«لقمة العيش» تشغل نصف المصريين ولا تستهويهم السياسة

مراقبون لـ {الشرق الأوسط}: «الشريحة الخاملة» من المهمشين.. لكنْ منها أثرياء ومثقفون

«لقمة العيش» تشغل نصف المصريين ولا تستهويهم السياسة
TT

«لقمة العيش» تشغل نصف المصريين ولا تستهويهم السياسة

«لقمة العيش» تشغل نصف المصريين ولا تستهويهم السياسة

بعد نزول المصريين للإدلاء بأصواتهم في ستة استحقاقات، ثلاثة منها استفتاءات دستورية ومثلها انتخابات رئاسية وبرلمانية بغرفتيها، على مدار الأعوام الثلاثة الماضية عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، تشير الأرقام إلى دلالات هامة للغاية، أبرزها أن الإقبال على الاستفتاء الأخير هو الأكبر مقارنة بنظيريه الآخرين، لكنه لا يمثل في حد ذاته الرقم الأبرز في تاريخ المشاركات الست، التي شهدت ذروتها في انتخابات مجلس الشعب والرئاسة على الترتيب.
وكما توضح الأرقام تراجع تأثير التيارات الإسلامية بصورة عامة، وجماعة الإخوان المسلمين بصورة خاصة، على الشارع المصري، فإنها تظهر أيضا وجود شريحة «خاملة» تصل إلى نحو نصف عدد المصريين المسجلين بجداول الانتخابات في كل الاستحقاقات، والذين يبدو أن هموم الحياة والبحث عن لقمة العيش تشغلهم أكثر مما تستهويهم المشاركة السياسية.. وإن كان مراقبون يرون أن هذه الشريحة ليست «كتلة» ثابتة كليا، إذ إن جزءا منها متغير بحسب تطورات الأوضاع على الأرض.
ويوضح الدكتور وحيد عبد المجيد، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، أن الشريحة «الخاملة» تنقسم إلى شقين رئيسين، أحدهما عازف عن المشاركة بشكل مستمر، والآخر متغير، ومنتموه قد يشاركون في بعض الأحداث أو الاستحقاقات وفق حماس تلك الفئة أو قد تحجم عن ذلك.
أما عن الفئة العازفة بشكل مستمر، فيلفت عبد المجيد، أستاذ العلوم السياسية والقيادي بجبهة الإنقاذ، إلى أن أغلبها ينتمون إلى جزء من الشعب المصري «يعيش خارج نطاق الحياة»، «ويعيشون في مناطق لا يمكن وصف الحياة فيها بأنها حياة من الأساس».. موضحا أن أغلبهم يحيى في قرى ونجوع نائية، لكن كذلك يعيش بعضهم في قلب القاهرة والمحافظات الكبرى في مناطق «بائسة»، مؤكدا أن انقطاعهم عن المشاركة السياسية قد لا يكون اختيارا، بل نتيجة ظروف بائسة عزلتهم تماما ليصبحوا «أكثر من مهمشين»، وقال إنهم «خارج نطاق الاهتمام، وربما لا يعرف بعضهم بالأساس ما الذي يحدث حولهم. ومنشغلون بالشأن الخاص، من توفير سبل الحياة الأولية، وليسوا معنيين بالشأن العام».
وينفي عبد المجيد أن تكون الأمية سببا رئيسا في عدم المشاركة، قائلا إن هناك جزءا لا بأس به من تلك الفئة من «كبار المتعلمين» والمثقفين، كما أن جزءا من تلك الفئة على النقيض، من الأثرياء غير المعنيين بالشأن العام بقدر اهتمامهم بمصالحهم الخاصة، وهؤلاء عازفون عن المشاركة باختيارهم.
وينص قانون مباشرة الحقوق السياسية المصري على أنه «على كل مصري ومصرية بلغ ثمانية عشر عاما أن يباشر بنفسه الحقوق السياسية الآتية: أولا، إبداء الرأي في كل استفتاء ينص عليه الدستور. ثانيا، انتخاب كل من: رئيس الجمهورية، وأعضاء مجلس الشعب، وأعضاء مجلس الشورى، وأعضاء المجالس الشعبية المحلية»، مستثنيا ضباط وأفراد القوات المسلحة وضباط وأفراد هيئة الشرطة طوال مدة خدمتهم، ويحرم من ممارسة ذلك الحق المحكوم عليهم في تهم تتعلق بالشرف ما لم يرد إليهم اعتبارهم وفقا للقانون.
وبالنظر إلى الاستحقاقات الانتخابية الستة التي مرت بها مصر، فإن قاعدة بيانات الناخبين تطورت وازداد عددها، نظرا لإضافة أعداد كبيرة من الشباب الذين تجاوزوا سن الثامنة عشرة في تواريخ إجراء الاستحقاقات.
ووفقا لأرقام رسمية أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات في مصر، فإن نسبة المشاركين في استفتاء مارس (آذار) 2011 بلغت 41 في المائة من إجمالي من يحق لهم التصويت، والبالغة آنذاك 45 مليون مواطن. ثم كانت انتخابات مجلس الشعب، الذي حل لاحقا، وجرت في يناير 2012 بمشاركة 54 في المائة من قاعدة الناخبين التي جرى تعديلها لتبلغ نحو 50 مليونا، بينما شهدت انتخابات مجلس الشورى في فبراير (شباط) 2012 فتورا بالغا، إذ شارك بها 6.43 مليون ناخب، بنسبة مشاركة تبلغ نحو 12.9 في المائة فقط.
وفي مايو (أيار) 2012 أجريت الانتخابات الرئاسية، التي شهدت جولة إعادة في يونيو (حزيران) بين المرشحين الأكثر حصولا على الأصوات، الرئيس السابق محمد مرسي ومنافسه رئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق. وشارك في جولتها الثانية نحو 51.85 في المائة من الناخبين. وشهدت نهاية عام 2012 استفتاءا دستوريا شارك فيه نحو 17 مليون ناخب، بنسبة نحو 32.9 في المائة، أسفر عن تأييد 63.6 في المائة، ورفض 36.4 في المائة. ثم كان الاستفتاء الأخير في 14 و15 يناير الحالي، الذي شهد مشاركة 20.6 مليون ناخب، بنسبة 38.6 في المائة من قاعدة الناخبين، وأسفر عن موافقة 98.1 في المائة، بينما رفضه 1.9 في المائة.
وبقراءة تلك النسب، يبدو أن اهتمام المصريين كان أكبر للمشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، منه عن الاستفتاءات الدستورية. ويقول الدكتور عبد المجيد إن ذلك يعود إلى طبيعة عملية الانتخابات، ودائما يوجد بها علاقة مباشرة بين الناخب والمنتخب على الأرض، حيث يقوم مرشحون بعملية تعبئة سعيا لجذب الأصوات في إطار المنافسة الحزبية الشرسة، وهو ما يغيب عن عملية الاستفتاء التي تقتصر على محاولات الدولة للحشد الجماعي.
ويرى بعض المراقبين أن مشاركة عدد كبير نسبيا في خلال انتخابات الرئاسة، وكذلك في الانتخابات البرلمانية، كان ناتجا بصورة أولية عن اهتمام الشارع باختيار رأس الدولة أولا، وما شهدته مرحلة الإعادة في انتخابات الرئاسة من صراع آيديولوجي بين معسكري ما يمكن تسميته بـ«رفض الآخر»، لأن كلا المرشحين حصل على نحو ثمانية ملايين صوت «نكاية في منافسه، بأكثر من كونها اختيارا له»، بحسب المحللين.
أما المفارقة في انتخابات مجلس الشورى، فيشير عبد المجيد إلى أن ذلك يؤيد ذات النظرية. ويعود التراجع في المشاركة بها إلى سببين، أولهما أن انتخابات الشورى دائما ما تشهد إقبالا قليلا من الناخبين، وقد تعد نسبة 13 في المائة جيدة مقارنة بما كان يحدث قبل ثورة 25 يناير 2011، حيث كان عدد الناخبين لا يتجاوز ثلاثة إلى أربعة في المائة من الإجمالي.. وكذلك لأن أغلب القوى استنفذت طاقتها في انتخابات مجلس الشعب. والأمر الثاني أن المرشحين أنفسهم كانت تحركاتهم أقل، حيث إن التيارات المدنية وعناصر المستقلين تراجعت - وتكاد تكون انسحبت - عن خوض الانتخابات بقوة عقب إحباطهم نتيجة سيطرة التيارات الإسلامية «الأكثر تنظيما» على مجلس الشعب، وبالتالي قلصت التيارات الإسلامية من تحركاتها، وحشدت في الحدود الدنيا التي تكفل لها هدفها في الحصول على المقاعد وتحقيق الأغلبية.
وحدث ذلك رغم أن تلك الفترة شهدت اعتقادا واسعا لدى الرأي العام بأن جماعة الإخوان سيكون لهم دور في حل مشكلات البلاد، باعتبارهم التنظيم الوحيد والقوي والمنتشر، لكن فورة التوقعات التي كانت لدى الكثيرين بالنسبة للإخوان، حين اختبرت في الواقع، أدت إلى صدمة شديدة مهدت لسقوط سريع للجماعة لاحقا، بحسب ما يراه المحلل السياسي.
ويقول ناشطون ومدافعون عن جماعة الإخوان إن مقاطعة أنصار جماعة الإخوان للاستفتاء كونهم لا يعترفون بشرعية خارطة الطريق، ربما أسهمت في أن لا تتخطى نسبة المشاركة حاجز الـ40 في المائة في الاستفتاء الأخير، لكنّ مراقبين ومحللين أكدوا أن تأثير الجماعة تراجع في الشارع المصري بصورة كبيرة.
ويستند المراقبون إلى رقم صلب في المعادلة السياسية للاستدلال على قدرة الجماعة في الشارع والقياس عليه، وهو ما حصل عليه الرئيس السابق مرسي في الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة في عام 2012 ويبلغ 5.76 مليون صوت انتخابي، وهو أقصى قدرة للجماعة على الحشد، متضمنا قواعدها وكوادرها وعائلاتهم، وتأثيرهم على أصوات البسطاء بمختلف الطرق، سواء عبر الإقناع أو الضغط أو حتى الرشى الانتخابية.
لكن عبد المجيد يوضح أن تأثير الإخوان تراجع جذريا، ويؤكد أن هذا الرقم لا يقاس عليه حاليا، لأن الإخوان فقدوا الجزء الأكبر من مؤيديهم وتوابعهم وأصبح «رقما تاريخيا»، مقدرا تأثيرهم اليوم بما لا يتجاوز 1.5 إلى مليوني صوت انتخابي، بحد أقصى.
وفي ما يخص الاستفتاء الأخير، يقول الدكتور عمرو الشوبكي، المفكر السياسي المصري، في تعليق بمقال صحافي: «المؤكد أن (نعم) الكاسحة ترجع لعدة أسباب، منها أن المصريين لم يصوتوا فقط على وثيقة دستورية، إنما على خريطة طريق واستقرار وعلى دولة وطنية، وعلى عقاب الإخوان، وأيضا على ترشح السيسي». ويتابع: «والمؤكد أن الإعلام والمناخ المصاحب لـ(نعم) الكاسحة دفع أنصار (لا) من خارج الإخوان وحلفائهم إلى مقاطعة الاستفتاء بعد أن غابوا تقريبا عن وسائل الإعلام، حتى وصل الأمر إلى توقيف بعض شباب مصر القوية، لأنهم يحملون ملصقات تدعو إلى (لا)، في تكرار لأساليب أمنية لا يجب أن تستمر معنا».
لكن الدكتور وحيد عبد المجيد يشير إلى أن المناخ العام كان فيه قدر كبير من المغالاة الشديدة في مهاجمة من يعترض على الدستور، رغم أن كثيرين منهم لا يعارضون المسيرة السياسية في حد ذاتها، وجرت المساواة بين من يعارض كل أو بعض بنود في الدستور وبين من يرفض الاستفتاء من الأصل ويقاطع خارطة الطريق، ما أدى إلى أن قطاعا من المصريين أحجم عن المشاركة نتيجة شعورهم بـ«غربة وإرهاب فكري»، إضافة إلى تراجع ملحوظ في مشاركة الشباب، ربما نتيجة إحباط سياسي أو اجتماعي لما يراه بعضهم من عدم تحقق توقعاتهم بـ«تمكين شبابي» أكبر داخل الدولة.
وما إذا كان من الممكن أن تتغير أرقام المعادلة في الاستحقاقين المقبلين، يرى عبد المجيد أنه «لا بد أن يحدث تحرك سريع لإعادة الأمل لدى الشباب في المستقبل، ولو لم يحدث ذلك فسيتجهون إلى الانفراط وقد يزداد عدد المنصرفين عن العملية السياسية.. بينما أعتقد أن يعود أولئك الذين كانوا يرغبون في المشاركة بـ(لا) في الاستفتاء إلى المشاركة في الاستحقاقات الأخرى بعد تجاوز إحباطهم».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.