مسلمو أوروبا يشعرون بالضغوط بسبب شبهة الإرهاب

مخاوف ترتبط بـ«القاعدة» منذ هجمات سبتمبر.. واليوم تتأكد بسفر المئات إلى «داعش»

عليسيف سيران الطالب في جامعة كوبنهاغن اتهم بالإرهاب بمحض الصدفة بسبب لحيته  وحقيبة غامضة يحملها وكتاب ما حول الإرهاب (واشنطن بوست)
عليسيف سيران الطالب في جامعة كوبنهاغن اتهم بالإرهاب بمحض الصدفة بسبب لحيته وحقيبة غامضة يحملها وكتاب ما حول الإرهاب (واشنطن بوست)
TT

مسلمو أوروبا يشعرون بالضغوط بسبب شبهة الإرهاب

عليسيف سيران الطالب في جامعة كوبنهاغن اتهم بالإرهاب بمحض الصدفة بسبب لحيته  وحقيبة غامضة يحملها وكتاب ما حول الإرهاب (واشنطن بوست)
عليسيف سيران الطالب في جامعة كوبنهاغن اتهم بالإرهاب بمحض الصدفة بسبب لحيته وحقيبة غامضة يحملها وكتاب ما حول الإرهاب (واشنطن بوست)

في قارة يستنكر فيها زعماء المسلمين في أوروبا زيادة حالات العدوان والتمييز التي يتعرضون لها، يأتي عليسيف سيران إرهابيا بمحض الصدفة.
قفز عليسيف، الطالب في جامعة كوبنهاغن، البالغ من العمر 21 عاما، في قطار الركاب ذات صباح في تلك المدينة الإسكندنافية الفاخرة، معتمرا حقيبته على ظهره، يحمل فيها طابعة حاسوبه الشخصي. يساوره الكثير من القلق حيال اختبار اليوم في الجامعة، ويشعر بعصبية متزايدة أثناء مطالعته لكتاب على حاسوبه المحمول، وكان بعنوان «الولايات المتحدة بعد الـ11 من سبتمبر».
أحد رفاقه من ركاب القطار، الذي أبلغ الشركة عن عليسيف، برغم كل شيء، لم يرَ منه إلا لحية المسلم الذي يعتمر حقيبة غامضة وكتابا ما حول الإرهاب. ومن ثم، شنت السلطات الدنماركية المحمومة حملة مطاردة شعواء في جميع أرجاء المدينة، عقب تلقيهم المعلومة المذكورة. وسرعان ما انتشرت صورة لوجه الطالب سيران، التي التقطتها كاميرات المراقبة، عبر شبكة الإنترنت والتلفزيون الوطني، مما أثار هلع عائلة الطالب وأصدقائه الذي كانوا يخشون من إلقاء القبض عليه، أو أن تطلق الشرطة عليه النار فور رؤيته.
يقول سيران الذي اتصل بالشرطة عندما شاهد صورته في الأخبار، ومن ثم اختبأ في حمامات الجامعة حتى وصول الشرطة: «كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى والدي فيها باكيا، لقد كان شديد القلق عليّ. أعتقد أن ما حدث معي يعكس حالة الرعب المتزايدة من الإسلام هنا. يعتقد الجميع أننا جميعا إرهابيون».
إن المحنة التي مر بها سيران ليست إلا إشارة من إشارات أوروبا العصر الحديث، حيث يتواجه المسلمون بما يقارنه بعض قادة المجتمعات المحلية بالمحيط العام في الولايات المتحدة عقب هجمات الـ11 من سبتمبر لعام 2001.
ومن ثم، ترتبط تلك المخاوف على الفور بتنظيم القاعدة. واليوم، ترتبط بتنظيم «داعش»، وأيضا، وبصورة أكثر تحديدا، تُعزى إلى المئات من الشباب المسلم في أوروبا، الذين انطلقوا إلى سوريا والعراق للمشاركة في القتال. ورغم أن العشرات من الشباب المسلم الأميركي يُعتقد مشاركتهم في القتال، فإن التقديرات تفيد بأن أكثر من 3 آلاف شاب من أوروبا انضموا إلى القتال، وفقا إلى مجموعة صوفان، وهي مؤسسة بحثية معنية بشؤون الاستخبارات، وتتخذ من مدينة نيويورك مقرا لها.
وقد نظم أحد الفرنسيين العائدين من القتال هجوما مميتا في بلجيكا، العام الماضي، وعقب إحباط كثير من المخططات الإرهابية أخيرا في النرويج وبريطانيا، فإن المخاوف من الأخطار الحقيقية التي يشكلها المتشددون المحليون تتصاعد إلى ذروتها بين جموع السياسيين الأوروبيين، ووسائل الإعلام والجمهور على حد سواء.
تقول السيدة ماري كراروب، وهي من المشرعين البارزين لدى حزب الشعب الدنماركي، وهو ثالث أكبر القوى السياسية في البلاد: «إنه صراع الحضارات».
ويشير قادة المسلمين إلى سلسلة من الحوادث المهمة ودفعة جديدة لحزمة من القوانين المقيدة للممارسات الإسلامية، مثل الختان، مما يوحي بأن تلك المخاوف تتخطى الحدود إلى دائرة التعصب.
وفي ألمانيا، شهد أحد الاحتجاجات ضد الأصولية الإسلامية في مدينة كولونيا أحداث عنف، حين هتف الآلاف من المتظاهرين يقولون: «اطردوا الأجانب»، ومن ثم وقعت الاشتباكات مع الشرطة، التي خلفت عشرات الجرحى.
ويشير زعماء المسلمين كذلك إلى سلسلة من الأحداث الأخيرة وقعت في ألمانيا، بدءا من إهانات موجهة إلى النساء المحجبات في الشوارع، إلى إلقاء زجاجات المولوتوف الحارقة على أحد المساجد في شهر أغسطس (آب) الماضي.
وفي بريطانيا، نقلت الصحف عن السيد بوريس جونسون عمدة مدينة لندن قوله: «الآلاف من سكان لندن يخضعون للمراقبة حاليا للاشتباه بهم كإرهابيين محتملين». وفي العاصمة الفرنسية باريس خلال الأسبوع الماضي، طُردت امرأة مسلمة بشكل غير رسمي من عرض «لا ترافياتا» في أوبرا الباستيل لمجرد أنها ترتدي زيا إسلاميا يحجب وجهها.
ورغم أن فرنسا قد مررت حظرا على ارتداء النساء المسلمات للحجاب الكامل في الأماكن العامة، اعتبارا من عام 2010، فإن تلك الحادثة تتضمن إنفاذا نادرا للقانون من قبل إدارة خاصة لم تتخذ الخطوات القانونية من استدعاء الشرطة أولا.
ويقول المسلمون المعتدلون إنهم يتعرضون للمزيد من الضغوط والهجوم، وخصوصا في الصحافة والإعلام الأوروبي، حيث جاء تعليق أخير في صحيفة «بيلد» الألمانية يدين، على سبيل المثال، «معدلات الجريمة غير المتناسبة بين المراهقين من ذوي الخلفيات الإسلامية»، فضلا عن الازدراء القاتل تجاه النساء والمثليين جنسيا.
يقول علي كيزيلكايا رئيس المجلس الإسلامي في ألمانيا: «تلك هي الساعة التي ينخرط فيها منتقدو الإسلام في هجمة لاذعة ضد الإسلام بلا رادع».
والمزاج العام الحالي، على حد ما يصفه زعماء المسلمين، هو تحول طفيف مفاجئ أكثر منه تفاقما في المناخ العام، الذي ظل يشهد حالة من التآكل عبر السنوات الماضية.
بعد التفجيرات التي انتقلت بين العاصمة الإسبانية مدريد والبريطانية لندن حاصدة أرواح المئات من المواطنين الأبرياء، في منتصف القرن الـ20، واجه المسلمون في أوروبا المزيد من الضغوط والانتقادات، فلقد واجه المجتمع المسلم هناك تحدي عدم القدرة (أو عدم الرغبة) لدى كثير من المهاجرين المسلمين، وكذا أطفالهم، في الاندماج داخل المجتمعات الأوروبية التقدمية. وخلال السنوات الأخيرة، مررت كل من فرنسا وبلجيكا قوانين تحظر على المسلمات ارتداء الحجاب الكامل. ومنعت سويسرا كذلك بناء مآذن جديدة للمساجد على أراضيها. وفي بريطانيا، تصاعدت حدة المشاعر السلبية في شهر مايو (أيار) الماضي إثر مقتل الجندي البريطاني في لندن على يد اثنين من المتطرفين المحليين. وبعد حادثة القتل، قالت السيدة عاصمة شيخ (36 عاما)، وهي أم لاثنين وتساعد أخاها في متجر لبيع الملابس الإسلامية، شمال غربي لندن، إن إطارات سيارتها تعرضت للثقب وكتبت عبارة «عودوا لبلادكم»، على زجاج السيارة الأمامي.
وخلال هذا العام، كما تقول، أدى صعود تنظيم «داعش»، وهي الجماعة المتطرفة المعروف بذبح وصلب المعارضين، وتنفيذ عمليات الإعدام الجماعية، إلى تفاقم الحالة العامة ضد المسلمين.
وتقول: «إنهم يسمونني (الرجل الوطواط)، وينعتوني بالجهادية»، ويسألونني: «ما الذي تخفينه تحت وشاحك هذا؟».
وشهدت بلدان قليلة في المنطقة نقاشات أكثر ضراوة حول الإسلام من الدنمارك، التي صارت مصب غضب المسلمين في عام 2006، بعد نشر رسوم كاريكاتيرية ساخرة تسيء للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في إحدى الصحف الدانمركية.
وفي الآونة الأخيرة، غادر الدانمرك ما يقرب من مائة مسلم، ومعظمهم من الشباب، متجهين للقتال في سوريا والعراق.
وقد أشاد التقدميون بإحدى البرامج في مدينة آرهوس، الذي يحاول مساعدة العائدين من الجهاد عن طريق إيجاد فرص عمل لهم وتوفير أماكن في المدارس والجامعات. ولكن على الصعيد الوطني، يقول زعماء المسلمين والقادة السياسيون التقدميون في الدنمارك إن التوترات تتصاعد وسط الجدل المحتدم بين الجمهور حول الإسلام نفسه.
وفي وقت سابق من هذا العام، فرضت الدنمارك قيودا جديدة على التقاليد الإسلامية من الذبح الحلال، ويناقش المشرعون الوطنيون حاليا قانونا من شأنه أن يفرض قيودا جديدة على الختان الديني، وهو خطوة قد تؤثر على المسلمين واليهود على حد سواء. ويطالب بعض السياسيين بحظر جديد على الهجرة الوافدة من الدول الإسلامية.
وبعض الشباب المسلم مثل سيران، وهو طالب يدرس اللغة الإنجليزية والماندرين الصينية، ويعمل معلما للشبان البائسين، وهو نجل لمهاجر تركي إلى الدنمارك، بدأوا التفكير بعمق في جدوى، والحكمة من البقاء في البلاد، حيث يقول: «الوصمة التي تلازم المسلمين تزداد سوءا مع الوقت، ولقد فكرت في الانتقال إلى السويد عبر الحدود مع الدنمارك. أشعر أنني هنا، كما يقولون إن الاندماج يساوي التخلي عن القيم الدينية، وأنا لا أتفق مع ذلك».

* خدمة «واشنطن بوست»



«المالية اليمنية» تتمسك بالمركزية لحماية الإيرادات

اجتماع سابق في واشنطن بين وزارة المالية اليمنية ومسؤولين بصندوق النقد (إعلام حكومي)
اجتماع سابق في واشنطن بين وزارة المالية اليمنية ومسؤولين بصندوق النقد (إعلام حكومي)
TT

«المالية اليمنية» تتمسك بالمركزية لحماية الإيرادات

اجتماع سابق في واشنطن بين وزارة المالية اليمنية ومسؤولين بصندوق النقد (إعلام حكومي)
اجتماع سابق في واشنطن بين وزارة المالية اليمنية ومسؤولين بصندوق النقد (إعلام حكومي)

اعترضت وزارة المالية اليمنية على جملة من التوصيات المالية التي خرج بها مؤتمر تعزيز اللامركزية الذي نظمته وزارة الإدارة المحلية في العاصمة المؤقتة عدن، مؤكدة أن بعض المقترحات المطروحة تتعارض مع الدستور والقوانين المالية النافذة، وقد تنعكس سلباً على جهود الإصلاح الاقتصادي والمالي التي تنفذها الحكومة بالتعاون مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية.

ويكشف الاعتراض الرسمي عن تباين في الرؤى بين الجهات المعنية بشأن حدود الصلاحيات المالية للسلطات المحلية وآليات إدارة الموارد العامة، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى توسيع دور الإدارات المحلية ضمن إطار إصلاحات إدارية ومؤسسية أوسع.

وفي خطاب وجهه وزير المالية مروان بن غانم إلى وزير الإدارة المحلية، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أكدت الوزارة «اعتراضها ورفضها التام» لما ورد في وثيقة «مصفوفة الإشكاليات والحلول المقترحة والمنهجية التنفيذية ومسار العمل» الصادرة عن مؤتمر الشراكة الخاص بآلية التفويض المرحلي أو الاستقطاع المباشر لنسب من الموارد السيادية لصالح السلطات المحلية.

صورة من خطاب اعتراض المالية اليمنية (الشرق الأوسط)

وأوضح الوزير أن المقترحات الواردة في الوثيقة تتعارض مع الدستور والقانون المالي والتشريعات والقرارات النافذة، مشيراً إلى أن تبني مثل هذه التوصيات قد يتعارض مع الالتزامات التي قطعتها الحكومة أمام المؤسسات المالية الإقليمية والدولية والجهات المانحة، ويؤثر على الثقة ببرامج الإصلاح الاقتصادي والمالي الجارية.

وطالبت وزارة المالية باستبعاد أي مقترحات أو مشاريع أو قرارات تمس الإيرادات السيادية أو تتعارض مع القوانين والتشريعات المنظمة للإدارة المالية العامة، مؤكدة ضرورة التنسيق المسبق معها في أي إجراءات تتعلق بالموارد العامة أو سياسات التمويل الحكومي.

اعتراضات قانونية

رأت الوزارة أن القرارات الواردة في المحور المالي للمؤتمر تفتقر إلى الواقعية، لأنها تعاملت مع القضايا المالية والاقتصادية بوصفها شأناً إدارياً يمكن معالجته من خلال التوافقات بين السلطات المحلية والوزارات المعنية، متجاهلة - حسب الخطاب - الأحكام المنظمة للعمل المالي الحكومي.

كما انتقدت وزارة المالية قيام وزارة الإدارة المحلية بمخاطبة بعض الوزارات والمحافظات لحصر الإشكالات المالية القائمة بين السلطات المركزية والمحلية من دون التنسيق المسبق معها أو مع الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، عادّةً أن النتائج التي بُنيت عليها التوصيات لا تمثل مرجعية دقيقة لتحديد المشكلات المالية الفعلية.

وأكدت أن معالجة القضايا المرتبطة بالتمويل المحلي وإدارة الموارد يجب أن تستند إلى الأطر المؤسسية والقانونية المعتمدة، بما يضمن تكامل الجهود مع برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي الذي تتبناه الحكومة.

جانب من مؤتمر عقد في عدن لتعزيز اللامركزية (إعلام حكومي)

ومن أبرز النقاط التي أثارت اعتراض وزارة المالية، المقترح المتعلق باستقطاع ما بين 30 و50 في المائة من بعض الإيرادات المركزية السيادية وتحويلها مباشرة إلى حسابات السلطات المحلية.

وعدّت الوزارة أن هذا التوجه يمثل مخالفة صريحة للدستور والقانون المالي والتشريعات النافذة، مشددة على أن الإيرادات السيادية تخضع لمنظومة مالية ورقابية متكاملة تنظم تحصيلها وتوريدها وإنفاقها ضمن الموازنة العامة للدولة.

وأضافت أن مجرد مناقشة مثل هذه المقترحات في مؤتمر أو ورشة عمل لا يمنحها أي صفة قانونية، مؤكدة أن تطبيقها من شأنه التأثير على وحدة المنظومة المالية والرقابية والمؤسسية، وما يرتبط بها من اعتبارات اقتصادية وإدارية.

وبيّن خطاب الوزير بن غانم أن طرح قضايا تنظيم الأوعية الإيرادية وموازنات السلطة المحلية وآليات تدفق الموارد ضمن مسارات التوافق في ورش العمل يمثل تجاوزاً للاختصاصات المحددة قانوناً، على أساس أن إعداد الموازنة العامة وتحديد سقوف الإنفاق وآليات التمويل من الصلاحيات الحصرية لوزارة المالية.

تداعيات محتملة

أكدت وزارة المالية اليمنية أن المقترحات المطروحة تتعارض كذلك مع قانون السلطة المحلية ولائحته التنفيذية اللذين حددا بصورة واضحة الأوعية الإيرادية الخاصة بالسلطات المحلية وآليات تحصيلها وتوريدها، مشيرة إلى أن أي تعديلات في هذا الجانب تتطلب إجراءات تشريعية تمر عبر المؤسسات الدستورية المختصة.

وامتد اعتراض وزارة المالية إلى ما وصفته بقيام اللجنة الفنية بصياغة حلول ومصفوفات غير واقعية فيما يتعلق بالمحور المالي، بما يتعارض مع القوانين والقرارات النافذة، بما في ذلك قرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لسنة 2025.

التعارض بين الاختصاصات يعرقل تعزيز اللامركزية في اليمن (إعلام حكومي)

وحذرت الوزارة من أن المضي في مثل هذه التوصيات قد يؤدي إلى إعاقة جهود الإصلاح الاقتصادي والمالي التي تبذلها الحكومة، ويؤثر على استدامة المالية العامة وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.

ويأتي هذا الجدل في وقت تزداد فيه المطالب بتوسيع صلاحيات السلطات المحلية وتمكينها من إدارة موارد أكبر، في مقابل تمسك الجهات المالية المركزية بضرورة الحفاظ على وحدة السياسة المالية للدولة، وضمان انسجام أي إصلاحات مقترحة مع القوانين النافذة، ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي.

ويرى مراقبون أن نجاح مشروع اللامركزية في اليمن سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على إيجاد توازن بين تعزيز دور السلطات المحلية والحفاظ على الانضباط المالي والإداري في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.


الحكومة اليمنية تعيد هيكلة المؤسسات الإيرادية

جانب من اجتماع سابق للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
جانب من اجتماع سابق للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تعيد هيكلة المؤسسات الإيرادية

جانب من اجتماع سابق للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
جانب من اجتماع سابق للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

دفعت الحكومة اليمنية بمرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، عبر سلسلة قرارات شملت إعادة ترتيب القيادات في وزارة المالية ومصلحتَي الضرائب والجمارك، بالتوازي مع تحركاتٍ يقودها البنك المركزي لتطوير البنية المصرفية وتعزيز كفاءة الخدمات المالية، في مسعى لمعالجة الاختلالات المتراكمة ورفع قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الموارد العامة.

وأصدر رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين شائع الزنداني حزمة من القرارات الإدارية شملت تكليف عدد من القيادات بوزارة المالية والهيئات الإيرادية التابعة لها، في خطوةٍ قالت الحكومة إنها تأتي ضمن برنامج متكامل للإصلاح الاقتصادي والمالي يستهدف تحسين الأداء المؤسسي ورفع كفاءة تحصيل الإيرادات.

وشملت القرارات تعيين قيادات جديدة في مصلحة الضرائب، من بينها رئيس للمصلحة ومدير للوحدة التنفيذية للضرائب على كبار المكلفين ومدير لمكتب الضرائب في العاصمة المؤقتة عدن، إلى جانب تعيين مستشارين لرئاسة المصلحة.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

كما تضمنت القرارات إعادة ترتيب عدد من المواقع القيادية في مصلحة الجمارك، شملت وكلاء ووكلاء مساعدين ومديري جمارك في عدن والمنطقة الحرة، بالإضافة إلى مستشارين لرئاسة المصلحة، في إطار توجه حكومي لإعادة تنشيط الأجهزة الإيرادية وتعزيز دورها في دعم الموارد العامة.

إصلاحات إدارية

تأتي هذه التغييرات في وقتٍ تواجه فيه الحكومة تحديات مالية واقتصادية متزايدة، أبرزها تراجع الإيرادات العامة والضغوط المرتبطة بتمويل الخدمات الأساسية ودفع الرواتب، فضلاً عن التداعيات المستمرة للأزمة اليمنية على النشاط الاقتصادي.

ووفق الحكومة اليمنية، فإن القرارات تندرج ضمن مسار إعادة هيكلة المؤسسات المالية والإيرادية وتطبيق مبادئ التدوير الوظيفي، بما يتيح الاستفادة من الخبرات والكفاءات الوطنية ويعزز الشفافية والمساءلة في العمل الحكومي.

وأكد مصدر حكومي أن هذه التعيينات جاءت عقب عملية تقييم شاملة للأداء المؤسسي والقيادي داخل وزارة المالية ومصلحتي الضرائب والجمارك، وبما يتوافق مع أولويات المرحلة الحالية ومتطلبات برنامج الإصلاحات الاقتصادية الذي تتبناه الحكومة.

وأشار المصدر إلى أن الإجراءات الجديدة تمثل جزءاً من جهود تنفيذ أولويات الإصلاح الاقتصادي التي أقرّها مجلس القيادة الرئاسي، والهادفة إلى تعزيز الحوكمة وتحسين كفاءة تحصيل الإيرادات وتطوير أدوات الرقابة على الموارد العامة.

ويرى مسؤولون اقتصاديون أن نجاح هذه التغييرات سيظل مرتبطاً بقدرة القيادات الجديدة على معالجة الاختلالات المزمنة في الإدارة الضريبية والجمركية، وتطوير آليات العمل بما يسهم في الحد من التهرب الضريبي ومكافحة التهريب ورفع مستوى الانضباط المالي.

تحديث القطاع المصرفي

بالتوازي مع هذه الخطوات، عقد البنك المركزي اليمني اجتماعاً موسعاً في العاصمة المؤقتة عدن، برئاسة المحافظ أحمد أحمد غالب، لمناقشة أوضاع القطاع المصرفي وآليات تطوير أنظمة العمل المالي والمصرفي.

وضم الاجتماع قيادات البنوك التجارية والإسلامية وبنوك التمويل الأصغر، وركز على استكمال إجراءات الربط والتكامل بين المؤسسات المصرفية ومزوّدي الخدمات المالية، في ضوء قرار البنك المركزي اعتماد الشبكة الموحدة قناة رئيسية لتنفيذ التحويلات المالية.

وناقش المشاركون التحديات الفنية والتشغيلية التي تواجه بعض الخدمات المصرفية، إضافة إلى الخيارات المتاحة لمعالجة الإشكالات التي تعترض سير العمل، بما يضمن استمرار الخدمات المقدَّمة للمواطنين والقطاع التجاري.

واستعرض الاجتماع جملة من البدائل الفنية والتشغيلية الرامية إلى تطوير أداء الشبكة الموحدة وتوسيع نطاق خدماتها، مع الاتفاق على المُضيّ في اختيار الحلول الأكثر كفاءة لضمان انسيابية العمليات المصرفية وتقليل التكاليف التشغيلية والحفاظ على سلامة البنية التقنية للقطاع.

اجتماع للقطاع المصرفي نظّمه البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

ومِن بين أبرز الملفات التي ناقشها الاجتماع استعداد البنوك للتعامل عبر منصة «بلومبرغ» الخاصة بتداول العملات الأجنبية بين البنوك، والمقرر بدء العمل بها مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

كما شدد الاجتماع على ضرورة التزام البنوك بالمعايير الرقابية والاحترازية ومتطلبات الامتثال الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المالية، بوصفها ركائز أساسية للحفاظ على سلامة النظام المصرفي وتعزيز الثقة المحلية والدولية به.

وأكد محافظ البنك المركزي أهمية استمرار التنسيق بين مختلف مكونات القطاع المصرفي والعمل بصورة مشتركة لمواجهة التحديات الراهنة، وضمان استقرار النشاط المالي واستمرار تقديم الخدمات المصرفية للمواطنين والقطاع الخاص بكفاءة وموثوقية.


في غياب الإغاثة واستهتار الحوثيين... الموت جوعاً للنازحين اليمنيين

يمنيات يواجهن ظروفاً معقدة في مخيمات النزوح بخاصة أثناء الحمل والولادة (الأمم متحدة)
يمنيات يواجهن ظروفاً معقدة في مخيمات النزوح بخاصة أثناء الحمل والولادة (الأمم متحدة)
TT

في غياب الإغاثة واستهتار الحوثيين... الموت جوعاً للنازحين اليمنيين

يمنيات يواجهن ظروفاً معقدة في مخيمات النزوح بخاصة أثناء الحمل والولادة (الأمم متحدة)
يمنيات يواجهن ظروفاً معقدة في مخيمات النزوح بخاصة أثناء الحمل والولادة (الأمم متحدة)

كشفت وفاة زوجين يمنيين بسبب الجوع في أحد مخيمات النزوح، بمناطق سيطرة الحوثيين، عن تسارع خطير في وتيرة التدهور الإنساني والصحي، بعد سلسلة من التحذيرات الأممية عن تنامي الجوع الذي يهدد ملايين السكان، وبالتزامن مع توزيع الجماعة مواد غذائية تالفة وسخرية قادة فيها من صراخ الجوعى.

فمنذ أيام تدهورت الحالة الصحية لأرملة المسن عبد الله مستباني المتوفى منذ أسابيع قبل أن تلحق به، نتيجة سوء التغذية الحاد وافتقاره للرعاية الصحية الأساسية في مخيم للنزوح في مديرية عبس بمحافظة حجة (شمال غرب)، رغم المناشدات التي أُطلقت لتوفير الغذاء والدواء اللازمين لإنقاذ حياتها، في حين يحذر ناشطون محليون من وضع أشبه بالمجاعة.

وذكر ناشطون محليون أن مستباني توفي منتصف مايو (أيار) الماضي بعد أشهر من المرض وسوء التغذية، رغم المطالبة بالتدخل وتقديم المساعدة لإنقاذ حياته، لتأتي وفاة زوجته، أخيراً، معيدة تسليط الضوء على اتساع رقعة الجوع والمرض داخل مخيمات النزوح وما تفرضه الأوضاع الإنسانية المتدهورة من أعباء على الأسر الفقيرة.

الأطفال يدفعون ثمناً باهظاً بسبب تدهور الوضع الإنساني في اليمن (الأمم المتحدة)

وبينما يؤكد الناشطون اليمنيون أن معاناة مستباني وزوجته مع المرض والجوع كانت مشتركة واستمرت لأشهر عديدة، يشيرون إلى أن الجماعة الحوثية والجهات الإغاثية التابعة لها تجاهلت مأساتهما والمناشدات التي أطلقت لإنقاذهما.

وجاءت واقعة وفاة المرأة بعد أسبوعين فقط من إعلان الأمم المتحدة، أواخر الشهر الماضي، عن ظهور جيوب مجاعة في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع تسجيل أعلى معدل عالمي للسكان الواقعين في المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة الطوارئ التي يرتفع فيها خطر الوفيات المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.

اختلالات اجتماعية

تتوقع الأمم المتحدة أن يواجه نحو 18.7 مليون شخص، يمثلون 53 في المائة من سكان اليمن، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد حتى نهاية العام الحالي.

يقول إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الاقتصادي والإنساني، إن جزءاً كبيراً من المجتمع اليمني مهدد بالفناء في قرابة 50 مديرية، في ظل تناقص معدل النمو السكاني في البلاد من 3.2 في المائة إلى 2.2 في المائة، وتراجع المانحين عن التمويل، مستغرباً عدم التدخل الإنساني، كما يلزم القانون الدولي لإنقاذ الأرواح.

أزمة النازحين داخلياً في اليمن من أكثر الأزمات تعقيداً حول العالم (الأمم المتحدة)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، اتهم القرشي العاملين في المجال الإنساني بالمغالطة في معالجة مؤشرات المجاعة وسوء التغذية من خلال تصميم برامج لا ترقى لمعالجة الكارثة، واحتكار الأمم المتحدة المكملات الغذائية الخاصة بسوء التغذية، وحرمان أي جهة من الحصول عليها، في حين تحولت هي إلى ضحية لممارسات الجماعة الحوثية.

وبين أن الجهات الإغاثية خارج إطار الأمم المتحدة لا تحصل علي المعلومات الموثوقة ولا البرامج المصممة بشكل فني ودقيق لمعالجة كل القضايا تقريباً، كما يتسبب في إهدار أموال طائلة بسبب عدم المعرفة بمتطلبات الأزمة، مشيداً بالدعم السعودي الذي يساهم في تخفيفها وسط تجاهل دولي تام.

ودعا إلى الأخذ بالاعتبار بوادر المجاعة في اليمن والنظر إلى سوء التغذية ككارثة يجب مواجهتها بشكل مباشر وفعال وبأسرع.

استهانة بمشاعر الجوعى

في غضون ذلك، أثارت تصريحات للقيادي الحوثي محمد مفتاح القائم بأعمال رئيس حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، والتي طالب فيها الجائعين إلى العمل بالمجان للقضاء على البطالة، غضباً وتهكماً واسعين.

وأبدى مفتاح استغرابه من انتشار مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يشكو فيها المستخدمون من الفاقة وانعدام فرص العمل ومصادر الدخل، ودعاهم إلى توفير المبالغ التي ينفقونها على الإنترنت، والخروج للعمل ولو بالمجان، لحل مشكلة البطالة.

وبينما يرى غالبية السكان أن تصريحات القيادي الحوثي، وتوزيع القمح الفاسد على السكان يمثل استهتاراً بالغاً بمعاناتهم وأمنهم الغذائي، طالب جمال بلفقيه، رئيس اللجنة العليا للإغاثة، الأمم المتحدة بإدانة ممارسات الجماعة التي أدت إلى مفاقمة الأزمة الإنسانية في اليمن، والتي لم تتوقف باختطاف الموظفين الأمميين المسؤولين عن أعمال الإغاثة وتقديم المساعدات.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة التي يرأسها ترصد الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق أعمال الإغاثة من سرقة المساعدات أو إحراقها كما حدث في صوامع الغلال في الحديدة، أو استخدامها للابتزاز من أجل إيقاف العمليات العسكرية للحكومة الشرعية.

يمنية تعدّ الطعام لعائلتها في ظل أوضاع معيشية فاقمها تراجع الإغاثة الأممية (الأمم المتحدة)

كما طالب بإعادة تنظيم العمليات الإغاثية من خلال رؤية استراتيجية لهذا النشاط، وانطلاق عمل المنظمات من المناطق المحررة التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية، وإيداع أموال المساعدات في البنك المركزي لدعم العملة المحلية، وتحويل المساعدات الإغاثية من سلال غذائية إلى مشروعات تنموية لدعم المجتمعات المحلية وتمكين الأفراد من الحصول على فرص العمل.

وكانت الجماعة الحوثية وزعت، خلال الأيام الماضية، دقيقاً فاسداً على عدد من العائلات المتضررة من تردي الأحوال المعيشية في العاصمة صنعاء وعددٍ من مناطق سيطرتها، بعد شرائه من أحد المستوردين في صفقة مشبوهة.