«دروب القراءة»... مداخلها السرية «السير الذاتية»

الكاتب السعودي رائد العيد يقدم خلاصة تجربته بعد أن «نفض المكتبات»

«دروب القراءة»... مداخلها السرية «السير الذاتية»
TT

«دروب القراءة»... مداخلها السرية «السير الذاتية»

«دروب القراءة»... مداخلها السرية «السير الذاتية»

لا يزال سؤال «السيرة الذاتية» موضوعاً جدلياً عند العرب. فهل في التراث العربي سير؟ وهل ما وصلنا يمكن وضعه تحت هذه الخانة، أم أنه لا يلبي الشروط؟ وهل يتوجب علينا أن نذعن لما قرره روزنتال من أن ابن منقذ في سيرته «الاعتبار» لم يميز بين الأحداث ذات المعنى وتلك التي لا معنى لها؟ وهل نتبع في حكمنا على السير ما اشترطه جورج أورويل من أن السيرة الذاتية لا تعتبر كذلك، إذا لم يكن فيها ما يشين، أي أن تنطوي على اعترافات مدوية؟ أم نذهب مذهب العقاد الذي انتقد هذه الفكرة ورأى أن «الاعترافات وتسجيل السيرة، لا يشترط فيها ذكر المعايب، وما يخالف الذات الظاهرة».
وسط هذا الجدل كتب عشرات الكتاب العرب سيرهم، واعترافاتهم، ونشروا رسائل ومذكرات، بعضها على النمط الغربي الاعترافي، وبعضها الآخر جاء سرداً لمساراتهم دون كثير من الكشف.
كتاب «دروب القراءة» الذي صدر حديثاً عن «دار أثر» في الدمام، للكاتب السعودي رائد العيد، يأتي ليطرح كل هذه الأسئلة، من خلال عرض شيق لما يقارب 25 سيرة، بينها الغربي والعربي، القديم والحديث، دون تمييز بينها.
وفي الكتاب دراسة حول موضوع السيرة الذاتية، تحاول أن تحيط بالإشكاليات لتتجاوزها، وتعتبر أن جل ما يعنينا هو أننا أمام مادة تنطوي ليس على المتعة فقط؛ بل على دروس وعبر، هي من الينابيع المهمة للعثور على قدوة في العمل والجد وركوب الصعاب. ومع أن السير المنتقاة ليست جديدة، وربما أنك كنت قد قرأت بعضاً منها، وتحولت إلى كلاسيكيات، فإن العودة إليها من خلال رؤية جامعة تجعلك تنظر إلى مسار هؤلاء الكتاب من زاوية لم تخطر لك من قبل.
ذواقة رائد العيد، وشغوف بموضوعه: «نفضت المكتبات العامة والتجارية نفضاً، لم أترك فيها ترجمة ذاتية ذات شأن إلا وطالعتها، وكنت أعيد قراءة بعض التراجم أكثر من مرة، كالجزء الأول من (أيام طه حسين)، طالعته عدة مرات، وكان قد أملاه في أيام يسيرة».
في الدراسة القصيرة؛ لكن المكتنزة، عن هذا الفن التي يقدمها الكاتب، يعود إلى الكتاب الأقدم في هذا المجال، وهو «اعترافات القديس أغوسطينوس» في القرن الرابع الميلادي. وإن كانت غالبية الدارسين يفضلون التأريخ لهذا الصنف الأدبي انطلاقاً من اعترافات جان جاك روسو؛ لكن الكاتب يعتبر أن هذا التصنيف الغربي الذي وقعنا تحت تأثيره، لم يستسلم له باحثون عرب جادون، مثل الدكتور بكر أبو زيد في كتابه «النظائر»؛ حيث أحصى أكثر من 120 سيرة، بينما يذكر عبد الله الحبشي في «معجم العلماء والمشاهير» ما يقارب 500 سيرة عثر عليها في التراث؛ لكن مثلاً لو أخذنا سيرة الطبيب إسحاق بن حنين التي كتبها في أوائل القرن الثالث الهجري، ونقلها ابن أبي صبيعة في كتابه «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، فهي لا تتوفر فيها روح الذاتية والفردية التي تميز السير الغربية التي سطرت منذ مطلع القرن العشرين. هذا ليس سبباً كافياً في رأي الكاتب ومن يستند إليهم من دارسين عرب، لإقصاء كتابات التراث العربي؛ لأن المقياس الغربي «يحاكم السابق بمعيار اللاحق» ومعاييره تشدد على الاعتراف، وأحياناً الكشف عن خطايا وفضائح، ومغامرات، وهو ما كان غير مقبول وغير متصور لدى الكتاب في التراث الإسلامي.
لا شيء يشد مؤلف هذا الكتاب إلى موضوعه سوى الشغف والمتعة. هو عاشق للسير، ولما تفيض به من تجارب وأحاسيس وأحداث وعبر. لذلك وعلى مدى أكثر من مائتي صفحة نسافر معه في حيوات كبار سطروا أعمارهم. ما يجمع هؤلاء هي إنسانيتهم ومهارتهم في كتابة ما عاشوه بما يمتع القارئ.
على هذه الصفحات نقرأ عن عائشة بنت عبد الرحمن، أو بنت الشاطئ، وما سطرته في كتابها «على الجسر» تحت وقع الحب والفراق لشريك العمر، ثم نقرأ مقطعاً مختاراً من كتابها، لتكر السبحة، فنلتقي بأغوتا كريستوف وكتابها الصغير «الأمية» الذي كتبته مقالات نشرتها لتسد رمقها، بعد هجرتها هرباً من الحرب، بين هنغاريا والنمسا، حاملة معها طفلتها ذات الأربعة أشهر وحقيبة سفر. ونعرج على «الذكريات الصغيرة» لخوسيه ساراماغو، وحكاية فقره وبؤسه، وإصراره على تعلم القراءة رغم ندرة الكتب. ونلتقي أيمن العتوم وكتابه عن تجربته المريرة «يا صاحبي السجن»، وهي حكاية انتقاله بين عدة سجون في الأردن، وبدئه بالقراءة بنهم من اليوم الأول؛ حيث لم تتوفر إلا التفاسير فقرأها، ثم بعض كتب الأحاديث فلم يوفرها، ومن ثم وجد «رياض الصالحين» وسيرة ابن إسحاق. وحين اختفت الكتب قرأ الجدران، وتجاعيد وجوه رفاق الزنزانة، ونظم الشعر وحفظه، رغم منع دخول الأقلام والأوراق. ومن ظريف ما يرويه العتوم في مذكراته أنه وجد في مكتبة أحد السجون ما يتعذر وجوده خارجه، ذاك أن الاختيارات يقوم بها «الصليب الأحمر» مشكوراً، وله اعتباراته المختلفة عن الاعتبارات الداخلية والسياسية.
ومما أخذ حيزاً من الكتاب «سيرة ذاتية» لمالكوم إكس التي دونها له الصحافي أليكس هالي. ومع بعد المسافة الجغرافية واختلاف التجربة، فإن القراءة في السجن تجمع العتوم بمالكوم إكس. فقد حوَّل هذا الأخير سنوات سجنه السبع إلى مرحلة اعتكاف علمي، وانفتحت بصيرته على عالم جديد، فكان يقرأ في اليوم خمس عشرة ساعة، وعندما تطفأ أنوار السجن في العاشرة مساء كان يقرأ على ضوء المصباح الذي في الممر حتى الصباح. خرج من السجن وكأنه شخص آخر، بعد أن غيرته الكلمات ومئات الكتب التي التهمها، عن الرجل الأبيض والعنصرية والجينات، وتاريخ الأمم، وتجارة الرقيق. قرأ شوبنهاور وكانط ونيتشه، ليفهم كيف قامت الفاشية، واهتم بسبينوزا حين اكتشف أنه أسود ويهودي كفره اليهود، وتأثر به وبفكره الداعي إلى المساواة. كتب مالكوم إكس: «لقد غيرت القراءة مجرى حياتي جذرياً... أظهرت لي أن الجنس الأسود في أميركا يعيش أصم، أبكم، أعمى».
من قراء الزنازين أيضاً، عباس محمود العقاد الذي حين يسجن على ذمة التحقيق يصطحب معه «مختصر تاريخ العالم» للمصلح الإنجليزي ج. ولز، و«سيرة بيرون» للكاتب الفرنسي أندريه مالرو مترجمة إلى الإنجليزية. ولكن الظريف أن السجن كان مناسبة له ليبدأ في تعلم الفرنسية.
بالطبع يسجل لصاحب هذا الكتاب أنه أحسن اختيار المقاطع من السير، كما قدم لكل منها بطريقة شيقة، تراعي أولئك الذين لم يسبق لهم أن تعرفوا على هؤلاء الكتاب، مع أن غالبيتهم من المشاهير. تكتشف من خلال «رحلة جبلية رحلة صعبة» حب فدوى طوقان للقراءات الفلسفية والدينية، وانكبابها على تراث المعتزلة. ومعاناة إبراهيم المازني صغيراً بيتمه المبكر بعد وفاة أبيه، ويتمه المتأخر عند وفاة زوجته بسبب خطأ طبي؛ بحيث كاد يفقد عقله لولا انكبابه على ابن الرومي، والاشتغال على ديوانه وتصحيح أخطائه.
النصوص المقتطعة من السير تركز بشكل كبير على الكتب التي قرأها هؤلاء. وبالتالي فإن القارئ يخرج بفوائد جمة، منها اطلاعه على مروحة واسعة من العناوين شكلت ثقافة هؤلاء الكبار وخلفياتهم، وتبعث فيه رغبة عارمة في العودة إليها. ومن ظريف ما يتعرف إليه القارئ أن الأدباء ولا سيما الشعراء لا يترددون في الاعتراف بأن قصص الحب لا تُرغب لذاتها، بقدر ما يراد منها تغذية الحس الشعري. تقرأ المازني يقول: «إن ما كان من حب متوهم إنما كان ثمرة الرغبة في قرض الشعر، أي أن الشعر كان يبعث على التماس المادة له، كما يريد النجار أن يصنع كرسياً فيطلب الخشب وما إليه».
العودة إلى السير الذاتية هذه المرة، لها أهدافها التي لا تتوقف على إعادة القراءة؛ بل استعادة معنى المضامين، والتركيز على المصادر والينابيع التي شكلت شخصية كل أديب. فحين يكتب ستيفن كينع «مسيرتي في التأليف» لا يملك لقارئه سوى نصيحتين اثنتين، يوجههما إليه: «إذا كنت تريد أن تكون كاتباً، فيجب أن تفعل أمرين قبل أي شيء آخر. تقرأ كثيراً وتؤلف كثيراً. لا توجد أي وسيلة أعرفها للالتفاف على هذين الأمرين، لا يوجد أي طريق مختصر».



«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.