خامنئي يريد مشاركة مكثفة في الانتخابات التشريعية

روحاني رفض {المفاوضات غير المتكافئة}

السفير الإيراني الجديد في موسكو كاظم جلالي لدى تقديم أوراق اعتماده للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف (إ.ب.أ)
السفير الإيراني الجديد في موسكو كاظم جلالي لدى تقديم أوراق اعتماده للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف (إ.ب.أ)
TT

خامنئي يريد مشاركة مكثفة في الانتخابات التشريعية

السفير الإيراني الجديد في موسكو كاظم جلالي لدى تقديم أوراق اعتماده للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف (إ.ب.أ)
السفير الإيراني الجديد في موسكو كاظم جلالي لدى تقديم أوراق اعتماده للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف (إ.ب.أ)

دعا المرشد الإيراني علي خامنئي، الحریصين على إيران وأمنها للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة بعد أسبوعين، حتى وإن كانوا من غير الراغبين به شخصياً، معتبراً توجه الإيرانيين إلى صناديق الاقتراع مؤثراً على حل المشكلات الداخلية والدولية، في حين أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني، رفضه لأي مفاوضات «غير متكافئة» تهدف إلى تركيع طهران.
ونقلت وكالات رسمية إيرانية عن خامنئي قوله أمام حشد من أنصاره في مقره بطهران دعوته الإيرانيين إلى المشاركة في التظاهرة السنوية التي تنظمها السلطات في 11 فبراير (شباط)، ذكرى ثورة 1979.
ووصف خامنئي تظاهرة ذكرى الثورة والانتخابات التشريعية المقررة في 20 فبراير، بـ«اختبارين يواجهان الشعب الإيراني».
وتتزامن ذكرى الثورة مع اليوم الأربعين على مقتل قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني بداية الشهر الماضي بضربة درون أميركية. وقال إن عنصر التزامن «دافع مضاعف» للمشاركة في التظاهرة. وأضاف: «ستوجَّه ضربة إلى سياسات الأعداء».
أما عن اختبار الانتخابات التشريعية، فقال خامنئي إن المشاركة الفعالة «ستؤثر على المشكلات الداخلية والدولية». وأضاف: «مَن يحب إيران وأمن الوطن وسمعتها ويريد حل المشكلات يجب أن يتوجه إلى صناديق الاقتراع لإظهار إرادة وقوة الشعب مرة أخرى»، لافتاً إلى أنها «فرصة كبيرة» و«تهديد للأعداء». وأضاف أن «الأعداء يخشون الدعم الشعبي للنظام أكثر من قدرات التسلح».
على الصعيد الدولي، أوضح المسؤول الأول في إيران أن الانتخابات «ستكون مؤثرة على رأي المراقبين الدوليين تجاه البلد»، مشدداً على أن المشاركة المكثفة من هذا الجانب «ضرورية للغاية». وفي الوقت ذاته اتهم مَن وصفهم بالأعداء بالسعي وراء «إلحاق الضرر بالانتخابات»، منتقداً تغطية وسائل الإعلام الأجنبية لجنازة سليماني وقبلها الاحتجاجات التي شهدها مختلف أنحاء البلاد في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني).
ويشرف مجلس صيانة الدستور على أهلية المرشحين للانتخابات التشريعية. ويتكون المجلس من ستة فقهاء بتعيين مباشر من المرشد الإيراني وستة خبراء قانونيين يختارهم رئيس القضاء وهو من المسؤولين الذين يجري تعيينهم بأمر من المرشد.
ووصف خامنئي المجلس بأنه «موثوق» و«صاحب مكانة دستورية»، مضيفاً: «مجموعة موثوقة، كيف يمكن لشخص أن يوجه اتهامات إليها بأنها مغرضة حيال بعض الأشخاص؟»، قبل أن يكون أكثر صراحة في تحذيره منتقدي دور المجلس وعدّ الانتقادات «أسوأ الأعمال». وقال في هذا الصدد إن «فلاناً (كاتب) والمرتبطين بالإنترنت ونواب البرلمان وفلاناً (مسؤول حكومي مهم) يجب أن يكونوا حذرين».
وخاطب خامنئي أصحاب المنابر بقوله: «عندما تقولون كذباً إن الانتخابات تتم هندستها وليست انتخابات وإنما انتصابات سيؤدي إلى إحباط الناس».
الأربعاء 27 يناير (كانون الثاني) الماضي، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني، إنه «عندما تتحول الانتخابات إلى رسميات، ستكون أكبر خطر على الديموقراطية والسيادة الوطنية»، وقال أيضاً: «التنصيب أكبر خطر على الديموقراطية»، منتقداً من «لا يحبّذون سماع كلمة الاستفتاء».
وكان روحاني يوجه انتقادات حادة لمجلس صيانة الدستور الذي استبعد 90 نائباً من البرلمان الحالي ورفض أهلية أبرز المرشحين الإصلاحيين. ودخل روحاني في تلاسن مع المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور عباس كدخدائي، الذي اتهم الرئيس الإيراني بـ«الوقوف بالصف الأمامي لمعادي الثورة».
وفي إشارة ضمنية إلى تصريحات روحاني، أبدى خامنئي استغرابه من «تصريحات بعض مَن وصلوا إلى مكانة عبر الانتخابات لكنهم يشككون في الانتخابات». وقال: «كيف عندما تكون الانتخابات في صالحكم إنها صحيحة ومتقنة لكن عندما لا تكون في صالحكم فإنها خراب؟».
وقبل أسبوعين كانت اللجنة العليا للإصلاحيين قد حذرت من أن «نتائج الانتخابات التشريعية متوقَّعة من الآن»، وقالت إن رفض أهلية المرشحين يمنعها من تقديم قوائم انتخابية في بعض الدوائر.
وأعلن المحافظون في الأيام القليلة الماضية قائمة لمرشحيهم في طهران، ويتصدر القائمة مرشح الانتخابات الرئاسية وعمدة طهران السابق محمد باقر قاليباف، الذي يُتداول اسمه لرئاسة البرلمان في الأوساط الإيرانية منذ الآن.
ويُعد قاليباف أبرز قادة «الحرس الثوري» الذي تولى مناصب إدارية وسياسية على مدى ثلاثين عاماً من تولي خامنئي منصب المرشد الأعلى.
من جهته، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني، أمس، في اجتماع الحكومة الإيرانية إنه «لا أحد فوق القانون والشعب». وأضاف: «يجب ألا نعتقد أننا جمع صغير ونوجه الناس ولو لم نكن سيدخلون في ضلال، إنه ليس كذلك، الناس تفهم وتختار بشكل جيد».
وقال محمود واعظي مدير مكتب الرئيس الإيراني، للصحافيين أمس، إن «موقف الحكومة من الانتخابات واضح، نريد المشاركة المكثفة ونعتقد إجراءها بطريقة فعالة تحبط مؤامرة الأعداء وتكون دليلاً على قوة النظام، لذلك تركيز الحكومة على أقصى المشاركة». غير أنه رهن المشاركة الفعالة بـ«الانتخابات التنافسية» ونوه إلى أنه «إذا بُذلت جهود في الوقت المتبقي وخلق مجلس صيانة الدستور الفرصة للتنافس ستكون النتيجة أفضل»، وفق ما نقلت عنه وكالة «إيلنا» العمالية.
وطعن روحاني المتشددين مرة أخرى بالاستناد إلى اسم المرشد الإيراني الأول، عندما قال: «لولا حكمة واعتدال الإمام لقطع المتشددون البلد في البلد والناس في بدايات الثورة». ونقل موقع الرئاسة عن روحاني قوله: «المتطرفون والمتشددون في إطار الأحزاب اليسارية والانتقائية ظهروا حينذاك وإن كنتم تذكرون، لقد رفعوا شعار حل الجيش».
وبعد نشر تصريحات روحاني بساعة، تداول إيرانيون، أمس، تسجيلاً يعود إلى البرلمان الإيراني الأول بعد الثورة، ويطالب فيه روحاني عندما كان نائباً بتقليص رواتب جنرالات الجيش، إلى ما يكفي قوتهم اليومي ويدعو فيه إلى حل وحداته الخاصة.
وبعد ساعات من اجتماع الحكومة، هاجم روحاني العقوبات الأميركية خلال مراسم إهداء جائزة الكتاب السنوي. وعدّ العقوبات «خطوة إرهابية».
وقال روحاني إن «الأميركان يكذبون عندما يقولون إنهم لم يقولوا إنهم لم يفرضوا عقوبات على الأدوية». وأضاف: «مسار تقدمنا لم يتوقف رغم العقوبات، تجارتنا كانت 72 مليار دولار»، وزاد: «يريدون إجبارنا على الاستسلام في مفاوضات غير متكافئة، وهذا غير ممكن، أيّ رئيس جمهور وحكومة لن يستسلم».
وقال رئيس البنك المركزي عبد الناصر همتي، الاثنين، إن واردات إيران من الأدوية بلغت 4 مليارات دولار. ومع ذلك، عدّ القناة السويسرية لشراء الأدوية «دليلاً على فرض العقوبات على الأدوية».
كانت الحكومتان السويسرية والأميركية قد قالتا، الخميس الماضي، إن قناةً لنقل سلع إنسانية تشمل أغذية وأدوية لإيران بدأت عملياتها التجريبية، للمساعدة في تزويد الشعب الذي يعاني المصاعب بالسلع السويسرية دون الاصطدام بالعقوبات الأميركية.
وقال وزير الخارجية محمد جواد ظريف، الاثنين: «هذه خطوة صغيرة ونشكر الحكومة السويسرية على جهودها... لكنّ هذه القناة ليست مؤشراً على حُسن نية أميركا على الإطلاق».
وتحظى الانتخابات التشريعية الحالية بأهمية بالغة للنظام الإيراني في ظل الترقب الحالي بشأن خليفة خامنئي، 80 عاماً، وتداعيات مقتل سليماني على المشهد الإيراني. كما أنها حساسة للنظام عقب احتجاجات غير مسبوقة شهدتها إيران منذ آخر استحقاق انتخابي كبير جرى على مستوى الرئاسة في مايو (أيار) 2017، وفاز روحاني بموجبها بولاية رئاسية ثانية.
وقبل نهاية الشهر الرابع على بدء مهام روحاني الرئاسية في الولاية الثانية، كانت إيران قد شهدت موجة احتجاجات في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2017، وردد المحتجون شعارات غاضبة ضد النظام بسبب تدهور الوضع المعيشي وغلاء أسعار مفاجئ.
وأدى تفاقم الأزمة الاقتصادية، بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق النووي في مايو 2018، وعودة العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني، إلى إضرابات عمالية غير مسبوقة في إيران، لكنّ الاستياء الشعبي من تدهور الوضع الاقتصادي دخل مراحل متقدمة في نوفمبر 2019، عقب قرار الحكومة رفع أسعار البنزين إلى 300%، ونزل الإيرانيون في 29 محافظة من أصل 31 في احتجاجات قبل أن تتمكن قوات الشرطة و«الحرس الثوري» من إخماد الاحتجاجات في أقل من 72 ساعة.
وتجددت الاحتجاجات الشهر الماضي في عدة مناطق من إيران خصوصاً العاصمة طهران، عندما أعلن «الحرس الثوري» مسؤوليته عن إسقاط طائرة ركاب أوكرانية في جنوب طهران وذلك عقب إنكار حكومي دام ثلاثة أيام.
ولم تعلن إيران منذ ذلك الحين حصيلة القتلى والجرحى في احتجاجات نوفمبر رغم الضغوط الدولية والداخلية. ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين بوزارة الداخلية الإيرانية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن 1500 قُتلوا بنيران قوات الأمن عقب ترؤس خامنئي اجتماعاً أمنياً رفيعاً بحضور الرئيس حسن روحاني. وبدورها قالت منظمة العفو الدولية إنها وثّقت أكثر من 300 قتيل في الاحتجاجات. وقبل إحصائية «رويترز»، رجحت الخارجية الأميركية بناءً على أدلة ومستندات أرسلها الإيرانيون أن عدد القتلى يتجاوز الألف.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، قال محافظ طهران أنوشيروان محسني بندبي، إن القتلى في الاحتجاجات «من المؤكد أقل من 1500 شخص»، مضيفاً أنه سيعلن في المؤتمر الصحافي المقبل حصيلة القتلى في طهران، مشيراً إلى أن هيئة الطب العدلي الإيراني التابعة للقضاء «من المقرر أن تعلن الإحصائية».
وقال محمود واعظي، مدير مكتب الرئيس الإيراني، أمس، إن «الحكومة ليست مسؤولة عن نشر إحصائية قتلى احتجاجات نوفمبر» لکنه رفض تأكيد صحة الأرقام المتداولة وقال: «الطب العدلي واللجنة المشتركة يدرسان الأمر وستُنشر الإحصائيات».



ترمب: نأمل باتفاق مع إيران… وسنرى إن كان خامنئي محقاً

رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
TT

ترمب: نأمل باتفاق مع إيران… وسنرى إن كان خامنئي محقاً

رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، إنه يأمل في التوصل إلى اتفاق مع إيران، وذلك عقب تحذير المرشد الأعلى علي خامنئي من أن أي هجوم على الجمهورية الإسلامية قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية.

وقلّل ترمب من تحذير خامنئي، وقال للصحافيين من منتجعه بمارلارغو في ولاية فلوريدا: «بالطبع سيقول ذلك»، مضيفاً: «نأمل أن نتوصل إلى اتفاق، وإذا لم يحدث ذلك، فسنكتشف حينها ما إذا كان محقاً أم لا».

في أجواء مشحونة بالتوتر الجيوسياسي، يتصاعد الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يتبادل الجانبان التهديدات والإشارات الدبلوماسية، فيما يشبه «حرباً كلامية نفسية» معقدة، قد تفضي إما إلى حرب إقليمية وإما إلى مسار تفاوضي تاريخي.

وجاء تحذير خامنئي، من أن أي ضربة أميركية على الأراضي الإيرانية ستشعل حرباً إقليمية، في توقيت بالغ الدقة، تزامناً مع تحوّل في لهجة ترمب نحو الحديث عن حوار «جاد» مع طهران، وإعرابه عن أمله في أن تفضي المفاوضات إلى اتفاق يمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

وفي الوقت نفسه، تبرز وساطة تركية محتملة، يقودها الرئيس رجب طيب إردوغان، في محاولة لتجنب التصعيد، حيث تقدم أنقرة نفسها وسيطاً محتملاً مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية مع إيران، ومن علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

وأفاد موقع «أكيسوس»، الأحد، بأن إدارة ترمب أبلغت إيران، عبر قنوات متعددة، بأنها منفتحة على عقد لقاء للتفاوض على اتفاق، في وقت يتواصل فيه الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، ما يرفع منسوب الرهانات على إمكان تفادي ضربة عسكرية وحرب إقليمية أوسع.

وقالت مصادر مطلعة إن تركيا ومصر وقطر تعمل على ترتيب اجتماع محتمل في أنقرة بين مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف ومسؤولين إيرانيين كبار خلال الأيام المقبلة، في إطار مساعٍ دبلوماسية تهدف إلى منع التصعيد.

وأكد مسؤولون في البيت الأبيض أن ترمب لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن توجيه ضربة إلى إيران، ولا يزال منفتحاً على المسار الدبلوماسي، مشددين على أن حديثه عن التفاوض «ليس مناورة».

وبينما تسعى تركيا وقوى إقليمية أخرى إلى التحذير من مخاطر ضربة أميركية على استقرار المنطقة، تبرز في المشهد محادثات أجراها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير في واشنطن مع مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية، شملت تقديم معلومات استخباراتية حساسة عن أهداف محتملة داخل إيران، ومناقشة السيناريوهات العملياتية وآليات الدفاع المشتركة. وتأتي هذه المحادثات استكمالاً لاجتماعات عقدها قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر في تل أبيب الأسبوع الماضي، في مؤشر على دفع إسرائيلي قوي نحو توجيه ضربة أميركية حاسمة ضد إيران.

وتتزامن هذه التحركات مع تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، لقناة «12» الإسرائيلية، التي قال فيها إن ترمب «رئيس يفي بوعوده ولا يطلق تهديدات فارغة»، مشيراً إلى أن قرار توجيه ضربة لم يُحسم بعد، ومؤكداً أن الرئيس الأميركي «يأمل دائماً بأفضل نتيجة»، وأنه مؤلف كتاب «فن الصفقات»، وإذا استطاع تحقيق ذلك، أي التوصل إلى صفقة، «فسوف يكون هذا أمراً مثالياً».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يزور مركز إنتاج فورد في ميشيغان 13 يناير الماضي (رويترز)

ووفقاً لتقارير صحافية أميركية، تكثف إدارة ترمب تحركاتها لتعزيز الدفاعات الجوية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تحسباً لفشل المحادثات والوساطات، وما قد يترتب على أي ضربة أميركية من ردّ فعل إيراني انتقامي واسع ونزاع إقليمي أكبر. وفي هذا الإطار، يعمل البنتاغون على تعزيز منظومات الدفاع عبر نشر أنظمة صواريخ «باتريوت» و«ثاد» إضافية ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية، إلى جانب وجود 8 مدمرات بحرية أميركية في المنطقة قادرة على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة. ويعكس هذا الانتشار العسكري المكثف، وفقاً للخبراء، استراتيجية ردع محسوبة من دون اندفاع مباشر نحو الصراع.

النهج الأميركي المزدوج

في ظل هذا النهج ذي المسارين، الذي يجمع بين مواصلة الضغط العسكري وتعزيز منظومات الدفاع، وفتح باب الدبلوماسية والتفاوض في آنٍ واحد، بدأت الأوساط الأميركية تتحدث عن احتمالات تراجع الرئيس دونالد ترمب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، على الأقل في المدى القريب.

طائرة «بوينغ إي إيه 18 جي غرولير» للحرب الإلكترونية تهبط على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» من فئة «نيميتز» في المحيط الهندي 23 يناير 2026 (أ.ب)

ونقل تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن أي ضربة أميركية لن تكون وشيكة قبل أن تستكمل الولايات المتحدة تعزيز منظومات الدفاع الجوي بشكل واسع، وهو ما يعيد تسليط الضوء على المهلة التي يسعى ترمب إلى منحها لإيران، وعلى جهود الوساطة الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.

وفي هذا السياق، اقترح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان استضافة محادثات نووية في تركيا خلال هذا الأسبوع، مع التركيز على مقاربات تدريجية لمعالجة النزاعات. وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن إيران «مستعدة للتفاوض على الملف النووي»، محذراً في الوقت نفسه من أن أي هجوم أميركي سيكون «خاطئاً ويجب تجنبه».

غير أن الشروط الأميركية التي تطرحها واشنطن تفرض تحديات كبيرة، إذ تشترط تسليم إيران المواد النووية الحساسة، وإنهاء تخصيب اليورانيوم محلياً، وفرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية، إلى جانب وقف دعم الوكلاء في المنطقة.

ومن منظور طهران، تُعد هذه المطالب مساساً بجوهر عقيدتها الدفاعية ونفوذها الإقليمي، في ظل تقارير تشير إلى رفض المرشد الأعلى علي خامنئي لأي تنازلات، مقابل تفضيل بعض كبار المسؤولين في القيادة الإيرانية نهجاً تفاوضياً أكثر مرونة.

وتتباين التقديرات بشأن فرص نجاح أو فشل الوساطة التركية، إذ تشير تقارير إلى إمكانية بلورة حلول تدريجية للنزاع، خصوصاً مع محاولات وساطة إقليمية أخرى لتجنب الضربة الأميركية. في المقابل، تذهب تحليلات أخرى إلى ترجيح فشل هذه الوساطات بسبب رفض إيران تقديم تنازلات جوهرية قبل انتهاء المهلة التي لم يحدد ترمب مدتها. ويقلل مسؤولون أميركيون من فرص التوصل إلى حل دبلوماسي، عادّين أن إيران لم تُظهر حتى الآن استعداداً حقيقياً لقبول الشروط المطروحة.

هل يمكن أن يتراجع ترمب؟

تشير تصريحات الرئيس دونالد ترمب إلى أنه يفضّل التوصل إلى صفقة، وهو ما يجعل احتمال تراجعه عن توجيه ضربة عسكرية مرتفعاً في حال نجحت الجهود الدبلوماسية، خصوصاً في ظل التكلفة الباهظة لأي حرب على أسعار النفط العالمية. وفي حال تراجع ترمب عن الخيار العسكري، قد تترتب على ذلك تداعيات إيجابية وسلبية في آنٍ واحد.

مروحية من طراز «إس إتش 60 سي هوك» تحلق إلى جانب حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» خلال عمليات روتينية للأسطول السابع في المحيطين الهندي والهادئ 8 يناير (الجيش الأميركي)

فعلى الجانب الإيجابي، يتيح هذا الخيار مواصلة سياسة «الضغط الأقصى» من دون الانزلاق إلى صراع مباشر. ويشير تقرير لمجلة «أتلانتيك» إلى أن الوجود البحري الأميركي الحالي يمكن أن يتيح إحكام السيطرة على مضيق هرمز، ومصادرة ناقلات النفط، ودفع إيران نحو مزيد من الضغوط الداخلية، خصوصاً مع إمكانية إعادة إشعال الاحتجاجات. كما أن تعزيز منظومات الدفاع الجوي يسهم في حماية الحلفاء وردع إيران من دون تصعيد عسكري مباشر.

في المقابل، تشمل السلبيات المحتملة تعزيز موقف طهران التفاوضي، إذ قد يرى الإيرانيون أن عامل الوقت يعمل لمصلحتهم. وقد يؤدي الامتناع عن توجيه ضربة أميركية إلى تصعيد إيراني غير مباشر، عبر هجمات تنفذها جماعات حليفة في العراق أو سوريا، أو من خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بما يرفع أسعار النفط ويؤثر في الاقتصاد العالمي. كما حذرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن هذا المسار قد يؤدي أيضاً إلى إنهاك الموارد الأميركية، في ظل محدودية أنظمة «ثاد» الدفاعية (7 بطاريات فقط)، واستنزاف الذخائر في مواجهات سابقة. كذلك تحذّر إسرائيل من أن أي تراجع أميركي عن توجيه ضربة قد يُفسَّر على أنه ضعف، ما قد يشجّع إيران على التشدد والإصرار على شروطها التفاوضية.


طهران تراهن على التفاوض... وباريس تحضها على «تنازلات كبرى»

عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
TT

طهران تراهن على التفاوض... وباريس تحضها على «تنازلات كبرى»

عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)

في وقت تتقاطع فيه مؤشرات الانفتاح الدبلوماسي مع تصاعد الضغوط الغربية، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن البرنامج النووي، مشيراً إلى أن تبادل الرسائل عبر دول صديقة أسهم في تيسير محادثات وصفها بـ«المثمرة»، في وقت حض فيه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، طهران، على «القبول بتنازلات كبرى».

وقال عراقجي، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إن طهران فقدت ثقتها بالولايات المتحدة بوصفها شريكاً تفاوضياً، لكنها لا تزال ترى أن الوصول إلى اتفاق «عادل ومنصف» يضمن عدم امتلاك إيران أسلحة نووية «يبقى ممكناً حتى خلال فترة زمنية قصيرة».

ولفت عراقجي إلى أن بلاده لا ترفض مبدأ التفاوض بحد ذاته، لكنها ترفض توسيع جدول الأعمال ليشمل برنامجها الصاروخي أو دورها الإقليمي، مشدداً على أن أي مفاوضات يجب أن تقتصر حصراً على الملف النووي، قائلاً: «دعونا لا نتحدث عن أمور مستحيلة، ولا نضيّع فرصة التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف».

وأوضح أن طهران تتوقع، في المقابل، رفع العقوبات الأميركية المفروضة عليها منذ سنوات، واحترام حقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، معتبراً أن تلك العقوبات شكلت عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الإيراني.

وحذر عراقجي من أن تعثر المسار التفاوضي سيضع إيران أمام خيارات أخرى، مؤكداً أن بلاده «جاهزة لجميع السيناريوهات»، رغم أن أي صراع عسكري «سيكون كارثياً على الجميع»، وقد يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الإيرانية ليطال المنطقة بأسرها.

وأشار عراقجي إلى أن القواعد الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، ستكون أهدافاً محتملة في حال اندلاع مواجهة، لافتاً إلى أن التجارب السابقة، بما فيها حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل العام الماضي، أظهرت في آنٍ واحد قدرات إيران وحدود ترسانتها الصاروخية.

وعلى الصعيد الداخلي، نفى وزير الخارجية الإيراني وجود أي خطط لإعدام، أو شنق المتظاهرين المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الأخيرة، مؤكداً أن «حقوق جميع الموقوفين ستحترم وتضمن»، متهماً «عناصر إرهابية مرتبطة بالخارج» بالوقوف وراء أعمال العنف التي شهدتها البلاد.

وأدت حملة القمع الإيرانية إلى إخماد الاحتجاجات، التي بدأت في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، بسبب المتاعب الاقتصادية، لكنها شكلت التحدي السياسي الأكبر للجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها في عام 1979.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد القتلى الذين سقطوا جراء الاضطرابات بلغ 3117، لكن وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، قالت اليوم (الأحد)، إنها تحققت حتى الآن من مقتل 6713 شخصاً. ولا تزال 17091 حالة وفاة قيد التحقيق، بحسب المنظمة التي تعتمد على شبكة واسعة من الناشطين في داخل البلاد.

«القبول بتنازلات كبرى»

في المقابل، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أن على إيران «القبول بتنازلات كبرى» في إطار مسار دبلوماسي يهدف إلى تفادي ضربات أميركية محتملة على أراضيها، وذلك في مقابلة مع صحيفة «ليبراسيون» نشرت الأحد.

وقال بارو إن الولايات المتحدة «وضعت نفسها في موقع يمكّنها من إطلاق عملية عسكرية ضد إيران»، لكنها عرضت في الوقت نفسه، مساراً تفاوضياً «يتعين على النظام اغتنامه عبر القبول بتنازلات كبرى، وإحداث تغيير جذري في النهج».

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كالاس تتحدَّث إلى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في بروكسل الخميس الماضي (إ.ب.أ)

وأضاف بارو أن «على إيران أن تتوقف عن كونها مصدراً للتهديد لجوارها الإقليمي ولمصالحنا الأمنية»، داعياً في الوقت نفسه، إلى أن «يستعيد الشعب الإيراني حريته»، مطالباً السلطات الإيرانية بـ«وضع حد للقمع، وإطلاق سراح السجناء، ووقف الإعدامات، وإعادة خدمة الإنترنت» وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

كما طالب وزير الخارجية الفرنسي، طهران، بالسماح بعودة الفرنسيين سيسيل كولر وجاك باريس إلى بلادهما، مؤكداً أنهما «في أمان داخل السفارة الفرنسية بطهران».

وكانت السلطات الإيرانية قد أوقفت كولر وشريكها باريس في مايو (أيار) 2022، وحُكم عليهما بالسجن 20 و17 عاماً على التوالي، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، قبل الإفراج عنهما مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع منعهما من مغادرة البلاد.

وأشار بارو إلى أن حكماً قضائياً في فرنسا يتعلق بمواطنة إيرانية يُحتمل أن تكون موضع تبادل مع الفرنسيين، سيصدر أواخر فبراير (شباط)، لافتاً إلى أن السلطات الإيرانية أبدت رغبة في إجراء عملية تبادل عقب انتهاء الإجراءات القضائية بحق الإيرانية مهدية إسفندياري، التي طلب الادعاء العام الحكم عليها بالسجن عاماً نافذاً بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وأكد بارو أن «جهودنا للإفراج عن الرعايا الفرنسيين المحتجزين في إيران، لم تمنعنا يوماً من اتخاذ إجراءات حازمة جداً بحق النظام»، في إشارة إلى قرار الاتحاد الأوروبي، الخميس، إدراج «الحرس الثوري» الإيراني على قائمة «المنظمات الإرهابية»، على خلفية اتهامه بتنفيذ حملة قمع دموية خلال الاحتجاجات الأخيرة. وردّت إيران، الأحد، على هذا القرار بإعلان الجيوش الأوروبية «منظمات إرهابية».


العرب في إسرائيل يستعدون لبدء عصيان مدني غداً

مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)
مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)
TT

العرب في إسرائيل يستعدون لبدء عصيان مدني غداً

مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)
مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)

بعد المظاهرات العملاقة التي بدأت قبل 10 أيام وبلغت ذروتها في تل أبيب، مساء السبت، ضد استفحال الجريمة في مجتمعهم، يستعد المواطنون العرب في إسرائيل، يوم غد (الاثنين)، لبدء «عصيان مدني» يتمثل في الامتناع عن شراء أي شيء ودفع أي التزامات ضريبية أو غرامات، كنوع من التصعيد في احتجاجهم ضد سياسة الحكومة اليمينية المتطرفة.

وكانت المظاهرة الكبيرة، التي أقيمت السبت، محفزاً كبيراً لمعركة العرب في إسرائيل ضد سياسة الحكومة، التي يقولون إنها «تشجع العصابات على مهاجمتهم»، وضمّت المظاهرة عشرات ألوف المواطنين (بحسب المنظمين أكثر من 100 ألف شخص، ووفق الشرطة 28 ألفاً، وقدّرتهم الصحافة العبرية بـ40 ألفاً)، بينهم نحو 7000 متظاهر يهودي، رأوا جميعاً أن حكومة بنيامين نتنياهو تتعمد إهمال هذا الموضوع، لدوافع عنصرية وسياسية.

متظاهرون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تحمل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة في تل أبيب مساء السبت (أ.ف.ب)

وجاءت مظاهرة تل أبيب بعد 4 ساعات فقط من سقوط قتيل جديد في مدينة اللد، ليصل عدد القتلى في المجتمع العربي إلى 27 شخصاً خلال شهر واحد، ما يمثل زيادة كبيرة؛ إذ تضاعفت معدلات الجرائم خلال السنوات العشر الماضية تحت قيادة بنيامين نتنياهو، بنسبة تجاوزت 400 في المائة.

تصاعد في الجرائم

ووقعت 58 جريمة قتل ضد العرب في إسرائيل خلال عام 2015، وتزايدت عام 2016 إلى 64 جريمة، وفي عام 2017 وقعت 67 جريمة، وفي عام 2018 قُتل 71 شخصاً، أما في عام 2019 فقد قُتل 89 شخصاً، ووقعت 96 جريمة قتل عام 2020، وبدأت دالة الجرائم بالتصاعد بوتيرة أسرع حتى عام 2021 حيث وقعت 126 جريمة قتل، وفي عام 2022 قُتل 116 شخصاً.

وقفزت معدلات الجريمة عام 2023 لأكثر من ضعف العام الذي سبقه، إذ وقعت 245 جريمة قتل، لتحافظ على هذه الأرقام المضاعفة لعامين متتالين، حيث وقعت 230 جريمة عام 2024، فيما حطّم عام 2025 كل الأرقام القياسية بـ252 جريمة قتل.

وإذا استمرت وتيرة القتل التي بدأت في شهر يناير الماضي؛ فإن المعدل السنوي سيرتفع مرة أخرى إلى نحو 324 قتيلاً، والغالبية الساحقة من هذه الجرائم وقعت على خلفية الابتزاز والإتاوات.

مواطن عربي في إسرائيل يحمل لافتة تطالب بوقف الجرائم ضد العرب خلال مظاهرة في تل أبيب مساء السبت (رويترز)

وفي الأيام العشرة الأخيرة، شهدت البلاد هبة شعبية واسعة من جراء تفاقم العنف، وذلك بمبادرة صاحب «سوبر ماركت» في مدينة سخنين، يدعى علي زبيدات، بعد حاول أفراد العصابات ابتزازه ومطالبته بدفع «إتاوة»، وأطلقوا 200 رصاصة على متجره، فخرج بحملة شعبية وجرف وراءه عشرات ألوف المواطنين.

وأقيمت مظاهرة ضخمة في سخنين، قبل أقل من أسبوعين شارك فيها 45 ألف مواطن على الأقل، ثم انطلقت عشرات المظاهرات في البلدات العربية.

الزحف نحو العصيان المدني

وبدأت عملية الزحف نحو العصيان المدني قبل أيام، إذ يطفئ العرب التيار الكهربائي لمدة ساعة في كل يوم، ويمتنعون عن الشراء ببطاقة الائتمان لمدة ساعة أيضاً في اليوم.

وقرّر منظمو المظاهرات تطوير تلك المظاهر إلى يوم كامل يمتنعون فيه عن الشراء بتاتاً، وهم يقصدون التذكير بأنهم يشكلون 20 في المائة من السكان ومن القوة الشرائية.

وبدعوة من «لجنة المتابعة العليا» و«اللجنة القطرية» وعدة حركات سلام يهودية، تم تنظيم مظاهرة في تل أبيب، السبت، تحت عنوان «مسيرة الرايات السوداء ضد الجريمة والعنف والخاوة (الإتاوة)».

وانطلقت المظاهرة من ساحة متحف تل أبيب، وصولاً إلى ميدان «هبيما» في المدينة حيث اختتمت بمهرجان خطابي تنديداً باستفحال الجريمة وانعدام الأمن والأمان في المجتمع العربي واحتجاجاً على تقاعس السلطات والشرطة الإسرائيلية وتواطؤها مع الجريمة المنظمة.

مواطنة عربية في إسرائيل تبكي على مقتل شاب بسبب الجرائم ضد المجتمع العربي خلال مظاهرة في تل أبيب مساء السبت (رويترز)

وردّد المتظاهرون خلال سيرهم في شوارع تل أبيب هتافات تتهم الشرطة بالتقصير، ورفعوا رايات سوداء ولافتات كُتبت عليها شعارات، من بينها «إلى متى الذُل؟»، «حاربوا الإجرام واجمعوا السلاح»، «أوقفوا حرب الجريمة»، «سجل أنا عربي ودم أولادي ليس مباحاً»، «الاحتلال أفسد إسرائيل وجعل الجريمة شيئاً عادياً»، «نتنياهو مسؤول عن الجريمة»، «سياسة الحكومة: العربي الجيد عربي ميت»، «معاً ننتصر على الكهانية»، «كفى للجريمة»، «نختار طريق النضال معاً، ضد الفاشية والجريمة ولأجل المساواة والديمقراطية»، «لا إله إلا الله – الطخيخ (يقصد من يتم استئجارهم لإطلاق الرصاص القاتل من عصابات المافيا) عدو الله».

مظاهرة للعرب في إسرائيل مساء السبت في تل أبيب (رويترز)

وبالإضافة إلى جميع النواب العرب في الكنيست، شارك في المظاهرة رئيس حزب الديمقراطيين، يائير غولان، ونواب حزبه الأربعة وبعض نواب حزب يائير لبيد وعدة ألوف من المواطنين اليهود، الذين اعتبروا هذه المعركة مشتركة في الأهداف.

وبرز بين الخطباء والحضور، تمثيل لجميع شرائح المجتمع العربي، مسلمين ومسيحيين ودروزاً. وقال رئيس اللجنة القُطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية ورئيس بلدية سخنين، مازن غنايم، خلال المهرجان الخطابي للمظاهرة، إن «الشرطة متفقة مع عصابات الإجرام العربية على أن يمتنعوا عن ممارسة الإجرام ضد اليهود، وتسكت على جرائمهم في الوسط العربي».

وقالت ختام أبو فنة، والدة ضحية جريمة القتل، فراس أبو فنة، من كفر قرع، إن «ابني البكر فراس قتل، وهو في مصدر رزقه أثناء عمله... الجريمة خطفت ابني من حضني وترك طفلاً صغيراً كان يبلغ عدة شهر، والآن أنا أعمل حتى لا تبتلى أمهات أخريات مثلي».

وقد أثارت المظاهرة اهتماماً كبيراً وغير مسبوق في إسرائيل. فقد تم بثّ أخبارها في جميع القنوات الفضائية العبرية، وقام موقع «واي نت»، أكبر المواقع الإسرائيلية، الذي يتبع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ببثّ المظاهرة بثاً حياً حتى نهايتها.

وقام بتصوير محاولة عناصر من نشطاء اليمين الفاشي، وبينهم مردخاي دافيد، الذي اعتدى على رئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك، بالتعرض إلى بعض المتظاهرين اليهود، بالقول: «يساريون خونة» و«مثليون مرضى».