ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل

بعدما أطاحت انتخابات ولاية ثورينجيا وتداعياتها بآنغريت كرامب كارنباور

ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل
TT

ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل

ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل

يوم 7 ديسمبر (كانون الأول) 2018، تنفّست المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الصعداء. لم تقاوم الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها، ولا علامات الارتياح التي علت وجهها. لقد كانت تلك من المرات القليلة بل النادرة التي تعبر فيها ميركل عن مشاعرها علناً. ففي ذاك اليوم، نجحت آنغريت كرامب كارنباور، «خليفتها» المختارة لزعامة «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، بانتزاع الفوز بزعامة الحزب المحافظ، في أعقاب قرار «زعيمته» ميركل عن المنصب.
لقد سارت خطة «تقاعد» المستشارة «المنظّم» على ما يرام... وتماماً كما رسمتها. فهي أرادت أن تكمل عهدها كمستشارة حتى الانتخابات العامة عام 2021. وبعد تلك المحطة الانتخابية تتقاعد نهائياً عن العمل السياسي. ولكن ميركل لم تشأ أن تترك حزبها يتخبّط في الفوضى بعد رحيلها، ولا أن ترى إرثها يُمزّق بعدما قادت الحزب الكبير طوال 20 سنة أمضت 15 سنة منها على رأس السلطة في ألمانيا.
وبالتالي، قررت الاستقالة من زعامة الحزب في خطوة غير اعتيادية، لإعطاء الوقت الكافي لـ«خليفتها» كي تتأقلم مع قيادة الحزب تمهيداً لتسليمها المستشارية. غير أن كرامب كارنباور، التي تشتهر في ألمانيا بالأحرف الثلاثة الأولى من كلمات اسمها الكامل «آ.ك.ك»، لم تصمد في زعامة الحزب أكثر من سنة واحدة؛ إذ إنها استقالت، هذا الأسبوع، وأعادت بذلك السباق لخلافة ميركل إلى خط البداية، لا... بل وأيقظت المخاوف على مستقبل «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي حولته ميركل إلى حزب وسطي متسامح في موضوع اللجوء ومنفتح على التعدّدية، خلافاً لما يؤمن به كثيرون في التيار اليميني ضمن قاعدته الشعبية.
لا يمكن ذكر كثير من الإنجازات التي حقّقتها آنغريت كرامب كارنباور، الخليفة المرتقبة سابقاً لخلافة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، طوال السنة التي تزعمت فيها الحزب الحاكم. فالحقيقة أن الصحيح هو العكس تماماً. إذ يمكن القول إنها تسببت غير مرة بتوتّر العلاقة مع الشريك في الائتلاف الحاكم، هو «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» (الاشتراكي)، من خلال تصريحات أدلت بها حول المشاركة العسكرية لألمانيا في الخارج.
هنا يجدر التذكير بأن ميركل سلّمت «آ.ك.ك» منصب وزيرة الدفاع في حكومتها، إلى جانب توريثها زعامة الحزب. ولكن حتى في وزارة الدفاع لم تحقق «آ.ك.ك» الكثير. وجاءت تصريحاتها عن المشاركة العسكرية في الخارج، مثلاً، أزعجت وزير الخارجية هايكو ماس الاشتراكي المعارض لأي توسّع خارجي للجيش الألماني لأسباب تاريخية.
أيضاً، لم تستطع خليفة ميركل السابقة من موقعها كزعيمة للحزب المحافظ الكبير تحسين موقعه في استطلاعات الرأي واجتذاب قطاعات من الناخبين يخسرها الديمقراطيون المسيحيون منذ سنوات، تحديداً منذ أزمة اللاجئين وقرار ميركل استقبال مئات آلاف السوريين. ولقد كانت نتائج الانتخابات الأوروبية والانتخابات المحلية في بضع ولايات ألمانية سيئة حقاً بالنسبة للحزب... وعلى الرغم من ذلك، بقيت كرامب كارنباور في منصبها.
- قشة ثورينجيا... التي قصمت ظهر البعير
ولكن على ما يبدو كانت انتخابات ولاية ثورينجيا الصغيرة، وهي واحدة من ولايات ألمانيا الشرقية السابقة، «القشة التي قصمت ظهر البعير». فالولاية شهدت انتخابات محلية قبل 3 أشهر، وأفرزت تلك الانتخابات نتائج سيئة للديمقراطيين المسيحيين، أسهمت في القضاء (إن لم تكن هي التي قضت فعلاً) على كرامب كارنباور. غير أن اللافت فيما حصل أن ما هز مكانة «آ.ك.ك» ما كان خسارة الحزب هناك أو تحقيقه نتائج سيئة فحسب، بل كان الأمر الأسوأ «تمرُّد» أعضاء الحزب في ثورينجيا على أوامرها، وخرقهم العرف القاضي بتجنّب التعامل مع حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف؛ إذ اختار هؤلاء التصويت لمصلحة الحزب المتطرف، الذي يتهمه بعض خصومه بالعنصرية، لاختيار رئيس حكومة ائتلافية في الولاية من «حزب الديمقراطيين الأحرار».
شكّل هذا «الحلف» صدمة وطنية، وكانت تلك المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي يتحالف فيها المحافظون مع المتطرفين. وبالنسبة لكثيرين من الساسة والصحافيين كان ذلك اليوم «يوماً أسود للديمقراطية الألمانية». كثيرون، من بينهم بودو روميلو، رئيس حكومة ثورينجيا السابق الذي ينتمي لحزب «دي لينكا» اليساري المتشدد، شبّهوا ما حصل في مدينة إيرفورت (عاصمة ثورينجيا) بالتطورات في «جمهورية فايمار» السابقة (بين عامي 1919 و1933) التي مهدت لصعود أدولف هتلر وحزبه النازي إلى السلطة. يومذاك بدأ المحافظون يتحالفون مع حزب هتلر النازي المتطرّف في الولايات الشرقية، أملاً في الاحتفاظ بالسلطة في وجه خطر اليسار. وكان هذا التحالف الظرفي الاستنسابي مدخل هتلر للسلطة وبداية صعوده الفعلي... والمفارقة أن ولاية ثورينجيا أيضاً نفسها كانت التي تسببت بالأزمة القائمة اليوم.
أكثر من هذا، أنه بين ما يزيد من التشبيهات بين «جمهورية فايمار» وما يحصل اليوم، أن زعيم حزب «البديل لألمانيا» في تورينغن، يورغ هوكيه، هو نفسه من الجناح الشديد التطرف في الحزب لدرجة أن قاضياً حكم، العام الماضي، بأنه يمكن وصفه بـ«الفاشي». وهو يستخدم دوماً تعابير نازية، وحتى أعضاء حزبه لا يمكنهم التمييز بين جمل منسوبة له وجمل منسوبة لهتلر.
وفي إحدى المرات، قبل إجراء مقابلة معه، عرضت قناة ألمانية على هوكيه شريطاً مصوّراً يُظهِر مراسلاً يسأل أعضاء في «البديل لألمانيا» بأن يخمِّنوا ما إذا كانت الجملة المتلوة هي لهوكيه أم أنها مستخرجة من كتاب «كفاحي» لهتلر... وبالنتيجة أخطأ معظمهم في التخمين. وعلى الأثر، غادر هوكيه المقابلة وهو يهدد الصحافي بأن «شيئاً ما قد يصيبه».
- شخصية «آ.ك.ك» مسؤولة جزئياً
على الرغم مما سبق، لا يتفق الجميع على التشابه بين ما يحصل الآن وما حصل في أيام «جمهورية فايمار»؛ إذ يقول كريستيان كاستروب، من معهد برتلسمان في العاصمة الألمانية برلين، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يرى رابطاً مباشراً، قبل أن يضيف: «لكنه كتذكير تاريخي ومثل سيئ جداً فهو مهم، لأنه يعني أن ثمة مسؤولية خاصة على الأحزاب المحافظة؛ بأن تبقى متيقظة».
أيضاً لا يرى كاستروب أن المسؤولية كلها تقع على عاتق كرامب كارنباور. ذلك أنه يعتبر أنها ما كانت تتمتع بما يكفي من «السلطة والإرادة» لأحداث تغيير داخل الحزب. ويتابع: «لقد أمضت معظم وقتها في إدارة شؤون الحزب» لا أكثر... و«طبعاً، لم يساعدها أنها لا تتمتع بكاريزما خاصة». ومن ثم استطرد كاستروب قائلاً: «ميركل نفسها لا تتمتّع بكاريزما معينة، ولكن ما يميزها صلابة مواقفها ووضوح رؤيتها، وهو ما تفتقر إليه كرامب كارنباور».
ويرى الباحث والمحلل الألماني أن تصريح ميركل من بريتوريا (عاصمة جنوب أفريقيا)، الذي جاء بعد يوم على «فضيحة ثورينجيا»، والذي أعلنت خلاله أن ما حصل «غير مقبول بتاتاً، ولا يمكن التسامح معه»، كان أشبه بالضربة القاضية لسلطة كرامب كارنباور. إنه بعد تصريح ميركل هذا، كان واضحاً بأنه سيتوجب على «آ.ك.ك» الاستقالة.
هذا شكّل، على ما يبدو، نوعاً من الاستياء لدى زعيمة الحزب المستقيلة التي لم تتردّد بانتقاد قرار ميركل فصل المستشارية عن زعامة الحزب، وهو أمر غير معهود في ألمانيا؛ إذ قالت «آ.ك.ك» يومذاك إن «فصل المنصبين» أضعف موقعها، مع أن ميركل كانت تأمل تحقيق عكس ذلك عندما قرّرت فصل الموقعين مؤقتاً.
- وأين مسؤولية ميركل؟
من جهة أخرى، كتبت بعض الصحف أن فشل الديمقراطيين المسيحيين في ثورينجيا، مسؤولية ميركل التي «أغلقت الطريق أمام تجديد الحزب بتمسكها بموقع المستشارية، وهي رغم أنها اختارت كرامب كارنباور لخلافتها، فإنها أعاقت تقدمها، وحولتها إلى ميني ميركل».
بيد أن كاستروب يرى أن ميركل كانت «محقة من حيث المبدأ»؛ بأن تمنح خليفتها فترة انتقالية للتأقلم، كما أنها ساعدتها بمنحها حقيبة وزارة الدفاع التي كانت بيد أورسولا فون دير لاين، التي أصبحت مفوضة الاتحاد الأوروبي. وحسب كاستروب، فإن كرامب كارنباور «لم تقم بدور جيد كذلك في وزارة الدفاع»، ومن كان ليُعلم ما إذا كانت ستؤدي أداء مختلفاً في حال تسلمت منصب المستشارية مع زعامة الحزب في الوقت نفسه.
في أي حال، لكن الآن بعد أن استقالت كرامب كارنباور، عاد السباق لخلافة ميركل إلى البداية، ومعها المخاوف حول هوية الذي سيخلفها... وإلى أين سيذهب بالحزب. فطوال السنوات العشرين الماضية، نجحت أنجيلا ميركل بتطوير الحزب وتحويله إلى حزب وسطي، رغم أنه بقي محافظاً. ولكن قرار ميركل (وهي ابنة قسيس بروتستانتي) فتح الأبواب للاجئين تسبب بانقسام شديد، ليس فقط في أوساط ناخبي الحزب، بل داخل هيكله القيادي كذلك.
ومن ثم، ظهر جناحان، أحدهما وسطي والآخر يميني متطرف، يدعو بعض ناشطيه إلى التحالف مع «البديل لألمانيا» على الصعيد المحلي. ولم تساعد اعتدال ميركل استطلاعات الرأي التي أخذت تظهر تراجع حزبها إلى المرتبة الثالثة وما دون، في معظم الولايات الشرقية، في حين يحل حزب «البديل لألمانيا» في الطليعة.
وبالتالي، يعتقد بعض الديمقراطيين المسيحيين أن الحل الوحيد للبقاء في السلطة بالولايات الشرقية هو عبر التحالف مع حزب «البديل لألمانيا»، بينما يروّج آخرون إلى تبنّي الحزب نفسه مبادئ سياسية قريبة من مبادئ الحزب المتطرف، خاصة تلك المتعلقة باللجوء، في محاولة لاستعادة الناخبين المحافظين الذين هجروا الديمقراطيين المسيحيين، ولجأوا إلى «البديل لألمانيا». ويرى هؤلاء الناخبون أن الحزب المحافظ لم يعد يمثلهم بشكل جيد، وأن سياسة اللجوء التي اعتمدتها ميركل ليست بالضرورة السياسة التي يريدون دعمها.
- بين نقيضين يميني ويساري
وفي هذا الصدد، يرى كاستروب أن الدعوات للتعاون من حزب «البديل لألمانيا» ستبقى دائماً مطروحة، لا سيما في الولايات الشرقية، حيث «هناك إرادة كبيرة عند الديمقراطيين المسيحيين لاستعادة السلطة». لكنه يضيف أن هذه ليست فكرة جيدة، مع العلم أنه كما «يمنع» حزب ميركل التحالف مع «البديل لألمانيا»، فهو يمنع كذلك التحالف مع حزب «دي لينكا» اليساري المتشدد. وللعلم، مثلما يتمتع «البديل لألمانيا» بنفوذ قوي في الولايات الشرقية، فإن حزب «دي لينكا» (الوريث غير الرسمي للشيوعيين الحاكمين سابقاً في ألمانيا الشرقية مع حلفاء لهم) يتمتع أيضاً بشعبية واسعة. ولقد حل «دي لينكا» أولاً في ثورينجيا، متقدماً عن «البديل لألمانيا»، ما يعني أنه كان بإمكان الديمقراطيين المسيحيين دعم رئيس الحكومة اليساري هناك لإبقائه في منصبه، لكنهم لم يفعلوا، بل فضّل قادتهم التحالف مع اليمين المتطرف.
كاستروب يرى هنا أن وضع اليمين المتطرف في الخانة نفسها مع اليسار المتشدد «مشكلة بحد ذاتها»، ويجب أن تنتهي. وهو يعتقد أن من أولى مهام أي زعيم جديد إنهاء هذا «التوازن بين اليمين المتطرف واليسار المتشدد لأن (دي لينكا) لا يشكل أبداً خطراً على الديمقراطية بعكس (البديل لألمانيا)». ويضيف: «على الجميع أن يواجه الفاشية، ولكن اليسار المتشدد ليس فاشياً، ولا يجوز وضعه في الخانة نفسها».
في هذه الأثناء، يروّج البعض، لا سيما «حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي»، وهو الحزب الشقيق للديمقراطيين المسيحيين في وزارة بافاريا، لاعتماد أسلوب شبيه بالأسلوب الذي اعتمده المستشار النمساوي اليميني سيباستيان كورتز، زعيم حزب الشعب المحافظ؛ إذ استعار كورتز كثيراً من سياسات حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا، لا سيما فيما يتعلق بالمسلمين والهجرة واللاجئين، ثم إنه تحالف في الحكومة الأولى التي شكلها مع حزب الحرية. غير أن تلك الحكومة لم تعمّر طويل بسبب فضيحة هزّت الحزب اليميني المتطرف. وبالتالي، شكل كورترز حكومته الثانية مع حزب «الخضر» اليساري، مع محافظته على انعزاليته المتطرفة المتعلقة باللاجئين.
ومما يجدر ذكره، أن كرامب كارنباور حاولت اتخاذ مواقف أكثر حزماً من اللاجئين إبان فترة ترؤسها للحزب، في محاولة لإبعاد نفسها عن ميركل وكسب المزيد من الأصوات، إلا أن مسعاها لم ينجح... ثم إن سياستها لم تكن أصلاً «راديكالية» بما يكفي لإرضاء جموع الناخبين اليمينيين المتطرفين.
- عود على بدء: من سيخلف أنجيلا ميركل؟
> يعتمد مستقبل «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الألماني اليوم بعد استقالة زعيمته آنغريت كرامب كارنباور على من سيكسب معركة الزعامة. ومن بين المرشحين لخلافة «آ.ك.ك»، مجدداً منافسها القديم، فريدريش ميرز (63 سنة)، وهو رجل أعمال ثري كانت ميركل نفسها قد دفعته للتقاعد من العمل السياسي قبل نحو 15 سنة، ويُعد من أشرس منتقديها داخل الحزب.
يحظى ميرز بتأييد كبير داخل الجناح اليميني المتشدد في الحزب، أي أولئك الذين يروّجون لضرورة إجراء تحالفات مع «البديل لألمانيا»، ثم إنه لا يخفي طموحه السياسي، إذ استقال من منصبه في شركة «بلاك روك» قبل بضعة أسابيع تمهيداً للتركيز على السياسة أكثر. وهو كان يأمل أصلاً أن ينتخب زعيماً للحزب في ديسمبر (كانون الأول) 2018، لكن «آ.ك.ك» سبقته بفارق ضئيل.
ورغم أن هذه المرة لم يعلن أحد بعد نيته الترشح لزعامة الحزب، ولم يحدد أصلاً موعداً لهذه الانتخابات، فإن الكلام يدور على أن التنافس سيكون بين ميرز ورئيس حكومة ولاية الراين الشمالي - وستفاليا ونائب زعيم الحزب أرمين لاشيت (58 سنة). كذلك هناك وزير الصحة الشاب يانس شبان (39 سنة) الذي برز اسمه عام 2018. ورغم أن الأخير قد لا يتمكن من كسب أصوات كافية للفوز بزعامة الحزب، فهو ما زال يطمح لذلك. وللعلم، عام 2018، خرج شبان من الدورة الأولى للتصويت فيما بقيت «آ.ك.ك» وميرز للدورة الثانية.
بين الثلاثة، يُعد لاشيت من المقرّبين لميركل، وهو لم يترشح لخلافتها في المرة الماضية. وثمة من يتحدّث عن اتفاق «تحت الطاولة» حصل بين لاشيت وميركل عام 2018 يقضي بإحجامه عن الترشح في حينه إفساحاً في المجال أمام كرامب كارنباور للفوز. ولكن الآن قد تكون الطريق أمامه ممهدة، خاصة أن سياسته قريبة من سياسة ميركل.
وحقاً، كثرة من المتابعين يرون أن فرصة لاشيت وافرة هذه المرة، مستبعدين فرص اختيار ميرز، رغم التأييد الكبير الذي يحظى به من «الجناح المتطرف» داخل الحزب. ويعتبر هؤلاء المتابعون أن لاشيت محبوب من الجميع داخل الحزب المحافظ ويجيد التعاطي مع الناخبين.
وفي المقابل، تتداول صحف ألمانية منذ أيام «سيناريو» ضم ميرز لحكومة يرأسها لاشيت، وتعيينه وزيراً للاقتصاد من أجل الاستفادة من خبرته في عالم الأعمال، وفي محاولة لكسبه إلى جانبه وطمأنة «المتطرفين» في الحزب كذلك.
في مطلق الأحوال، وبغض النظر عمّن سيكون زعيم الحزب المقبل، يبدو أن ما حصل في ثورينجيا لن يتكرر... على الأقل في الفترة القليلة المقبلة؛ إذ إن رد الفعل الذي تبع التحالف بين الديمقراطيين المسيحيين و«البديل لألمانيا» كان مزلزلاً، ومن كل الأحزاب. ولكن التحدي الآن هو انتخاب زعيم جديد، والإبقاء على الحكومة قائمة في الوقت نفسه؛ إذ إن الاشتراكيين أعلنوا بوضوح أنهم دخلوا الحكومة مع ميركل، وسيغادرونها مع ميركل. وهذا ما يعني أن أي إصرار من الزعيم المنتخب على تولي منصب المستشارية في الوقت نفسه وعلى الفور، سيؤدي إلى إسقاط الحكومة والدعوة لانتخابات نيابية مبكرة، عوضاً عن الانتخابات المجدوَلة في أكتوبر (تشرين الأول) 2021. وفي حال حصل ذلك، ستُجبر ميركل العازمة على إكمال ولايتها حتى نهايتها، على التقاعد المبكر.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.