اتصالات للتهدئة بين موسكو وأنقرة بعد «اختبار القوة» في إدلب

بوتين يحذّر من «الأعمال العدوانية» للمتشددين وإردوغان يطالب بـ«كبح النظام»... وأنباء عن حظر عبور الطائرات الروسية الأجواء التركية

TT

اتصالات للتهدئة بين موسكو وأنقرة بعد «اختبار القوة» في إدلب

تسارعت، أمس، ردات الفعل والتحركات على المستويين السياسي والعسكري، لبلورة آليات لتسوية الوضع حول إدلب، بعد مرور يوم واحد على مواجهات عنيفة في بلدة النيرب بين القوات النظامية وفصائل المعارضة تدخلت فيها بشكل مباشر المدفعية التركية والطيران الروسي الذي عرقل تقدم المسلحين وأفشل هجومهم. وبدا من تعليقات الخبراء العسكريين والسياسيين المقربين من دوائر صنع القرار في روسيا أن موسكو «نجحت في توجيه رسالة واضحة إلى القيادة التركية بعزمها على مواجهة أي اختبار للقوة أو للصبر، ومنع أي محاولات لتغيير الواقع الميداني وخصوصاً ما يتعلق بالسيطرة على المناطق المؤثرة على الطرق الدولية»، وفق تعليق وسائل إعلام روسية حكومية.
وكان الوضع في إدلب محوراً أساسيا في مكالمة هاتفية جرت أمس بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان. وقال الكرملين في بيان إن بوتين أعرب خلال الاتصال عن «قلقه البالغ» إزاء «الأعمال العدوانية» للمتشددين في منطقة إدلب. وأضاف أن الرئيسين اتفقا خلال المحادثة الهاتفية على «تعزيز المشاورات الثنائية حول إدلب بهدف خفض التوتر، وإرساء وقف لإطلاق النار والقضاء على التهديد الإرهابي».
أما الرئاسة التركية فقالت من جهتها إن إردوغان أكد لبوتين «ضرورة كبح النظام (السوري) في إدلب وأن الأزمة الإنسانية يجب أن تنتهي». وقال الرئيس التركي لنظيره الروسي إن الحل يكمن في العودة إلى اتفاق سوتشي الموقع في العام 2018، والذي أتاح لتركيا إقامة نقاط مراقبة عسكرية في إدلب بهدف ردع أي هجوم للنظام السوري على المنطقة.
وكان الكرملين قد حذّر صباح أمس، للمرة الثانية خلال الأيام الأخيرة، من مخاطر انزلاق الوضع نحو «السيناريو الأسوأ»، وقال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين عن احتمال وقوع مواجهة روسية – تركية بسبب إدلب: «لا أريد حتى التفكير في أسوأ سيناريو».
وأجرى الرئيس بوتين في وقت سابق أمس اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل جاء بعد مكالمة مماثلة للرئيس التركي مع الطرفين. وبدا أن الطرفين الروسي والتركي يسعيان إلى حشد تأييد أوروبي لمواقفهما، على خلفية النداءات الأوروبية المتواصلة بوقف تدهور الوضع في إدلب.
وقالت الرئاسة الروسية إن بوتين أكد خلال الاتصال «ضرورة اتخاذ خطوات فعالة ضد الإرهابيين في سوريا». وزاد أن المكالمة ركزت على «آليات تسوية الوضع، في سياق الأوضاع المتفاقمة بصورة حادة في إدلب، نتيجة لاعتداءات التشكيلات المتطرفة على القوات الحكومية السورية والمدنيين». وأفاد الكرملين بأن بوتين شدد على ضرورة «تحييد التهديد الإرهابي في ظل احترام سيادة الجمهورية العربية السورية وسلامة أراضيها. فيما أعرب كل من ماكرون وميركل عن استعدادهما للإسهام في التخفيف من حدة التوتر شمال غربي سوريا». وكشف الكرملين عن اقتراح تلقاه بوتين لعقد قمة رباعية تجمع زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا، لكن الناطق الرئاسي قال إن الموقف النهائي لبوتين حيال الفكرة لم يتحدد بعد.
وكانت موسكو وطهران اقترحتا قبل ذلك عقد قمة ثلاثية لضامني محور أستانة، لكن الرئاسة التركية لم تعلن موافقتها على الاقتراح.
وفي إطار التحركات الروسية، عقد بوتين اجتماعاً طارئاً لمجلس الأمن الروسي بحضور رئيس الوزراء ووزراء الخارجية والدفاع والأمن والداخلية ورؤساء أجهزة المخابرات، تم خلاله بحث تطورات الموقف في إدلب، وجرى التداول وفقاً لمصادر الكرملين حول آليات التحرك اللاحقة على خلفية بلورة موقف روسي لإبلاغه للرئيس التركي، كما تمت مناقشة فكرة عقد القمة الرباعية خلال الاجتماع.
وقالت مصادر روسية إن وفداً روسياً ربما يتوجه إلى أنقرة الأسبوع المقبل لاستئناف الحوار حول سبل محاصرة التوتر المتفاقم في إدلب.
تزامن ذلك مع توجيه وزارة الدفاع الروسية انتقادات جديدة إلى أنقرة. ولفت بيان أصدرته قاعدة حميميم الروسية إلى أنه «مع تفاقم الوضع في منطقة إدلب جراء التصعيد الناجم عن الهجمات المكثفة المنسقة التي يشنها مسلحون من الجماعات الإرهابية على مواقع القوات الحكومية السورية، يقوم المركز الروسي للمصالحة بين الأطراف المتحاربة في سوريا بمراقبة مستمرة على مدار الساعة للوضع في المناطق الشمالية الغربية من البلاد». وزاد أن مراقبة الوضع الإنساني أكدت أن «المعلومات حول التدفق المزعوم لمئات الآلاف من المدنيين نحو الحدود السورية - التركية غير صحيحة ولا أساس لها». وهذه المرة الأولى التي تنفي موسكو فيها تقارير تركية كثيرة حول وجود نحو مليون نازح فروا خلال العمليات العسكرية التي شنها النظام إلى المنطقة الحدودية. وقال البيان العسكري إنه «لا توجد مواد مصورة يمكن التحقق منها أو أي دليل آخر يؤكد النقل المزعوم لحوالي مليون لاجئ». وزاد أنه «على مدار الأسابيع القليلة الماضية تم نقل قوافل كبيرة من المعدات والشاحنات العسكرية وبلغ طولها (القافلة) عدة كيلومترات».
وتابع البيان الروسي بأن «الإرهابيين يستخدمون المدنيين حالياً دروعاً بشرية ويمنعون خروجهم عبر ممرات إنسانية أعلن عنها مركز المصالحة بين الأطراف المتحاربة بالتعاون مع الحكومة السورية».
ودعا البيان الجانب التركي إلى «اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان إمكانية الخروج الآمن والطوعي لسكان المناطق الشرقية والجنوبية من محافظة إدلب من خلال نقاط التفتيش المفتوحة إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية».
في غضون ذلك، نقلت وسائل إعلام روسية تفاصيل عما وصف بأنه مقدمات لـ«حظر جوي فرضته تركيا على مرور الطائرات العسكرية الروسية فوق أجوائها». ونقلت صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» الروسية عن شبكة «فري نيوز» وهي شبكة إلكترونية متخصصة بالشؤون العسكرية، إن تركيا أغلقت مجالها الجوي أمام الطيران الحربي الروسي. وقالت إن هذا الإجراء يتعلق حتى الآن بالطائرات العسكرية التي كانت قد عبرت أجواء تركيا سابقاً في طريقها إلى القاعدة الروسية (حميميم) في سوريا.
ووفقا للمعطيات فإن أنقرة منعت مرور طائرة نقل عسكرية من طراز «توبوليف 154» ومقاتلتين من طراز «سوخوي 24» وطائرة استراتيجية روسية. وأشارت إلى أنه «كان على الطائرات الروسية تغيير المسار، فحلقت فوق بحر قزوين وأراضي إيران والعراق». وربطت الصحيفة الإجراء بفشل المفاوضات في موسكو لحل الوضع في إدلب.
ولم يستبعد خبراء احتمال أن يكون الإجراء مقدمة لفرض حظر على النقل البحري للقوات الروسية. وقال مسؤول عسكري سابق: «إذا قام الأتراك فقط بإغلاق منطقة مضيق البحر الأسود مؤقتاً على الأقل أمام سفننا الحربية، فإن تشغيل خط الإمداد المتواصل سوف يتعطل في الحال»، في إشارة إلى عمليات النقل المنتظمة للسفن الحربية وسفن النقل المختلفة لتسليم الشحنات إلى سوريا.
ورأى ألكسندر خراميخين، نائب مدير معهد التحليل السياسي والعسكري، أن فرض حصار كامل للحركة عبر مضيق البوسفور والدردنيل من قبل تركيا يبدو مستبعداً، لكن أنقرة «يمكن أن تجد دائماً أعذاراً لإبطاء نظام خط الإمداد السوري الدائم بما في ذلك الأعذار الفنية»، مشيراً إلى خطورة الوضع بالنسبة إلى موسكو التي تنقل عبر هذا الممر نحو 90 في المائة من إمدادات قواعدها العسكرية في سوريا فضلا عن الإمدادات التي تسلم إلى السوريين.
وانعكس هذا الإجراء على آراء الخبراء العسكريين الروس، إذ قال الجنرال السابق يوري نتكاشيف: «إن محاولة كسر الإمداد الجوي للمجموعة العسكرية الروسية في سوريا تشير إلى أن أنقرة لم تعد تعتبر شريكاً لها في عملية أستانة»، لافتاً إلى أن منع مرور الطائرات أو السفن يعني مضاعفة تكاليف الرحلات مرتين تقريباً ما يشكل إرهاقا جديا للموازنة العسكرية التي تم تقليصها في العام الحالي.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.