نساء دمشق يعملن في مهن ذكورية... والساحل يزدحم بالأرامل

غياب الرجال يجبر سوريات على القيام بأدوار الأم والأب والمعيل

فتيات في سوق الملابس المستعملة في دمشق (إ ب أ)
فتيات في سوق الملابس المستعملة في دمشق (إ ب أ)
TT

نساء دمشق يعملن في مهن ذكورية... والساحل يزدحم بالأرامل

فتيات في سوق الملابس المستعملة في دمشق (إ ب أ)
فتيات في سوق الملابس المستعملة في دمشق (إ ب أ)

رغم ظهور علامات التعب على وجهها، فإن سوسن تواصل بنشاط تلبية طلبات الزبائن في أحد محلات الحلوى في دمشق، بعدما وجدت نفسها فجأة المعيل الوحيد للأسرة، ومجبرة على القيام بدور الأب والأم في آن واحد.
وفي هذه الأيام، المتجول في أحياء العاصمة يلحظ أن الأسواق والأماكن العامة تزدحم بالنساء، لدرجة بات البعض يطلق عليها «مدينة النساء» بسبب طغيان الطابع الأنثوي على الذكوري، بينما يصف آخرون لـ«الشرق الأوسط» مدينة طرطوس على الساحل السوري بـ«مدينة الأرامل»، بسبب مقتل عدد كبير من رجالها في الحرب اذ يعتقد بمقتل اكثر من الف عنصر من الجيش النظامي.
سوسن، السيدة البالغة من العمر نحو 25 عاماً، لا تنقصها الحنكة في التعامل مع الزبائن، من خلال إظهارها الابتسامات أثناء تلبيتها طلباتهم، وتوضح أنها لم تكن «مخيرة في مسألة الالتحاق بسوق العمل وإنما مجبرة» من أجل إعالة طفليها، بعد أن أفقدتها الحرب منذ عامها الثاني زوجها الذي كان المعيل الوحيد للعائلة.
لا تجد سوسن التي تعمل لمدة ثماني ساعات في اليوم، حرجاً من العمل في المحل رغم أن معظم العاملين فيه هم من الرجال، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة صعبة للغاية، وازدادت صعوبتها مؤخراً، ويجب أن أعمل لأعيش أنا وأطفالي، فلا يوجد من يطرق بابنا ويعطينا ليرة أو رغيف خبز».
وبعد أن توضح السيدة أن أحوالها تهون عن أحوال بعض الأسر النازحة التي فقدت معيلها، وتضطر لدفع مبالغ مرتفعة جداً إيجارات للمنازل، تقول: «الحمد لله، الحال مستورة، فأنا لم أنزح من بيتي، وأتقاضى 60 ألف ليرة في الشهر، وصاحب المحل رجل طيب إكرامياته للعمال لا تنقطع، كما أحصل على إعانات من الجمعيات الخيرية». (الدولار الأميركي يساوي ألف ليرة).
وتسبب موت أعداد كبيرة من الرجال خلال الحرب التي تشهدها سوريا وستدخل عامها العاشر منتصف مارس (آذار) المقبل، وعمليات الخطف والاعتقال، في فقدان أعداد كبيرة من العائلات في مناطق سيطرة الحكومة للمعيل زوجاً وولداً.
وتؤكد منظمات حقوقية ومراكز دراسات، أن حصيلة ضحايا الحرب تقدر بـأكثر من نصف مليون قتيل، 350 ألف حالة منها تم توثيقها، يضاف إليهم نحو مليون شخص أصيبوا بإعاقات مباشرة، ونحو 200 ألف معتقل، بينما يؤكد «مركز دمشق للأبحاث والدراسات» (مداد) الموالي للحكومة، في دراسة حملت عنوان «تداعيات الأزمة – الحرب على واقع المرأة السورية»، أن نسبة الذكور من وفيات الحرب السورية بلغت نحو 82 في المائة.
هذه الحال دفعت بكثير من النساء إلى ممارسة مهن وأعمال كانت حكراً على الرجال، والقيام بدور الأب المعيل والأم في آن واحد، وهي ظاهرة لم تكن مألوفة في سوريا قبل الحرب؛ حيث بات من المألوف مشاهدة فتيات يعملن في محال بيع الألبسة الجاهزة الرجالية والنسائية والسوبرماركت والحلويات والبوظة، وحتى بائعات بساطات في أسواق الخضراوات، وعاملات نظافة في الطرقات، وسائقات لسيارات أجرة، وفي محال تصليح السيارات.
ومن مؤشرات ارتفاع نسبة عمالة النساء والفتيات في مناطق سيطرة الحكومة، وحالة الفقر المدقع التي تعاني منها غالبية العائلات، مشاهدة فتيات لا يتجاوز عمر الواحدة منهن الثامنة عشرة، يعملن نادلات في المقاهي، التي انتشرت خلال الحرب بشكل لافت في العاصمة دمشق؛ حيث يقمن بالترحيب بالزبائن، ومرافقتهم إلى أن يختاروا طاولة يجلسون عليها، ومن ثم تلبية طلباتهم، والتردد عليهم بين الحين والآخر إلى أن ينهوا جلستهم، ثم قبض قيمة الفاتورة والبقشيش.
أم يوسف، وهي أم لطفل وثلاث فتيات، منذ اختفاء زوجها في السنة الأولى للحرب تعمل في غسل السيارات أمام الأبنية في الأحياء الراقية وسط العاصمة، مقابل مبالغ مالية مقبولة تتقاضاها من أصحابها، تعيش منها مع أفراد عائلتها، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأولاد كانوا صغاراً، ولم يكن أمامي خيار سوى العمل، وإلا كنا سنشرد ونجوع». وتوضح أنها مع مرور الوقت وهي تقوم بهذا العمل؛ «أصبح كثير من أصحاب السيارات في تلك الأحياء زبائن لي، ويتصلون بي مسبقاً لتنظيف سياراتهم في اليوم التالي».
ومع تفاقم صعوبة الحياة المعيشية للغالبية العظمى من الأسر، بسبب الغلاء الفاحش وتردي المداخيل الشهرية، تشير أم يوسف إلى أنها تبحث لفتياتها عن عمل من أجل مساعدتها في مواجهة مصاعب الحياة، وتقول: «العمل لا يعيب الفتاة ما دامت محافظة، وتحدثتُ مع كثير من الزبائن لإيجاد عمل للبنات، ووعدوني خيراً، ولكن حتى الآن لم أحصل على نتيجة»، وتلفت إلى أنها «سأقوم بتشغيلهن بأي عمل بعد عودتهن من المدرسة؛ لأن مصاريف الحياة كبيرة، ولم أعد أقدر على تأمينها وحدي».
كانت الأرقام الرسمية تشير إلى أن عمالة النساء في سوريا لا تشكل أكثر من 16 في المائة من قوة العمل السورية، وأن نسبة البطالة وصلت بين الإناث إلى نحو 11.1 في المائة عام 1994، وارتفعت إلى الضعف تقريباً بين عامي 2004 و2009. أما لدى الذكور، فقد كانت النسبة 6.3 في المائة، وارتفعت إلى نحو 10.5 في المائة خلال الفترة نفسها؛ لكن الأرقام خلال السنوات الخمس الماضية فإنها ترجح تغيراً كبيراً لمصلحة النساء، بعدما أصبحت قطاعات كثيرة تطلب عاملات لسد الثغرات جراء ندرة العاملين من الرجال والشباب.
ومع تكتم المصادر الرسمية في البلاد على النسبة الحالية لعمالة النساء، للتغطية على الأعداد الكبيرة لضحايا الحرب، نقلت تقارير عن خبير اقتصادي من دمشق، رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أن نسبة طغيان الطابع الأنثوي على الذكوري في الأسواق والأماكن العامة تصل إلى 80 في المائة.
وكنتيجة طبيعية، ساهمت عمالة النساء في رفع نسبة الأنشطة التي تقوم بها المرأة السورية مقارنة بالرجل، بما يقارب 40 في المائة كحد وسطي، وفق ما يقول الخبير الاقتصادي. ويشير إلى أن هذه النسبة ارتفعت إلى 90 في المائة نهاية عام 2015 وبداية عام 2016، نتيجة لظروف فرضتها الحرب على الرجال.
وتتحدث أرقام الأمم المتحدة عن هجرة نحو 6 ملايين سوري إلى دول الجوار ودول غربية منذ بداية الحرب، بينما تشير تقارير إلى أن أغلبية هؤلاء من الرجال والشباب الذين هربوا، خوفاً من الالتحاق بالخدمة الإلزامية والاحتياطية في صفوف الجيش الحكومي.
وتشير دراسة إلى أن 2.7 مليون شخص فقدوا وظائفهم في القطاعين العام والخاص، ما أدى إلى فقدان الدخل لأكثر من 13 مليون شخص من المعالين بحكم التدمير الذي طال مواقع العمل، الأمر الذي قد يوقع الأسرة في شباك الاستغلال والفقر، ما زاد من الضغوط على المرأة في سوريا، التي وجدت نفسها مسؤولة وتواجه مختلف ضغوطات الحياة.
وبعد أن كان سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي يساوي ما بين 45 – 50 ليرة في سنوات ما قبل الحرب، شهد تدهوراً تدريجياً خلال الحرب، ويصل حالياً إلى نحو 1050.
التدهور في سعر صرف الليرة على مدار سنوات الحرب كان في كل مرة يترافق مع موجة ارتفاع جديدة في أسعار معظم المواد الأساسية، لتزداد الأسعار أكثر من 22 ضعفاً، أي بنسبة بلغت 2400 في المائة، في ظل مراوحة في المكان لمتوسط رواتب وأجور العاملين في القطاع العام، بين 20 ألف ليرة (نحو 20 دولاراً) و40 ألف ليرة (نحو 40 دولاراً) شهرياً، وفي القطاع الخاص بين 100 ألف ليرة (نحو 100 دولار) و150 ألف ليرة (نحو 130 دولاراً) شهرياً، في حين يحتاج الفرد إلى أكثر من 100 ألف ليرة للعيش بالحد الأدنى، بينما تؤكد دراسات وتقارير أن أكثر من 93 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.
وفي مؤشر على اندفاع النساء للعمل، قالت مصادر في وزارات ومؤسسات حكومية لـ«الشرق الأوسط»، إن معظم المتقدمين للوظائف التي تعلن عنها تلك الوزارات والمؤسسات من النساء، بينما يلاحظ في الطرقات ازدياد نسبة المرتديات للزي العسكري، بعد انخراطهن في الجيش النظامي والميليشيات التابعة، بعد أن كان هذا الأمر نادراً في سنوات ما قبل الحرب.



الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended