موسكو تجدد دعمها مواصلة العمليات لتقويض «بؤر الإرهاب» في إدلب

TT

موسكو تجدد دعمها مواصلة العمليات لتقويض «بؤر الإرهاب» في إدلب

بالتزامن مع إعلان موسكو سعيها إلى مواصلة الحوار مع أنقرة بهدف التوصل إلى آليات للتهدئة في محافظة إدلب، جددت وزارة الخارجية الروسية تأكيد دعمها تحركات الجيش السوري النظامي ضد «بؤر الإرهاب»، وحذر نائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين من أن بلاده «لن تتصالح أبدا مع بقاء مصادر الخطر في المنطقة»، مشدداً على استمرار «حرب لا هوادة فيها على الإرهابيين».
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، أمس، أن الوزير سيرغي شويغو أجرى محادثات هاتفية مع نظيره التركي خلوصي أكار ركزت على الوضع في سوريا عموماً، وسبل تهدئة التوتر في إدلب على وجه الخصوص. وتجنبت الوزارة الكشف عن مضمون المحادثة، لكنها قالت في بيان إن الطرفين أجريا نقاشاً تفصيلياً للوضع.
وجاءت هذه المحادثة على خلفية الإعلان عن توجه وفد روسي إلى أنقرة في غضون أيام، لاستئناف المحادثات بعد ثلاث جولات عقدت في أنقرة وموسكو وفشلت في تقريب وجهات النظر. ويعد الإعلان عن الجولة الجديدة من المفاوضات بعد اتصال هاتفي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان مساء أول من أمس، إشارة إلى «عزم موسكو وأنقرة على مواصلة الحوارات حتى التوصل إلى آليات مشتركة لمواجهة الموقف الناشئ، وعدم السماح بانزلاق الموقف بينهما إلى توسيع مساحة الخلاف»، وفقا لمصدر روسي.
وينتظر أن تقرر موسكو قبل حلول موعد الجولة المقبلة موقفها من الدعوة الأوروبية لعقد قمة تجمع زعماء روسيا وتركيا وفرنسا وألمانيا في الخامس من الشهر المقبل. علماً بأن الكرملين كان أعلن في وقت سابق أن موسكو «لا تستبعد عقد القمة إذا رأت الأطراف الأربعة ضرورة لها».
في غضون ذلك، جاءت تصريحات فرشينين لتؤكد على الموقف الروسي الداعم لتحركات الجيش السوري في إدلب، وقال نائب الوزير الذي يعد المسؤول المباشر في الخارجية عن الملف السوري، إن موسكو «حاولت جاهدة المحافظة على قرار وقف النار، والتزمت الحكومة السورية بالقرار بدعم من جانبنا». لكنه زاد أن «نظام التهدئة يشمل فقط القوى المعتدلة والحكومة السورية»، في إشارة كررتها موسكو أكثر من مرة في السابق حول أن نظام وقف النار لا ينسحب على «جبهة النصرة» والقوى المتحالفة معها.
وقال فيرشينين إن «الإرهابيين في إدلب لا يزالون يعدون بعشرات الآلاف، وقد واصلوا تنفيذ هجمات بشكل متزايد على المناطق المجاورة وخصوصا على حلب». وأوضح أن «الإرهابيين» كانوا الشهر الماضي «على بعد 10 - 15 كلم من حلب» وقصفوا المدينة من أنظمة صواريخ إطلاق متعددة «بشكل أعمى، أي أن القصف طال المناطق السكنية». وزاد أن قاعدة «حميميم» الروسية تعرضت بدورها إلى ثماني هجمات باستخدام طائرات مسيّرة منذ التاسع من الشهر الماضي، مشيراً إلى أن موسكو تضع سلامة جنودها وضباطها على رأس لائحة اهتماماتها.
وأوضح الدبلوماسي الروسي أنه في هذه الظروف «لم يكن هناك أي شك في ضرورة دعم قوات الحكومة السورية التي تبذل جهوداً للقضاء على الإرهابيين في محافظة إدلب». وزاد: «لا يمكننا سوى أن ندعمهم، لأن الأمر يتعلق بتصرفات الحكومة الشرعية في سوريا وعلى أراضيها وضد الإرهابيين».
ولفت فرشينين إلى أن قوات الحكومة السورية «قامت بتحرير جزء من أراضي المنطقة المنزوعة السلاح في محافظة إدلب، لكن مهمتها هي وقف الهجمات الإرهابية، وليس الوصول إلى المنطقة الحدودية». وحملت هذه العبارة أول إشارة طمأنة لتركيا، لجهة أن موسكو لا ترغب في توسيع مساحة المعركة ووصولها إلى المنطقة الآمنة التي أقامتها تركيا. وأوضح أن «الواقع الحالي يشير إلى أن جزءاً من المنطقة المنزوعة السلاح تم تحريره عملياً، لكن فهمنا هو أن تحرك قوات الحكومة السورية لم يهدف إلى الوصول إلى الحدود، وعندما يقصف الإرهابيون ثاني أكبر مدينة في البلاد، فهذا الدافع الأساسي للقوات الحكومية».
في الوقت ذاته، نبه فيرشينين إلى إن روسيا «لن تتصالح أبدأ مع وجود إرهابيين في محافظة إدلب»، وقال إن هذه الأطراف «لم تكن طرفا في أي هدنة». وشدد الدبلوماسي على أن «الشيء الرئيسي هو تجنب وقوع خسائر بين المدنيين ومواصلة القتال الذي لا هوادة فيه ضد الإرهابيين». وقال إن «الجماعات الإرهابية تمنع المدنيين من مغادرة إدلب لاستخدامهم كدروع بشرية».
وزاد أنه تم إنشاء عدد من الممرات إلى الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة لكن «الإرهابيين لا يسمحون للمواطنين بالوصول إليها، إنهم يستخدمون سكان المدينة كدروع لحماية أنفسهم». ورغم ذلك قال فيرشينين إن روسيا تعتقد أن المفاوضات مع تركيا بشأن الوضع في محافظة إدلب يجب أن تستمر. وزاد أنه منذ توقيع اتفاق سوتشي في خريف العام قبل الماضي لم تنقطع الاتصالات بين الجانبين بهدف تنفيذ الاتفاق، و«هذه المفاوضات، كما نعتقد، يجب أن تستمر»، مشيراً إلى أن أهمية هذه الاتصالات تكمن في أنها تسعى لمنع انزلاق التوترات في محافظة إدلب إلى «وضع أكثر خطورة».
إلى ذلك، صعدت وسائل الإعلام الروسية لهجة حملاتها على تركيا، في إطار التحذير من أن أنقرة «لم تعد شريكاً كاملاً لروسيا في مسار أستانة» واتهامها بأنها «من خلال التعزيزات العسكرية ونقل أسلحة نوعية ومعدات قتالية إلى المسلحين في إدلب، تضع القوات الروسية في وضع خطر كبير»، في إشارة إلى معطيات عن قيام أنقرة بنقل مضادات جوية إلى سوريا وتسليمها إلى بعض الفصائل الموالية لها.
وكتب خبير روسي بارز أمس محذراً من خطورة ما وصفه بـ«مغامرة إردوغان»، وقال إن «محاولات أنقرة لحل مشكلة إدلب عبر السعي لإعادة قوات الأسد إلى المواقع التي كانت تشغلها قبل شهرين، أو وقف الهجوم السوري ورسم خط جديد فاصل كلها باءت بالفشل».
ورأى أن الرئيس التركي «ألقى بورقته الأخيرة على الطاولة عبر التهديد بشن عملية واسعة، وبإرسال الفصائل السورية قبل يومين إلى عملية هجومية في بلدة النيرب»، وأنه بذلك «يحاول تخويف السوريين، وابتزاز روسيا عبر التلويح بقطع محتمل للعلاقات الروسية - التركية».
ولفت إلى أن «مغامرة إردوغان فشلت» لأن موسكو لم تكتف بتوضيح ثمن قطع العلاقات بالنسبة لتركيا، مثلاً، من خلال لقاء وزير الدفاع سيرغي شويغو عدو تركيا في ليبيا المشير خليفة حفتر، ولكن عبر التحذير الروسي أيضاً من «أسوأ سيناريو» وهي العبارة التي قالها الناطق باسم الكرملين، ورأى فيها خبراء روس إشارة إلى أن «رسالة موسكو لأنقرة هي أنها لو ذهبت نحو عملية عسكرية واسعة فلن تواجه فقط الجيشين السوري والإيراني إنما الجيش الروسي أيضا».
وقالت صحف روسية إن إردوغان «وجد نفسه في وضع محرج، فإذا لم يبدأ الحرب في إدلب وسلّم المحافظة للأسد، فسوف يخسر الكثير. سيخسر، مثلاً، شعبيته. وسيتهم القوميون الأتراك إردوغان بالضعف والتخلّي عن الطموحات التركية العظيمة. أما إذا أطلق عملية عسكرية في إدلب، فلن يخسر الكثير، إنما كل شيء، أي سلطته، وسمعته. ويمكن للجيش التركي، بالطبع، سحق الجيش السوري، لكنه لن يستطيع مواجهة تحالف سوري - إيراني - روسي على الأراضي السورية».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.