تحوُّلات غير مسبوقة في سوق الطاقة العالمية

مزيج الطاقة وربط شبكات الكهرباء إقليمياً

تحوُّلات غير مسبوقة في سوق الطاقة العالمية
TT

تحوُّلات غير مسبوقة في سوق الطاقة العالمية

تحوُّلات غير مسبوقة في سوق الطاقة العالمية

تعتمد سنغافورة على الغاز المستورد في توليد 95 في المائة من الكهرباء التي تحتاجها، مما يجعل مستهلكي الطاقة في البلاد معرضين لتقلبات أسعار النفط والغاز العالمية. ومع ضيق مساحات الأرض على الجزيرة الآسيوية، يهدف استثمار بقيمة 20 مليار دولار لتوفير الكهرباء لسنغافورة عبر ربطها بكابل بحري مع محطة للطاقة الشمسية تقام في أستراليا. هذه المحطة الشمسية ستكون الأضخم عالمياً بمساحة تقارب 15 ألف هكتار، وستولد نحو 10 غيغاواط من الطاقة تكفي لتوفير 20 في المائة من حاجة سنغافورة للكهرباء.
وعلى الأراضي الأسترالية أيضاً، تسعى شركة مطورة لإقامة أضخم محطة هجينة، تعمل بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتوليد الكهرباء والاستفادة منها جزئياً في إنتاج الوقود الهيدروجيني عن طريق تحليل الماء. وتهدف فكرة المشروع، الذي تبلغ استطاعته 15 غيغاواط، إلى تغيير موقع أستراليا على خريطة الطاقة العالمية من بلد مصدِّر للفحم والغاز الطبيعي إلى بلد رائد في إنتاج الطاقة النظيفة.
وتشير التقديرات إلى أن استغلال أراضي الصحراء الكبرى في شمال أفريقيا عبر إقامة مزارع ريحية ومحطات للألواح الكهروضوئية يكفي وحده لتلبية احتياجات العالم من الطاقة بجميع أشكالها. وفي الولايات المتحدة، تثبت الطاقة الشمسية أنها المصدر الأكثر استقطاباً للاستثمارات الجديدة، متقدمة على الغاز الطبيعي وطاقة الرياح، على الرغم من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الألواح الشمسية المستوردة.
إن محطات الطاقة المتجددة المنتشرة حول العالم، مثل نور ورزازات في المغرب، إلى جانب المشاريع الضخمة في الهند والصين والمكسيك والولايات المتحدة والسعودية والإمارات، أخذت تشغل مساحات واسعة من الأراضي وتمتد ضمن المناطق الساحلية لتغيُّر فعلياً خريطة الطاقة العالمية، مع ما يعنيه ذلك مستقبلاً من تبدلات جيوسياسية.
وإذا ما استبعدنا التدخل الحكومي في توجيه مزيج الطاقة في كل بلد عبر الدعم المالي، فتتحول الطاقة المتجددة سريعاً إلى المصدر الأرخص والأكثر جدوى للحصول على الكهرباء. ولمدة 300 يوم متتالية، نجحت كوستاريكا في توليد الكهرباء باستخدام مزيج من الطاقة الكهرومائية وطاقة الحرارة الأرضية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، من دون الحاجة إلى حرق الوقود.
وبشكل مشابه، اختبرت البرتغال بنجاح الاعتماد على الطاقة المتجددة لمدة أربعة أيام، وكذلك فعلت بريطانيا التي استمرت في توليد الكهرباء لمدة ألف ساعة من دون حرق الفحم. وفي الولايات المتحدة، أصبحت عروض تركيبات الطاقة المتجددة منخفضة للغاية، حتى أن تكلفة توليد الكهرباء من طاقة الرياح مع تخزينها للاستخدام في ساعات الذروة في كولورادو تراجعت إلى ما دون 75 في المائة من تكلفة إنتاج الكهرباء بحرق الفحم. ومع انخفاض تكاليف توليد الكهرباء من المصادر المتجددة، لا سيما الطاقة الشمسية، أصبح تحوُّل العالم إلى المصادر المتجددة لتلبية معظم احتياجاته هدفاً قريب المنال. ويخلص تحليل لمعهد روكي ماونتن، نشره المنتدى الاقتصادي العالمي في 2018، إلى ضرورة مراجعة جدوى الاستثمار في تعديل البنى التحتية للتحول من الفحم إلى الغاز الطبيعي كمصدر للطاقة في محطات توليد الكهرباء. ويتوقع التحليل أن تفعل الطاقة المتجددة بالغاز الطبيعي ما فعله الأخير بالفحم، لأن مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تتمتع الآن بأدنى التكاليف مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى.
وفيما تشير التقديرات إلى أن مستقبل الصناعات سيرتبط إلى حد بعيد بقدرة البلدان على إنتاج أو توريد الألواح الشمسية والبطاريات، أصبح الاستثمار في الطاقة الشمسية فرصة واعدة في الكثير من البلدان التي توفر المزيد من التسهيلات للتوصيل بين شبكات الكهرباء المحلية، كما في ألمانيا والولايات المتحدة. وأياً تكن المقاصد والأغراض، فإن هذه الشبكات المحلية في طريقها لتصبح شبكة عالمية مترابطة شأنها شأن الإنترنت، وهذا سيجعل تخزين الطاقة هدفاً تقنياً استراتيجياً تسعى إليه الشركات والدول.
هذا الصعود السريع للطاقة المتجددة، بفضل جدواها الفنية والمالية، سيدفع سوق الطاقة العالمية للقيام بتحولات غير مسبوقة، مثلما فعلت ألمانيا بإعلانها إغلاق جميع محطات طاقة الفحم على أراضيها خلال 20 سنة، وكما فعلت الهند بالتخلي عن خطط بناء المحطات العاملة على الفحم بسبب انخفاض تكلفة الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية.
وفي اليابان، يجري تنفيذ مشروع لإقامة 11 محطة شمسية و10 مزارع ريحية على أراض مهجورة أو ملوثة في مقاطعة فوكوشيما. ويهدف المشروع الجديد، الذي تبلغ قيمته 2.7 مليار دولار، إلى تحويل المنطقة، التي شهدت واحدة من أسوأ الكوارث النووية سنة 2011، إلى مركز للطاقة المتجددة في إطار خطة المقاطعة بالحصول على كامل طاقتها الكهربائية من مصادر متجددة بحلول 2040.
حتى في أكثر الدول اعتماداً على الوقود الأحفوري، تعمل كل من السعودية والإمارات على ضخ استثمارات ضخمة في مشاريع الطاقة المتجددة داخل البلاد وخارجها. وفي إطار التحوُّل للاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 75 في المائة بحلول 2050 تبنى الإمارات ما قد يصبح أضخم مجمع للطاقة الشمسية باستطاعة تصل إلى 5000 ميغاواط في سنة 2030. وفي السعودية، من المتوقع أن تبلغ الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة خلال السنوات الخمس القادمة ما بين 30 و40 مليار دولار، علما بأن البلاد تسعى للاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 30 في المائة بحلول 2030.
وفي طريقها لتحقيق هدفها بزيادة مساهمة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء لتصبح 42 في المائة بحلول 2035، تعمل مصر حالياً على تنفيذ مجموعة من مشاريع الطاقة العملاقة. ويتصدر هذه المشاريع محطة الطاقة الشمسية الأضخم عالمياً في بنبان بأسوان، التي ستولد 1600 ميغاواط بتقنية الخلايا الكهروضوئية، ومحطة طاقة الرياح الأضخم عالمياً في جبل الزيت بالبحر الأحمر التي تصل قدرتها الإجمالية إلى 580 ميغاواط.
وتنعكس تحوُّلات سوق الطاقة العالمية على توجهات مؤسسات التمويل الدولية، التي تحاول الابتعاد شيئا فشيئاً عن الاستثمارات الملوثة في مقابل توفير السندات الخضراء وتقديم التسهيلات للمشاريع التي تراعي الاعتبارات البيئية. وكان بنك الاستثمار الأوروبي أعلن أنه سيخصص، اعتباراً من سنة 2021. مبلغ 1.1 تريليون دولار لاستثمارات مواجهة تغيُّر المناخ، بما في ذلك مشاريع الطاقة المتجددة ومشاريع التكيف مع التغيُّر المناخي. ويدخل في هذا الإطار تطوير تقنيات مأمونة وغير مُكلفة لجمع الكربون من عمليات حرق الوقود، وتخزينه على نحو سليم. وهذا تطوُّر ضروري، إذ سيبقى للنفط والغاز دورٌ مهم في مزيج الطاقة.
لقد أبرزت التطورات المتسارعة في قطاع الطاقة الحاجة إلى مواكبة التغيُّرات الحاصلة بأساليب غير تقليدية، تقوم على تنويع مصادر الطاقة بما يناسب أوضاعها والتزاماتها الدولية. ووحدها البلدان التي تعمل في الوقت المناسب وتحدّث سياساتها قبل فوات الأوان يمكنها الفوز بموقع على خريطة الطاقة العالمية الجديدة. وفي جميع الحالات، يبقى ربط الشبكات على المستوى الإقليمي من أهمّ ضرورات تحقيق كفاءة إنتاج الكهرباء واستهلاكها، مهما كان المصدر.


مقالات ذات صلة

مرشحة لـ«رئاسيات» فرنسا تطالب بلادها بالتقارب مع الجزائر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

مرشحة لـ«رئاسيات» فرنسا تطالب بلادها بالتقارب مع الجزائر

انتقدت سيغولين رويال، مرشحةُ الانتخابات التمهيدية بالحزب الاشتراكي لانتخابات الرئاسة الفرنسية 2027، تأثر قادة البلاد بمواقف اليمين ووسائل الإعلام الموالية له...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد وزير الكهرباء المصري خلال لقائه بوزير التخطيط لمناقشة خطة الوزارة المستقبلية (وزارة التخطيط)

مصر لفتح المجال أمام القطاع الخاص في قطاع الطاقة النظيفة

قال محمود عصمت وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري، السبت، إن الوزارة تعمل على فتح المجال أمام القطاع الخاص، وتقديم ما يلزم من الدعم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية التركي فيدان خلال مباحثاته مع مستشار رئيس حكومة «الوحدة» الليبية للأمن القومي ونائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي (الخارجية التركية)

ما أهداف أنقرة من تحركاتها المكثفة مع القيادات العسكرية الليبية؟

يرى مراقبون أن هذا الانفتاح التركي المتزايد على طرفي الانقسام الليبي يعكس محاولة لإعادة تموضع سياسي يواكب المتغيرات الإقليمية والدولية.

علاء حموده (القاهرة)
الاقتصاد مصنع لإنتاج الطاقة الشمسية وخلفه توربين لإنتاج الطاقة من الرياح في إيطاليا (رويترز)

«توتال» تستحوذ على محفظة «شل» الأوروبية للطاقة المتجددة

أعلنت شركة الطاقة الفرنسية «توتال إنرجيز»، عن صفقتين في أوروبا، حيث وافقت على الاستحواذ على أعمال «شل» للطاقة المتجددة البالغة قدرتها أربعة غيغاواط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا الدبيبة يفتتح مدرسة «عودة الحياة» للتعليم الأساسي والثانوي في زليتن يوم 18 يوليو (مكتب الدبيبة)

تباينات ليبية حول قدرة «الوحدة» على تجاوز تداعيات أزمة الكهرباء

تباينت آراء سياسيين في ليبيا بشأن قدرة حكومة «الوحدة» ورئيسها عبد الحميد الدبيبة، على احتواء الغضب بغرب البلاد، رغم كثرة الخصوم واستمرار الانقسام السياسي.

جاكلين زاهر (القاهرة)

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
TT

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)

لم تعد موجات الحر البحرية مجرد مشكلة بيئية تهدد الشعاب المرجانية والكائنات التي تعيش في المحيطات؛ إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر لفترات طويلة قد يمتد تأثيره إلى صحة الإنسان والأمن الغذائي وسبل العيش وحتى الصحة النفسية.

وخلص فريق من الباحثين من جامعة أديلايد وجامعة هونغ كونغ، في دراسة نُشرت في دورية «Nature Sustainability»، ونقلها موقع «ذا هيلث سايت»، إلى أن موجات الحر البحرية قد تطلق سلسلة من التأثيرات التي تمتد من النظم البيئية البحرية إلى المجتمعات الساحلية والأشخاص الذين يعتمدون على المحيط في غذائهم وأعمالهم وحياتهم اليومية.

ما هي موجة الحر البحرية؟

تُعرّف موجة الحر البحرية بأنها فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة في مكان وزمان محددين، وتستمر لفترة زمنية ممتدة.

ويحذر العلماء من أن هذه الظواهر يمكن أن تؤثر في أعداد كبيرة من البشر والنظم البيئية البحرية، وقد ارتبطت بظواهر مثل ابيضاض الشعاب المرجانية، والنفوق واسع النطاق للكائنات البحرية، وازدهار الطحالب الضارة، واضطرابات كبيرة في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، يتوقع الخبراء أن تزداد وتيرة موجات الحر البحرية ومدتها وشدتها، ما قد يجعل آثارها تتجاوز البيئة البحرية لتشكل تهديداً للمجتمعات البشرية أيضاً.

كيف يمكن أن تؤثر موجات الحر البحرية على صحة الإنسان؟

رصد الباحثون مجموعة من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لموجات الحر البحرية على البشر.

ووفق نتائج الدراسة، يمكن لارتفاع حرارة المحيطات أن يزيد من قوة العواصف وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة، وهو ما قد يؤدي إلى إصابات ووفيات وتشريد السكان وتدمير المنازل والممتلكات.

وأشار الباحثون، على سبيل المثال، إلى إعصار أوتيس الذي ضرب المكسيك عام 2023، وشهد اشتداداً سريعاً بشكل غير معتاد فوق مياه دافئة، وتسبب في أضرار قُدرت بنحو 15 مليار دولار.

كما أشاروا إلى إعصار دوكسوري الذي ارتبط بمياه بحرية دافئة بصورة استثنائية، وأثر في أكثر من مليونَي شخص في آسيا عام 2023.

هل تصبح المأكولات البحرية أقل أماناً؟

تمثل سلامة المأكولات البحرية وتوافرها أحد أبرز المخاوف المرتبطة بموجات الحر البحرية. ويمكن للمياه الدافئة أن تشجع على ازدهار أنواع من الطحالب التي تنتج سموماً، ما قد يجعل بعض المأكولات البحرية خطرة على صحة الإنسان.

ولا يقتصر التأثير على سلامة الغذاء؛ إذ يمكن لموجات الحر البحرية أن تؤثر أيضاً في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، ما ينعكس على إنتاج المأكولات البحرية وعلى سبل عيش المجتمعات التي تعتمد على المحيط.

ويحذر الباحثون من أن هذه التداعيات قد تتحول إلى مشكلة تتعلق بالأمن الغذائي، خصوصاً في المجتمعات التي تعتمد على المأكولات البحرية مصدراً رئيسياً للغذاء.

هل تمتد آثار موجات الحر البحرية إلى الصحة النفسية؟

من أكثر جوانب الدراسة إثارة للقلق إشارة الباحثين إلى احتمال تأثير موجات الحر البحرية في الصحة النفسية. فالأشخاص الذين ترتبط حياتهم ارتباطاً وثيقاً بالمحيط، سواء من خلال العمل أو الممارسات الثقافية أو الأنشطة الترفيهية، قد يواجهون ضغوطاً عاطفية عندما تتدهور النظم البيئية البحرية التي يعتمدون عليها.

وقد يؤدي تكرار الأضرار البيئية إلى مشاعر مثل القلق والحزن والإحباط والاكتئاب، في إطار ما يُعرف أحياناً بـ«القلق البيئي».

كما ربط الباحثون بين ازدهار الطحالب السامة الذي شهدته جنوب أستراليا عام 2025 وبعض المعاناة النفسية، إلى جانب مشكلات صحية جسدية مثل تهيّج الجهاز التنفسي والربو.

دعوة إلى الاستعداد لتداعيات موجات الحر البحرية

ويرى مؤلفو الدراسة أن على الحكومات ومنظمات الصحة العامة أخذ توقعات موجات الحر البحرية في الاعتبار عند إعداد خطط الاستعداد للطوارئ الصحية.

كما يمكن أن يساعد تعزيز التعاون بين باحثي المحيطات ومسؤولي الصحة ومديري الموارد الساحلية المجتمعات على الاستعداد بشكل أفضل لهذه الظواهر والاستجابة لها بصورة أكثر فاعلية.

وتشير الدراسة في النهاية إلى أن موجات الحر البحرية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أزمة تخص المحيطات وحدها؛ لأن تأثيراتها قد تمتد عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالنظم البيئية البحرية وتنتهي بصحة الإنسان وغذائه وسبل عيشه وصحته النفسية.


مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال مركز التنبؤات المناخية الأميركي، الخميس، إن ظاهرة «النينيو» تزداد قوة، مرجحاً بنسبة تزيد على 90 في المائة أن تبلغ مستويات شديدة خلال خريف وشتاء 2026- 2027 في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

وأضاف المركز أن هناك احتمالاً بنسبة 69 في المائة لأن تتحول الظاهرة بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (أيلول) 2026 واحدةً من أقوى موجات «النينيو» المسجلة منذ بدء السجلات المناخية الحديثة عام 1950، وربما تتجاوز في شدتها جميع الموجات السابقة.


إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
TT

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة مملوءة بالزيت والشمع والهواء، مما يبدو أنها ستدفعها للطفو صعوداً، وهو إنجاز يعتقد العلماء الآن أنه أصبح ممكناً بفضل نفخ الفقاعات.

وحيتان العنبر هي الحيتان الوحيدة المعروفة التي تستريح في الوضع العمودي في الماء ورؤوسها متجهة نحو الأعلى. ويعتقد العلماء أن هذا الوضع يسهم في حمايتها من حركة الأمواج السطحية دون الحاجة إلى الطاقة اللازمة للغوص إلى أعماق أكبر، لكن الطريقة الدقيقة التي تبقى بها مغمورة ظلت غير واضحة. واكتشف الباحثون الآن أن الحيتان تطلق الفقاعات لتنظيم طفوها في أثناء استراحتها في وضع عمودي تحت سطح المحيط مباشرة.

وقال باتريك ميلر، الباحث في الثدييات البحرية بجامعة سانت آندروز في اسكوتلندا، إن الباحثين يشيرون إلى هذا السلوك بـ«الاسترخاء» بدلاً من «النوم»؛ لأن النوم يؤكد عادة بقياس نشاط الدماغ، وهو أمر لم يتسنَّ التحقق منه بعد في حالة حيتان العنبر. وميلر هو المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية (جورنال أوف إكسبيريمينتال بايولوجي) العلمية. ويعتقد العلماء أن هذه الحيوانات نائمة، لكنهم يفضلون استخدام المصطلح الأكثر حذراً لأن الأمر لم يثبت بنحوٍ قاطع.

ولتحري كيفية بقاء الحيتان مغمورة بالمياه في أثناء الاسترخاء، ثبّت الباحثون أجهزة تتبع صغيرة مزودة بكؤوس شفط على حيتان العنبر قبالة سواحل النرويج. وسجلت هذه الأجهزة بيانات الصوت والحركة ثلاثية الأبعاد، مما سمح للعلماء برصد انبعاث الفقاعات ومحاكاة تأثيراتها على وضع هذه الثدييات البحرية في الماء.

ووجد الباحثون أن الفقاعات تقلل من الطفو الإيجابي للحوت؛ أي ميله للاتجاه نحو الأعلى في الماء.

وتميل حيتان العنبر بطبيعتها إلى الطفو بسبب الكميات الكبيرة من زيت العنبر، وهو مادة شمعية موجودة في رؤوسها. ومع انجراف الحيتان ببطء إلى الأعلى في وضع الاسترخاء، تتوسع الغازات الموجودة في رئتيها بسبب انخفاض ضغط الماء قرب السطح. ويساعد إطلاق الفقاعات على مواجهة هذا التأثير، مما يسمح للحيتان بالبقاء شبه معدومة الوزن تحت سطح المياه.

وقال ميلر إن إطلاق الفقاعات يبدو متعمداً. وأضاف أن بعد أكثر من عقدين من تتبع حيتان العنبر باستخدام أجهزة تسجيل الصوت المثبتة عليها «لا نسمع إطلاق الفقاعات إلا في سياق سلوكي محدد للاسترخاء؛ لذا فإن الإطلاق العرضي للغازات هو أمر لا يبدو أن حيتان العنبر تفعله».

ويشتبه العلماء أيضاً في أن هذا السلوك قد يساعد الحيتان على نقل الغازات الزائدة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من الأنسجة إلى الرئتين، مما قد يؤدي دوراً في تبادل الغازات في عملية الأيض.

وحيتان العنبر هي أكبر الحيتان ذات الأسنان في العالم ويمكنها الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائس مثل الحبار العملاق، وتعتمد في التنقل داخل المياه المعتمة على تقنية تحديد الموقع بالصدى؛ إذ تطلق أصوات نقر عالية ثم تستمع إلى الأصداء العائدة لرسم خريطة لمحيطها.

وقال ميلر: «تقضي حيتان العنبر نحو 80 في المائة من وقتها في الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائسها. وبسبب الضغط الشديد في أثناء تلك الغطسات، يميل جسمها إلى مراكمة غازات غير مرغوب فيها مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي قد يستغرق انتقالها من الدم إلى الرئتين وقتاً طويلاً. ونظراً لأنها تستريح على مسافات ضحلة جداً، فإن هذه هي الظروف المثالية لتفريغ تلك الغازات غير المرغوب فيها الناتجة عن بحثها عن الطعام في الأعماق».

وأضاف ميلر أن هذه الفكرة يمكن اختبارها في أبحاث مستقبلية.

وتترك الدراسة الجديدة بعض الأسئلة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الحيتان تطلق الفقاعات عمداً، وماهية الإشارات التي تنبهها إلى الحاجة إلى إجراء تعديل.

ويأمل الباحثون أيضاً في تحديد ما إذا كانت حيتان العنبر تنام بنصف دماغ واحد في كل مرة، كما تفعل الدلافين، أم أن نصفي الدماغ ينامان معاً. ويمكن للدراسات المستقبلية استخدام أجهزة استشعار موجات الدماغ أو مراقبة عيون الحيتان في أثناء الاسترخاء للمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال.

وفي الوقت الحالي، تشير النتائج إلى أن حيتان العنبر، مثل البشر، قد تكون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على قسطٍ جيد من الراحة.