حادثة الطعن في لندن تثير التساؤلات حول سياسات مكافحة الإرهاب

وزير العدل البريطاني: نواجه تهديدات من آيديولوجية متطرفة لا تعبأ بالآخرين

ضباط شرطة اسكوتلانديارد البريطانية يجمعون الأدلة الجنائية من حي ستريتهام بعد حادث الطعن الإرهابي الأحد (أ.ف.ب)
ضباط شرطة اسكوتلانديارد البريطانية يجمعون الأدلة الجنائية من حي ستريتهام بعد حادث الطعن الإرهابي الأحد (أ.ف.ب)
TT

حادثة الطعن في لندن تثير التساؤلات حول سياسات مكافحة الإرهاب

ضباط شرطة اسكوتلانديارد البريطانية يجمعون الأدلة الجنائية من حي ستريتهام بعد حادث الطعن الإرهابي الأحد (أ.ف.ب)
ضباط شرطة اسكوتلانديارد البريطانية يجمعون الأدلة الجنائية من حي ستريتهام بعد حادث الطعن الإرهابي الأحد (أ.ف.ب)

اقترحت الحكومة البريطانية مؤخرا تمديد عقوبات السجن على الجرائم ذات الصلة بالإرهاب، غير أن المحللين يقولون إن هذه الخطوة قد تسفر عن انتهاكات لحقوق الإنسان مع ارتفاع وتيرة التطرف بين المذنبين من الشباب.
وكانت الحكومة البريطانية قد تقدمت يوم الاثنين الماضي باقتراح إيقاف إجراءات الإفراج المبكر عن مئات من المدانين بارتكاب الحوادث الإرهابية، عقب سلسلة من الهجمات التي ارتكبها أشخاص كانت السلطات قد أفرجت عنهم بعد مرور نصف مدة العقوبة المقررة لهم، الأمر الذي أبرز مشاكل طويلة الأمد فيما يتصل باستراتيجية الحكومة في مكافحة الإرهاب.
وقال روبرت بوكلاند وزير العدل البريطاني، إنه وفقا للخطة الحكومية الاستثنائية سوف يجري تمديد فترة العقوبة بشأن نحو 220 شخصا ممن يقضون في الوقت الراهن فترات العقوبة لارتكابهم جرائم تتعلق بالإرهاب في المملكة المتحدة.
وأضاف الوزير البريطاني أنه بدلا من إطلاق سراح السجناء مع بلوغهم نصف مدة العقوبة المقررة، كما هو معتاد بالنسبة إلى الكثير من المجرمين الآخرين في بريطانيا، سوف يكون لزاما على المدانين في جرائم الإرهاب قضاء ثلثي مدة العقوبة على الأقل قبل النظر في إجراءات إطلاق سراحهم. وحتى ذلك الحين، سوف يجري إطلاق سراحهم بموجب موافقة مجلس الإفراج المشروط بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز».
لكن لم يكن من الواضح ما إذا كان المقترح الحكومي الأخير سوف يصمد في مواجهة عمليات التحقق والتدقيق التي تعمل المحاكم البريطانية وفقا لها، ناهيكم عن تسوية الأزمة التي أشار المحللون إلى أنها تتعلق بعقد كامل من قرارات التقشف في ميزانيات السجون البريطانية وخدمات المراقبة لما بعد الإفراج، بأكثر مما تتعلق بطول مدة العقوبة نفسها. وتعاني المملكة المتحدة من نفس المعضلة التي تواجه أغلب البلدان الديمقراطية الغربية الأخرى في أعقاب الحوادث الإرهابية، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا: وهي تتعلق بالتوترات الناشئة بين الأمن والحقوق المدنية.
وحذر المحللون القانونيون من أن قانون حقوق الإنسان البريطاني يمنع الحكومة البريطانية من تشديد العقوبات بأثر رجعي على المدانين مع بلوغ منتصف مدة العقوبة. كما أنهم قالوا إنه لا تتوافر الأدلة الكافية على أن زيادة فترات العقوبة للسجناء تقلل فعليا من مخاطر ارتكابهم الجرائم الإرهابية الجديدة بعد إطلاق سراحهم من السجون.
وكان المحرك الرئيسي وراء المقترح أو الخطة الحكومية المتشددة هو الهجوم الذي وقع يوم الأحد الماضي في جنوب العاصمة لندن والذي وجهت فيه الاتهامات إلى المدعو «سوديش أمان» (20 عاما) بطعن اثنين من المواطنين.
وتمكن ضباط الشرطة السريون الموجودون في موقع الحادث من اعتراض المهاجم - وكانوا يتعقبون خطى «سوديش أمان» بعد إطلاق سراحه تلقائيا من السجن في الأسبوع الماضي، وذلك بعد قضائه نصف فترة العقوبة المقررة له، وكانت ثلاث سنوات كاملة لاتهامه بنشر وتوزيع المواد المحرضة على التطرف والإرهاب مع حيازة مواد أخرى قد تساعد في الإعداد لتنفيذ الهجمات الإرهابية. وتمكنت عناصر الشرطة السرية من إطلاق النار على «سوديش أمان» وأردته قتيلا في الحال.
وصرح وزير العدل البريطاني أمام المشرعين يوم الاثنين الماضي قائلا: «إننا نواجه تهديدا من آيديولوجية متطرفة لا تعبأ بالآخرين ولا تراعي حقوقهم، ولزاما علينا الاستعانة بكل أداة ممكنة لضمان تحييد هذه التهديدات قدر المستطاع».
وقال ستيوارت ماكدونالد، أستاذ الدراسات القانونية لدى جامعة سوانسي البريطانية في تقرير لـ«نيويورك تايمز»: «هناك بعض الأدلة التي تفيد بأنه في غياب الاستثمارات الحكومية الحقيقية في برامج الإرشاد وإعادة التأهيل فإن إطالة فترات العقوبة تهدد بارتفاع معدلات التطرف لدى السجناء عما هو منشود».
وقالت السيدة حليمة فراز خان، والدة الإرهابي الصريع «سوديش أمان»، لوكالة سكاي نيوز الإخبارية بالأمس الاثنين إن ابنها كان يتابع مشاهدة المواد الإسلاموية المتطرفة عبر الإنترنت، وتعرض لمحاولات التطرف وغسيل المخ داخل سجن بلمارش البريطاني شديد الحراسة، والذي يضم بين جدرانه الكثير من الإرهابيين المدانين في جرائم سابقة، ولقد وصفت الوالدة ذلك السجن بأنه أشبه (بمعسكر التدريب الجهادي) أكثر منه مؤسسة للمعاقبة والتأهيل والإصلاح. وأضافت السيدة حليمة خان تقول: «لقد ازداد تشددا وتطرفا داخل السجن، ذلك المكان الذي أعتقد أنه المحضن الحقيقي لتطرف أفكاره».
وعلى صعيد متصل، أعلن «تنظيم داعش» الإرهابي مسؤوليته المباشرة عن الهجوم الإرهابي الذي ارتكبه «سوديش أمان» في جنوب لندن، وذلك عبر تطبيق «هووب» للمحادثات النصية، وقال في بيانه إن المهاجم الإرهابي كان أحد «جنودنا المقاتلين». وكان التنظيم الإرهابي يستخدم هذا التطبيق منذ أن شرعت السلطات في بذل الجهود المستمرة للقضاء على وجوده عبر تطبيق «تلغرام» الشهير، والذي كان يعتبر منفذ التواصل الرئيسي لدى التنظيم منذ أواخر عام 2014.
وكان «سوديش أمان» يرتدي عبوة ناسفة «وهمية»، ذلك الأسلوب الذي كان مستخدما في ارتكاب الكثير من الهجمات الإرهابية الأخيرة، بما في ذلك الهجمات الأخرى التي يعلن التنظيم الإرهابي مسؤوليته الفورية عنها. ومن غير الواضح مدى مشاركة التنظيم الحقيقية، إن وجدت، في هجوم الطعن الذي وقع يوم الأحد الماضي.
وقالت الشرطة البريطانية إن «من ضمن ضحايا حادثة الطعن، مواطن في الأربعينات من عمره، قد دخل المستشفى لتلقي العلاج عن إصابات خطيرة مع استقرار حالته. وخرجت المصابة الأخرى في الحادثة، وهي امرأة مسنة في الخمسينات من عمرها، من المستشفى بعد تلقي العلاج، وذلك فضلا عن شابة في العشرينات من عمرها كانت قد أصيبت جراء الزجاج الذي تناثر بعد إطلاق الأعيرة النارية على الإرهابي».
وتعتبر تلك الحادثة هي الثانية من نوعها خلال عدة أشهر، حيث جرى إطلاق سراح أحد المدانين في جرائم الإرهاب قبل انقضاء فترة العقوبة وذلك بموجب قوانين الأحكام الجنائية البريطانية.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، وجهت الاتهامات إلى عثمان خان (28 عاما) لانضمامه إلى مجموعة من الأفراد خططوا لتفجير بورصة لندن، مع اتهامه بقتل شخصين وإصابة ثلاثة آخرين في هجوم بالقرب من جسر لندن قبل مقتله على أيدي الشرطة البريطانية.
وكان عثمان خان، يرتدي بطاقة التتبع الإلكترونية بعد إطلاق سراحه تلقائيا عقب قضاء نصف مدة العقوبة بالسجن لمدة 16 عاما.
وقال المحللون إن الجريمة التي ارتكبها «سوديش أمان» أول الأمر ودخل السجن بسببها صنعت منه نموذجا مثاليا للإرهابي المدان. فلقد حُكم عليه بالسجن في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2018 بعد اعترافه بارتكاب 13 حالة من توفير الدعم المباشر للإرهاب مع نشر وتوزيع المواد الدعائية المتطرفة الخاصة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش» الإرهابيين بين أفراد عائلته وعبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟