موسكو تسعى لـ«محاصرة» التصعيد... وأنقرة تتحاشى الصدام

تباين بين وزارتي الخارجية والدفاع الروسيتين حول الاشتباك السوري ـ التركي

TT

موسكو تسعى لـ«محاصرة» التصعيد... وأنقرة تتحاشى الصدام

برزت مساع روسية لمحاصرة احتمالات تفاقم الموقف بعد المواجهات التركية مع القوات النظامية السورية في مدينة إدلب. وأعربت أوساط روسية عن قناعة بأن درجة التوتر ستتراجع رغم «التصريحات النارية» للقيادة التركية التي وصفت بأنها «موجهة في الغالب إلى الداخل التركي»، فيما عكست إشارات برلمانيين روس حول تعرض اتفاق سوتشي لـ«ضغوط كبيرة» تلميحا إلى احتمال إجراء مراجعة لهذا الاتفاق تأخذ في الاعتبار التغييرات الميدانية، ما يمكن أن يقلص إلى درجة كبيرة الوجود التركي في المنطقة.
وأعلنت الخارجية الروسية أن تطورات الوضع في إدلب كانت محور نقاشات هاتفية بين وزير الخارجية سيرغي لافروف ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو، وأكد الطرفان خلال المكالمة التزامهما بمذكرة سوتشي، وتبع ذلك لقاء مطول جرى بين نائب الوزير ميخائيل بوغدانوف والسفير التركي في موسكو استعرض خلاله الطرفان الوضع في إدلب بشكل تفصيلي.
وفسرت أوساط روسية هذا التحرك بأنه مسعى لمحاصرة الأزمة التي تصاعدت على خلفية المواجهة بين القوات التركية والسورية أخيرا، وذكر خبراء مقربون من الخارجية أن موسكو فتحت قنوات اتصال في هذا الشأن مع الطرفين السوري والتركي على المستويين العسكري والدبلوماسي، لكن وزارة الدفاع لم تعلق على هذه المعطيات.
وأعرب خبراء عن قناعة بأن «ما يجمع موسكو وأنقرة من ملفات أوسع بكثير من النقاط الخلافية. وأنه فضلا عن تطابق الموقف من النزعات الانفصالية للأكراد، والتوافق على المنطقة الأمنة في الشمال السوري، هناك مسألة التعاون في مجالات الطاقة والقطاع العسكري، وهناك تفاهم على حدود التحرك في ليبيا برغم التباين في أهداف ومداخل البلدين».
ولفتت إشارات بعض الخبير إلى وجود تباين داخل المؤسسات الروسية حول آليات التعامل مع الوضع الراهن في إدلب، وأنه في وقت تعمل الخارجية على تعزيز التنسيق مع تركيا ترى وزارة الدفاع التي تتولى بشكل مباشر إدارة الملف السوري أن الأولوية لتقدم الجيش السوري وتوسيع رقعة انتشاره.
وهو أمر أشار إليه أنطون مارداسوف، الخبير في المجلس الروسي للشؤون الخارجية، وقال إن موسكو لا تزال تبحث عن توازن بين سعيها لتطوير العلاقات مع أنقرة والعمل في اتجاه تعزيز الوضع ميدانيا في سوريا. وزاد الخبير: «من الصعب الجمع بين تنفيذ هاتين المهمتين بالنظر إلى خصوصية السياسة الخارجية الروسية في الاتجاه السوري، على خلفية أن وكالات الاستخبارات والمؤسسة العسكرية دفعت الدبلوماسيين لفترة طويلة إلى المرتبة الخلفية في اتخاذ القرار». وزاد الخبير أنه «تتفهم موسكو الحاجة إلى إنشاء منطقة عازلة في الشمال، لكنها مهتمة أيضا بدفع المعارضة بعيداً عن الطرق الرئيسية وزيادة إضعافها».
لكنه أكد في المقابل عدم وجود مخاوف لتصاعد التوتر أكثر من تركيا، وزاد «تعتمد موسكو على حل الوضع مع أنقرة حتى في ظل أكثر السيناريوهات سلبية في إدلب».
في أثناء ذلك، قلل برلمانيون روس من أهمية «التصريحات النارية» التي تصدر عن القيادة التركية حول استعداد أنقرة لشن ضربات جديدة على مواقع حكومية، ورأى بعضهم أنها «موجهة للاستخدام الداخلي ولمخاطبة الجمهور الانتخابي لإردوغان».
ووفقا للباحث السياسي غيفورغ ميرزايان، فإن إردوغان، بعد الحادث «لا يستطيع سوى التحدث بلهجة نارية»، وإلا فإن «ناخبيه لن يفهموه». وتوقع ألا يُقدم الرئيس التركي على تصعيد واسع النطاق، لأن ذلك يهدد بانهيار اتفاقيات تركيا مع روسيا، بما في ذلك الاتفاقات مع موسكو بشأن سوريا.
إلى ذلك، قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما قسطنطين كوساتشييف إن موسكو قلقة بشدة إزاء الوضع في محافظة إدلب السورية، وإن «الموقف هناك يضع كثيراً من الضغوط على الاتفاقات بين روسيا وتركيا». ووفقا لخبراء فإن تطورات الوضع في إدلب وصولا إلى المواجهة التي وقعت أخيرا تدفع باتجاه إجراء مراجعة شاملة لاتفاق سوتشي الموقع بين موسكو وأنقرة في خريف العام الماضي.
ولم تستبعد أوساط برلمانية أن تلجأ موسكو وأنقرة في وقت لاحق إلى إجراء جولات محادثات جديدة لمراجعة الاتفاق، مع الأخذ في الاعتبار التقدم الذي أحرزته القوات النظامية، وبما يسمح بتطويق ملف الوجود التركي في إدلب، وإنهائه، مع منح أنقرة ضمانات أوسع في موضوع المنطقة الآمنة في الشمال.
على صعيد مواز، أعلن مركز المصالحة الروسي في سوريا أنه تلقى بلاغات بأن «مؤسسة الخوذ البيضاء» والمسلحين من تنظيم «هيئة تحرير الشام» يعدون لـ«تنفيذ عمل استفزازي في إدلب باستخدام مواد سامة».
وأكد المركز تلقيه أول من أمس، عبر «الخط الساخن» التابع له، بلاغين من أهالي إدلب، يفيدان بأن عناصر من «الخوذ البيضاء» وبدعم من مقاتلي «هيئة تحرير الشام» يستعدون بنشاط لتنفيذ هجوم باستخدام مواد سامة، في قرية معارة الأرتيق بمحافظة حلب، المشمولة بمنطقة إدلب لخفض التصعيد.
اللافت، أن المركز دعا الجانب التركي إلى «الضغط على المسلحين الناشطين في المناطق الخاضعة لسيطرته في إدلب، لمنع تنفيذ مخططهم الإجرامي» وعكست هذه الدعوة استمرارا للدعم الروسي المعلن للعمليات العسكرية التي تشنها القوات الحكومية باعتبار أنها «تقلص من النشاط الإرهابي في المنطقة».
من جهتها، تحاشت تركيا تصعيد التوتر مع روسيا. وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إنه ليست هناك ضرورة للدخول في نزاع مع روسيا خلال هذه المرحلة. وأضاف إردوغان، في تصريحات لعدد من الصحافيين خلال عودته من أوكرانيا أمس (الثلاثاء)، علّق فيها على استهداف النظام السوري الجنود الأتراك في إدلب أول من أمس؛ ما أدى إلى مقتل 7 منهم وإصابة موظف مدني: «ليست هناك ضرورة للدخول في نزاع مع روسيا خلال هذه المرحلة، لدينا معها مبادرات استراتيجية جادة للغاية. الاعتداء على الجنود الأتراك، يعد انتهاكاً لاتفاقية إدلب، وبالطبع ستنعكس نتائج هذا الاعتداء على النظام السوري». وتابع: «أعتقد أن العمليات التركية أعطت درساً كبيراً لهؤلاء (نظام الأسد)، لكننا لن نتوقف، سنواصلها بالحزم نفسه».
وفيما يتعلق بنقاط المراقبة العسكرية التركية الموجودة في إدلب، قال إردوغان: «نقاط المراقبة التركية في إدلب لها دور مهم جداً، وستبقى هناك، ونجري التعزيزات اللازمة».
وأضاف، أن النظام السوري «سيدفع ثمن قصفه الجنود الأتراك في إدلب، وأن الرد التركي سيكون قاسياً. نرد على ذلك بكل حزم، سواء من البر أو الجو، بحيث يدفعون ثمن فعلتهم».
في السياق ذاته، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، إن بلاده ردت على «الهجوم الدنيء» لقوات نظام بشار الأسد في إدلب، وإنه تم تحييد 76 عنصراً للنظام. وأضاف، في تصريح عقب تفقده برفقة عدد من القادة العسكريين، وحدات عسكرية على الحدود مع سوريا، وزيارته جرحى الجنود الأتراك في مستشفى هطاي الحكومي الليلة قبل الماضية: «قمنا ونقوم بالرد على الهجوم الدنيء لقوات نظام بشار الأسد في إدلب، وجرت محاسبتهم على كل قطرة من دماء جنودنا».
وشدد أكار على أن تركيا تسعى لضمان تحقيق وقف إطلاق النار، ووقف نزيف الدماء في أسرع وقت، وتحقيق الاستقرار والسلام للسوريين، مضيفاً أن تركيا قامت بما يترتب عليها بموجب تفاهمات سوتشي وآستانة بشأن سوريا، وأنهم يتطلعوا لأن تقوم الأطراف الأخرى أيضاً بالوفاء بالتزاماتها. وأكد أنه لا ينبغي لأحد أن يشك في قدرة تركيا على حماية حقوقها. وقال إردوغان، إن التطورات في إدلب وصلت إلى وضع لا يطاق، مشيراً إلى أنهم صبروا في هذا الصدد كثيراً. وأعرب عن أمله في أن يعي الجميع التزاماته في إطار اتفاقيتَي «آستانة» و«سوتشي»، وأن يواصلوا العمل في هذا الإطار.
من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إنه يقع على عاتق روسيا وقف ما سماه «وقاحة نظام الأسد» التي بدأت تزداد في الآونة الأخيرة. وأضاف، في كلمة خلال اجتماع تحت عنوان «آسيا من جديد» بخصوص سياسة تركيا الخارجية، حضره سفراء وممثلو تركيا في القارة، أن بلاده ستواصل الرد على النظام، إن كرر استهدافه القوات التركية في إدلب. وتابع قائلاً: «لا يمكننا البقاء مكتوفي الأيدي حيال الهجمات التي تستهدف قواتنا في إدلب، قمنا بالرد وسنواصل الرد إن تكررت».
وتابع أن «الجروح بدأت تصيب مساري آستانة وسوتشي حول سوريا، لكنهما لم ينتهيا تماماً». وأن العذر الروسي بعدم قدرتهم على التحكم بالنظام السوري بشكل كامل، ليس صائباً.
إلى ذلك، واصل الجيش التركي تعزيز نقاط مراقبته داخل محافظة إدلب. وكشفت مصادر عن اجتماع تركي - روسي أمس في أنقرة ضم مسؤولين عسكريين وآخرين من الاستخبارات لمناقشة التطورات.
في السياق ذاته، حمّلت المعارضة التركية إردوغان المسؤولية عن مقتل الجنود الأتراك في إدلب بسبب إصراره على التدخل في شؤون دول المنطقة، وأشارت إلى أن ذلك جعل من تركيا وكراً لجميع الميليشيات في العالم. وقال نائب حزب الشعب الجمهوري عن محافظة إسطنبول، سزجين تانري كولو، عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «ما شأننا نحن بإدلب». وأضاف «أن وجود الجنود الأتراك في سوريا ليس صحيحاً، وأن المعارضة التركية تنادي منذ عام 2011 بعدم دخول الجيش التركي سوريا»، وتابع: «ما شأن جنودنا بإدلب. لقد عارضتُ منذ البداية دخول تركيا في الحرب في سوريا، وقلت ذلك مرات عدة. ورغم ذلك استضافت تركيا جميع الميليشيات الذين أتوا من كل مكان في العالم».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.