هل ينقرض «القاعدة» في اليمن بعد الريمي؟

محافظ مأرب لـ«الشرق الأوسط»: الأمن لم يستطع تحديد هوية قتلى ضربتي «درون» في المحافظة

يمني يسير إلى جوار غرافيتي للدرون الأميركية التي يكثر استخدامها ضد تنظيم «القاعدة» في اليمن (إ.ب.أ)
يمني يسير إلى جوار غرافيتي للدرون الأميركية التي يكثر استخدامها ضد تنظيم «القاعدة» في اليمن (إ.ب.أ)
TT

هل ينقرض «القاعدة» في اليمن بعد الريمي؟

يمني يسير إلى جوار غرافيتي للدرون الأميركية التي يكثر استخدامها ضد تنظيم «القاعدة» في اليمن (إ.ب.أ)
يمني يسير إلى جوار غرافيتي للدرون الأميركية التي يكثر استخدامها ضد تنظيم «القاعدة» في اليمن (إ.ب.أ)

سواء كنت غائصاً في ظلام شاشة السينما الحالك، أو متكئاً على الأريكة في المنزل تشاهد مسلسلاً على «نتفليكس» أو «أمازون برايم»، سيدهشك حتماً ذلك المشهد الذي عادة ما يكون في نهاية العرض لطائرة من دون طيار (درون) وهي تحلق في السماء مستهدفة زعيم تنظيم إرهابي، أفقدك وعشرات الآلاف من المشاهدين أعصابكم منذ قررتم متابعة ما يحدث، ولعل أبرز المشاهد تلك التي يتلقى فيها الإرهابي المُستهدف مكالمة من البطل الذي يصوره لك مخرج الفيلم في المشهد قبل الأخير، ومشهد الصاروخ الذي ينفجر إيذاناً بنهاية العرض.
ولعل قيادات تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» في اليمن هذه الأيام يشغلهم السؤال الذي يشغل المشاهدين بعدما ينتهون من مشاهدة الفيلم أو المسلسل؛ إنه السؤال الأكثر قرباً لما يحصل في الحقيقة، بعيداً عن تلك المكالمة التي لا تحدث، أو كل الخدع الهوليوودية المستخدمة في العرض.
«ماذا ستفعل إذا كنت قيادياً في جماعة إرهابية في اليمن، أو في أفغانستان أو باكستان، وعرفت أو اشتبهت بأن زعيم الجماعة الإرهابية التي تنتمي إليها قُتل؛ ماذا ستفعل أنت والقيادات الأخرى؟». الإجابة الوحيدة هي الترتيب لما بعد ذلك الزعيم الذي غالباً ما يقضي نتيجة ضربة جوية أميركية.
هذا ما ذهب إليه محللان يمنيان تحدثت إليهما «الشرق الأوسط» في أعقاب الأنباء الغربية والعربية التي تداولت استهدافاً بـ«درون» أميركية في مأرب لقاسم الريمي زعيم تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب»، وأبرز المدرجين في القائمة السوداء للتنظيم لدى السعودية والولايات المتحدة ولجنة العقوبات الخاصة باليمن في مجلس الأمن.
وقد يكون تأخر الإدارة الأميركية في إعلان مقتل الريمي يرجع إلى عدم تأكدهم التام مع تحليل الحمض النووي (DNA). ولو كان أي مسؤول في العالم مكان الإدارة الأميركية لفعل مثلما فعلوا، ولذلك سبب آخر أيضاً. فالباحث السياسي اليمني البراء شيبان يستذكر أن الريمي جرى إعلان استهدافه نحو خمس مرات سابقة.
ومن اللافت أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتشوق إلى معرفة النتيجة النهائية ليعلن مقتل الريمي كما أعلن مقتل أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ومقتل قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني مطلع العام الحالي، إذ أعاد الرئيس ترمب تغريدات مراسلين وباحثين تحدثوا عن أنباء استهداف زعيم تنظيم «القاعدة» في اليمن. ولم يغرد حتى لحظة إعداد هذا التقرير (الثامنة مساء بتوقيت غرينتش).
وقبل التوغل في مسألة ما بعد الريمي، تجدر الإشارة إلى حديث أجرته «الشرق الأوسط» عبر الهاتف مع محافظ مأرب سلطان العرادة أمس، إذ قال إن الأيام العشرة الماضية شهدت ضربتين بالدرون على موقعين (منزلين) مختلفين في مأرب، والسلطات الأمنية لم تستطع معرفة هوية المستهدفين داخل المنزلين من شدة الضربات، لافتاً إلى أن المحافظة تشهد ضربات عديدة بصواريخ الحوثيين الباليستية وقذائف الكاتيوشا الحوثية، «مما جعل الأمر ملتبساً على الأجهزة الأمنية في تحديد ضربات الدرون من غيرها».

لماذا الآن؟
كانت السعودية - وهي أبرز دولة حاربت تنظيم «القاعدة» داخلها إلى أن طردته بشكل كامل - أول من أدرج الريمي على قائمة مطلوبين إرهابيين في عام 2009، وهو العام الذي نشأ فيه تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» بعد أن وجد في السعودية أرضاً صلبة صعبة، وبناء على توصية بن لادن، وفقا لوثائق كشف عنها سابقاً، وجد التنظيم في اليمن ملاذاً يلهم الإرهابيين سيما أن أبرز عملياتهم نفذوها هناك عندما استهدفوا المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» في 12 أكتوبر 2000. وأدرجت الولايات المتحدة الريمي عام 2010 على قائمة المطلوبين، وفي عام 2015 عندما تولى قيادة التنظيم خلفاً لناصر الوحيشي الذي قتل بـ«درون» أميركية في يونيو (حزيران) ضاعفت واشنطن مكافأة من يدلي بمعلومات عنه من خمسة ملايين دولار إلى عشرة ملايين دولار.
وتتهم واشنطن الريمي بتدريب الإرهابيين في أحد معسكرات تنظيم «القاعدة» في أفغانستان في تسعينات القرن الماضي، «وعاد بعد ذلك إلى اليمن وأصبح قائدا عسكريا، حكم عليه بالسجن خمس سنوات في عام 2005 في اليمن للتآمر على اغتيال سفير الولايات المتحدة لدى اليمن، وهرب في عام 2006، ورُبط بهجوم شهر سبتمبر (أيلول) 2008 على السفارة الأميركية في صنعاء الذي أسفر عن مقتل 10 حراس يمنيين، وأربعة مدنيين، وستة إرهابيين»، ويذكر برنامج الجوائز الأميركي لمن يدلي بمعلومات عن المطلوبين بأن الريمي يرتبط أيضاً بمحاولة التفجير الانتحاري الذي حدث في ديسمبر (كانون الأول) 2009 «لمهاجم الملابس الداخلية» عمر فاروق عبد المطلب على متن طائرة ركاب متجهة إلى الولايات المتحدة، وفي عام 2009 اتهمته الحكومة اليمنية بإدارة معسكر تدريبي تابع لتنظيم «القاعدة» في محافظة أبين جنوب اليمن.

ماذا بعد الريمي؟
تعتقد ندوى الدوسري، الباحثة اليمنية المتخصصة في شؤون القبائل والصراع، أن «مقتل الريمي يعتبر ضربة كبيرة لـ(القاعدة)». وتقول إن «التنظيم ضعف كثيراً منذ أن قتل أهم قياداته في اليمن»، في حين لا يرى البراء شيبان أن تغيراً جوهرياً سيحدث؛ «لأن (القاعدة) منذ فترة كان يحاول تهيئة نفسه بأنه لو حصلت مثل هذه الضربات فهناك البديل الجاهز، وأن التنظيم لن ينتهي بمجرد مقتل قائد»، مرجحاً أن يكون المطلوب خالد باطرفي مرشحاً لقيادة التنظيم إذا صحّ مقتل الريمي.
ويذهب شيبان إلى ما هو أبعد من مجرد تولي قيادة للتنظيم. ويقول: «المشكلة التي يواجهها (القاعدة) الآن أن الرعيل الأول من القيادات كان ما يميزهم فقط أنهم كانوا مع زعيم التنظيم الأم أسامة بن لادن، فالوحيشي كان حارس بن لادن على سبيل المثال»، مضيفاً: «الأهم هو وجود شخص يربطهم بحقبة أفغانستان وهي فترة صعودهم، وعادة هناك بعض المتضامنين القلائل مع هؤلاء ولو كان ضئيلاً».
«رغم الحرب المستعرة في اليمن فإن هناك تضييقاً على تنظيم (القاعدة) بعكس ما كان يعتقد، لأن التنظيم حاول استغلال الفراغ الأمني والسياسي الذي أحدثته الحرب، لكن واضح أن عمليات التنظيم تُحاصر وجرى تقليصها وأخيراً الاستهداف للقيادات حتى وصلوا إلى الرأس وهو قاسم الريمي»، يقول شيبان، مضيفاً: «يبدو أن الإدارة الأميركية الحالية تريد أن تؤكد - مثل أي إدارة سابقة - أنها قادرة على استهداف (القاعدة) والقيادات الكبرى للتنظيم خصوصاً عند اقتراب الانتخابات».
ولكن متى ينتهي تنظيم «القاعدة» في اليمن؟ سألت «الشرق الأوسط» وأجاب الباحث السياسي اليمني بالقول: «لن ينتهي، لأنه مرتبط بوجود مؤسسات إنفاذ القانون (شرطة مخابرات جهاز قضائي وسلطة محلية) وهي ضعيفة في اليمن. إذا استعادت الدولة نفوذها الكامل ستقلص بالتأكيد عمليات التنظيم بشكل سيكون ملحوظاً»، وتابع: «هناك عوامل خارجية لا تتحكم فيها الحكومة اليمنية أو صانع القرار اليمني وإن كان قوياً، مثل الوجود الأميركي في المنطقة، ووجود التنظيم أو الفكر الأم الذي ما زال حياً.. هذه عوامل تجذب الإرهابيين للبقاء وإعادة تدوير أسطوانة الاستقطاب».
وترى ندوى الدوسري أنه لا جدوى من الحديث عن «القاعدة» من دون إنهاء الحرب وسطوة الحوثيين على اليمن، ومن دون حكومة يمنية وقيادات غير مرتهنة للفساد ولأطراف خارجية. وتقول: «(القاعدة) حاول أن يستغل ظروف الحرب في اليمن واستطاع بالفعل في البداية أن يتوسع في بعض المدن مثل حضرموت وعدن وتعز. كان دخول الحوثيين في هذه المناطق العامل الأكبر في توسع (القاعدة) في هذه المناطق، ولكن مع خروج الحوثيين انحسر دوره بشكل كبير. (القاعدة) في اليمن يتغذى على الظلم والفوضى». تضيف الدوسري: «(القاعدة) أيضاً ليس بمعزل عن مشهد الصراع فقد استخدمه (الرئيس السابق) علي عبد الله صالح وأطراف أخرى لإضعاف منافسيهم السياسيين، وهذه الممارسة لا تزال قائمة»، وزادت الباحثة اليمنية بالقول: «(القاعدة) لا يزال ضعيفاً في اليمن وهو تنظيم غير مرحب به في أوساط المجتمع والقبائل، فالمجتمع اليمني مجتمع متسامح. لكن توسع الحوثيين عسكرياً وجرائمهم المستمرة ضد أبناء المناطق الشافعية وتبنيهم أجندة سلالية طائفية قد يسهم في خلق صراع طائفي غريب على اليمن، وهو ما سيشكل عامل دعم كبيراً لـ(القاعدة) والجماعات الإرهابية بشكل عام».


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.