«الشرق الأوسط» تزور «قاع العالم» الذي تسعى إسرائيل إلى ضمه لحدودها

عرب غور الأردن يجهلون مصيرهم في الخطوة المقبلة

TT

«الشرق الأوسط» تزور «قاع العالم» الذي تسعى إسرائيل إلى ضمه لحدودها

في الطريق على طول الحدود الفلسطينية الأردنية، شرق الضفة الغربية، نفهم لماذا يتخذ الصراع في الأغوار شكلاً مختلفاً، أمنياً وسياسياً وسيادياً واقتصادياً ومائياً وجغرافياً وديموغرافياً، وفي مجمله يبدو وجودياً ومتعلقاً بالمستقبل.
هنا في «قاع العالم» المنطقة الأكثر انخفاضاً عن سطح البحر، وفيما يتأجج صراع سياسي وقانوني حول ضم المنطقة الفلسطينية لإسرائيل، وتأخذ التهديدات أبعد مدى ممكن، ثمة هدوء على الأرض لا يوازيه أي شيء آخر في باقي الضفة. لم نعرف إذا ما كان هدوء العاجزين في مواجهة القوة المحتلة، أو هدوءاً يسبق عاصفة الضم، وهي خطة قيد التنفيذ وافقت عليها الولايات المتحدة شرط أن تتم بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة الشهر المقبل.
وصلنا إلى أريحا الواقعة إلى شرق الضفة قادمين من بيت لحم الجنوبية مروراً بالطرق الالتفافية والحواجز الكثيرة والمستوطنات الجاثمة على أعالي الجبال القريبة من القدس، على طول طريق يصل إلى 50 كيلومتراً، ثم من أريحا إلى الأغوار على طول طريق ممتد على نحو 90 كيلومتراً، لم يعترضنا فيه سوى جنود وصلوا بالصدفة إلى بوابة كبيرة تفصل بين الضفتين الشرقية (المملكة الأردنية)، والغربية، وهي منطقة عسكرية مغلقة، كلَّفَنا دخولها الكثير من الوقت المهدور قبل أن يُسمح لنا بالمغادرة مجدداً.
كان الأردن على مرمى حجر، بيوت الأردنيين ومساكنهم وأراضيهم ومزارعهم وشوارعهم، لا يفصل بينها وبيننا سوى خطين من الأسلاك الشائكة وتحذير صارم من وجود ألغام أرضية وبعض المجسات، وهو واقع ما زال غير مهضوم بالنسبة إلى كثير من سكان المنطقة كانوا قبل الاحتلال الإسرائيلي يتناولون عشاءهم في المملكة ويعودون إلى فلسطين.
وجدتُ حسام ضراغمة يتنزه في منطقة قريبة بصحبة عائلته، قال إنه يغامر بالمجيء إلى هنا من أجل إثبات أن الأرض لا تزال لهم، بعد أن صادر الإسرائيليون منهم أكثر من 37 دونماً في المنطقة لدواعٍ أمنية أو بسبب تدريبات عسكرية. في هذه المنطقة يجري الإسرائيليون كثيراً من التدريبات العسكرية عادةً ما تكون سبباً لطرد أو إزعاج أو التنغيص على كثير من السكان.
وقال ضراغمة إن والده وجدّه كانا يتناولان عشاءهما في الأردن، يزوران الأصدقاء والأقارب هناك ويعودان إلى بيتهما على الضفة الأخرى. مضيفاً: «نحن هنا قبل هذا الاحتلال. قبل هذه الحدود والأسلاك والألغام». مضيفاً: «لم يكتفوا بذلك. الآن يريد الأميركان إعطاءهم المنطقة بالمجان».
وضراغمة واحد من ملايين الفلسطينيين ممن يرفضون الصفقة الأميركية التي حسمت أمر القدس والأغوار والمستوطنات لصالح إسرائيل. وتعترف الولايات المتحدة بموجب هذه الصفقة بضم إسرائيل للأغوار والمستوطنات، وهذا يعني أن تصبح الأغوار ضمن الحدود التي رسمتها إسرائيل لنفسها، وسيشمل ذلك ترتيبات قانونية جديدة.
بالنسبة إلى الفلسطينيين فإنه من نافلة القول إن كل شخص يريد أن يدخل إلى إسرائيل يحتاج إلى تصريح خاص، وبالتالي سينسحب هذا على الأغوار الواسعة بعد ضمها. وتشكل منطقة الأغوار 28% من مساحة الضفة الغربية (2070 كم2)، وتمتد على الجهة الشرقية للضفة الغربية، من عين جدي عند البحر الميت جنوباً، إلى ما يُعرف بـتل مقحوز على حدود بيسان شمالاً داخل الخط الأخضر، ومن نهر الأردن شرقاً حتى السفوح الشرقية للضفة الغربية غرباً.
وتعد هذه المنطقة أجزاء من حفرة الانهدام الأفروآسيوية وهي من أكثر بقاع الأرض انخفاضاً. وتقع على انخفاض نحو 380 متراً تحت سطح البحر. ومثل باقي الضفة الغربية، تقسم مناطق الأغوار الآن إلى «أ» و«ب» و«ج» حسب اتفاق أوسلو عام 1993، وأغلب الأراضي هناك هي مناطق «ج» ومناطق تدريب عسكرية.
لكنّ إسرائيل لا تريد ضم كل هذه المنطقة، ليست مدينة أريحا على سبيل المثال وليست طوباس ولا مناطق أخرى. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي إنه ينوي ضم 800 كم من الأراضي هناك، من دون أن يكون الأمر له أي علاقة بالفلسطينيين أو موافقتهم أو رأيهم. وأكد نتنياهو أن ذلك سيتم بالاتفاق مع الإدارة الأميركية في البيت الأبيض، ولا علاقة للفلسطينيين بالقرار. وأضاف وهو يزرع شجرة هناك خلال وجوده في منطقة الأغوار (بعد يومين من زيارتنا لها): «جلبنا إعلاناً من ترمب يقول إنه سيعترف بتطبيق السيادة في غور الأردن وشمال البحر الميت، والسيادة في جميع التجمعات في يهودا والسامرة (الضفة الغربية). لا يتعلق هذا الأمر بقرار الفلسطينيين، وسنفعل ذلك بالاتفاق مع الأميركيين».
لم يُخفِ نتنياهو أنه بدأ في رسم خرائط للأغوار، بل بدأت وزارة الداخلية الإسرائيلية، على ما أعلن وزير الداخلية أريه درعي، بالعمل على «القضايا البلدية والقانونية، التي ستترتب على تطبيق السيادة».

- هل سيخرجوننا؟
والخطة الإسرائيلية تشمل ضم 36 مستوطنة في المنطقة يعيش فيها نحو 9000 مستوطن، أقدمها هي «جفاعوت»، و«بينيت» منذ 1972، و«روتم» و«منجون» و«تيرونوت» و«روعي» و«شدمان» و«منجولا» وأيضاً بعض التجمعات العربية التي يعيش فيها 5000 فلسطيني، مثل المالح وخربة الحمصة وكردلة وبردلة وخربة الرأس الأحمر وعين البيضا والحديدية والفارسية والحمة والعقبة ومرج نعجة وغيرها.
وفي مرج نعجة التي تبدو متواضعة جداً أمام المستوطنات الحديثة، لم يستطع أحمد العايدي الذي يعيش مع عائلته في المكان القريب من الحدود منذ ما قبل إسرائيل، فهم ماذا سيحدث لهم إذا ما ضمت إسرائيل المنطقة.
وتساءل العايدي: «هل سيخرجوننا؟ لا أعرف؟» ووجه إلينا السؤال: «ماذا تعرفون عن الأمر؟»، وأضاف بعدما قلنا له إن خطة ترمب تقول إنه لا أحد سيغادر مسكنه: «يعني سيعطوننا جنسيات إسرائيلية؟ مستحيل لن يفعلوا ذلك». تدخل ابن عمه وهو شاب يساعده في بيع خضراوات في المنطقة: «أعتقد أنهم سيمنحوننا تصاريح خاصة».
ويعيش كثيرون من عائلة العايدي على المزروعات في المنطقة التي تعد سلة فلسطين الغذائية. وبخلاف أريحا، يمكنك هنا أن ترى أراضي خضراء على مد البصر وآلاف الدونمات من النخيل العالي ومزارع. في أحد المزارع في «عين البيضة» أو المعروفة بـ«عين سكوت» وهي قريبة من الأردن، ظل علي، وهو مزارع شاب، يرمي بذوراً في أرض كبيرة يردد: «لا نعرف شيئاً. لا نعرف ماذا سيحدث، لكن نحن ها هنا قاعدون. هذه أرضنا ولن نغادرها». وأضاف: «هينا قاعدين وبنستنى، بس من هان مش طالعين».
كان لافتاً أن جميع الذين التقتهم «الشرق الأوسط» يعيشون في حيرة وشيء من الاستسلام للواقع، ومردّ ذلك أنه ليست لديهم الثقة بقدرة السلطة الفلسطينية على كبح جماح الإسرائيليين. كثير منهم ردوا بابتسامة مفهومة بالنسبة إلينا حين سألناهم ما إذا كانوا ينتظرون شيئاً من السلطة؟

- عصب الاقتصاد الفلسطيني
وتؤكد السلطة أنها لن تسمح بضم الأغوار ولن تقبل ولن تقيم دولة من دون هذه المنطقة التي تشكّل لها ثلث مساحة الضفة الغربية، وهي أحد أقطاب مثلث الماء الفلسطيني وتشكل نحو 47% من مصادر المياه الجوفية الفلسطينية، وهي المعبر الوحيد للفلسطينيين نحو العالم الخارجي، عصب الاقتصاد الفلسطيني المستقبلي الذي يتمثل في الزراعة، وهي المكان الذي يمكن فيه توسيع القدس الشرقية.
وقال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات: «لنا 37 كيلومتراً على البحر الميت، لنا 97 كيلومتراً من الحدود على نهر الأردن، لنا حقوق مائية في نهر الأردن، ومن دون ذلك لن يكون سلام».
وأضاف: «لنا القدس الشرقية، لنا ممر آمن بين الضفة وغزة تحت سيادتنا، لنا أربعة كيلومترات منطقةً حراماً في القدس، لنا 46 كيلومتراً منطقةً حراماً في اللطرون (منطقة مهجرة شمال القدس)، ولنا مياه إقليمية على بحر غزة، وحق عودة اللاجئين».
لكن في مقابل هذا الموقف الفلسطيني الذي لم نعرف كيف سيُترجم على الأرض، تعمل إسرائيل ضمن خطة ممنهجة، تستهدف إفراغ الأغوار من سكانها الفلسطينيين، وإحكام السيطرة على أرضها ومواردها، وفي حقيقة الأمر هي خطة معمول بها منذ عام 1967.
في العمق، ترك الكثير من البدو منازل صفيحية بسبب إجراءات إسرائيلية مشددة أو نقص حاد في المياه. ويضطر بدو الأغوار إلى نقل المياه عبر تراكتورات من بعض المناطق القريبة، وذلك رغم أن عشرات الآبار الدائرية الكبيرة تنتشر في المكان، لكنها تحت القبضة الإسرائيلية. ينظر البدو إلى هذه الآبار كالظمآن، من دون أن يستطيعوا فعل أي شيء.
ويوجد في الأغوار نحو 170 بئراً جوفية تسيطر إسرائيل على معظمها وتحولها إلى المستوطنات. وحسب دراسة لسلطة المياه الفلسطينية، يستهلك نحو 11 ألف مستوطن في الأغوار وحدها ما يستهلكه نحو مليوني ونصف مليون فلسطيني في الضفة الغربية.
وقال فيصل، وهو بدوي يعيش في الأغوار، إن عائلته لا تجد أحياناً حتى مياه الشرب، مشيراً إلى مساحات واسعة خضراء للمستوطنين الذين يحظون بكل شيء. والمياه هنا ليست ضرورية للحياة فقط، بل أيضاً لسقي الأغنام والريّ، وهذا يجعل حياة الكثير من الفلسطينيين بائسة ومعقدة للغاية مقابل الحياة المرفهة للمستوطنين.
في الطريق الطويل المعروف باسم «شارع 90» تمكن مشاهدة «حضارة الصحراء» عبر مستوطنات ضخمة مثل «تومر» و«نعران» و«نيران» و«جلجال»، وعشرات المصانع الإسرائيلية الكبيرة، وأراضٍ ممتدة مزروعة بالنخيل على مدى البصر، ومزارع أبقار ومزارع حبش ومزارع أعناب في المنطقة التي يسيطر عليها المستوطنون وممنوعة تماماً على العرب.
ثمة اقتصاد ضخم هنا وليس فقط أسباب أمنية وراء سيطرة إسرائيل على المكان. والحاجة الأمنية لحماية البوابة الشرقية التي تسوّقها إسرائيل كسبب للبقاء في الأغوار، يفندها الفلسطينيون بنفي الأمر وحصره بالسيطرة الاحتلالية والاقتصاد.
ولا يؤمن الفلسطينيون بما يقوله نتنياهو حول إنه يريد الأغوار لأنها تشكّل عمقاً أمنياً وبوابة الحراسة والطمأنينة الشرقية لمواطنيه. وحجة نتنياهو التي أقنع فيها الرئيس الأميركي بضم الأغوار، كانت أن «غور الأردن ليس مجرد الباب الشرقي لدولة إسرائيل فحسب، بل الحائط الواقي من جهة الشرق». وقال نتيناهو: «الغور وغيره من المناطق التي نسيطر عليها والتي ستشكل جزءاً من دولة إسرائيل، يضمن بقاء جيش الدفاع هنا للأبد. إنه يعطينا عمقاً استراتيجياً وطولاً استراتيجياً». لكن عريقات يقول إن نتنياهو يريد المنطقة لأنه يريد تدمير السلطة الفلسطينية وإلغاء حلم الدولة، ولأنه يجني 620 مليون دولار سنوياً من الاستثمار هناك.

- استثمار استيطاني
ويصف الفلسطينيون الاستثمار في الأغوار بأنه استثمار استيطاني. وتدعم الأرقام وجهة النظر الفلسطينية في هذا الأمر، إذ تقيم إسرائيل في المنطقة أكبر مزارع نخيل في البلاد، (أكثر من مليون نخلة) ومشاتل ورود وخضراوات وفواكه، إضافةً إلى مزارع ضخمة للدواجن والأبقار والديك الرومي، وخمس بِرَك صناعية لتربية التماسيح من أجل استخدام جلودها في الأحذية والحقائب.
وتعطي الصفقة الأميركية لإسرائيل وجوداً دائماً هنا بعدما كان في وقت سابق محل تفاوض. وأكد مسؤول فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»، أن الأميركيين أعطوا إسرائيل ما لم تكن تحلم به في السابق. وأضاف: «في مفاوضات 2013 عرضت إسرائيل استئجار الأغوار ورفضنا. اليوم ترمب يعطيهم ضوءاً أخضر لضمها نهائياً».
وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري في إدارة الرئيس باراك أوباما السابقة، قد حاول في 2013 حسم مسألة الحدود واقترح إدارة مشتركة للأغوار وقوات دولية وضمانات أميركية، لكن إسرائيل رفضت الخروج من المنطقة واقترحت استئجار المنطقة لعشرات السنوات، وهو أمر رفضه الفلسطينيون آنذاك الذين وافقوا على قوات دولية على ألا يبقى جندي إسرائيلي واحد.
وجاء في ورقة مفاهيم أصدرتها دائرة شؤون المفاوضات الفلسطينية أن السلطة ترفض هذا المفهوم المعوّم للأمن، باعتبار أن إسرائيل تقيم اتفاقية سلام مع الأردن ولا يوجد خطر داهم من جهة الشرق. ويدعم عسكريون إسرائيليون وجهة النظر هذه باعتبار أنه لا حاجة أمنية لإسرائيل في الأغوار، وأن هذه مناورة واستخدام للاعتبارات الأمنية ليس أكثر.
ورصد تقرير استراتيجي سابق عن «مجلس السلام والأمن»، الذي يضم مجموعة واسعة من كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين السابقين، أن الغور لا يوفر عمقاً استراتيجياً، ناهيك بأنه إذا تعين أن يوفر الغور رداً على هجوم عسكري بري، فإن المنطقة البالغة الأهمية لانتشار عسكري إسرائيلي، هي السفوح التي تقود إلى قمم الجبال. والانتشار هناك يحوّل الغور إلى مكان مقتل القوة المهاجمة. ثم إن القوة الإسرائيلية التي ستمكث بشكل دائم في الغور ستكون بالضرورة محدودة الحجم، وموجودة في منطقة متدنية طوبوغرافياً، وتتعرض لخطر المحاصرة بشكل دائم.
ويرى التقرير أنه توجد لخط نهر الأردن أهمية تتعلق بالحفاظ على الأمن ومراقبة الحدود في الفترات العادية وليس أكثر من ذلك.

- عرب التعامرة
وصلنا إلى المناطق العربية الشاحبة بالقرب من المناطق الإسرائيلية المزدهرة. كان بعض عرب التعامرة يرتبون الخراب في المكان. في هذه المنطقة هدمت إسرائيل المنازل أكثر من مرة لكن أصحابها أعادوا بناءها لأنهم لا يجدون مكاناً «أجمل».
والهدم جزء من سياسة إسرائيلية قديمة في المكان من أجل إلغاء الوجود الفلسطيني.
يقول مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان (بتسيلم) إن إسرائيل تسعى إلى إلغاء الوجود الفلسطيني في منطقة الأغوار ومنع أي تطوير فلسطيني في المنطقة: إنّها تمنع الفلسطينيين من استخدام معظم مساحة الأغوار بذرائع مختلفة، وتقيّد وصولهم إلى مصادر المياه الوافرة في المنطقة وتمنع السكّان الفلسطينيين هناك من بناء منازل لأنفسهم وتوسيع وتطوير بلداتهم. إضافة إلى ذلك تبذل السلطات الإسرائيلية جهداً دؤوباً في خلق واقع معيشي لا يطاق لدفع سكّان التجمّعات الفلسطينية إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم. الغاية من هذه السياسة تعميق السيطرة الإسرائيلية في منطقة الأغوار وضمّها إلى إسرائيل بحُكم الأمر الواقع (دي فاكتو)، وضمن ذلك استغلال موارد المنطقة وتقليص الوجود الفلسطيني إلى الحدّ الأدنى.
وترصد «بتسيلم» سياسة الهدم الإسرائيلية مؤكدةً أنه ما بين 2006 و2017، هدمت سلطات الاحتلال 698 وحدة سكنيّة على الأقلّ في بلدات فلسطينية في منطقة الأغوار، كان يسكنها 2948 فلسطينياً بينهم على الأقلّ 1334 قاصراً، وأن 783 من الفلسطينيين الذين هُدمت منازلهم (آوَتْ 386 قاصراً) ألمّت بهم محنة هدم منزلهم مرّتين على الأقلّ.
ومنذ احتلت إسرائيل الأغوار حتى الآن جرى على الأقل تهجير 50 ألف فلسطيني من المنطقة، أما الباقون فإنهم لا يعرفون على وجه التحديد ما هو مصيرهم.
وفي وقت متأخر، بعدما احتجزنا جنود إسرائيليون على الحدود، لم يرغبوا في خوض نقاش معنا، حول ما إذا كانوا يتخذون إجراءات جديدة بحكم صفقة القرن، قالوا فقط إنهم يتعاملون مع تعليمات صارمة بمنع الفلسطينيين، مسؤولين أو صحافيين أو مواطنين أو محتجين أو متنزهين، من الوصول إلى المنطقة الحدودية بصفتها منطقة عسكرية مغلقة.
قلنا لهم إننا في مكان مفتوح على أرض فلسطينية ولم نجتز أي عوائق أمنية، فابتسمت مجندة لم تتجاوز أول العشرينات ابتسامةً صفراء وساخرة، وقالت إنها ستحتجزنا هنا في هذه الأرض التي نقول إنها فلسطينية عدة ساعات حسب رغبتها. كأنها كانت تريد الرد علينا بمنطق حكومتها. القوة هنا هي التي تقرر وليس الحق.



مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
TT

مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)

يعيش اليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حالة من الترقب على وقع الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتتزايد مخاوفهم من وصول آثار هذه المواجهة إليهم في حال ذهب الحوثيون إلى المشاركة فيها، والتسبب في مزيد من المعاناة على مختلف المستويات.

وبينما يبدي السكان في مناطق سيطرة الجماعة، قلقاً واضحاً من حدوث تأثيرات على الأوضاع الاقتصادية في ظل ما تشهده هذه المناطق من تدهور معيشي وخدمي، ظهرت ملامح نزوح من المدن الرئيسية أو داخلها، خصوصاً من المناطق القريبة من المواقع العسكرية والمقرات والمنشآت التابعة للجماعة، خوفاً من تعرضها للقصف.

وترتبط هذه المخاوف باحتمال عودة التوترات والاضطرابات إلى البحر الأحمر، على الرغم من أن الجماعة الحوثية لم تدخل المواجهة الدائرة حالياً في المنطقة، واكتفت بتصريحات وتلميحات بالمشاركة فيها، ووصف العملية الأميركية - الإسرائيلية بالانتهاك الصارخ لسيادة إيران والتجاوز الخطير للأعراف والقوانين الدولية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، أن عدداً من الناشطين السياسيين والإعلاميين والأفراد المنتمين إلى الأحزاب أو المنظمات الحقوقية، لجأوا إلى مغادرة المدن الرئيسية التي تسيطر عليها الجماعة، والانتقال إلى منازل أقاربهم في الأرياف، أو في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها خوفاً من اتهامهم بالتجسس، في حال مشاركة الجماعة في الحرب الدائرة.

مظاهرة حوثية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بعد مقتل علي خامنئي (إعلام حوثي)

ومقابل مغادرة هؤلاء الناشطين يعجز العشرات من نظرائهم وزملائهم عن الاقتداء بهم، نظراً لوضعهم تحت الإقامة الجبرية وإخضاعهم للرقابة وتقييد تحركاتهم.

هواجس الاعتقال والاتهام

في ظل هذه المخاوف والقيود الحوثية، يخضع العشرات من العاملين في الوكالات الأممية والمنظمات الدولية، إضافة إلى مئات من الناشطين السياسيين والحقوقيين للإقامة الجبرية وإجراءات رقابة مشددة، ويخشى هؤلاء من تعرضهم للاعتقال وتوجيه اتهامات لهم بالتجسس على غرار ما يواجهه نظراؤهم في السجون.

وتتضاعف هذه المخاوف في ظل الاتهامات للجماعة باتباع هذا النهج، لتأكيد مزاعمها بوجود مؤامرة كبرى عليها، وتبرير الخسائر التي تلحق بها، إلى جانب استغلالها سابقاً للضربات الأميركية والإسرائيلية لتوسيع حملات الاعتقالات وتبريرها.

السكان في مناطق سيطرة الحوثيين متخوفون من نقص الوقود جراء الحرب الإقليمية (رويترز - أرشيفية)

وكانت الجماعة الحوثية اعتقلت خلال الأعوام الماضية، عشرات العاملين في المنظمات الأممية والدولية، إضافة إلى عشرات آخرين من السكان في مختلف المهن والتخصصات، ووجهت لهم تهماً بالتجسس والتخابر لصالح دولاً خارجية، ونقل إحداثيات المواقع التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأصدرت محاكم حوثية أحكاماً قاسية، بحق عدد من هؤلاء المختطفين، بعد محاكمات وصفتها جهات حقوقية بغير العادلة والمسيسة.

واكتفى زعيم الجماعة الحوثية بإعلان وقوف جماعته مع إيران، وعدّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها استهدافاً مباشراً لـ«محور المقاومة»، مؤيداً الهجمات الإيرانية على مختلف الدول في المنطقة، وتوعد بمواصلة المواجهة مع إسرائيل، واستمرار «التأهب والاستعداد» لأي خيارات ضرورية تفرضها طبيعة المواجهة الحالية.

وكشفت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداداً كبيرة من العائلات بدأت التحضير للنزوح من قرب المعسكرات والمقرات الأمنية التابعة للجماعة الحوثية، خصوصاً تلك التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي خلال العام الماضي، وأن أغلب هذه العائلات كانت ممن تعرضت مساكنها لأضرار أو تعرض بعض أفرادها لمخاطر ذلك القصف.

المخاوف تتزايد في أوساط اليمنيين من تصعيد الحوثيين حملات الاعتقالات واتهامات التجسس (إ.ب.أ)

واستهدفت إسرائيل بالضربات الجوية عدداً من المنشآت الحيوية والاقتصادية عدة مرات خلال العام الماضي، وتسببت ضرباتها في سقوط مدنيين وإصابة بنايات سكنية بأضرار متفاوتة، إلى جانب اغتيال عدد من قيادات الجماعة وتدمير مقرات ومنازل خاصة بها.

مخاوف السلامة والمعيشة

على الرغم من أن الضربات الأميركية استمرت نحو شهرين خلال ربيع العام الماضي، فإنه لم تُسجّل إصابات في أوساط المدنيين سوى في مرات معدودة وعلى نطاق محدود.

ويقول أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إنه، ومنذ بدء التحضيرات الأميركية - الإسرائيلية للحرب الجارية الآن، بدأ هو وعدد من أقاربه التحضير للانتقال إلى منازلهم في الريف، بعد أن عاشوا صدمة قاسية وأوقاتاً صعبة خلال استهداف الطيران الإسرائيلي لمقر الإعلام الحربي التابع للجماعة وسط العاصمة المختطفة صنعاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، بسبب وقوع منازلهم هناك.

منذ سنوات تواصل الجماعة الحوثية إعلان تمسكها بدورها ضمن المحو الإيراني (إ.ب.أ)

من جهته، يبدي محمود، وهو طالب دراسات عليا في صنعاء، قلقاً شديداً من عودة الجماعة الحوثية للمواجهة مجدداً مع إسرائيل، نظراً لفقد أحد أصدقائه في استهداف إسرائيلي سابق، وتسبب تلك الحادثة في صدمة شديدة لوالدته وحالة طبية لم تتعافَ منها حتى الآن.

ويبين لـ«الشرق الأوسط»، أنه كان على موعد مع صديقه في مؤسسة بالقرب من المبنى لإجراء أبحاث خاصة بدراستهما، إلا أن تأخره عن الوصول إلى المكان أنقذه من مصير صديقه الذي أصيب في القصف وتوفي في الحال، وبمجرد سماع والدته بالحادثة تعرضت للإغماء ونُقلت إلى المستشفى، حيث اتضح تعرضها لجلطة دماغية.

وشهدت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وعدد من المدن التي تخضع لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، عودة للطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، في حين شهدت الأسواق حركة شراء متزايدة، رغم عدم ظهور بوادر أزمات تموينية بعد أيام من اندلاع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط نهاية فبراير (شباط) الماضي.

مجمع الأمم المتحدة في صنعاء حيث اعتقل الحوثيون العشرات من موظفي المنظمة (رويترز)

وذكر شهود لـ«الشرق الأوسط»، أن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي ليست طويلة، وتشهد تفاوتاً بين حين وآخر ومن محطة لأخرى، وتضاعفت حركة الشراء في أسواق المواد الغذائية بشكل لم يكن مشهوداً منذ أشهر، بما في ذلك عند دخول شهر رمضان، بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

وطبقاً للمصادر، فإن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز، ورغم أنها لم تكن طويلة أو شديدة الازدحام، فإن ظهورها في هذه الفترة يزيد من حالة القلق والترقب، ويدفع مزيداً من السكان إلى الالتحاق بها مع مرور الوقت.


زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
TT

زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)

في تطور لافت في خطاب الجماعة الحوثية تجاه الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لوّح زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الخميس، بالانخراط في الحرب إلى جانب النظام الإيراني، مؤكداً أن مقاتليه «أيديهم على الزناد»، وأن الجماعة «ستتحرك في أي لحظة تقتضيها التطورات».

وجاءت تصريحات الحوثي، الخميس، خلال محاضراته الرمضانية اليومية؛ إذ أعلن الوقوف إلى جانب إيران. وقال إن الجماعة «تتحرك في مختلف الأنشطة، وأيديها على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد والتحرك العسكري في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك»، زاعماً أن المعركة الدائرة «هي معركة الأمة كلها».

وأشاد الحوثي في الوقت نفسه بما وصفها بـ«العمليات القوية» التي نفّذها «حزب الله» اللبناني، لافتاً إلى أن الفصائل العراقية الموالية لإيران «تواصل عملياتها العسكرية». كما دعا أنصاره إلى الخروج في مظاهرات حاشدة، الجمعة، في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الجماعة.

وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من انتظار لافت في موقف الجماعة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو ما فسره مراقبون بحسابات سياسية وعسكرية معقدة تتعلق بمخاطر الانخراط المباشر في مواجهة إقليمية واسعة.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء داعمة للنظام الإيراني (أ.ف.ب)

ترسانة صاروخية

تحولت الجماعة الحوثية خلال السنوات الأخيرة من حركة تمرد محلية إلى قوة عسكرية تمتلك قدرات تسليحية متقدمة نسبياً، جعلتها إحدى أبرز أذرع إيران في المنطقة.

وتشير تقديرات مراكز دراسات عسكرية إلى أن الجماعة تمتلك ترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية والجوالة، بعضها مطور محلياً انطلاقاً من نماذج إيرانية على أيدي خبراء إيرانيين ومن «حزب الله» اللبناني.

وتشمل هذه الترسانة صواريخ بعيدة المدى مثل «طوفان»، الذي يُقدّر مداه بما يتراوح بين 1350 و1950 كيلومتراً، بالإضافة إلى صواريخ «فلسطين» الجوالة في نسخها المختلفة التي يمكن أن يصل مداها إلى نحو 2000 كيلومتر.

أحد الصواريخ ضمن ترسانة الحوثيين خلال استعراض في صنعاء (رويترز)

أما الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى فتشمل منظومات «بركان» المشتقة من عائلة الصواريخ الإيرانية «شهاب» و«قيام»، التي تصل مدياتها إلى نحو 1200 كيلومتر، إلى جانب صواريخ «بدر» قصيرة المدى.

كما طوّرت الجماعة صواريخ مضادة للسفن، مثل «عاصف» و«تنكيل»، وهي نسخ معدلة من صواريخ إيرانية مزوّدة برؤوس حربية ثقيلة، مما منح الحوثيين قدرة على استهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن خلال مدة انخراطهم في الحرب على غزة.

سلاح المسيرات

تُعدّ الطائرات المسيرة الركيزة الأساسية في الاستراتيجية العسكرية للحوثيين، نظراً إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ الباليستية وقدرتها على إحداث تأثيرات اقتصادية ونفسية كبيرة.

ومن أبرز هذه المنظومات طائرات «صماد» في نسخها المختلفة، ولا سيما «صماد-3» الانتحارية التي يصل مداها إلى ما بين 1500 و1800 كيلومتر، وقد طُورت نسخ منها لقطع مسافات أبعد. كما ظهرت نماذج أحدث مثل «صماد-4» القادرة على حمل ذخائر موجهة.

أحد أنواع الطائرات المسيّرة الحوثية التي تطلق عليها الجماعة «يافا» (إعلام حوثي)

وتستخدم الجماعة أيضاً طائرات «وعيد» الانتحارية التي تشبه إلى حد كبير الطائرة الإيرانية «شاهد-136»، ويُقدر مداها بما يتراوح بين 2000 و2500 كيلومتر. كما تنتشر طائرات «قاصف-2K» قصيرة المدى التي تستخدم بكثافة في العمليات التكتيكية.

ويقول خبراء عسكريون إن فاعلية هذه المسيرات لا تكمن في قدرتها التدميرية فقط، بل في قدرتها على إرباك الدفاعات الجوية وإحداث خسائر اقتصادية كبيرة عبر استهداف السفن أو المنشآت الحيوية بتكاليف منخفضة نسبياً.

قدرات بحرية

شهدت القدرات البحرية للحوثيين تطوراً ملحوظاً خلال العامين الماضيين؛ إذ أدخلت الجماعة بدعم من خبراء إيرانيين تقنيات جديدة تشمل الزوارق المسيرة والألغام البحرية المتطورة.

وتضم هذه القدرات زوارق انتحارية مسيرة مثل زورق «طوفان»، وهي زوارق سريعة محملة بمتفجرات يمكن التحكم بها عن بعد، بالإضافة إلى مركبات غاطسة مسيرة قادرة على استهداف السفن من الأسفل لتجاوز أنظمة الرصد السطحية.

كما يمتلك الحوثيون أنواعاً متعددة من الألغام البحرية التي تُزرع في الممرات الملاحية، وهو ما يشكّل تهديداً مستمراً لحركة التجارة الدولية في البحر الأحمر.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم الموجهة ضد الملاحة (إعلام حوثي)

وحسب تقديرات عسكرية، يعتمد الحوثيون على منصات إطلاق متنقلة مخفية داخل شبكة واسعة من الأنفاق والكهوف في مناطق شمال وغرب اليمن.

وإلى جانب ذلك يملك الحوثيون ترسانة من الأسلحة التقليدية موجهة باتجاه الداخل، مع وجود أكثر من 300 ألف مجند في صفوف الجماعة، فضلاً عن مسلحي القبائل الموالين حيث تنفق الجماعة معظم الموارد في مناطق سيطرتها على التجنيد والتعبئة منذ سنوات.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قد وصف الجماعة بأنها «مسلحة حتى الأسنان» بأسلحة إيرانية محظورة دولياً، لافتاً إلى أنها تحولت من حركة تمرد محلية إلى «منظمة إرهابية عابرة للحدود» تمتلك ترسانة متطورة.

ويرى مراقبون أن أي قرار حوثي بالانخراط المباشر في الحرب الدائرة في المنطقة قد يفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.


الحكومة اليمنية تقرّ برنامج عمل شاملاً لعام 2026

مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تقرّ برنامج عمل شاملاً لعام 2026

مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)

أقر مجلس الوزراء اليمني، مشروع برنامج عمل الحكومة لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها تمثل إطاراً تنفيذياً لمرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، وتعزيز الاستقرار السياسي والخدمي في البلاد، وذلك خلال اجتماع للحكومة في العاصمة المؤقتة عدن.

ويرتكز مشروع البرنامج على الالتزام بالهدف العام للدولة المتمثل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتخفيف معاناة المواطنين، مع التركيز على انتظام دفع الرواتب، وترشيد الإنفاق العام، وحماية العملة الوطنية، وتهيئة الحد الأدنى من اليقين الاقتصادي لضمان استدامة الاستقرار وانعكاسه على حياة المواطنين.

وتترجم خطوة الحكومة اليمنية ما أفصح عنه رئيسها في حوار موسع مع «الشرق الأوسط بودكاست» غداة أداء حكومته اليمين الدستورية في فبراير (شباط) الماضي إنه يرنو لبناء حقيقي.

كما ينطلق البرنامج من رؤية سياسية وإدارية واضحة تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة ورفع كفاءة الأداء الحكومي وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، عبر حزمة إصلاحات هيكلية ومؤسسية شاملة تركز على تحسين الإدارة العامة وتعزيز الشفافية وربط الأداء الحكومي بمؤشرات قياس واضحة.

وحدد برنامج عمل الحكومة اليمنية لعام 2026 ست أولويات استراتيجية متكاملة تشكل الإطار العام للسياسات الحكومية خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها ترسيخ الاستقرار السياسي والأمني، وبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني.

الحكومة اليمنية تواجه تحديات متشابكة على أصعدة الأمن والاقتصاد والخدمات (سبأ)

كما تشمل الأولويات تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي، واستعادة النمو الاقتصادي المستدام والمنصف، إلى جانب الحفاظ على استدامة الخدمات الأساسية وتحسين جودتها وضمان عدالة الوصول إليها لجميع المواطنين.

وتضمنت الأولويات أيضاً تعزيز الحوكمة المؤسسية والتحول الرقمي وسيادة القانون، إضافة إلى دعم التماسك المجتمعي، وتمكين رأس المال البشري، فضلاً عن تعزيز الشراكة الفاعلة مع المجتمع الدولي، وتطوير علاقات التعاون التنموي والدبلوماسي بما يسهم في تحقيق التعافي والتنمية.

وأشاد مجلس الوزراء اليمني - بحسب الإعلام الرسمي - بجهود اللجنة الوزارية التي تولت إعداد البرنامج برئاسة وزير الإدارة المحلية، مؤكداً أهمية استيعاب الملاحظات التي قدمها أعضاء المجلس بهدف تطوير البرنامج وضمان قابليته للتنفيذ خلال الفترة المقبلة.

التزام وطني

أكد رئيس مجلس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني أن مشروع برنامج عمل حكومته لعام 2026 لا يمثل وثيقة نظرية أو إعلاناً سياسياً عاماً، بل يعد التزاماً وطنياً واضحاً أمام الشعب اليمني ومجلس القيادة الرئاسي والشركاء الإقليميين والدوليين.

وأوضح أن الحكومة تعمل وفق منهج واضح يقوم على تحديد الأولويات، وربط الأهداف بالإمكانات المتاحة، ضمن مقاربة واقعية تراعي الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية المعقدة التي تمر بها البلاد.

وأشار الزنداني إلى أن البرنامج يشكل الإطار التنفيذي الذي سيحول الموازنة العامة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، من خلال ترجمة التوجهات العامة للحكومة إلى برامج عمل محددة زمنياً ومرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

ولفت إلى أن إقرار البرنامج يأتي بعد أيام قليلة من إقرار مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026، التي وصفها بأنها أول موازنة منتظمة منذ سنوات طويلة بعد أن فرضت الحرب وتعقيدات المرحلة واقعاً استثنائياً أربك أدوات التخطيط المالي، وأثر في انتظام المالية العامة.

وأكد أن إقرار الموازنة يمثل خطوة مهمة في مسار استعادة مؤسسات الدولة لدورها الطبيعي في إدارة الموارد العامة، وتحديد أولويات الإنفاق وفق رؤية مسؤولة ومنهج مؤسسي منضبط.

إصلاحات اقتصادية

أوضح رئيس الحكومة اليمنية أن البرنامج يستند إلى الإطار العام لخطة التعافي الاقتصادي لعامي 2025 – 2026، وإلى قرار مجلس القيادة الرئاسي بشأن أولويات الإصلاحات الاقتصادية، مع الاستفادة من التجارب السابقة، ومراجعة التحديات التي واجهت التنفيذ خلال المرحلة الماضية.

وأشار الزنداني إلى عزم حكومته مواصلة العمل على تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي من خلال ضبط الإنفاق العام وترشيده، وتعزيز الإيرادات العامة، إضافة إلى دعم دور البنك المركزي في حماية العملة الوطنية، وتحقيق الاستقرار النقدي.

الزنداني يترأس اجتماع مجلس الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وتسعى الحكومة اليمنية بحسب رئيسها إلى استعادة التوازنات المالية، وكبح التضخم، وحماية القوة الشرائية للمواطنين، مع ضمان انتظام صرف الرواتب، وخلق قدر أكبر من اليقين الاقتصادي في الأسواق.

وأكد الزنداني اعتزام تطوير بيئة الأعمال، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، ودعم القطاعات الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة بما يسهم في خلق فرص عمل، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة.

وفي هذا السياق، أشاد رئيس الحكومة بالدعم الذي تقدمه السعودية ضمن «تحالف دعم الشرعية»، مؤكداً أن المساندة المالية السعودية، خصوصاً دعم عجز الموازنة والمساهمة في تمويل الرواتب، شكلت ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة خلال مرحلة معقدة.

وأوضح الزنداني أن حكومته ملتزمة تحسين واستدامة الخدمات الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب رفع الكفاءة التشغيلية لمؤسسات الخدمات، وإعادة تأهيل البنية التحتية في مختلف المحافظات.

وأشار إلى وجود أولوية خاصة للمناطق الأكثر تضرراً والفئات الأكثر احتياجاً، مشيراً إلى أن العاصمة المؤقتة عدن يجب أن تتحول إلى نموذج حقيقي للدولة من حيث مستوى الإدارة والخدمات والانضباط المؤسسي.

وفي إطار الإصلاح الإداري، شدد رئيس الوزراء اليمني على أن نجاح أي برنامج إصلاحي يتطلب إصلاحاً إدارياً حقيقياً يعزز الحوكمة المؤسسية وسيادة القانون، مشيراً إلى أن الحكومة ستعمل على تطوير الهياكل التنظيمية لمؤسسات الدولة وإصلاح نظام الموارد البشرية على أساس الكفاءة والجدارة.

وأوضح الزنداني أن الحكومة ستسعى إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز التحول الرقمي في العمل الحكومي، إضافة إلى إنشاء لجنة عليا للإصلاح المؤسسي، وتعزيز الحوكمة بما يسهم في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وربط الأداء بالنتائج.

تعزيز الشراكة الدولية

في سياق آخر، عقد رئيس الوزراء اليمني اجتماعاً عبر الاتصال المرئي مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه وعدد من سفراء الدول الأوروبية، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون لدعم جهود الحكومة في تنفيذ برنامجها لعام 2026.

الزنداني اجتمع عبر الاتصال المرئي مع سفراء الاتحاد الأوروبي لمناقشة دعم حكومته (سبأ)

وأكد الاجتماع أهمية تكثيف الجهود الدولية لدعم مسار السلام والاستقرار في اليمن، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين لدعم التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة.

وأعرب الزنداني عن تقديره للشراكة الاستراتيجية القائمة مع الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية، داعياً إلى توسيع مجالات التعاون لدعم الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية والإنسانية الراهنة.

ونقل الإعلام الرسمي أن السفراء الأوروبيين أكدوا دعمهم الكامل للحكومة اليمنية وخططها للإصلاح، مشيدين بإقرار مشروع الموازنة العامة وبرنامج عمل الحكومة لعام 2026 بوصفهما خطوتين مهمتين في مسار الإصلاح المؤسسي، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.