«إخوان» السودان: نظام البشير لم يكن إسلامياً

تلاحقهم اتهامات الشارع بخلق الأزمات... ويفتقرون إلى قيادة موحدة

البشير والترابي وبينهما غازي صلاح الدين العتباني خلال مؤتمر في 2014 (غيتي)
البشير والترابي وبينهما غازي صلاح الدين العتباني خلال مؤتمر في 2014 (غيتي)
TT

«إخوان» السودان: نظام البشير لم يكن إسلامياً

البشير والترابي وبينهما غازي صلاح الدين العتباني خلال مؤتمر في 2014 (غيتي)
البشير والترابي وبينهما غازي صلاح الدين العتباني خلال مؤتمر في 2014 (غيتي)

بعد نحو عام على سقوط حكم «الإخوان المسلمين» الممتد لنحو 30 عاماً، لا يزال كثيرون من السودانيين يعتقدون أن نظام الإسلاميين لم يرحل بعد. وتكثر الاتهامات لهم بأنهم «يتحكمون في مصير البلاد والعباد، ويحكمون قبضتهم على مفاصل الدولة بالحديد والنار»، عبر كوادرهم داخل المؤسسات المهمة والاستراتيجية، «ويساهمون بقدر وافر في عرقلة سير المؤسسات».
ورغم قرارات تفكيك النظام التي صدرت أخيراً لملاحقة الفاسدين من قادة الإسلاميين ومن ارتكبوا جرائم بحق الشعب السوداني، فإن معظم قادتهم لا يزالون طلقاء، ويذهب البعض إلى تحميلهم مسؤولية كثير من الأزمات التي تمر بها البلاد، مثل أزمات الوقود والخبز والازدحام المروري وعمليات التهريب النشطة التي تتم عبر الحدود لكثير من السلع الاستراتيجية.
ويشير سليمان بدوي، وهو ناشط سياسي ورجل أعمال، إلى أن «بضائع السودان تهرّب إلى كل دول الجوار. الماشية تهرب إلى مصر، وسلع مثل الدقيق والسكر والوقود تباع عياناً جهاراً في تشاد وأفريقيا الوسطى حتى الكاميرون، وشرقاً إلى آريتريا وإثيوبيا. كل هذه المنتجات تُشاهد في مراكز البيع في هذه الدول بكل وضوح... عناصر الإسلاميين لهم اليد الطولى في ذلك».
ويقول القيادي في «الحرية والتغيير» الناطق باسم «لجنة تفكيك نظام الإنقاذ» صلاح مناع لـ«الشرق الأوسط» إن «الإسلاميين ما زالوا موجودين ويسيطرون على مفاصل السلطة والمال، بل يتشبثون بالعودة إلى الحكم».
ويوضح أن «محاولاتهم لإفشال السلطة الانتقالية متواصلة، ولم تتوقف يوماً واحداً، وما مر يوم إلا وتم اكتشاف مؤامرة يقفون وراءها». وأشار إلى ضبط السلطات الأمنية متفجرات في أحد أحياء الخرطوم، «وهم ضالعون فيها، ما يدل ويؤكد تآمرهم». لكن مناع أكد قدرة الحكومة على «القضاء عليهم وتفكيك مراكز نفوذهم في السلطة والمال، واستعادة الدولة السودانية منهم». ورأى أن «الجرائم التي ارتكبوها خلال 30 سنة من الحكم، أنهت مستقبلهم السياسي في السودان إلى الأبد، والدولة لن تسمح بإقامة أحزاب على أسس دينية مجدداً».

- الأزمات منذ الاستقلال
قادة حزب «المؤتمر الشعبي» الذي أسسه منظّر الإسلاميين الراحل الدكتور حسن الترابي، يدافعون عن أنفسهم، ويرفضون اتهامهم بالوقوف وراء الأزمات. ويقولون إن ما يحدث هو «نتاج طبيعي لفشل الحكومة اليسارية التي يقودها الشيوعيون والبعثيون، ولا علاقة له بالتيار الإسلامي».
بشير آدم رحمة، الأمين العام المكلف للحزب، يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا علاقة لنا بما يحدث، فالسياسات التي تنتهجها الجماعات اليسارية الحاكمة هي التي تسببت في الأزمات، وأدت إلى وقف المساعدات الخارجية عنهم، والتي كان يمكن أن يتلقوها إذا انتهجوا سياسات معتدلة ومحاورية». وأضاف أن «الدول الخارجية ليست منظمات إغاثة... عندما ابتعدوا عن المحاور، أوقفوا عنهم الدعم».
وبشأن عمليات التهريب، يقول رحمة إن «التهريب إلى الدول المجاورة قديم، ويحتاج إلى معالجات، ولو لم تنفذ الحكومة أجندات الخارج فلن تجد الدعم». وأشار إلى أن «إنتاج الذهب يبلغ 10 مليارات دولار سنوياً، ويمكن أن يسد العجز في الموازنة الذي يبلغ 6 مليارات دولار... مشكلتنا في السودان تتمثل في إدارة الموارد، من كل الحكومات التي مرت منذ الاستقلال».
ودافع عن مشاركة حزبه في النظام قبل سقوطه، مشيراً إلى أنها «تمت باتفاق سياسي عبر برنامج الحوار الوطني، وأسهمنا في تعرية النظام من الداخل، بكشف الفساد المالي في مجلس الوزراء والبرلمان، ما كسر هيبة النظام، وشجع السودانيين على الخروج في الشوارع ضد النظام». ورأى أن «المحاور الإقليمية والعالمية انتهزت فرصة مشاركتنا في السلطة لإسقاط النظام والتخلص من الإسلام السياسي بضربة واحدة، فيما كان حزب المؤتمر الشعبي يعمل من الداخل لإسقاط نظام عمر البشير».

- الاعتراف بفساد «الإنقاذ»
واعترف رحمة بفساد نظام «جبهة الإنقاذ» الذي شارك حزبه في بداياته. وقال: «اعتذرنا عشرات المرات عن المشاركة في انقلاب 1989»، معتبراً أن نظام البشير «لم يكن إسلامياً». وأضاف أن «من أكبر أنواع الفساد الذي مارسه نظام الإنقاذ قتل النفس في دارفور، والحكم الديكتاتوري الفاسد».
غير أنه دافع عن نهج الإسلاميين في إقصاء الآخرين في السلطة بدعوى «التمكين»، معتبراً أن «أي حزب يأتي إلى الحكم يعمل على تمكينه في السلطة». وأشار إلى أن «نظام الإنقاذ كان يدار بواسطة الجيش والأمن والشرطة، وعندما استعصى علينا إصلاح الأوضاع نحو نظام ديمقراطي خرجنا منه».
وبرر رحمة انقلاب الإسلاميين على الحكومة الديمقراطية المنتخبة في العام 1989 بـ«الإقصاء الذي تمت ممارسته عليهم من قبل القوى السياسية» في الحكومة الديمقراطية، ومطالبات قيادة الجيش لرئيس الحكومة الصادق المهدي آنذاك بإبعاد الإسلاميين من السلطة، وموافقته على ذلك.
وقال إن «حزب المؤتمر الشعبي أعلن موقفاً واضحاً، أنه ضد الانقلابات العسكرية... (تاني خلاص توبة من العسكر). وقدمنا اعتذاراً للشعب السوداني عن انقلاب الإنقاذ. إذا كانت هناك محاكمات، فيجب أن يحاكم كل الذين شاركوا في الانقلابات التي حدثت في السودان منذ الاستقلال».
وأوضح رحمة أن «المؤتمر الشعبي ليس ضد محاكمة كل من ارتكب جرائم في حق الشعب السوداني... أي سلطة من دون رقابة مفسدة، ومن مساوئ الإنقاذ قمع الحريات وإقصاء الآخرين، وكل الممارسات الخاطئة للإنقاذ من قتل وتشريد، تعرضنا لها في حزب المؤتمر الشعبي».
وأشار إلى أن الأمين العام للحزب علي الحاج محمد «قُبض عليه بتهمة المشاركة والتدبير، في انقلاب الإنقاذ، وهو بريء منها، وهي تهمة سياسية، لأنه عندما وقع الانقلاب كان خارج البلاد». وأضاف أن «الحريات من أساس الدين، وأي نظام لا يبسط الحريات لا يمكن أن نسميه إسلامياً، ونظام الإنقاذ لم يكن إسلامياً، وإنما عسكرياً، بما في ذلك الفترة التي كنا فيها جزءاً من السلطة».
وبشأن موقف الحزب من تسليم الرئيس المعزول عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، قال رحمة: «دخلنا السجون لأننا طالبنا بذلك، لأنه لا توجد عدالة في السودان، وحتى الآن لا توجد عدالة... هذه الحكومة مفروضة من الخارج، ويسيطر عليها اليسار، أحزاب الشيوعي والبعث، والناصريون، وحالياً القضاء مسيس». وأضاف: «في عهد البشير لم تكن هناك إمكانية لمحاكمة المطلوبين بواسطة القضاء الوطني، لذلك طالبنا بأن يحاكموا بواسطة المحكمة الجنائية الدولية... الآن هذا الطلب أولى أن يجاب، لأنه لا يوجد قضاء مستقل».
بيد أن رحمة توقع حدوث عقبات وتعقيدات إذا حاولت الحكومة تسليم المطلوبين إلى محكمة لاهاي. وقال: «لن يستقر السودان، لأن الجيش وأنصار حزب المؤتمر الوطني المحلول (حزب البشير) لن يسكتوا... سيؤدي هذا القرار إلى قلاقل في البلاد. وربما يؤدي إلى انقلاب عسكري أو فوضى عارمة».

- تحذير من «الشيطنة»
من جهته، يتحفظ الإسلامي المنشق رئيس «حركة الإصلاح الآن» غازي صلاح الدين العتباني عن تسليم البشير. ويقول: «عندما كنت مشاركاً في مفاوضات الدوحة توصلنا إلى حل مقبول يزاوج بين تحقيق العدالة وأن يكون الحل وطنياً... توصلنا إلى صيغة قبل بها المجتمع الدولي، (وتقضي بأنه) يجوز لكل من تضرر من أي شخص بما في ذلك الرئيس أن يقدم شكواه لمحاكمة وطنية، لكن بإشراف دولي، وأنا ملتزم بهذا الاتفاق الذي يجمع ما بين العدالة، ويأخذ في الاعتبار المعاناة والخسائر التي حدثت، ويزيل مخاوف الذين يقولون إن هذا مدعاة للتدخل الدولي».
ولا يعترض العتباني على ما يسميه «التدبر في أخطاء الإنقاذ ونقد تجربتها»، ويدعو إلى «الاستفادة منها لتجنبها في المستقبل... وهذا كافٍ ليثير جدلاً مفيداً، مثلما حدث في تجربة المصالحة والعدالة بجنوب أفريقيا، لكن ليس محاكمة لشخص معين، وهذا النوع من التمارين الديمقراطية مطلوب».
وأثار لقاء جمع العتباني ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك حملة استنكار واسعة، وهو ما يثير استغراب الرجل الذي يقول إن اللقاء «كان موفقاً». ويوضح أن حمدوك «دعاني إلى التشاور معه في القضايا الوطنية، وتبادلنا الآراء نحو الساعة، ما عزز مطلب الحوار لتوفير حلول لمشكلات البلاد». وانتقد الحملة ضد اللقاء، ووصفها بأنها «ضد الديمقراطية... من يدعون الديمقراطية بطاقاتهم مضروبة، لأنه لا يوجد شيء يمنع شخصاً يعمل وفق القانون، من أن يقابل من يقابل».
وعزا حالة «الكراهية» التي تواجه الإسلاميين إلى إخفاقات تجربة حكمهم، «واستغلال الخصوم السياسيين لهذه الإخفاقات». وقال: «نعم هناك أخطاء استخدمت لتجسيد موقف جديد، أساسه سياسي، وليس فكرياً، اتخذ ذريعة فكرية ليصور مجموعة من الناس بصورة الشيطان. لم يشهد تاريخ السودان الحديث أن تعرضت جماعة لمثل هذه الدرجة من الشيطنة».
ويحذر العتباني من الاستمرار في شيطنة الآخر، بقوله: «إذا وافقنا على منهج الشيطنة فسنكون جميعاً ضحايا لهذه الممارسة، يجب أن نوقفه ونمنعه، فهو مثيل لتجربة رواندا التي تحولت إلى مجزرة». ورأى أن «شيطنة الإسلاميين استخدمت ذريعة للتهرب من المسؤوليات، لدرجة أنها تحولت إلى سخرية من مروجيها». وأضاف: «تحولت المسألة إلى مكايدات وتربص بالآخر، حتى حرية الكلمة تأثرت بذلك. استغربت من بعض الأصوات التي ترفض أن نتكلم، هذا التكيف الذهني الجديد لن يؤدي إلى تحقيق الأهداف الكبرى، فقضايانا المتعلقة بالفترة الانتقالية كثيرة ولم تحسم».

- حظوظ الإسلاميين في الانتخابات
ويتوقع العتباني حصول الإسلاميين حال إجراء الانتخابات في موعدها على نسبة 20 في المائة من أصوات الناخبين، مستنداً إلى ما أسماه «النواة الصلبة للإسلاميين التي تمثل نسبة تتراوح بين 20 و25 في المائة».
ولم يستبعد الرجل الذي غاضب طرفي الإسلاميين في الحكم والمعارضة، عودة الإسلاميين إلى الحكم، لكن في الوقت ذاته حذر من «استخدام الانقلاب كوسيلة للتغيير». وقال: «وارد حدوث انقلاب، لكنه سيعقد القضية أكثر، وإذا حدث فسيأتي بالجيش وحده، لأنه مستعد لتقبل أي أطروحة من أي جماعة سياسية قد تدفعه لتحقيق أغراضها، لكن الناس استناداً إلى ردات الفعل من الحكومات العسكرية السابقة سيتنصلون منه، ويتنكرون له».
ورسم العتباني سيناريوهات بديلة، وضع على رأسها نجاح التحول الديمقراطي، أو أن يحدث انقلاب، وهو احتمال غير راجح، أو أن تؤدي المؤثرات الخارجية والداخلية بالتناغم مع انتشار السلاح إلى عنف سياسي غير مسبوق.

- غياب القيادة
المحلل السياسي والإسلامي السابق أبو ذر علي الأمين، لا يرى فرصة لتجمع الإسلاميين، «لأن حكم الثلاثين سنة الماضية فرقهم، فأصبحوا بلا آيديولوجيا واحدة، ولم يترك لهم زعيماً يتوحدون خلفه». ويوضح أن مستقبل حركات الإسلام السياسي «مواجه بتعقيدات كثيرة على المديين القريب والبعيد، وهم ما زالوا يرفضون الاعتراف بأنهم فقدوا حركة منظمة قوية ومتماسكة كانت توحدهم، وأنهم فقدوا السلطة، لذلك يتعاملون بالعنجهية ذاتها، ويستخدمون اللغة نفسها، ويقودهم الأشخاص أنفسهم... هذا كله بلا قيمة». وأضاف: «إذا تغاضينا عن عدم نقدهم لأنفسهم، فالحركة الإسلامية بحاجة لخطاب جديد، لأن الخطاب الذي قامت عليه لم يعد فعالاً في العهد الجديد. ومثلما فشل في الثلاثين سنة، سيفشل في مواجهة أسئلة اليوم».
وخلص إلى أن «حكمي النهائي أن الإسلاميين سيواجهون معاناة كبيرة، وأنهم في حال بروز تيارات سياسية جديدة تقود البلاد، لن يكونوا ضمنها، بسبب تجربتهم التي لم يخرجوا منها... أقصى ما يمكن أن يفعله الإسلاميون السودانيون هو أن يكونوا مزعجين، أكثر من أن يشكلوا خطراً، لأنهم غير قادرين على استيعاب المتغيرات داخلهم وحولهم».



مصر والسودان يرفضان محاولات الإساءة لعلاقاتهما

لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)
لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر والسودان يرفضان محاولات الإساءة لعلاقاتهما

لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)
لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر والسودان «عمق العلاقات الأخوية» بينهما، ورفضا «محاولات الإساءة إلى العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار»، وذلك عقب استهداف منقبين عن الذهب والمعادن قرب الحدود بين البلدين، ومقتل مصريَّين في العاصمة السودانية الخرطوم.

وشدّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقائه وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، على «ثوابت موقف بلاده الداعم لوحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته»، مؤكداً استمرار الجهود المصرية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان.

وجاء اللقاء بين عبد العاطي وإبراهيم، الجمعة، على هامش مشاركتهما في الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وأكد الوزيران «عمق العلاقات الأخوية والوشائج التاريخية التي تجمع البلدين والشعبين». وبحسب بيان للخارجية المصرية، شددا على «رفضهما لأي محاولة للإساءة لهذه العلاقات التي تقوم على الاحترام المتبادل للسيادة والحدود وجميع الاعتبارات التي تقوم عليها علاقات حسن الجوار».

وتأتي هذه التأكيدات على وقع استهداف منقبين عن الذهب، يُعرفون محلياً بـ«الدهّابة»، قرب الحدود المصرية السودانية، وتداول مستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي في السودان مشاهد مصورة قالوا إنها تُظهر قصف طائرات عسكرية مصرية مناطق تعدين داخل الأراضي السودانية.

وكان المتحدث العسكري المصري قد أعلن، في بيان الاثنين الماضي، أن «عناصر إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية نفذت المرحلة الثالثة من حملة موسعة لمواجهة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية». وأوضح أن الحملة سبقتها عملية إلقاء منشورات تحذيرية، مشيراً إلى أنها «تستهدف فرض السيادة المصرية وحماية مقدرات البلاد وثرواتها».

وبالتزامن، أطلق مسلحون سودانيون النار على عدد من سائقي الشاحنات المصريين في الخرطوم، ما أسفر عن مقتل سائقَين وإصابة آخر.

وبحسب بيان الخارجية المصرية، بحث عبد العاطي وإبراهيم المسار السياسي وتطورات الأوضاع في السودان، وجدّد الوزير المصري تأكيد موقف بلاده الداعم لوحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة، ومواصلة الجهود لإنهاء الأزمة وتخفيف معاناة الشعب السوداني.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم الجمعة (الخارجية المصرية)

من جانبه، عدّ مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، اللقاء مؤشراً على استمرار التواصل السياسي بين القاهرة والخرطوم، وتجديداً لثوابت الموقف المصري الداعم لوحدة السودان وسلامة أراضيه. وقال إن التأكيد على صون العلاقات الثنائية وإدارتها باحترام متبادل يمثل «رسالة مهمة في ظل الجدل المصاحب للحادثين الأخيرين».

وأضاف الشرقاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن العلاقات بين البلدين تشمل مجالات عديدة، مؤكداً حرص مصر على تعزيز قدرات المؤسسات السودانية للاضطلاع بدورها، ودعم جهود إعادة الإعمار بعد الحرب. وبحسب بيان الخارجية المصرية، بحث الوزيران سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطويرها في مختلف المجالات، بما يلبي تطلعات الشعبين.

بدوره، رأى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في «جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، أن الحادثين الأخيرين لا يعكسان طبيعة العلاقات التاريخية بين البلدين، متهماً أطرافاً أخرى، لم يسمّها، بتوظيفهما للإساءة إلى هذه العلاقات واستهداف الشراكة بين القاهرة والخرطوم.

ودعا جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى تحصين العلاقات بالاحتكام إلى «العقل والحكمة الدبلوماسية» في معالجة تداعيات الحادثين. واقترح تشكيل قوة مشتركة على الحدود للتصدي لعمليات التعدين الأهلي، إلى جانب تفعيل مسارات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي بين البلدين.

وكان مجلس السيادة الانتقالي في السودان قد أعلن، الاثنين، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن ما وصفه بـ«الحادث الأليم» الذي تعرض له عدد من المعدّنين السودانيين في المنطقة الحدودية بين مصر والسودان. وأوضح أن اللجنة تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية، للتحقيق في ملابسات الحادث والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة به.


المغرب: وزراء يحافظون على حقائبهم في الحكومة الجديدة... وحضور وازن للنساء

العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال ترؤسه اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة (ماب)
العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال ترؤسه اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة (ماب)
TT

المغرب: وزراء يحافظون على حقائبهم في الحكومة الجديدة... وحضور وازن للنساء

العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال ترؤسه اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة (ماب)
العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال ترؤسه اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة (ماب)

ترأس العاهل المغربي الملك محمد السادس، اليوم الجمعة، بالقصر الملكي بالرباط، مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة، في خطوة تفتح مرحلة جديدة أمام السلطة التنفيذية، تتركز على تسريع الإصلاحات وتحسين أداء المرافق العمومية، وبهذه المناسبة، أدى أعضاء الحكومة الجدد القسم بين يدي الملك.

وتضم الحكومة الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، عدداً من الوجوه التي تتولى حقائب مرتبطة مباشرة بالملفات ذات الأولوية، إلى جانب استمرار عدد من الوزراء في مناصبهم، بما يعكس توجهاً نحو الجمع بين الاستمرارية وتجديد المسؤوليات الحكومية.

وشهدت الحكومة الجديدة بروز عدد من الأسماء التي تخوض تجربة الاستوزار لأول مرة، في أعقاب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 من سبتمبر (أيلول) الماضي. وتضم الحكومة الجديدة 32 وزيراً، تجمع تشكيلتها بين قيادات حزبية وأطر سياسية وتكنوقراط، في إطار صيغة حكومية جديدة تراهن على توزيع المسؤوليات بين مكونات الأغلبية، والاستعانة بكفاءات في عدد من القطاعات.

وكما توقع عدد من المراقبين، فقد جدد الملك محمد السادس الثقة في فوزي لقجع بتعيينه وزيراً للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية في الحكومة الجديدة، في خطوة تعكس استمرار الاعتماد على تجربته في تدبير المالية العمومية، ومواكبة الأوراش الاقتصادية للمملكة.

ويأتي هذا التعيين بعد سنوات من اشتغال لقجع في منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، حيث راكم تجربة في إعداد قوانين المالية وتتبع تنفيذها، فضلاً عن مساهمته في تدبير الملفات المرتبطة بالتوازنات المالية والإصلاحات الميزانياتية.

وينظر إلى استمرار لقجع في المسؤولية الحكومية باعتباره امتداداً لمساره في تدبير الملفات المالية، في مرحلة تواجه فيها الحكومة الجديدة تحديات تتعلق بتعبئة الموارد، وتحفيز الاستثمار، وتمويل البرامج الاجتماعية، والحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية.

وتنتظر الوزير الجديد ملفات مالية واقتصادية مهمة، في مقدمتها إعداد وتنفيذ التوجهات المالية للحكومة، ومواكبة الإصلاحات الاقتصادية، بما يضمن التوفيق بين متطلبات التنمية والحفاظ على استدامة المالية العمومية.

كما يلاحظ في التشكيلة الحكومية الجديدة، احتفاظ تسعة وزراء بمناصبهم الحكومية، وفق البلاغ الديوان الملكي المتعلق بتعيين أعضاء الحكومة الجديدة،

ويتعلق الأمر بكل من عبد الوافي لفتيت، الذي احتفظ بحقيبة وزارة الداخلية، وناصر بوريطة على رأس وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وعبد اللطيف وهبي وزيراً للعدل، وأحمد التوفيق وزيراً للأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى جانب نزار بركة الذي واصل مهامه على رأس قطاع التجهيز والماء، مع إدراج الغابات ضمن التسمية الجديدة للوزارة بعدما كانت خاضعة لوزارة الفلاحة.

وبالنسبة لحضور العنصر النسائي في الحكومة الجديدة، ضمت التشكيلة الحكومية التي عينها، اليوم الجمعة الملك، سبع نساء، بمن فيهن رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، في حضور نسائي يتوزع بين رئاسة الجهاز التنفيذي وحقائب وزارية ومناصب وزيرة منتدبة، بما يعيد إلى الواجهة النقاش حول تمثيلية المرأة في مراكز القرار السياسي والتدبيري بالمغرب.

وتتولى فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة لتكون بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب، فيما تضم اللائحة ست نساء أخريات يشغلن مناصب وزارية، أو مهام منتدبة داخل الحكومة.

وتشمل الأسماء النسائية الواردة في التشكيلة شرفات أفيلال، التي أسندت إليها حقيبة وزيرة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، ونجوى كوكوس، وزيرة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، وقلوب فيطح، الوزيرة المنتدبة لدى رئيسة الحكومة المكلفة العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني.

كما تضم اللائحة مديحة خيير، الوزيرة المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، المكلفة التكوين المهني والتأهيل، وفاطمة السعدي، الوزيرة المنتدبة لدى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، المكلفة الإسكان وسياسة المدينة، إلى جانب عائشة كلاع، الوزيرة المنتدبة لدى وزير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، المكلفة إصلاح الإدارة.

وبذلك، يتوزع الحضور النسائي بين رئاسة الحكومة وقطاع الطاقة والمعادن، والأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، والعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، والتكوين المهني والتأهيل، والإسكان وسياسة المدينة، وإصلاح الإدارة.


قبائل صنعاء تعرقل مساعي الحوثيين لتوسيع التجنيد

وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
TT

قبائل صنعاء تعرقل مساعي الحوثيين لتوسيع التجنيد

وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)

اصطدمت محاولات الجماعة الحوثية توسيع حملات التعبئة والتجنيد في محيط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء برفض قبلي متزايد، بعد إخفاقها في حشد أبناء عدد من المديريات لتنظيم وقفات مسلحة مؤيدة لتصعيدها العسكري، وسط ضغوط متصاعدة تمارسها على مشايخ القبائل لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال، وتعويض خسائرها البشرية.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن قيادات حوثية كثّفت، منذ مطلع الشهر الحالي، اتصالاتها وتحركاتها في ريف صنعاء، مطالبة مشايخ القبائل برفع جاهزية ما تسميه «التحشيد القبلي»، وتنظيم وقفات مسلحة وتوفير دفعات جديدة من المقاتلين لرفد الجبهات، في مسعى لتوسيع التجنيد بالتزامن مع ازدياد خسائر الجماعة في المواجهات المسلحة.

وجهاء موالون للحوثيين لدى مشاركتهم في وقفة تعبوية غرب صنعاء (إكس)

وشملت التحركات مديريات بني مطر، وسنحان وبني بهلول، وبلاد الروس، وخولان، وجحانة، وهمدان، وأرحب، ونهم، وصعفان، ومناخة، غير أن هذه المساعي واجهت، وفق المصادر، إحجاماً من عدد من المشايخ والوجهاء عن الاستجابة للمطالب الحوثية، وسط استياء متزايد من استمرار استنزاف أبناء القبائل في معارك تتحمل الأسر والمجتمعات المحلية تكلفتها البشرية والمعيشية.

وأضافت المصادر أن بعض زعماء القبائل أبدوا عجزهم عن توفير مقاتلين جدد، في ظل تراجع الاستجابة لدعوات التجنيد واتساع المخاوف من إرسال مزيد من الشباب إلى الجبهات، حيث تتكبد الجماعة خسائر متلاحقة.

تهديدات وامتيازات

لم تقتصر تحركات الجماعة على الاتصالات والدعوات التعبوية، إذ لجأت، وفق المصادر، إلى ممارسة ضغوط على مشايخ القبائل لدفعهم إلى الاستجابة، شملت التلويح بسحب امتيازات وفرض غرامات مالية على المتخلفين عن تنفيذ مطالبها، مقابل تقديم إغراءات مالية وعينية لمن يوافقون على رفد الجبهات بالمقاتلين.

وتسعى الجماعة، من خلال هذه الأساليب، إلى تحميل مشايخ القبائل مسؤولية توفير المقاتلين، وتوظيف نفوذهم الاجتماعي لاستقطاب أبناء مناطقهم، في وقت تزداد فيه الخسائر البشرية على جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف ولحج والضالع.

وفي مؤشر على تعثر مساعي الحشد، شهدت مناطق في بني مطر وسنحان ونهم بمحافظة صنعاء، قبل أيام، وقفات قبلية منفصلة دعت إليها الجماعة، لكنها اتسمت بمشاركة محدودة، وفق المصادر المحلية.

إجبار أبناء قبائل ريف صنعاء على ترديد الشعارات الحوثية (فيسبوك)

وسخّرت الجماعة وسائل إعلامها لتغطية تلك الفعاليات وإظهارها بوصفها تعبيراً عن التأييد القبلي، في محاولة لتعزيز صورتها وتبرير استمرار تحركاتها العسكرية، بالتزامن مع مساعيها لاستقطاب مقاتلين جدد.

وتشير محدودية المشاركة في هذه الفعاليات، وفق المصادر، إلى صعوبة تحويل الدعوات الحوثية إلى حشد قبلي واسع، خصوصاً في ظل تنامي الاعتراضات على استنزاف الشباب، وتوظيف الروابط القبلية لخدمة الأهداف العسكرية للجماعة.

وتتزامن حملات التعبئة مع استمرار القيود والضغوط المفروضة على سكان مناطق ريف صنعاء، وسط اتهامات للجماعة بالتضييق على المعارضين ومواصلة الاستيلاء على أراضٍ وممتلكات خاصة، بما يزيد من حدة الاحتقان في أوساط السكان.

وفي ظل تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية في تلك المناطق، تواجه الأسر أعباءً اقتصادية متزايدة، بينما تواصل الجماعة توجيه جهودها نحو الفعاليات التعبوية والتحركات العسكرية، بدلاً من معالجة احتياجات السكان الأساسية.

مخاوف أسرية

تأتي هذه التحركات في ظل مساعٍ حوثية متواصلة لرفد الجبهات بالمقاتلين، بالتزامن مع تصاعد مخاوف الأسر من فقدان أبنائها أو عودتهم بإصابات دائمة، في وقت تزداد فيه الأعباء المعيشية، وتتراجع الخدمات الأساسية في مناطق سيطرة الجماعة.

وفي المقابل، يطالب سكان المناطق المستهدفة في ريف صنعاء بوقف حملات التجنيد والتحشيد، وتوجيه الجهود نحو معالجة الأزمات المعيشية، وتحسين الخدمات، بدلاً من دفع أبنائهم إلى جبهات القتال.

الحوثيون يستخدمون القتل والتهجير والخطف لإخضاع القبائل (فيسبوك)

وكانت الحكومة اليمنية قد دعت مشايخ القبائل والآباء والأمهات في تلك المناطق إلى منع إلحاق أبنائهم بصفوف الحوثيين، محذرة من الزج بهم في معارك تخدم، وفق موقفها، المشروع الإيراني وأجنداته الإقليمية على حساب أرواح اليمنيين ومستقبلهم.

وتتهم الحكومة الجماعة باستغلال النفوذ الاجتماعي والظروف الاقتصادية، إلى جانب أساليب الترهيب والإغراء، لاستدراج الشباب إلى معسكرات التعبئة والجبهات، بدلاً من توفير الظروف التي تساعدهم على العمل والحياة بعيداً عن الحرب.