بوتين وإردوغان يتبادلان «الرسائل»... و10 عقبات أمام اتفاق إدلب

فلاديمير بوتين - رجب طيب إردوغان
فلاديمير بوتين - رجب طيب إردوغان
TT

بوتين وإردوغان يتبادلان «الرسائل»... و10 عقبات أمام اتفاق إدلب

فلاديمير بوتين - رجب طيب إردوغان
فلاديمير بوتين - رجب طيب إردوغان

تقف 10 عقبات أمام وصول موسكو وأنقرة إلى اتفاق جديد في إدلب، في وقت يتبادل الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان «رسائل الضغط» لتحسين شروط أي تفاهم جديد بينهما في شمال غربي سوريا مع استمرار المفاوضات وانتهاء المهلة التي حددها إردوغان لشن عملية وإعادة قوات الحكومة السورية إلى وراء خطوط اتفاق سوتشي لعام 2018.
وكان بوتين قرر خلال اتصاله بإردوغان بعد مقتل 33 جندياً تركياً بقصف سوري في ريف إدلب، إرسال وفده إلى أنقرة لإجراء جلسة عاجلة من المفاوضات. وإذ أبدى الوفد العسكري والاستخباراتي والدبلوماسي الروسي «مرونة في طروحاته»، فإنها لم تصل بعد إلى سقف المطالب التركية.
هناك دفع روسي إلى اتفاق جديد وحذر تركي من ذلك كي لا تتكرر «سياسة القضم الروسية»، مع حرص من بوتين وإردوغان على «حفظ ماء الوجه» بعد تعرض كل منهما لـ«ضربة موجعة» في إدلب. وأظهرت مائدة المفاوضات وجود 10 «عقد» بين الطرفين، هي:
1- المساحة: يصر الجانب التركي على قيام روسيا بإبعاد قوات الحكومة إلى وراء نقاط المراقبة التركية المنتشرة في شمال حماة وجنوب إدلب بموجب اتفاق سوتشي الموقع في سبتمبر (أيلول) 2018، عدل الجانب الروسي موقفه في الجلسة الأخيرة، إذ إنه لم يقدم خريطة تنص فقط على انتشار الجيش التركي والفصائل في شريط حدودي بعمق بين 5 و10 كيلومترات، كما حصل سابقاً. لكنه لايزال يرفض الطلب التركي، ما يفتح المجال إلى احتمال الحل الوسط الذي قد تقدمه موسكو مع انتهاء المهلة، بموجب قرار بوتين.
2- المدة: تريد موسكو أن يكون الاتفاق «مؤقتا لفترة معينة» والتزام بند رئيسي في اتفاق سوتشي والقرار 2254 بـ«احترام سيادة ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية»، فيما تطالب أنقرة بأن يكون الاتفاق «دائما وألا يتم خرقه لاحقا». هنا، قد يفتح الجانب الروسي موضوع تضمين أي تفاهم جديد باتفاق أضنة بين دمشق وأنقرة لعام 1998 الذي سمح «شرعيا للجيش التركي بملاحقة الإرهابيين بعمق 5 كلم شمال سوريا». في حال تم هذا، يعني «شرعنة الوجود التركي» بضمانة روسية.
3- الإرهابيون: أبلغ الجانب الروسي بحق قوات الحكومة السورية «ملاحقة الإرهابيين المصنفين بقرار مجلس الأمن الدولي». يوافق الجانب التركي على «تحييد الإرهابيين وفصلهم عن المعتدلين»، لكنه يلفت إلى أن إدلب تضم أكثر من 3.5 مليون مدني و«ليسوا كلهم إرهابيين، ما يتطلب ضرورة معالجة ملف الإرهاب بطريقة دقيقة».
4- آلية الرقابة: لاتزال موسكو متمسكة بأن تتم مراقبة أي اتفاق بين الطرفين من قبل روسيا وتركيا من دون ممانعة انضمام إيران الشريكة في رعاية عمليتي أستانة وسوتشي (هناك اعتراض غربي على دور طهران). لكن الجانب التركي يطالب برقابة دولية أوسع. هناك طموح تركي لأن يتم ذلك عبر قرار أممي، لكن الإمكانية السياسية غير متوفرة بسبب وجود روسيا والصين في مجلس الأمن صاحبتي حق النقض (فيتو). بين الأفكار انضمام ألمانيا أو فرنسا، لذلك كان اقتراح عقد قمة روسية - تركية - ألمانية - فرنسية، غير أن الرئيس بوتين غير متحمس لهذا الاقتراح ويفضل «الاستفراد» بإردوغان.
5- الطريقان الرئيسيان: تريد موسكو إعادة فتح وتشغيل طريقي حلب - دمشق وحلب - اللاذقية. وكانت قوات الحكومة السورية فتحت الطريق الثاني، لكن فصائل تدعمها أنقرة عادت وقطعته نارياً في نقطتين أو ثلاث، ولا تزال الفصائل تسيطر على الطريق الأول بين سراقب وجسر الشغور.
6- الدوريات المشتركة: كان الطرفان اتفقا على تسيير دوريات متزامنة في «المنطقة العازلة» في مناطق اتفاق خفض التصعيد. لكن الحديث يجري حالياً عن تسيير دوريات على جانبي الطريقين الرئيسيين، بحيث تضمن الروسية جانب قوات الحكومة وإيران، والتركية مناطق فصائل المعارضة. يمكن تكرار تجربة الدوريات الروسية - التركية على الطريق الدولي شرق الفرات - سوريا التي لا تزال مستمرة رغم التوتر غرب سوريا.
7- سراقب: تدعم موسكو محاولات دمشق استعادة مدينة سراقب الاستراتيجية من فصائل معارضة والجيش التركي. قد يكون أحد الحلول تحويل هذه المدينة إلى مقر روسي - تركي لمراقبة أي اتفاق جديد وتشغيل الطريقين الرئيسيين لحركة المدنيين والتجارة.
8- جبل الزاوية: تضغط موسكو لقضم قوات الحكومة جبل الزاوية للوصول إلى طريق حلب - جسر الشغور - اللاذقية، فيما تهاجم فصائل معارضة وتركيا لإعادة قوات الحكومة في جبل الزاوية وجنوب إدلب، واستعادت أمس (السبت) بلدة كفرعويد المهمة، وتخطط للتوغل باتجاه مناطق أبعد نحو معرة النعمان وخان شيخون.
9 - الجيش التركي: تتمسك أنقرة ببقاء جيشها وعتاده وعناصره في شمال غربي سوريا وفي النقاط (قد تصل إلى 50 نقطة) في أرياف حلب وحماة وإدلب، فيما لا تمانع موسكو الإبقاء على نقاط المراقبة لفترة أطول من دون الوجود العسكري الدائم.
10- الحظر الجوي: يطالب الجانب التركي بأن يكون أي اتفاق جديد يتضمن حظراً جوياً للطائرات السورية والروسية وأن تتم مراقبته بطائرات استطلاع أو «درون» بتفاهم بين أنقرة وموسكو وضغط غربي (كما هو الحال في مناطق «درع الفرات» و«غصن الزيتون» و«نبع السلام») الأمر الذي لم يوافق عليه إلى الآن الوفد الروسي.
أوراق إردوغان وبوتين
أبلغ الجانب التركي محاوريه أكثر من مرة أن ملف إدلب يختلف عن مناطق سورية أخرى للأسباب الآتية: أولا، يخص الأمن القومي التركي. ثانياً، بات موضوعاً داخلياً بسبب وجود 3.5 مليون لاجئ واحتمال تدفق آخرين. ثالثاً، تهديدات الإرهاب في حال حصول فوضى أو تدفق لاجئين. وقال إردوغان أمس إنه «في حال لم نقاتل في إدلب، فإننا سنقاتل جنوب تركيا لاحقاً». و«هو يضغط للوصول إلى اتفاق دائم في إدلب ويلزم بوتين بعدم خرقه وقضمه بعد أشهر»، حسب قول خبير تركي.
بعد اتصاله بالرئيس دونالد ترمب وبوتين ومسؤولين أوروبيين، استعمل إردوغان أوراق ضغط وجذب: حاول جذب الاهتمام الأميركي بإعلان أنقرة أن «درون» تركية قصفت غرفة عمليات تضم عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» المصنفين إرهابيين بالنسبة لإدارة ترمب. كما أعلن الرئيس التركي استهداف «منشأة كيماوية» جنوب حلب (نفت دمشق ذلك) ضمن حملة قصف واسعة ردا على مقتل جنوده. كما حاول الضغط على أوروبا بفتح حدود تركيا أمام تدفق اللاجئين، علما بأن هذا كان سببا في تحولات داخلية أوروبية وكان موضوع ترحيب من بوتين.
لم يتحدث بوتين كثيرا منذ بدء التصعيد الأخير في إدلب، لكن مسؤوليه تولوا ذلك. إذ إنه ضغط على إردوغان بدفع مليون نازح سوري إلى حدود تركيا. كما أن الجيش الروسي لم يعرقل قيام قوات الحكومة السورية باستهداف الجيش التركي وقتل عشرات خلال أسابيع.
دعائياً، قادت موسكو «الحملة الإعلامية» لمعركة إدلب، إذ اتهم مسؤولون روس أنقرة بعدم إبلاغهم بتحركات الجيش التركي في إدلب أو «التستر على الإرهابيين وتسليمهم مضادات جوية لإسقاط مروحيات سورية». ميدانياً، قاد الروس الهجوم الرباعي، من دمشق وطهران وموسكو و«حزب الله»، على إدلب لقضمها وفتح الطريقين الرئيسيين. دبلوماسيا، تبنى الروس مواقف دمشق في مجلس الأمن والاجتماعات الأخيرة.



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)