، ومن أشهرهم عبد القادر آل حرب (مصري) وأبو سياف المصري، والظواهري الصغير، وهم منضمون لـ(داعش)»، موضحا أن «الشاب المصري يتصل بأحد الوسطاء (الذين رفض تحديدهم) وهم من يوصلونه بهؤلاء الثلاثة.. وأنهم أصحاب التزكية الوحيدة للسفر».
وقال محمد إن «السفر والانضمام إلى تنظيم داعش للشاب أقل من 20 سنة يكون أسهل، حيث يسافر الشاب إلى تركيا من دون تأشيرة، ومنها إلى الحدود، حيث يجري التنسيق مع أحد المجاهدين»، حسب قوله.. وفي حالة وصوله «يتم الاتصال به عن طريق (الفايبر) أو (الواتس آب) حتى لا تتم مراقبة الاتصال». ويشار إلى أن لـ«داعش» عشرات من الصفحات على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر».
شاب مصري آخر يدعي «أبو سياف» حكى قصة سفر الشباب لـ«داعش»، قائلا «تبدأ بالحصول على تأشيرة سفر إلى تركيا بغرض السياحة، ثم الانتقال إلى أي من ميناءي الإسكندرية أو بورسعيد، حيث لا تزيد سعر تذكرة الذهاب إلى ميناء الإسكندرونة أو ميناء مارسيم بتركيا على ألف جنيه». «أبو سياف» قال إن أغلب الشباب الذين سافروا إلى سوريا اتبعوا خطوات محددة فور وصولهم إلى تركيا، حيث يتم الانتقال إلى الحدود السورية التركية بسيارة تاكسي لا تزيد تكلفتها على 25 ليرة (نحو 75 جنيها مصريا)، ثم يتم الدخول إلى سوريا عبر المعابر الممتدة في المنطقة الحدودية بين البلدين، وأشهرها معبر الريحانية ومعبر الحيزتاب، وكلها خارج إطار سيطرة الجيش السوري.
تجربة ثالثة يحكيها شاب من القيادات الشبابية بجماعة الإخوان المسلمين يدعى «م. ن» بمنطقة عين شمس (شرق القاهرة)، عن أحد أصدقائه قائلا «سافر صديقي إلى تركيا قبل 5 أشهر»، مشيرا إلى أنه تم اقتياده إلى مقر الأمن الوطني بمطار القاهرة الدولي قبل إقلاع الطائرة، حيث أجرى مسؤولو الأمن استجوابا قصيرا معه استغرق نحو 30 دقيقة حاول خلاله المحقق التأكد مما إذا كانت هناك علاقة تجمعه بجماعة الإخوان المسلمين أم لا. وتابع «صديقي سافر لأنه ليس قياديا معروفا بـ(الإخوان)، وأقنعهم بأنه ليس منهم، وأخبرهم بأنه سيذهب للسياحة فقط ويعود».
وكشف شاب مصري عن رحلة انتسابه وقتاله في صفوف تنظيم داعش، قائلا «تركت منزلي الكائن في حي المعادي (جنوب القاهرة) للانضمام إلى تنظيم داعش». وأشار «ي. م» إلى أنه تم التواصل معه عبر «فيسبوك»، وأنه نجح قبل سفره إلى سوريا في إقناع ما يصل إلى مائة شاب بـ«فكرة الجهاد»، ومنهم من سافر إلى العراق وسوريا ومنهم من بقي في مصر. ولفت إلى أن «الانضمام للتنظيم مباشرة ليس بالأمر السهل، إذ لا يدخل الشاب المصري في صفوف التنظيم إلا بعد حصوله على تزكية من عضو في (داعش) بعد إثبات نفسه في كتيبة أخرى تقاتل في سوريا التي يصلها عن طريق تركيا». وقال «انضممت إلى الكتيبة إلى حين الحصول على تزكية من أحد عناصر (داعش)»، مضيفا أنه «أصبح مقاتلا في صفوف التنظيم ويتلقى التعليمات والتدريب من قائده المباشر، وهو مصري الجنسية أيضا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.