«انتماؤك يحميك»... يوميات صحافيي فلسطين بين حساسيات «الحزبية» وترهيب الاحتلال

عشرات الاعتداءات تُرصد سنوياً وتتنوع بين الاعتقال والتعذيب

صحافي فلسطيني يعمل وسط الميدان (الشرق الأوسط)
صحافي فلسطيني يعمل وسط الميدان (الشرق الأوسط)
TT

«انتماؤك يحميك»... يوميات صحافيي فلسطين بين حساسيات «الحزبية» وترهيب الاحتلال

صحافي فلسطيني يعمل وسط الميدان (الشرق الأوسط)
صحافي فلسطيني يعمل وسط الميدان (الشرق الأوسط)

يفكر الصحافي الفلسطيني «هاشم» كثيراً قبل إرسال مادته، التي تتناول الحديث عن واقع السجون الأمنية في كلّ من قطاع غزة والضفة الغربية، وحالات التعذيب والموت التي تشهدها بين فترة وأخرى. المعلومات التي جمعها على مدار أكثر من 3 أسابيع حيث أجرى عدّة مقابلات مع معتقلين سابقين، قد تكون حال نشرَها باسمه الصريح، الباب الذي يتحول من خلاله إلى قصّة عن الاعتقال والتعذيب، تستحق تسليط الضوء عليها من خلال مادة صحافية!
يقول في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»: «بما أنّي أسكن إحدى المحافظات الشمالية في الضفة الغربية، فنشر هكذا موضوع باسمي الصريح، سيؤدي لاعتقالي من قِبل الأجهزة الأمنية هناك، خاصة أن التقرير يتعرض لممارسات قمعية وهمجية تنفذها الجهات الأمنية بحق نزلاء، دون مراعاة للقوانين المحلية، حتّى المفاهيم الحقوقية البسيطة، التي تضمن الكرامة للإنسان أينما وجد»، مضيفاً: «أعمل صحافياً منذ 10 سنوات لعدد من المؤسسات، ونسبة الأعمال التي أنشرها تحت اسم مستعار تتجاوز 30 في المائة من إنجازي، وذلك بسبب شعوري بالخوف الدائم».

انتهاكات متنوعة
قصّة الصحافي هاشم والرقابة الذاتية التي فرضها على نفسه، ليست وحيدة في الواقع الفلسطيني، الذي تتحكم به مؤسسات حزبية وفئوية نتجت عن الانقسام بين حركة «حماس» التي انفردت بالسيطرة على قطاع غزة، وحركة فتح التي تسيطر من خلال ترؤسها للسلطة الوطنية ومنظمة التحرير على الضفة الغربية، ويمارس الطرفان وفقاً لعدد من التقارير الصادرة عن مؤسسات حقوقية، انتهاكات مختلفة بحق الحالة الصحافية الفلسطينية وحرية الرأي والتعبير، بهدف الإبقاء على سياسة الصوت الواحد وسحق المعارضة التي تسعى إلى زعزعة قواعد الحكم والمطالبة بحقوق الناس. على حد وصفه.
ويتحدث مدير منتدى الإعلاميين الفلسطينيين محمد ياسين، قائلاً: «نرصد بشكلٍ دائم انتهاكات بحق الصحافيين، تقع في شطري الوطن»، منبّهاً إلى أنّ الأطر الصحافية بشكلٍ عام لا تمتلك دور الردع الحقيقي للجهات الحكومية والأمنية، ولا سيما في ظلّ حالة الانقسام الموجودة، وأضاف: «يجب توفير الحماية الكاملة للصحافيين وضمان حريتهم في العمل، من خلال الوسائل المختلفة، التي تشمل الحشد والمناصرة ورفع الوعي ومواجهة كلّ انتهاك، بموقفٍ موحد».
في قطاع غزة، عاشت الصحافية «م. و» تجربة أخرى، فمنذ تخرجها في الجامعة عام 2009 دأبت على العمل مع عدد من المؤسسات الصحافية؛ حيث كتبت كثيراً عن الانتهاكات الحقوقية التي تمارسها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، وكتبت أكثر عن الانتهاكات الداخلية التي تمارسها حركتا «حماس» وفتح، وتذكر لـ«الشرق الأوسط» أنّها لا تعتقد لمدة لحظة واحدة أنّها تعمل بأمان داخل القطاع، طالما بقيت «مستقلة»، لأنّ الحزبية فقط هي من تحمي الصحافيين، منوهة إلى أنّ مدى السماح بممارسات الحريات يتباين من وقت لآخر، لكنّ السمة العامّة وفق كلامها هي فرض سياسة «تكميم الأفواه والترهيب».
ولعل أشرس الأوقات التي شهدت ذروة الانتهاكات بحق الصحافيين من قِبل حركة «حماس» في القطاع، كانت الأيام التي سبقت وتلت الحراك الشعبي المطلبي، المعروف باسم «بدنا نعيش»، الذي خرج فيه المواطنون الغزيون ضد الضرائب والأوضاع السيئة خلال شهر مارس (آذار) لعام 2019؛ حيث منعت الأجهزة الأمنية آنذاك الطواقم الصحافية من العمل في الميادين لتوثيق الفعاليات، وصادرت الكاميرات والمعدات، وتمّ الاعتداء على عشرات الصحافيين وسحلهم واعتقالهم وتعذيبهم، وتوجيه اتهامات لهم، تشكك في وطنيتهم.
وقالت نقابة الصحافيين الفلسطينيين، آنذاك، إنها وثّقت بحسب الإفادات التي وصلت لها 36 انتهاكاً بحق صحافيين، من ضمنها 17 حالة اعتقال، منها ما استمر اعتقاله لعدّة أيام وتعرض للتعذيب، و7 حالات أخرى تمّ الاعتداء عليها ومصادرة أجهزتها الخلوية ومعدات للعمل الصحافي، كما تلقى 12 صحافياً وصحافية بلاغات استدعاء وتهديد من جهات أمنية مختلفة، بعضها معروف أصوله، والبعض الآخر غير معروف، وسجلت النقابة كذلك 6 حالات استدعاء، و4 حالات تهديد، وحالتين فقط تمّ فرض إقامة جبرية عليهما في المنازل لمدة 4 أيام.
ومن بين الصحافيين الذين تعرّضوا للاعتقال آنذاك، المصور الصحافي عاصم شحادة الذي يعمل في الوكالة الوطنية للإعلام.
حيث روى أنه تمّ اعتقاله خلال الحراك، أثناء تغطيته أحداث فعاليات شمال القطاع، إذ تمّ نقله مباشرة إلى مركز الشرطة وواجه في طريق الوصول تعنيفاً لفظياً حاداً واتهامات بالارتباط بجهات معادية، مردفاً: «أكثر من 6 ساعات قضيتها داخل السجن، دون إعلامي بالتهمة التي ارتكبتها. ما فعلته هو فقط محاولة التقاط بعض الصور للمتظاهرين في الحراك. أيستحق هذا الأمر الاعتقال والتعنيف؟».

أساليب متنوعة
يوضح عضو الأمانة العامّة لنقابة الصحافيين، منتصر حمدان، أنّ النقابة وثقت منذ سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة عام 2007 أكثر من 500 انتهاك بحق الصحافيين، شملت مختلف أشكال الاعتداء، لافتاً إلى أنّ حرية الرأي والتعبير في القطاع تكاد تكون معدومة؛ حيث إن الأخير تحول مع الوقت إلى بيئة معادية وخطيرة لعمل وسائل الإعلام والصحافيين، وهذا الأمر يستدعي وقفة فورية بعيداً عن المواقف الرمادية، من مختلف الفصائل والمؤسسات الحقوقية والدولية التي تهتم بحرية الرأي والتعبير، تضع حداً لكلّ تلك الانتهاكات.
وحتى أغسطس (آب) 2019 وثّقت لجنة دعم الصحافيين، أكثر من 10 حالات انتهاك على يد أجهزة الأمن في الضفة، بحق الصحافيين، على خلفية آرائهم السياسية وإعدادهم مواد إعلامية.
وبيّنت اللجنة أن ذلك يعيق عمل الصحافيين في كشف جرائم الاحتلال المتصاعدة ضد أبناء الشعب الفلسطيني، مطالبة بضرورة تحييد الصحافيين وعدم زجّهم في الصراع السياسي القائم وتمكينهم من ممارسة عملهم الصحافي بحرية، احتراماً للحق في حرية الرأي والتعبير والحريات الصحافية.
وليست الأجهزة الأمنية هي الوسيلة الوحيدة للجهات الحاكمة الفلسطينية، التي ترغب في عرقلة العمل الصحافي، فكثير المؤسسات الأخرى تشترك في ذلك الفعل، منها على سبيل المثال المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، ووزارة الإعلام في الضفة الغربية؛ حيث إن الأول حاول قبل فترة فرض إصدار «بطاقة صحافية» على الصحافيين، ليتمكنوا بها من الدخول للمؤسسات الحكومية والتحرك في الأماكن العامّة، وهو الأمر الذي رفضته الأسرة الصحافية، وعلى إثر ذلك اضطر المكتب لتعطيل الفكرة مؤقتاً، وفقاً لبيانٍ صادر عنه حينذاك.
وفيما يتعلق بوزارة الإعلام التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة، فالتقارير الدورية الصادرة عنها والتي تهتم بتوثيق الاعتداءات بحق الصحافيين ككل، تكاد تكون خالية من أي ذكرٍ للانتهاكات التي تمارسها أجهزة السلطة بصورة شبه يومية، وفي مقابل ذلك تُوغل في الحديث عن تفاصيل انتهاكات «حماس»، كما أنّها تتعمد وعلى لسان مسؤوليها في مناسبات مختلفة، تعميق الفجوة في فهم الصحافيين للفرق بين المبادئ المتعلقة بحرية الرأي والتعبير، والمناكفات السياسية التي تبتعد بشكلٍ كبير عن الأصول والمفاهيم المهنية.

أسباب التراجع
ورد في التقرير السنوي الذي أصدره مركز «غزة» لحرية الإعلام في نهاية فبراير (شباط) الماضي أنّ مجمل الاعتداءات الداخلية بحق الصحافيين في الأراضي الفلسطينية بلغت 141 انتهاكاً خلال عام 2019. مرجعاً استمرار تلك الانتهاكات لأسباب متعددة، منها الضعف الذي تعيشه نقابة الصحافيين، ومعها الأطر الصحافية المختلفة، إضافة إلى استمرار الانقسام الفلسطيني الذي أدى إلى تعطيل مختلف المؤسسات التشريعية والقضائية، وسمح للأجهزة الأمنية بالاستمرار في انتهاكاتها. وتروي الصحافية منى خضر أنّ الأسباب التي أدت إلى تراجع الحريات الإعلامية تشمل كذلك تبعية المؤسسات الصحافية المختلفة لجهات حزبية تتجاوز في أبجديات عملها الأساليب المهنية لممارسة أصول المهنة، ويصل بها الحال لممارسة التحريض والدعوة للعنف، مشيرة إلى أنّ مواجهة تلك التصرفات «التي سيكتبها التاريخ بلونٍ أسود» تتطلب من مختلف المؤسسات المختصة الوقوف بشكلٍ موحد تجاه كلّ انتهاك، وذلك لأنّ حرية العمل الصحافي، تنعكس بالضرورة على مدى الحرية التي يتمتع بها المواطنون العاديون.
ولا بد من التنويه إلى أنّ المادة الرابعة من قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني، لعام 1995 أكّدت على أهمية عمل السلطات الحاكمة على تعزيز حرية الرأي والتعبير من خلال إفساح المجال للمواطنين والصحافيين لنشر آرائهم ووجهات نظرهم المختلفة ومنحهم فرصة البحث عن المعلومات والإحصائيات التي تهمهم من مصادرها، لكنّ القوانين الفلسطينية بذات الوقت لم تتطرق بشكلٍ مفصل لما يتعلق بالإعلام المرئي والمسموع والإلكتروني، واكتفت خلال كلّ الفترة الماضية، بتطبيق ما يقع في قانون العقوبات العام وقانون المطبوعات والنشر على القضايا الصحافية التي تتعلق بالأعمال غير المطبوعة.
من جانبه، يسرد مدير المعهد الفلسطيني للاتصال والتنمية الصحافي فتحي صبّاح، أنّ حرية الرأي والتعبير للصحافيين والمواطنين يجب أن تكون مكفولة لأوسع مدى، مبيّنا أن ذلك يتطلب وجود منظومة تشريعية متكاملة بهذا الشأن، لأن القوانين المعمول بها بهذا الشأن قاصرة، وتشكل قيوداً في كثير من الأحيان على العمل الصحافي والحريات الإعلامية، ولفت إلى أنّ السلطات في قطاع غزة والضفة الغربية غالباً ما تستغل ذلك القصور لممارسة اعتداءات مختلفة على الصحافيين، من خلال تقديم ادعاءات تشير إلى أنّهم مارسوا أفعالاً مضادة للقانون.



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».