مختبر ينتج غدد كوكتيل سموم الأفاعي

لتطوير أمصال مضادة سريعة للدغات القاتلة

مختبر ينتج غدد كوكتيل سموم الأفاعي
TT

مختبر ينتج غدد كوكتيل سموم الأفاعي

مختبر ينتج غدد كوكتيل سموم الأفاعي

تعتبر الغدد السميّة التي تمتلكها الأفاعي من أقوى أسلحة الطبيعة. واليوم، أصبح هانس كليفرز قادراً على صناعتها في مختبره، عبر إنتاج هذه الغدد الصغيرة بكميات كبيرة لإفراز كوكتيل السموم نفسه الموجود لدى الأفاعي الحقيقية. وعندما سألته من أين أتى بهذه الفكرة، ضحك وأجاب: «هذا ما سألته لطلّابي في صفّ الدكتوراه».
- إنتاج أعضاء حية
قبل عشر سنوات، لاحظ كليفرز أنّ الخلايا الجذعية المستأصلة من أمعاء الفئران قادرة على إنتاج نماذج مصغّرة من الأعضاء الكاملة إذا ما تمّ غسلها بالمواد الكيميائية الصحيحة. هذه الكتل الصغيرة (بحجم حبّة العدس) هي عبارة عن نسخ مصغّرة عن الأعضاء، وتحمل الكثير من الميزات المهمّة الموجودة فيها، من شكلها الهندسي إلى الجينات التي تشغّلها. منذ ذلك الوقت، عملت مختبرات كثيرة على إنتاج نسخ من الأعضاء المصغّرة للأمعاء، وشبكية العين، والرئة، والكبد، والكلى، وحتّى الدماغ. ولكنّها غالباً ما كانت تبدأ من خلايا الفئران أو البشر.
ولكنّ ثلاثة من طلّاب كليفرز تساءلوا ما إذا كانوا يستطيعون صناعة أعضاء مصغّرة كهذه من مخلوقات حيّة أخرى. وفي حال نجحوا في ذلك، ما هو العضو غير المتوقّع الذي قد يستطيعون إنتاجه؟ سارع الطلاب الثلاثة إلى الاتفاق على تنمية الغدد السمية الموجودة لدى الأفاعي، فتواصلوا مع أحد المربين مختصّ واشتروا منه بيضة أفعى من نوع «كيب كورال» التي تشبه الكوبرا وتعيش في جنوب أفريقيا. بعدها، استأصلوا الغدد السمية من جسم الجنين، وانتزعوا الخلايا منها، وطبّقوا عليها بروتوكولات صناعة الأعضاء المصغّرة نفسها التي يستخدمونها عادة. ولكنّ التغيير الوحيد الذي قام به الطلّاب كان تنمية الأعضاء المصغّرة هذه في درجات حرارة أقلّ من الطبيعية، أي 36.6 درجة مئوية (98 درجة فهرنهايت)، لأنّ أجساد الزواحف تحتاج إلى أجواء باردة للنمو، على عكس الثديّات.
- غدد السمّ
واليوم، نجح فريق كليفرز بإنتاج غدد سميّة في المختبر قادرة على إنتاج الكوكتيل الكيميائي نفسه الذي تنتجه غدد الأفعى. بعدها، عمل الفريق على تنمية أعضاء مصغّرة من ثمانية أنواع أفاع مختلفة، وجميعها مصدرها بيض اشتروه من مربّين أو من حدائق حيوانات.
تبدو الأعضاء المصغّرة المنتجة كبالونات بيضاء بقطر مليمتر واحد. ومع نموّها، تمتلئ بالسمّ، فيحصده فريق الباحثين. يتألف سمّ الأفعى الحقيقي من عشرات البروتينات، معظمها غير سام، ولكنّه يصبح كذلك بعد تعديله بفعل أنزيمات موجودة في الغدد.
واكتشف الفريق أنّ سمّ الغدد المصغّرة قريب جدّاً من السمّ الحقيقي، حيث إنه يتألّف من البروتينات الصحيحة نفسها، التي يبدو وكأنّها تعدّلت بالطريقة نفسها أيضاً.
في تجارب سابقة، وكان باحثون آخرون نجحوا في حفظ قطع من نسيج غدد الأفاعي السمية، ولكنّها لم تعِش لمدّة طويلة. أمّا الغدد المصغّرة المصنّعة في المختبر، فتتّسم بالثّبات ويمكن إنتاجها بالملايين.
- فوائد علاجية
قد تكون فكرة تنمية أحد المختبرات لسمّ الأفاعي بكميات كبيرة منفرة بعض الشيء، ولكنّ هذه الغدد المصغّرة قد تحمل فوائد كثيرة. تُعتبر لدغات الأفاعي، التي تقتل بين 81 ألف شخص و138 ألف شخص سنوياً، الأزمة الصحية الخفيّة الأكبر في العالم، لأنّ مصير المصاب غالباً ما يكون الموت أو العيش مع إعاقة دائمة. تواجه الأبحاث العلمية التي تركز على سمّ الأفعى نقصاً في التمويل بسبب صعوبتها، حيث إن السمّ المستخدم يجب أنّ «يُحلب» من أفاعي حيّة في عملية خطرة جداً وشاقّة. علاوة على ذلك، توجد الآلاف من أنواع الأفاعي السامّة، الكثير منها نادر ويصعب جمعه.
وإذا نجح كليفرز وفريقه بصناعة غدد سميّة من أنواع كافية، ستنتفي الحاجة إلى هذا العمل الشاق. كما ستتوفّر للباحثين مخزونات جاهزة من الغدد والسمّ، وبذلك، سيتمكّنون من دراسة جوانب كثيرة بسهولة تامّة، أبرزها إنتاج السمّ ومتغيّراته بين مختلف الأنواع، وتأثير هذه المتغيّرات على خطورة اللدغة وفاعلية المصل المضاد لها.
يعمل كليفرز وزملاؤه اليوم على إنشاء مكتبة تحتوي على غدد سميّة مصغّرة من نحو 50 نوعا من الأفاعي. ويدّعي كليفرز أنّه وفريقه قادرون على «إنتاجها وإرسالها حول العالم، ليحصل الجميع على فرصة إجراء الأبحاث التي يريدونها».
يعتبر مصل السمّ العلاج الوحيد المعتمد والمثبت للدغات الأفاعي. ولصناعة المصل، يعتمد الخبراء تقنية واحدة لم تتغيّر منذ عقود، ترتكز على جمع السمّ من الأفاعي الحيّة، وحقنه في الأحصنة، وحصاد الأجسام المضادّة التي ينتجها الحيوان. ولكنّ الغدد المصغّرة تقدّم مقاربة أكثر حداثة: يستطيع العلماء استخدام هذه الغدد الصغيرة لإنتاج سموم محدّدة، ومن ثمّ فحص الجزيئات التي تبطل مفعول هذه السموم. يقول نيكولاس كيسويل، من مدرسة ليفربول لطب المناطق الحارة، والذي شارك كليفرز في العمل على هذا المشروع: «صحيح أن المكاسب المنتظرة من هذه التقنية لضحايا لدغات الأفاعي لا تزال على بعد سنوات من اليوم، ولكنّ هذه الغدد السميّة المصغّرة ستزوّدنا بأداة فعّالة جديدة للتقدّم بدراسات لدغات الأفاعي نحو تحقيق هذا الهدف».
- تطويرات جديدة
ويأتي هذا البحث في وسط أزمة حقيقية يعاني منها العالم في توفّر مصل سمّ الأفاعي. فقد تخلّت شركات صناعة الأدوية عن مساهمتها في هذه السوق، وتراجع إنتاج المصل إلى النصف، وارتفعت تكلفة صناعته، فضلاً عن أنّ تراخي المعايير التنظيمية لهذه الصناعة يعني أن الكثير من المنتجات غير فعالة وغير آمنة.
تساهم الغدد السمية المصغّرة في حلّ بعض هذه التحديات من خلال توفير فرصة لصناعة مصل دون الحاجة إلى حلب الأفاعي الحيّة. من جهتها، ترى أنيتا مالهورتا من جامعة بانغور، أهمية كبيرة في مقارنة تكلفة إنتاج السمّ بواسطة هذا النظام بتكلفة شرائه محلوباً من الأفاعي الحيّة، لا سيما أن سعر المصل يشكّل عقبة أمام توسيع استخدامه في دول كالهند ونيجيريا تعتبر فيها لدغات الأفاعي مشكلة خطيرة.
وكشف كارتيك سوناغار، من المعهد الهندي للعلوم، أنّ الأفاعي التي تنتمي إلى الأنواع نفسها قادرة على إنتاج خلطات مختلفة من السمّ بحسب المكان الذي توجد فيه. يرتّب هذا الأمر مشكلة حقيقية على اعتبار أنّ المصل المستخدم في الهند يُصنع من أفاع تُجمع من منطقة واحدة في البلاد، وقد يكون غير قادر على إبطال مفعول اللدغات التي تحصل في مناطق بعيدة. وشدّد سوناغار على أنّ هذه التقنية ستغيّر قواعد اللعبة في حال نجح الباحثون في صناعة غدد مصغّرة من أنواع أفاع توجد في مناطق متباعدة جغرافياً، وخاصّة إذا أثبتت هذه المقاربة فاعلية أكبر على صعيد الكلفة من إنشاء مراكز إقليمية لجمع السمّ.
في الوقت الحالي، يعتزم كليفرز وطلّابه تجربة إنتاج أعضاء مصغّرة من حيوانات أخرى. وكشفوا أنّهم سيحاولون تنمية غدد دموع التماسيح التي قد تلعب دور الكلى المنتجة للملح، وقد تنطوي على بعض المكاسب الهامّة. وبناء على اقتراح زميل صيني، يرغب الفريق البحثي في تجربة الغدد اللعابية لطائر يستخدم لعابه في تمتين عشّه، الذي يُستخدم بدوره في إعداد «حساء عشّ الطير»، أحد أغلى الأطباق الحيوانية في العالم.

- «ذا أتلانتك أونلاين»،
خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

صحتك الحليب الذهبي من المشروبات الدافئة لتهدئة الجسم وتحسين النوم (جامعة أريزونا)

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

تزداد الحاجة إلى الاسترخاء في ليالي الشتاء الباردة، وقد يكون كوب من المشروب الدافئ هو الطريقة المثالية لتهدئة الجسم والعقل قبل النوم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك يُنصح بإعطاء لقاح الحزام الناري للأشخاص بعد سن الخمسين (جامعة هارفارد)

لقاح ينجح في إبطاء الشيخوخة البيولوجية لدى المسنين

كشفت دراسة أميركية أن لقاح الحزام الناري لا يقتصر دوره على الوقاية من المرض فحسب؛ بل قد يسهم أيضاً في إبطاء الشيخوخة البيولوجية لدى كبار السن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك  أفضل حمية غذائية هي تلك التي تتناسب مع طبيعة جسمك (رويترز)

طبيب يكشف عن أكبر خطأ يرتكبه الناس عند اختيار نظام غذائي

كشف طبيب أميركي شهير لشبكة «فوكس نيوز» عن أكبر خطأ يرتكبه الناس عند اختيار النظام الغذائي وهو الاعتقاد بأن هناك «نظاماً واحداً يناسب الجميع»

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك شخص يمتطي حصاناً خلال المشاركة في مسابقة على الثلج بهولندا (إ.ب.أ)

كيف تؤثر رياضة ركوب الخيل على مرضى السكري؟

كل من امتطى صهوة جواد وأمسك بزمامه يعرف ذلك الشعور الفريد. إنه شعورٌ يجعلك تجلس منتصب القامة، مفعماً بالفخر؛ حيث تحس باتحادٍ عميق مع كائن حي آخر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممارسة الرياضة في سن المراهقة قد تقلل خطر الإصابة بسرطان الثدي (أ.ف.ب)

ممارسة المراهِقات للرياضة قد تحميهن من سرطان الثدي

أظهرت دراسة حديثة أن ممارسة الرياضة في سن المراهقة قد تُسهم في تقليل خطر الإصابة بسرطان الثدي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.


باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»
TT

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

تقول برينا هين Brenna Henn، عالمة الوراثة في جامعة كاليفورنيا-ديفيس: «في مختبري، نحن نهتم بتوصيف التنوع البشري، وخاصةً لدى السكان الذين يعيشون في أفريقيا، أو المتحدرين منها. وأحد الأمور التي أردنا معالجتها هو التركيز المفرط على الطب الجيني الشخصي. والفكرة هي أنه عند إجراء تسلسل الجينوم، يمكن بعد ذلك دراسته بالنسبة لأمراض القلب أو السل -اختر مرضك المفضل- وسنتمكن من إعطائك درجة تُشير إلى مدى احتمالية إصابتك بهذه الأمراض».

نتائج متحيزة للجنس الأبيض

يُجرى معظم هذا العمل على الأوروبيين أو أحفادهم في الولايات المتحدة. عندما نُطبّق هذه الدرجات على مجموعات سكانية أخرى، لا تكون النتائج بنفس الكفاءة. وهذه مشكلة كبيرة، لأننا نُطوّر أداة سريرية لا تُجدي نفعاً إلا مع نصف الأشخاص الذين يراجعون أي عيادة في الولايات المتحدة.

وأحد أهدافنا هو فهم سبب ذلك. هل يعود ذلك إلى وجود طفرات فريدة لدى هؤلاء الأشخاص غير موجودة لدى الأوروبيين؟ أم أن لديهم نفس أنواع الجينات، ولكن تفاعلهم مع البيئة يختلف؟

دراسة الجينوم الأفريقي

في عام 2019، حصلتُ على منحةٍ للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية من المعاهد الوطنية للصحة. جمعنا نحو 3600 جينوم من مجموعات سكانية من أصول أفريقية، سواء في القارة الأفريقية، أو في الأميركتين. وقدّمْنا 80 عينة جمعناها في جنوب أفريقيا من مجموعةٍ بالغة الأهمية تُدعى الخويسان Khoisan التي يتميز أفرادها بتنوّعٍ جينيٍّ يفوق أيّ مجموعةٍ بشريةٍ أخرى. أستمتعُ بوجودي في هذه المجتمعات، وأُحبّ التحدث مع أهلها.

نموذج لتطور الإنسان المبكر

ساعدتنا هذه البيانات في وضع نموذجٍ جديدٍ لتطور الإنسان المبكر في أفريقيا. لطالما ساد اعتقادٌ بأنّ الإنسان نشأ في موقعٍ واحدٍ فقط في أفريقيا. لكنّ ظهور جنسنا البشريّ على الأرجح كان أوسع نطاقاً في أفريقيا.

ورغم أن منحتي كانت قابلة للتجديد كل خمس سنوات، فقد تعطلت الموافقة عليها ثم ظل الطلب معلقاً من ديسمبر (كانو الأول) 2024 إلى سبتمبر (أيلول) 2025.

إخفاقات التمويل أوقفت الأبحاث

ثم قيل لنا: «لا يمكن تحديد سياسة معينة. ولكن نظراً لأن طلبكم يتضمن تعاوناً مع جنوب أفريقيا، فلن يتم تمويله». هذا كل ما جاء في البريد الإلكتروني.

إنني أشعر بخيبة أمل شديدة. كان أحد أهدافنا نشر قاعدة بيانات ضخمة للجينومات الأفريقية. سيكون هذا المورد متاحاً لآلاف الباحثين في مجال الطب الحيوي في الولايات المتحدة، والعالم. الآن لا أملك المال الكافي لاستضافة البيانات، أو إجراء التحليلات. لديّ 200 تيرابايت من البيانات مُخزّنة على خادم كمبيوتري في كيبيك. إنه لأمرٌ مؤسفٌ للغاية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»