ماذا وراء ظاهرة الروايات الأكثر مبيعاً؟

«حين تغني السلطعونات» لديليا أونس نموذجاً

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

ماذا وراء ظاهرة الروايات الأكثر مبيعاً؟

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

تلقى بعض الكتب الأدبية السريعة عموماً والروائية تحديداً رواجاً ملحوظاً في مبيعات الكتب وتحتل موقعاً متفرداً في قوائم «البيست سيلر» (best seller) في أوروبا وأميركا. وفي الأغلب تنافس هذه الكتب سريعة الرواج تسويقياً الكتب الجادة الرصينة.
ولقد عرف القرن العشرون هذه الظاهرة فكان روائيو التكسب - كما يسميهم كولن ولسن - ينافسون الروائيين الجادين مثل ديفو ورتشاردسون وسكوت وديكنز. وقد سميت روايات المتكسبين بـ«الروايات البنسية» كمصطلح يدلل على دور التكسب في جعل رواية ما هي الأكثر مبيعاً في سوق الكتب. وقد ذهب ولسن إلى أن هذه المنافسة سرعان ما تفقد بريقها مع مرور الزمن، فلا تبقى روايات المتكسبين بينما تصمد الروايات الجادة. وكثير من أسماء الكتب الأكثر رواجاً في أوائل القرن العشرين أصبحت نسياً منسياً في غضون 50 سنة. وفي أدبنا العربي أمثلة على ذلك، فقد سادت في خمسينات وستينات القرن الماضي روايات رومانسية ميلودرامية سريعة ليوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وعبد الحليم عبد الله ونافست الروايات الجادة لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ.
وليس غريباً ألا ينطبق هذا التصور على جميع الكتب التي توسم بأنها الأكثر رواجاً أو «البيست سيلر»، لأنها ليست دائماً مبتذلة بلا هدف فني ولا تطلع مستقبلي، إذ قد تكون لها من السمات والتوجهات ما يجعلها فاعلة ومؤثرة في الساحة الأدبية كما حصل مع روايتي «سيد الخواتيم» و«رحلة إلى أركتورس» اللتين بسببهما احتلت الفانتازيا موقعاً مهماً في الستينات والسبعينات، حتى نافست روايات الأفكار المستندة إلى تجارب فكرية.
واللاغرابة فيما تقدم يعود إلى أن الرواية نفسها فن تعددي؛ وهي ملحمة الحياة وسجلها الذي يضم أشكالها الكثيرة، حتى أن كاتبها قد يرى نفسه أكبر من مجرد كاتب أو أديب، كما حصل مع بلزاك الذي رأى نفسه شخصاً يشبه نابليون أو آينشتاين، وهو القائل: «لقد عاش أربعة أشخاص حياة غنية: نابليون وكوفيه وأوكونيل، وأستطيع أن أكون رابعهم؛ فقد عاش الأول حياة أوروبا وازدرد الجيوش، وتزوج الثاني من الكرة الأرضية، وتجسد الثالث في شعب، أما أنا فباستطاعتي أن أحمل مجتمعاً بأكمله في ذهني»، من كتابه «رسائل إلى الخارج».
ومن ثم لا يكون هناك معيار على جدة الكاتب مثل معيار إخلاصه للحياة ومحاولته ترجمتها في شكل عمل يسميه «البيريس» (رواية كلية) التي هي برأيه أكبر أحلام العصر التي قد توازي حلم العلم الكلي والتقدم الجبري ووحدة الفكر. ولا فرق في ذلك بين أن يكون أسلوب الكاتب ريبورتاجاً صحافياً أو يكون متقنعاً ورمزياً ما دام الهدف هو تمثيل الحياة واستقصاء شموليتها. والنوع الروائي الذي يحظى بالإقبال القرائي وينال أعلى المبيعات هو القادر على تجسيد الحياة في سمتها الكلية. وهكذا كانت الرواية التاريخية والرواية الواقعية والرواية النفسية ورواية الخيال العلمي والرواية الرمزية والرواية التسجيلية والرواية الوثائقية ورواية اليوميات والمذكرات والرحلات والأسفار والسيرذاتية والترجمية وغيرها.
وفي العقدين الأخيرين من القرن الحالي، أخذت رواية المذكرات واليوميات والرحلات والأسفار تنافس الأنواع الروائية الأخرى في سوق الأدب، حتى أن كلود ليفي شتراوس الاثنوغرافي، الذي كره الأسفار والمستكشفين وشكك في جدوى كتابة اليوميات، وجد نفسه ملزماً بكتابة رحلاته فيما بين 1935 و1941 في كتابه «مداريات حزينة» الذي ترجم إلى اللغة العربية والصادر في دمشق 2003. وفيها أشار شتراوس إلى حيرته أمام هذا النوع من الحكايات متسائلاً: «أينبغي علي أن أقصَّ بكل دقة تلك التفاصيل التافهة والحوادث التي لا معنى لها... بالإضافة إلى ما لا يحصى من المشقات التي تجعل الحياة الخطرة في قلب الغابة البكر أشبه بالخدمة العسكرية... لكن هل تستحق حثالة الذاكرة... أن أرفع القلم لتدوينها؟». ص17 - 18.
والسر وراء هذا الذي يتصوره شتراوس يكمن في رغبة الإنسان الأوروبي العميقة في العودة إلى الطبيعة بروائحها وطعومها وصورها الصادقة البعيدة عن الخداع التي تقدم ثقافة متغايرة ومعرفة أكيدة توقظ في الإنسان أكواناً غير مرئية من الطيبة والحرية. وهكذا يندفع القراء نحو روايات اجتاحت المكتبات والأسواق موضوعها الأمازون والتبت ومجاهل أفريقيا.
وإذ برع الروائيون الأميركيون في كتابة هذا النوع من الروايات، فلأن النقد الأميركي المتأثر بفلسفة كروتشه ونزعات الرمزيين الفرنسيين كان قد عرف مدرسة النزعة الإنسانية جنباً إلى جنب المدرستين التصويرية والنقد الجديد، موظفاً شكلاً من أشكال الواقعية هو «الواقعية الموضوعية»، وفيها الراوي لا يتدخل في استبطان الشخصية بل هو كالمخرج السينمائي الذي لا يعبر عن نفسه في اختيار المشاهد ولا يعيرها صوته لتغدو الرواية مجموعة متتالية من الأحداث الموضوعية التي تنقل بحيادية مسجلة الحياة. ومن رواد هذه الواقعية كالدوبل وهمنغواي وباسوس وفوكنر وشتنايبك وداشيل هامت.
وقد شاع هذا اللون من الأعمال الروائية في الربع الثالث من القرن العشرين وغزا القارات بروايات تتناول هنود بوليفيا أو حياة السهوب الفنزويلية والغابات الاستوائية أو حياة صيادي سردينيا والسهول الهنغارية والحمامات المعدنية، كما في رواية «بلاد الثلج» للياباني ليناسوري كواباتا. وأصبحت رواية المغامرات مثل رواية «ثلوج كليمنغارو» لهمنغواي الممثل الحقيقي لهذه الواقعية، وفيها تظهر ردود فعل الشخصية الخارجية فقط في حركاتها أو سلوكها.
ومن تلك الروايات ما كتبته ديليا مع زوجها مارك أونس من أعمال جسدا فيها رحلتهما التي دامت 23 عاماً في أفريقيا. وأول رواية لهما «صرخة كالاهاري» عن دار «هوغتن ملفن» 1984 وتسرد بضمير المتكلم وتدور أحداثها في براري كالاهاري في ناميبيا.
تلتها رواية «عين الفيل» عن دار «هوغتن ملفن» 1992 وهي عبارة عن مغامرة ملحمية تدور حول القتال في سبيل منع صيد الأفيال في براري بوتسوانا وزامبيا. ومما قالته ديليا في التقديم لها: «كنت بحاجة دوماً إلى تذكر الأخاديد المطوية في جلد الفيل وعينه اللامعة الرطبة التي تعكس شروق الشمس، وبالتأكيد هذا لن يحدث لي مرة أخرى، الذاكرة تستمر مدى الحياة ولن أنسى الطريقة التي بها شعرت لأول وهلة أني أستطيع أن أرى كل شيء بوضوح... في وادي الخداع والجفاف ونهر متحجر جاف في صحراء كالاهاري في بوتسوانا. أريد أن أهمس بشيء ما، ولكن ماذا أقول؟ عين الفيل هي عين العاصفة».
والرواية الثالثة هي «أسرار السافانا» 2006 وهي رواية درامية تسرد مذكرات الكاتبين في العيش في براري أفريقيا ووادي لونغوا شمال زامبيا منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، وفيها يجد القارئ أسرار القتال من أجل إنقاذ الفيلة من الصيد.
ونأمل أن تتاح ترجمة هذه الروايات الثلاث إلى العربية، ومؤخراً كتبت ديليا أونس روايتها «حين تغني السلطعونات» (where the crawdads sing) لوحدها وصدرت بطبعتها الإنجليزية عام 2018. والمبهر أنها احتلت الرقم واحد في قائمة «البيست سيلر» متجاوزة 4 ملايين نسخة ورقية، وهو ما لم تنله الروايات الثلاث المشتركة في كتابتها مع زوجها.
ويبدو أن تجارب الكتابة المشتركة قد تعمل على إنضاج أسلوب الكاتب وربما العكس؛ أي أن الكتابة المشتركة قد لا تسمح له بإظهار مواهبه الفردية. وهكذا بدت قدرات ديليا في الكتابة بمفردها واضحة كما ظهر تأثرها بأسلوب الروائية آن رادكليف التي كانت لها طاقة خيال هائلة في توظيف المناظر الطبيعية الخلابة، بشخصيات وحوارات وأحداث، مصعِّدة الحبكة تصعيداً دراماتيكياً. وكذلك وضح تأثر ديليا بالكاتبة الدنماركية كارين بلكسين 1885 - 1962 التي كانت تكتب باسم مستعار، هو إسحق دينسين. وتتميز قصصها بالإتقان في دمج الواقع بالحلم مع الميل إلى السرد التقليدي الخيالي. وقد أثنى همنغواي وآرثر ملير وغيرهما على أسلوبها القصصي.
ولها مجموعة قصصية عنوانها «سبع حكايات قوطية» 1932، ثم تلتها روايتها الأولى «خارج أفريقيا» 1937 التي تُرجمت إلى العربية بعنوان «راحلة من أفريقيا» ونشرها المركز القومي للترجمة بمصر عام 2012، وفيها تخوض بلكسين تجربة مشابهة لتجربة ديليا؛ فقد سافرت إلى أفريقيا مع زوجها برور فينيك عام 1914، وهناك امتلكا مزرعة في كينيا، وحين عادت إلى الدنمارك سجلت سنواتها التي عاشتها في أفريقيا وحبها الغامض لها ولشعبها وذكرياتها وأسلوب حياة الأفريقي البسيط.
وإلى جانب تأثر ديليا بهاتين الكاتبتين، فإنها أتقنت توظيف الواقعية الموضوعية في روايتها هذه، باستعمال تقانة «الإضمار النفسي» التي مكنتها من تجسيد النزعة السلوكية في تصوير العواطف والانفعالات وتفسيرها تفسيراً آلياً، مصورة العلاقة الأمومية بين الإنسان الحاضر الذي تمثله الطفلة كيا kya والطبيعة الغائبة التي تمثلها الأم الراحلة، وقد انفصمت عرى هذه العلاقة وتغرب الإنسان عن إنسانيته وانغمس في حياة العولمة مديراً ظهره للحياة الفطرية معزولاً في بيته وهو ينظر إلى الخارج من خلال تلسكوب.
وإذا كانت بلكسين قد تغنت بأفريقيا وسعتها وكثرة حيواناتها وتنوع نباتاتها وجمال مرتفعاتها ووديانها وتفاصيل الروائح والطعوم والمطر والمناظر الطبيعية مع معلومات جغرافية كثيرة تتعلق بأحوال الطقس والتبدل في الفصول وطبيعة الأرض، فإن ديليا أونس جسدت الطبيعة الأميركية من خلال كيا التي وجدت في الطبيعة أماً رؤوماً تعوضها الوحدة والحرمان وتنقذها من شرور الواقع المعيش وآلامه، في إشارة إلى أن الحياة المعاصرة بانوراما تراجيدية فيها الإنسان المهزوم هو البطل الجديد الذي ليس من سبيل أمامه سوى العودة إلى أحضان الطبيعة.
والرواية تسرد بضمير الشخص الثالث برؤية أحادية تبدأ بعام 1952 وكيا طفلة في الكوخ تواجه الحياة لوحدها حتى جودي الأخ الأكبر غادر هو الآخر من دون وداعها، وتتساءل: لمَ الجميع يغادرون وهي وحدها لا يمكنها أن تفعل شيئاً؟ فتهمس لها الأمواج أنها عقلة المنزل التي ستكسر الصمت. وتسمع أصوات الضفادع فتسليها وتتذكر كيف أن أمها كانت تغني لها أغنيتها فلكلورية «هذه ضفدعتي الصغيرة تذهب إلى السوق».
وتشكل أصوات الأشجار والأنهار والحيوانات فاعلاً سردياً يحاور ذهن كيا همساً، ومع مرور الوقت يصبح الهمس سلوتها التي تمكنها من تخطي أزماتها النفسية وانكساراتها الاجتماعية، بسرد موضوعي بضمير الشخص الثالث مع توظيف للحوارات التي فيها استعملت الكاتبة اللهجة الأميركية المحكية باختصاراتها وإضافاتها.
إن رواية «حين تغني السلطعونات» ليست فقط رواية «البيست سيلر» التي حققت شهرة تسويقية؛ بل الرواية التي أكدت أنّ الواقعية الموضوعية أسلوب ما زال قوياً، فيه لا فرق في تصعيد درامية السرد بين الفواعل السردية العاقلة وغير العاقلة. وهكذا كان المستنقع والضفدع والبحر والمطر والشاطئ بمثابة الملجأ الحامي من تبعات الحرب الأهلية والحربين العالميتين مما عرفته السنوات التي تلت 1952. فكان المستنقع حراً مقدساً يحفظ الأسرار ويوثقها عميقاً في الجينات كأسطورة جميلة تنتقل مع الأجيال.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».