جان دانييل... مثقف تنويري كبير يغيب عن عالمنا

أدرك منذ بداية عمله أنه لا صحافة سياسية من دون صحافة ثقافية

جان دانييل
جان دانييل
TT

جان دانييل... مثقف تنويري كبير يغيب عن عالمنا

جان دانييل
جان دانييل

أخيراً، رحل أشهر صحافي فرنسي في القرن العشرين عن عمر طويل جداً يقارب المائة عام (1920 - 2020). إنه جان دانييل مؤسس مجلة «النوفيل أوبسرفاتور» عام 1964 ومديرها طيلة عقود متتالية. فعلى مدار نصف قرن ما انفك هذا الرجل يؤثر على الأوساط السياسية والثقافية بافتتاحياته الشهيرة كل أسبوع. وربما كان قادة العالم، وليس فقط فرنسا، ينتظرون هذه الافتتاحيات لكي يتخذوا موقفاً من القضايا الكبرى التي تهز العالم. ولم يكن يوازيه في ذلك أو يعادله إلا ريمون آرون. والشيء الذي سبب نجاح مجلته وتفوقها على ما عداها هو أنه فهم منذ البداية أنه لا صحافة سياسية من دون صحافة ثقافية. وعرف بحدسه الثاقب أن الثقافة بالمعنى العميق للكلمة هي التي تبقى في نهاية المطاف. فالسياسة متقلبة ومرتبطة بظروف وقتها، وسرعان ما تزول أهميتها وتتبخر بزوال اللحظة، أما الثقافة فتتجاوز اللحظة المعاشة وتتعالى عليها. لهذا السبب؛ حرص جان دانييل على استكتاب كبار فلاسفة فرنسا ومثقفيها في «النوفيل أوبسرفاتور». وهكذا استطاع استقطاب جان بول سارتر، وميشيل فوكو، ورولان بارت، وعشرات الآخرين. وعلى هذا النحو أحاطت هالة الإشعاع الثقافي بمجلته وجعلتها تتخذ بريقاً لامعاً وجاذبية لا تقاوم. بل وحرص على إصدار أعداد خاصة متمحورة حول المواضيع الفلسفية الكبرى. نذكر من بينها: «المفكرون الجدد في الإسلام»، و«العرب منذ البداية وحتى اليوم: القدر العظيم لشعب الصحراء»، و«سبينوزا: معلم الحرية»، و«جان جاك روسو: عبقرية الحداثة»، إلخ... على هذا النحو ارتبطت الصحافة السياسية بالصحافة الثقافية على مدار تاريخ هذه المجلة. وكل ذلك لأن صاحبها لم يكن سياسياً فقط، وإنما مثقفاً أيضاً، بل وبالدرجة الأولى. وما معنى صحافة سياسية من دون ثقافة؟ ما قيمتها؟ ما جدواها؟ فهو صاحب كتب كثيرة، نذكر من بينها: الزمن الذي تبقى، ديغول والجزائر، شموس الشتاء، السجن اليهودي، هذا الغريب الذي يشبهني، إسرائيل، العرب، فلسطين (تقديم إلياس صنبر وإيلي برنافي)، أعزائي، أو أحبائي، أو جماعتي، إلخ.
سوف أتوقف فقط عند كتابين اثنين، هما: السجن اليهودي، وأحبائي أو جماعتي. الكتاب الأول أحدث فرقعة، بل وانزعاجاً حقيقياً في الأوساط اليهودية المتدينة، إن لم نقل المتزمتة. وذلك لأنه يفكك العقيدة الأساسية القائلة بأن اليهود هم شعب الله المختار. ففي رأيه أن جميع الشعوب مختارة وليس فقط اليهود. بل ويرى أن الله؛ إذ جعل من اليهود شعبه المختار كما تقول العقيدة الكهنوتية ألقى على كاهلهم مهمة ثقيلة جداً، مهمة تقع فوق طاقة البشر. والله إذ أحب هذا الشعب الصغير القليل العدد فإنه حرمه من هامش حريته. وبالتالي، فقد آن الأوان لكي يخرج اليهود من هذا السجن اللاهوتي، من هذا القفص العقائدي الذي انغلقوا داخل جدرانه. ويرى جان دانييل أن اليهود هم الذين سجنوا أنفسهم داخل هذه الشرنقة، داخل هذا القفص اللاهوتي الذي أحبوه إلى حد الوله. فهو يشعرهم بالتمايز والتفوق على جميع شعوب الأرض. وهذه متعة ما بعدها متعة. من هنا سر تعلقهم به على الرغم من كل ما سببه لهم من عذاب وحسد وكره واضطهاد على مدار التاريخ. والواقع أنه يشكل خطراً عليهم؛ لأنه يعزلهم داخل قوقعة مغلقة بعيداً عن جميع البشر. وفي مكان آخر يقول جان دانييل ما معناه: هناك يهود نجحوا في الإفلات من هذا الأسر، في الخروج من هذا السجن. وجميع الشخصيات التي أحبها على مدار حياته كانت من هذا النوع. يضرب على ذلك مثلاً سبينوزا، وفرويد، وآينشتاين، وكافكا، وعشرات غيرهم من العباقرة. هؤلاء خرجوا من السجن اليهودي تماماً؛ ولذلك أبدعوا وأصبحوا عباقرة. بالطبع كانوا يعرفون أنهم يهود، وما كانوا يخجلون بذلك أبداً. لكن ما كانوا حريصين على الانتماء اليهودي بالمعنى الضيق والطائفي للكلمة. نستنتج من كل ذلك أنه ينبغي على اليهودي أن يعرف كيف يخرج من قوقعته اليهودية لكي يعانق القيم التنويرية الكونية التي يلتقي على أرضيتها مع جميع شعوب الأرض. وما يقال عن اليهودي يقال عن العربي أو المسلم أيضاً، إلخ. هذا هو فحوى الكتاب استعرضناه بسرعة صاروخية وربما اختزالية. لتوضيح الفكرة أكثر سوف أقول ما يلي: أتذكر بهذا الصدد أن الكتاب عندما صدر عام 2003 لقي إعجاب محمد أركون، أكبر مفكر في الإسلام المعاصر. وأتذكر أنه قال ما معناه: أنا أيضاً كان ينبغي أن أدبج كتاباً كاملاً بعنوان السجن الإسلامي الأصولي! لقد سبقني جان دانييل إلى ذلك. فالمسلمون أيضاً منغلقون على أنفسهم داخل شرنقتهم الخاصة. وقد آن الأوان لثقب الشبابيك والأبواب الموصدة لكي ينفتحوا على العالم ويشموا الهواء الطلق في الخارج. آن الأوان لكي يخرجوا من سجنهم اللاهوتي الكهنوتي الذي غطسوا فيه لكي يعانقوا الحداثة العلمية والفكرية والفلسفية. بل وحتى لكي يعانقوا الحداثة الدينية، لكن بالمعنى الأنواري للكلمة لا بالمعنى الظلامي. فهذه شبعنا منها. والواقع أن أركون ألّف هذا الكتاب، لكن بعنوان آخر هو: ألف باء الإسلام: لأجل الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة. العنوان مختلف، لكن المعنى واحد في نهاية المطاف. فالسياجات الدوغمائية تعني السجون والأقفاص العقائدية أو الطائفية الخاصة بكل دين. خلاصة الموضوع كما أفهمه هي التالية: أي شخص أو أي شعب يقدم خدمات جليلة للبشرية كاختراع العلاجات ضد الفيروسات والأمراض التي تفتك بنا فهو ينتمي حتماً إلى شعب الله المختار أو إلى الفرقة الناجية إذا شئتم. بهذا المعنى، فإن الشعوب الحضارية التي تتحفنا كل يوم باختراعات جديدة هي شعب الله المختار. نذكر من بينها جميع الشعوب الحضارية المتقدمة كالشعب السويسري أو الكندي أو الهولندي أو الدنماركي الخ... وبهذا المعنى، فنحن العرب أيضاً كنا شعب الله المختار أو «خير أمة أخرجت للناس» إبان العصر الذهبي عندما أعطينا للعالم مفاتيح العلوم الفيزيائية والبصرية والرياضية والطبية والفلكية والفلسفية التي أدت إلى نهضة أوروبا لاحقاً. عندما كان إشعاعنا الحضاري يطل على العالم كله من بغداد أو قرطبة كنا من دون أدنى شك شعب الله المختار. وقل الأمر ذاته عن اليهود وبقية شعوب العالم.
أنتقل الآن إلى الكتاب الثاني الذي يتحدث فيه جان دانييل عن الشخصيات التي أحبها أو التقاها على مدار حياته الطويلة. ومن بينها شخصيات فلسفية وأدبية من الطراز الأول. نذكر من بينها: أندريه جيد، وألبير كامو، وفرنسوا مورياك، وأندريه مالرو، وجان بول سارتر، ورولان بارت، وميشيل فوكو، ولويس أراغون، وكاتب ياسين، وجاك بيرك، وأكتافيو باز، ومحمد ديب، ومكسيم رودنسون، وجاك دريدا، وسولجنتسين، وآخرين... عندما تقرأ هذه البورتريهات أو الصور الشخصية التي يكرسها جان دانييل لكبار العباقرة تدرك فوراً أن الرجل لم يكن صحافياً لامعاً فقط، وإنما كان أيضاً مفكراً حقيقياً، بل وكاتباً أدبياً من الطراز الأول. وهنا يكمن الفرق بين الصحافي العادي والصحافي الاستثنائي. إنها لمتعة ما بعدها متعة أن تقرأه وتستمتع بكتابته. لكن للأسف، لا نستطيع التوقف عندها كلها في هذه العجالة وإنما سنكتفي بما قاله عن أندريه جيد. فهو يكرس له صفحات مطولة يرد فيها ما فحواه: كان أندريه جيد يقول ما يلي: كلما كان الأبيض غبياً اعتقد بأن السود همج أو وحوش! وكان يعرف الكتابة الصحافية السريعة على النحو التالي: كل كتابة تكون قيمتها غداً أخفض من قيمتها اليوم. بمعنى أنها تُرمى بمجرد أن تُستهلك. وهذا الأمر ينطبق على المقالات السياسية بشكل عام، بل وحتى على المقالات الثقافية الهشة أو العديمة القيمة، وما أكثرها. لكن هناك مقالات سياسية عميقة تظل تحتفظ بقيمتها لفترة طويلة. انظر مقالات ريمون آرون مثلاً أو حتى جان دانييل ذاته، هذا ناهيك عن مقالات فرنسوا مورياك في مجلة «الاكسبريس» التي كان ديغول ينتظرها بفارغ الصبر كل أسبوع. ثم كان أندريه جيد يقول هذه العبارة الرائعة. لقد استقبلت شاباً غريباً الأطوار مؤخراً. لماذا أقول بأنه غريب الأطوار؟ لأنه يعتقد بأننا يمكن أن نضع شيئاً آخر فوق الأدب! عيب، لا يجوز. ومعلوم أن أندريه جيد كان من عبيد الأدب كما تقول العرب عن بعضهم بأنهم من عبيد الشعر. كان أحد كبار كتاب اللغة الفرنسية على مر العصور. ثم قال أندريه جيد لأحدهم: إياك أن تبحث عن الله في مكان محدد ومحصور يا غلام. لماذا؟ لأنه موجود في كل مكان... ألا يذكركم ذلك بالآية الكريمة التي تقول: « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ....» (البقرة، 115).
وكان أندريه جيد يقول أيضاً هذه العبارة الجميلة: ما كنت أبحث عنه في الصحراء: عطشي! أخيراً، يرى جان دانييل أن أندريه جيد كان من أوائل من أدانوا الانغلاقات الاستعمارية والعنصرية والطائفية وما دعاه أمين معلوف لاحقاً بالهويات القاتلة. وكان يفتخر بأنه أول من عرّف الفرنسيين بأقطاب الأدب العالمي من أمثال: الروسي دوستوفسكي، والألماني نيتشه، والهندي طاغور، والعربي المصري طه حسين!



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.