حقائب وزارية نسائية وأزياء مبطنة بأفكار تصرخ بأن المستقبل للمرأة

أسبوع الأزياء الراقية في باريس لربيع وصيف 2020... نغمة تفاؤل بصوت أنثوي

«ديور» وعلى الخلفية يظهر شعار العرض «ماذا لو حكمت المرأة العالم؟»
«ديور» وعلى الخلفية يظهر شعار العرض «ماذا لو حكمت المرأة العالم؟»
TT

حقائب وزارية نسائية وأزياء مبطنة بأفكار تصرخ بأن المستقبل للمرأة

«ديور» وعلى الخلفية يظهر شعار العرض «ماذا لو حكمت المرأة العالم؟»
«ديور» وعلى الخلفية يظهر شعار العرض «ماذا لو حكمت المرأة العالم؟»

أجمل التشكيلات في أسبوع باريس للـ«هوت كوتور» ربيع وصيف 2020. كانت تلك التي تلتفت إلى تقاليد وحرفية الماضي. وأكثرها شاعرية تلك التي تحن إلى الخمسينات والستينات من القرن الماضي. أما أكثرها عُمقاً وترفاً فكانت تلك المغزولة بالتفاؤل والأحلام، والمبطنة بأفكار تقدمية وحركات متمردة تعكس أحداثاً سياسية واجتماعية نعيشها في الوقت الحالي، تتجلى في تصدر المرأة الساحة السياسية والفنية. وليس أدل على هذا من حصول عدد كبيرة من النساء على حقائب وزارية ليس في فنلندا أو ألمانيا فحسب كما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، بل في حكومات عربية مثل لبنان والسودان. أمر يُعطي الأمل بمستقبل أفضل حسب العديد من متابعي الموضة. فحكومات تتنفس المشاعر الإنسانية وتحركها العواطف قد تكون مضاداً حيوياً لما يعاني منه العالم حالياً من قساوة وفوضى. ماريا غراتزيا كيوري، مصممة دار «ديور» التي أكدت طوال فترتها في الدار أنها ناشطة نسوية من الطراز الأول ترجمت هذه المشاعر بقولها إن «المشكلة الحقيقية التي نعاني منها كنساء أننا نعتقد أنه ليس لنا الحق في أن نحلم... مع أن العكس صحيح. فنحن نستطيع أن نحقق الحلم والمستحيل». ولكي تزيد من قوة هذه الرسالة كان شعار تشكيلتها، والخلفية التي تهادت أمامها العارضات «ماذا لو حكمت النساء العالم؟». الجواب، على الأقل من وجهة نظر عشاق الموضة وصناعها أنه سيكون أفضل وأجمل بكثير مما هو عليه الآن.
ثلاثة أيام فقط كانت مدة الأسبوع، لكنها كانت تكفي لتقول بأن الموضة قارئة جيدة لعصرها وتحولاته، هذا إذا لم تكن مؤثرة فيه. فخلال هذه الأيام الثلاثة، أكد المصممون أن الزمن تغير تماماً عما كان عليه في الفترة التي يحنون إليها بقوة، ألا وهي الخمسينات. ما لم يتغير أن أزياء الـ«هوت كوتور» لا تزال معقلاً حصيناً للتقنيات المتطورة ومختبراً للأفكار المُبتكرة. الدليل على هذا أن هذا الموسم، جاءت فيه الأحلام لتعكس متطلبات عصر جديد تحكمه التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي وما نتج عنه من احتضان للآخر بكل تنوعه واختلافه. المصمم جيامباتيستا فالي مثلاً قدم تشكيلته في متحف للمرة الثانية، على شكل معرض استرجاعي يحتفل بالزمن الجميل. ما قدمه في المقابل من تصاميم كان يصرخ بالحداثة. قراره تقديم عرضه في قاعة فنية عوض عرض أزياء بالمعنى التقليدي كان يعود إلى رغبته في أن يُبرز جمال الأقمشة وكيف يمكن أن تتحول إلى أداة فنية عندما يتم لفها بطرق مبتكرة. وأضاف أن مهمة «الهوت كوتور» تتلخص في تسليط الضوء على الأفكار الجديدة والأحجام الكبيرة لكن بتوازن يخدم المرأة. وبالفعل لا ينكر المتابع لمعظم العروض أنه كان هناك كبح واضح لأي شطحات أو جموح في الخيال، إذ كانت معظم الاقتراحات راقية بأساسات كلاسيكية تراعي متطلبات امرأة أصبحت مؤثرة ليس في سوق العمل فحسب، بل أيضاً سياسياً واقتصادياً. صحيح أن بعض التطريزات كانت سخية، لكنها كانت أيضاً محسوبة، كما كانت العديد من التصاميم هندسية، لكن بعيدة عن الأشكال «المعمارية» المبالغ فيها. كان هدف أغلبية المصممين منصباً على خلق توازن بين الأشكال الهندسية وجسد المرأة.
فما يعرفه كل مصمم، وربما يعاني منه، أن تقديم الجديد بالمعنى الثوري أصبح عملة نادرة. ليس لشح الأفكار بل لأن كل الأفكار تقريباً استنزفت وجُربت من قبل، الأمر الذي بات يستدعي منهم رش عروضهم ببهارات درامية، إما في الإخراج والديكورات أو في خلق الأحجام والتلاعب بالألوان. كلير وايت كيلر، مصممة دار «جيفنشي» مثلاً، حازت على تغطيات واسعة بفضل فستان الزفاف الذي عرضته الشابة كايا غيربر. تداولته كل وسائل التواصل الاجتماعي المتعطشة للجديد والغريب. فقد وفر صورة مبتكرة ومثيرة في الوقت ذاته، زادت من الاهتمام بالدار كما سلطت الضوء على باقي التشكيلة. وهي تشكيلة مزجت فيها المصممة حبها للورود والأزهار بتقنيات تفصيل «إنجليزية» أضفت على التصاميم صلابة وشاعرية في الوقت ذاته. في المقابل، ارتأت المصممة فرجيني فيار، مصممة دار «شانيل» أن تلعب مرة أخرى على المضمون وعلى رموز الدار ولسان حالها يقول: «إذا لم يكن الشيء مكسوراً فلم تغييره؟». كانت تشكيلة عادية لكن مع الأخذ بعين الاعتبار أن العادي عندما يحمل توقيع «شانيل» لا يفتقد إلى السحر بتاتاً، خصوصاً إذا كان هذا السحر يراعي متطلبات الزبونة أكثر من رغبته في خلق الدراما. هنا أيضاً كان الماضي حاضراً، من خلال تاييرات من التويد مفصلة وفساتين منسدلة على الجسم بشاعرية لا تُحاول كشف مفاتنه من أجل خلق إثارة مؤقتة.
ما يمكن أن يفتقده حضور عروض «شانيل» في الموسمين الأخيرين، ليسا الأناقة أو الرقي، فهذان موجودان بوفرة، لكنه الإخراج فيما يتعلق بالديكورات الباذخة التي كانت تحول «لوغران باليه» إلى وجهات بعيدة، أو شوارع باريسية تحتضن مظاهرات نسوية أو مركزاً ينتصب وسطه صاروخ مستعد للإقلاع في أي لحظة وغيرها. كانت ديكورات فخمة تشد الأنفاس بمجرد دخول «لوغران باليه»، لكن تركيز الدار بعد تسلم فيرجيني فيار مقاليدها، ينصب على الأزياء أولاً وعلى متطلبات زبونة من كل الأعمار والثقافات ثانياً. هذا لا يعني أنها أهملت جانب الإخراج أو تخلت عنه تماماً، بل فقط خففت من غلوائه. اقتصرت هذه المرة على حديقة غناء بكل أنواع الورود والنباتات، شكلت خلفية مريحة للعين ولأزياء تكمن قوتها في بساطتها. فقد عادت فيها فرجيني إلى طفولة غابرييل شانيل، وتحديداً بعد وفاة والدتها في عام 1895، حين أُرسلت هي وأخواتها للعيش في دير «أوبازين»، الواقع جنوب غربي فرنسا. كانت هذه الفترة جد مؤثرة على مخيلة غابرييل ببساطتها التي تصل أحياناً إلى حد التقشف في التفاصيل. والنتيجة التي أبهرت بها المصممة الحضور أن اقتراحاتها لم تكن تحتاج إلى الكثير من التفاصيل لكي تُذكرنا بسحر امرأة «شانيل». فهذه المرأة لم تتغير كثيراً سوى من ناحية أنها تبدو أصغر سناً وأكثر براءة.
ماريا غراتزيا كيوري، مصممة «ديور» في المقابل، لا تزال صامدة ورافعة لراية الأنوثة. والمقصود هنا ليس الأنوثة كما أرساها المؤسس كريستيان ديور في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي فحسب بل أنوثة معاصرة تنسج فصولها من زاوية نسوية معاصرة. فاللافت أن ماريا غراتزيا، ومنذ التحاقها بالدار الفرنسية، وهي تلعب دور المتمردة على المفاهيم التي تعمل على تجريد المرأة من بعض حقوقها المكتسبة والتي ناضلت من أجلها جدتها في العشرينات ثم والدتها في الستينات من القرن الماضي. وبالنتيجة نجحت المصممة في تحقيق المعادلة بين الأنثوي والنسوي، وإن كان المفهوم الأول هو الطاغي على هذه التشكيلة المستوحاة من أميرات يونانيات ومن أساطير الإغريق من خلال تصاميم «التوغا» والضفائر المجدولة حول الصدر أو الأكتاف أو الخصر المشدود، الذي يعتبر لصيقاً بالدار منذ تأسيسها. أما الجانب النسوي، فتجسد في مقولة: «ماذا لو حكمت النساء العالم» وفي الديكور الذي جاء على شكل «رحم امرأة» صممته الفنانة والناشطة النسوية جودي شيكاغو، على أساس أن المرأة معطاء وولادة بطبيعتها. أما كيف انعكس كل هذا على التشكيلة فكان من خلال صورة امرأة تتمتع بالجاه والمكانة الاجتماعية العالية كما يبدو من فساتينها المترفة والمزينة بتفاصيل بخفة الريش، وكأن المصممة تخاف من تقييدها بأي شكل من الأشكال. ساعد على توفير هذه الخفة، الأنامل الناعمة التي تعمل في ورشات «ديور». فهذه الأنامل لها قدرة عجيبة على تجسيد رؤية المصممة وإرث الدار بشكل لا يعلى عليه، خصوصاً أنه كان عليهم، رجالاً ونساءً، تحقيق التوازن بين قصة الماضي الرومانسية كما كتبها السيد كريستيان ديور، وبين جذور مصممتهم الإيطالية المتأثرة بأجواء البحر الأبيض المتوسط من دون أن تنسى عشقها لعصر النهضة وشتى الفنون بشكل عام. كل هذا تجسد من خلال اللعب على التفصيل وتحديد الخصر والأكتاف الناعمة، والأقمشة المترفة التي ساعدت على انسدال فساتين السهرة بسهولة، بحيث تبدو في بعض الإطلالات كما لو أنها مشدودة بحبال رفيعة في صور تحاكي لوحات الفنان بوتشيللي.
ما نجحت فيه ماريا غراتزيا أنها أبرزت قوة المرأة من دون أن تلجأ إلى تصاميم مستوحاة من خزانة الرجل. بالنسبة لها فإن قوة المرأة تكمن بداخلها. رسالة كانت واضحة مع كل خطوة كانت تخطوها العارضات حول المنصة الملتفة، والمكان الذي تعمدت جودي شيكاغو تصميمه على شكل رحم امرأة. كان التعاون مع الفنانة مهما بالنسبة للمصممة، وهو ما اعترفت به بتصريحها أنها ذهبت لزيارتها شخصياً في بيتها في نيو مكسيكو لتطلب التعاون معها. وكانت في غاية السعادة بقبول الفنانة عرضها. طبعا لن تُترجم هذه القضية النسوية والديمقراطية في الأسعار التي لن تكون متاحة لكل النساء. فنحن في موسم الأزياء الراقية التي تتوجه إلى شريحة نخبوية تتمتع بإمكانيات عالية.
بدوره أكد المخضرم جيورجيو أرماني أنه ابن جيله. على الأقل من ناحية نظرته إلى الدور الذي يجب أن يلعبه كمصمم لإبراز جمال المرأة وبث الثقة في نفسها وخطوتها. التشكيلة التي قدمها كانت هدية ثمينة إلى امرأة كلاسيكية تريد أن تضخ إطلالتها بالألوان وبعض البريق. كانت له هو أيضاً رسالة لا تقل قوة عن تلك التي كتبتها ابنة بلده، ماريا غراتزيا كيوري. رسالته كانت تحمل معنى مهم وهو أن من فات قديمه تاه. القديم هنا كانت تقنيات حياكة وتطريز ودباغة قديمة على رأسها «إيكات» لصبغ الأقمشة، والتي تشتهر بها ماليزيا منذ قرون قبل أن تنتشر في باقي العالم، إلى جانب استعماله حرير ميكادو الياباني والكثير من الورود التي تحاكي الطبيعة بألوانها وأشكالها. فهذه كانت مهمة لإضفاء طابع شاعري على تشكيلة مفصلة بأسلوبه المعروف. أما ما نجح فيه جيورجيو أرماني فيكمن في وفائه لأسلوبه وإلى نظرته الكلاسيكية رغم كل التحديات، لكنه لم ينس أن يجعلها تتكلم بلغة أنيقة يعرف أنها ستلمس وتراً حساساً لدى صغيرات السن.
لكن إذا كان ضجيج الألوان هو المطلوب فإن المرأة ستجد بُغيتها بلا محالة في تشكيلة «ميزون مارجيلا»، التي أبدع فيها مصممها جون غاليانو إلى حد القول إنه تفوق على نفسه. استعمل ألوانا بدرجات قوية في تصاميم مستوحاة من «الحقبة الجميلة» «لابيل إيبوك». ولأن غاليانو ليس بورغوازياً ولا يميل إلى أي شيء يمت إلى البورغوازية بصلة، كان لا بد من أن يُفككها بعض الشيء، بأن أضاف إليها «رشة واقعية» لا بد أنها ستفتح حواراً فكرياً بينها وبين زبوناته. ما لا يخفى على أحد أن غاليانو تعلم الدرس جيداً، بعد سنوات طويلة من الجموح الفكري وشطحات الخيال، التي كانت تُلهم وتشد الأنفاس لكنها لا تبيع. لحسن الحظ أنه في السنوات الأخير تعلم متى يتوقف عن الإسهاب في التفاصيل، ومتى يضع نقطة النهاية على كل قطعة، لهذا كان جموحه هنا مدروساً بفنية أكد فيها أنه انصهر مع ثقافة الدار التي التحق بعد «ديور» وأصبح جزءاً منها.
ربما يكون عرض «فالنتينو» هو الوحيد الذي لم ينجح في خلق ذلك الإحساس الغامر بالإعجاب والحب الذي تعودناه منه في المواسم الماضية. صحيح أن عرضه كان في المستوى ويصعب انتقاده، إلا أنه افتقد إلى عنصر المفاجأة ومن ثم فقد شاعريته السابقة.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.