لبنان: حكومة دياب أمام تحدّي الإصلاح... ومحاذرة الاقتصاص السياسي

تأييد دولي مشروط لها التقى مع مظاهر تهدئة داخلية

لبنان: حكومة دياب أمام تحدّي الإصلاح... ومحاذرة الاقتصاص السياسي
TT

لبنان: حكومة دياب أمام تحدّي الإصلاح... ومحاذرة الاقتصاص السياسي

لبنان: حكومة دياب أمام تحدّي الإصلاح... ومحاذرة الاقتصاص السياسي

لم توحِ المواقف السياسية التي ظهرت في جلسة إقرار موازنة المالية العامة لعام 2020، أن انقساماً سياسياً حاداً ظهر في لبنان بعد تشكيل حكومة حسان دياب، إذ بدا أن الحد الأدنى من الحفاظ على التوازنات تجري مراعاته، وحفظ «الثنائي الشيعي» و«التيار الوطني الحر» خط العودة مع أطراف سياسية تباعدت في الأزمة الأخيرة، بشكل لا يحول دون نسج تفاهمات «على القطعة» عندما تقتضي الحاجة. غير أن هذا الواقع لم يبدد مخاوف مراقبين لبنانيين من وجود توجّه عند «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» لاستهداف قوى سياسية أخرى، مثل «تيار المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» والرئيس فؤاد السنيورة، بذريعة «محاربة الفساد». وهذا ما أورده المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان في مطالعة أخيرة له نشرت في موقع «بروكينغ»، ذكر فيها أن «حزب الله» وحليفه «العوني» سيخرجان نفسيهما من دائرة الاتهام ويتهمان خصومهما السياسيين، ما يعني التمهيد لمرحلة سياسية تتسم بالانقسام الحاد.
هذه المطالعة تختلف عليها قوى سياسية ووقائع جرت خلال الأسبوع الماضي، تمثلت في تصريحات تحدثت عن «ضرورة منح الحكومة الوليدة الثقة»، بموازاة تأمين كتلة «المستقبل» النيابية النصاب لجلسة إقرار الموازنة، رغم الجدل على دستوريتها، والنقاشات التي خاضها رئيس مجلس النواب نبيه برّي قبيل تشكيل الحكومة لتعزيز حصة الموحّدين الدروز في الحكومة عبر توسعتها من 18 إلى 20 وزيراً.

لم يتخطّ تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة التوازنات السياسية التقليدية؛ إذ إن النقاشات التي خاضتها قوى سياسية تحتفظ بعلاقات متينة مع بعضها، أفضت إلى تحاشي استفزاز أي من القوى السياسية. وفي هذا السياق، أعلن وزير المال السابق علي حسن خليل أن «الرئيس نبيه برّي بذل أقصى ما يمكن لتسهيل ولادتها، وكان على تواصل مع الجميع»، قبل القول إن «(حزب الله) لم يتخل عن دوره الإيجابي أبداً».
فرض تدخّل برّي، لجهة إصراره على توسعة الحكومة، لتشمل درزيين وكاثوليكيين، بدلاً من وزير واحد لكل من الطائفتين، جوّاً من التهدئة، وهذا بعدما قرأ كثيرون أن هذه الخطوة حرمت رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل من أن يكون له «ثلث معطّل» في الحكومة. ولقد انعكس هذا الجو تهدئة عند الأطراف غير الممثلة بالحكومة، وإن كانت تهدئة مقرونة بالانتظار، وعبّر عنه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي رأى أنه «من السابق لأوانه إطلاق الأحكام بشأنها، مع ملاحظة أن تشكيلها كان خطوة مطلوبة سبق أن شدّدنا عليها لضرورات دستورية وعملية. ومن الطبيعي أن نراقب عملها ونتابع توجّهاتها آخذين في الاعتبار حاجة البلاد إلى فرصة لالتقاط الأنفاس». ثم لفت الحريري إلى أنه «لن تصح مقاربة الوضع الحكومي بمعزل عن رصد مواقف الأشقاء والأصدقاء، أو بالقفز فوق ردة الفعل الشعبية والشعور السائد أن الحكومة لا تشبه مطالب الناس. هناك غضب حقيقي يستدعي وعياً لتحديات المرحلة ومخاطرها الاقتصادية والمعيشية والأمنية والعبرة في ممارسات الأيام الآتية».
كذلك، عبّر الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط عن موقف مماثل بتأييده إعطاء فرصة للحكومة، متسائلاً: «هل نستطيع أن نحكمَ على هذه الحكومة بالإعدام من أول لحظة؟ يجب أن نتعوّد على لعبة المعارضة والحكم التقليدية لأنني شخصياً أرى أن الأمور ذاهبة إلى الأسوأ». وينبع موقف جنبلاط من إحساسه بحراجة الوضع الاقتصادي والمالي، وضرورة أن تكون هناك جهة رسمية تتخذ القرارات للجم التدهور بمعزل عن تصنيفها، علّ الحكومة تستطيع وقف الانهيار.

- تأييد دولي مشروط
الانفراج النسبي الداخلي، استتبع بانفراج خارجي، ولو أنه جاء على شكل تأييد مشروط بمراقبة أداء الحكومة اللبنانية الجديدة، والتأكد من مدى قدرتها على الالتزام بتنفيذ إصلاحات؛ إذ رحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتشكيل الحكومة، وقال في بيان إنه سيعمل مع رئيس الوزراء الجديد حسان دياب «من أجل دعم الإصلاحات في البلد المثقل بالديون، الذي يصارع أزمة اقتصادية»، مشدداً على أن «الأمم المتحدة ملتزمة دعم لبنان في تعزيز سيادته واستقراره واستقلاله السياسي». واعتبر وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، من جهته، أن «الإصلاحات هي السبيل الوحيدة لفتح الباب أمام حصول بيروت على مساعدات دولية هي أحوج ما تكون إليها، في ظلّ الانهيار الاقتصادي الراهن». وأردف: «نريد حكومة غير فاسدة تعكس إرادة اللبنانيين»، قبل أن يضيف أن «لبنان يعاني من أزمة اقتصادية حادة... وواشنطن مستعدة لتقديم المساعدة والدعم شرط أن تكون الحكومة ملتزمة بالإصلاحات، وأن تستجيب لمطالب الشعب»، ثم قال: «في حال كانت الحكومة متجاوبة وجاهزة لتنفيذ التزاماتها فسنُساعدها وندعمها».
وتابع بومبيو في بيانه أنّ «الامتحان أمام الحكومة الجديدة في لبنان سيكون أفعالها ومدى تلبيتها لتطلّعات الشعب اللبناني بتنفيذ الإصلاحات ومكافحة الفساد». وأكمل بومبيو أنّ «المظاهرات في لبنان تقول لـ(حزب الله) الإرهابي: كفى...! المظاهرات في بيروت وخارجها، كما في بغداد ليست ضد واشنطن، بل للمطالبة بالسيادة والحرية».
أيضاً الناطق الرسمي باسم الاتحاد الأوروبي بيتر ستانو قال إن «الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان خطوة أساسية نحو ضمان قدرة البلاد على معالجة الأزمات المتعددة التي تؤثر عليها».
لكنه شدد على أنه «يتوجب على الحكومة اللبنانية المقبلة أن تتصدى بسرعة للتحديات الاقتصادية الحادّة وتنفّذ إصلاحات هيكلية للاستجابة لاحتياجات الشعب اللبناني وتوقّعاته. ويجب ضمان حماية مناسبة للفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع». وأكد دعم الاتحاد الأوروبي لبنان في الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن مساعدته في تعزيز الحكم الرشيد والمحاسبة ومكافحة الفساد. وجدد تأكيد الاتحاد على «الشراكة القوية مع لبنان وشعبه ودعمه المتواصل لاستقرار لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وسيادته واستقلاله السياسي». وكان الممثل الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش قد قال بعد لقاء دياب في الأسبوع الماضي إنه «لمس جدية كبيرة» من رئيس الوزراء اللبناني في تطبيق الإصلاحات ومحاربة الفساد.

- رسائل التطمين
الحال أن دياب حاول، في حكومته الأخيرة، طمأنة الداخل والخارج عبر استبعاد أسماء حزبيين معروفين في التشكيلة الوزارية، وهذا مع أن القوى السياسية سمّت معظمهم، بحجة حشد تأييد للحكومة يمكّنها من حيازة الثقة في مجلس النواب، وتجنّب استفزاز المجتمع الدولي والقوى السياسية الأخرى، بحسب ما تقول مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط».
المصادر ترى أيضا أنه «من المفترض أن تنال الحكومة ثقة البرلمان وفق الحسابات العددية، ويفترض ألا يكون هناك أي عائق سياسي أمامها، بعد الفراغ من إعداد البيان الوزاري الذي تحصل على أساسه على ثقة البرلمان». وللعلم، الثقة التي تحتاج إليها هي أكثرية النصف زائداً واحداً، أي 65 نائباً.
من ناحية أخرى، لا يستبعد البعض أن يكون دياب قد حصل على موافقة دولية ومشروطة لرئاسة الحكومة، وتشكيل حكومة من خارج الطبقة السياسية وغير المنضوين «رسمياً» في الأحزاب، ولا ملفات فساد على الوزراء. ووفق الباحث السياسي جورج علم لـ«الشرق الأوسط» فإن «الاختبار سيكون في البرلمان الأسبوع المقبل حيث سيعلن البرنامج الحكومي عبر البيان الوزاري، وسننتظر لنرى ما إذا كان سيرضي الحراك المدني والمجتمع الدولي ويكون ذلك بداية إنقاذ البلاد من الأزمات السياسية والاقتصادية التي يعاني منها». ويشير علم إلى أن هناك «حركة دبلوماسية ظهرت قبل الثقة، أسفرت عن التأكيد أن هناك اهتماماً جدياً بالإصلاحات»، جازماً بأن دياب لا يستطيع تقديم الإصلاحات بمعزل عن البنك الدولي، بدليل أن «الحكومة ستكون مختلفة عن سابقاتها، وهو كلام يحمل أكثر من رسالة».

- مخاوف من استهداف سياسي
في المقابل، التأييد المشروط بالإصلاحات من قبل المجتمع الدولي، وهو بطبيعة الحال «نصف تأييد»، لم يبدد المخاوف من تغيير موازين القوى السياسية من خلال حكومة لم يشارك فيها «تيار المستقبل» و«حزب القوات اللبنانية» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» و«حزب الكتائب».
عبّر عن هذه المخاوف، جيفري فيلتمان السفير الأميركي السابق في بيروت، الذي رأى في مقالته المشار إليها سابقاً أنه «سيجري استهداف رئيس الوزراء السابق سعد الحريري ورئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة والزعيم الدرزي وليد جنبلاط وحلفائهم». وتابع أن «باسيل وبرّي وآخرين مرتبطون بمحور عون – (حزب الله) - دمشق لن يخضعوا للمحاسبة. ولن ينظر أحد على محمل الجدّ في صفقات الوقود والكهرباء المُلتبسة التي تفاوض عليها وزراء من (التيار الوطني الحر)، ولن يضطر (حزب الله) إلى دفع الضرائب على أنشطته الاقتصادية الواسعة أو فتح دفاتره على نظام الاتصالات السلكية واللاسلكية السرّي ونشاط التهريب».
تلاقى التقدير مع إشارة من الحريري قبل إعلان الحكومة، حين أكد أن «الخلل الأساسي هو أن الدولة لم تنجز الإصلاحات التي كان عليها أن تقوم بها. فقد عُقدت مؤتمرات «باريس 1» و«2» و«3». وفي «باريس 2» حصل لبنان على 10 مليارات دولار أميركي، كانت تشكل يومها ثلث الدين العام للبنان، وكان بإمكاننا أن نسدّد كل المستحقات المتوجبة علينا آنذاك. ولولا أن البعض يريد أن يحارب الحريرية السياسية، لما كنّا وصلنا إلى هنا اليوم. فمَن حارب الحريرية السياسية هو مَن أوصل البلد إلى ما نحن عليه اليوم، و«فهمكم كفاية».
وبينما لم تعلّق القوى السياسية اللبنانية على هذا التقدير المرتبط بإمكانية استهداف فريق سياسي معيّن في هذه المرحلة، ويرى بعضها أن هناك مخاوف ضئيلة من أن يتخذ الفريقان خيار المواجهة مع القوى السياسية التقليدية، يرى الباحث السياسي علم أن هذا التقدير «غير مبرّر... لأن الواقعية تقول إن المسألة لا تقتصر على محور أو فريق سياسي، إنما تشمل كل الجهات... وإذا كان من محاربة جدية للفساد، فالجميع سيُقدم للمحاكمة وهو أمر من مسؤولية القضاء».
استطراداً، يرى عَلَم أن الإحجام عن خوض المواجهة مرتبط بتوازنات إقليمية، ويقول إن «حزب الله» لا يستطيع أن يحقق مكاسب من الحكومة ومعها امتيازات كانت توفرها له الحكومات السياسية، بدليل «تراجع لهجة التصعيد لدى الحزب» في خطاباته. ويرى أن الحزب بات يعتبر أن «الحد من الخسائر يتمثّل في إعادة التموضع في الداخل اللبناني وإبقاء الحوار مفتوحاً مع المكوّنات الأخرى، في وقت لم تعد فيه إيران رافعة للسياسات التصعيدية بعد اغتيال قاسم سليماني في العراق».

- إصلاح ومحاربة الفساد
من ناحية أخرى، يبدو أن ملف محاربة الفساد والإصلاح هو الأكثر حضوراً في المناقشات والمداولات السياسية، وجرى التمهيد للإجراءات «القاسية والمؤلمة»، حسب تعبير الرئيس اللبناني ميشال عون، رغم أن البعض لا ينظر إلى المحاسبة على أنها أمر محسوم وسهل التحقق. وكرّر المسؤولون اللبنانيون التأكيد أن الإصلاح مضي قدماً، في حين قال عون أخيراً إن الأزمة الاقتصادية المالية «تبقى الأخطر، حيث لا الإنتاج ولا المال متوفران بعد اعتماد لبنان لسنوات خلت على الاقتصاد الريعي. لذلك، نحن اليوم بصدد معالجة هذين الوضعين الصعبين، والإجراءات التي ستتخذ ستكون قاسية وربما موجعة، ما يتطلّب تفهّم المواطنين لهذا الأمر، وكذلك لواقع أن الحكومة الجديدة والوزراء الجدد ليسوا بمسؤولين عن الخراب الذي حل بنا».
هنا يقول علم: «المحاسبة آتية إذا كان (صندوق النقد الدولي) و(البنك الدولي) شريكين في الإصلاح الجدّي، حيث يصران على محاسبة الأموال المهدورة منذ (باريس 1)». واستطرد: «المعلومات تقول إذا كان هناك من دور كبير لـ(البنك الدولي) و(صندوق النقد)، فإن كل المسؤولين عن الفساد منذ مطلع الألفية سيُحاكَمون وستكون المؤسسات المحلية مُرغَمة على التعاون مع المؤسستين، سواء من 8 أو 14 آذار». ورأى أن هذا الواقع «يدفع كل الفعاليات لمحاولة منع حسان دياب من أن يكون هناك أي دور للمؤسسات المالية الدولية بعملية الإصلاح».
في أي حال، شهد لبنان حراكاً كبيراً خلال الأيام الأخيرة على خط رئاسة الحكومة، من قبل ممثلين عن «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي»، شاركوا في الاجتماع المالي الذي استضافه السراي الحكومي. ويضع جورج علم النقاشات حول المحاسبة في إطار «المناكفات الداخلية»، معتبراً أنها «غير جدية». ولفت إلى أنه «عندما حرّك المدعي العام المالي القاضي علي إبراهيم بعض الملفات، كانت هناك مواقف بارزة تضع الشخصيات المعرّضة للمساءلة ضمن خانة الخطوط الحمراء». قبل أن يضيف: «لا يبدو أن هناك جدية لأن مسألة الفساد لا تقتصر على فريق معين».

- كفاءات وزارية في حقائب مناسبة... وغير مناسبة لتخصصاتها
> بدا لافتاً أن قسماً من الوزراء لم يتسلّموا حقائب وزارية تنسجم مع مؤهلاتهم العلمية وكفاءاتهم المهنية، وهي ثغرة سُجلت على الحكومة التي يُعرف الوزراء فيها بأنهم من الحائزين على شهادات علمية عالية.
ولكن، بين الاستثناءات التي تتوافق حقائبها مع تخصصاتها:
- وزير المال غازي وزني، المعروف بخبرته الطويلة في مجال الاقتصاد والمال، وهو حائز على شهادة دكتوراه في الأداء الاقتصادي والمالي ودبلوم دراسات عليا في العلوم المالية من جامعة باريس - دوفين.
- وزير الخارجية ناصيف حتّي، الدبلوماسي البارز الذي عمل سنوات في مكتب أمين عام جامعة الدول العربية وعينّ مستشاراً دبلوماسيا لأمينها العام وتولى مهاماً عدة في الجامعة العربية. وهو خريج الجامعة الأميركية في بيروت، وحامل شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية والعلوم السياسية من جامعة جنوب كاليفورنيا.
- وزير البيئة والتنمية الإدارية دميانوس قطار، خريج جامعة القديس يوسف، وهو أستاذ جامعي وعميد لكلية إدارة الأعمال في الجامعة الأنطونية، وسبق أن تولى ثلاث وزارات (المالية والتجارة والاقتصاد) في حكومة نجيب ميقاتي.
- وزير الطاقة ريمون غجر، الحائز على إجازة في هندسة الكهرباء من جامعة أوتاوا (كندا) والدكتوراه في مجال التكلفة الحدّية لنظم الطاقة الكهربائية من جامعة ساسكاتشيوان (كندا).
- وزير الاتصالات طلال حوّاط، الحاصل على شهادة ماجستير في الهندسة الكهربائية وعلوم الإلكترونيات من جامعة سان خوزيه ستايت الأميركية.
- وزير التربية والتعليم العالي طارق المجذوب، الذي يجمع بين القانون والهندسة، إذ هو قاضٍ بمجلس شورى الدولة وأستاذ جامعي يحمل الإجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية والدكتوراه في الحقوق من جامعة رين الفرنسية، والبكالوريوس في الهندسة من الجامعة الأميركية في بيروت.
- وزير الأشغال العامة والنقل ميشال إبراهيم نجار، فهو حاصل على الدكتوراه في الهندسة المدنية من جامعة أوكلاهوما ستايت الأميركية، وأستاذ محاضر وكان عميد كلية الهندسة السابق في جامعة البلمند.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.