تحليل سياسي: أي سيناريوهات تنتظر الليبيين بعد «التوقف النهائي» عن إنتاج النفط؟

ارتفاع الأسعار وتردي خدمات الصحة والتعليم من بين الانعكاسات الكثيرة المباشرة

صورة جانبية لخزانات النفط في إحدى شركات الوقود بمدينة البريقة النفطية (أ.ف.ب)
صورة جانبية لخزانات النفط في إحدى شركات الوقود بمدينة البريقة النفطية (أ.ف.ب)
TT

تحليل سياسي: أي سيناريوهات تنتظر الليبيين بعد «التوقف النهائي» عن إنتاج النفط؟

صورة جانبية لخزانات النفط في إحدى شركات الوقود بمدينة البريقة النفطية (أ.ف.ب)
صورة جانبية لخزانات النفط في إحدى شركات الوقود بمدينة البريقة النفطية (أ.ف.ب)

بات على الليبيين من الآن الاستعداد لمرحلة توصف بأنها «الأصعب في تاريخ البلاد»، إذا ما تم وقف إنتاج النفط بشكل كامل، وفق ما يراه مختصون ومواطنون ونشطاء مدنيون، وذلك على خلفية الحرب الدائرة في ضواحي طرابلس بين «الجيش الوطني» وحكومة «الوفاق».
وقبل 3 أيام أطلق مصطفى صنع الله، رئيس مجلس إدارة مؤسسة النفط الليبية، تحذيرات عدة مما قد تصير إليه الأوضاع في البلد العضو في منظمة (أوبك)، حال توقف إنتاج النفط، الذي تدنى مستوى إنتاجه من نحو 1.2 مليون برميل يومياً قبل الإغلاق، إلى 262 ألف برميل نفط يومياً، مع تخوفات من أنه قد يصل عما قريب إلى حدود 72 ألف برميل فقط خلال أيام.
ومنذ اكتشافه عام 1985 ينظر للنفط في ليبيا على أنه «قوت المواطنين»، حيث توجه عائداته للإنفاق على قطاعات كثيرة، كما تسدد منها أجور الموظفين في الدولة. لكن في ظل الانقسام السياسي الحاد، الذي عمقته الحرب على طرابلس، تردت الحالة المعيشية للمواطنين بشكل كبير.
ولخص عطية الفيتوري، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، التداعيات السلبية التي قد تعيشها ليبيا في حال عدم عودة عملية ضح النفط سريعاً، وفي مقدمة هذه التداعيات ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية، وتوقف مرتبات موظفي الدولة، بالإضافة إلى عدم إتاحة الاعتمادات المصرفية للقطاع الخاص.
ونوّه الفيتوري في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنه حال توقف عملية الإنتاج فإن الأمور «ستتراجع أكثر مما يستتبعه ارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض عرض السلع، وانعدام السيولة بالمصارف. بالإضافة إلى نقص السلع الهامة، مثل البنزين والغاز»، لافتاً إلى أن «الليبيين سيعانون الأمرّين مثلما حدث عام 2017».
وفي تقرير سابق لمنظمة العمل الدولية «ILO»، قالت إن ليبيا تحتل المركز الثاني في سلم الدول العربية الأكثر في نسب البطالة، وأرجع مختصون أسباب ارتفاع هذه النسبة إلى الحروب والنزاعات، التي تؤثر بدورها في عملية نزوح المواطنين.
وسبق للمبعوث الأممي إلى ليبيا الدكتور غسان سلامة القول إن ليبيا «بلد غني، ومع ذلك أصبح هناك واحد من أصل سبعة ليبيين يحتاج مساعدة إنسانية، وهذا يعني أن هناك نهباً قائماً في هذا البلد».
ونقل مواطنون في مدن بجنوب البلاد، ومنها سبها، أن سعر أسطوانة الغاز قفز إلى 80 ديناراً، بالإضافة إلى ارتفاع سعر لتر البنزين المدعم إلى نحو دينارين، وأحياناً ثلاثة دنانير في تلك المناطق النائية، في حين يباع في وسط وشرق البلاد بـ15 قرشاً فقط.
من جهته، قال ميلود الأسود، عضو مجلس النواب والمدير السابق لحقلي المبروك النفطي، والجرف البحري، لـ«الشرق الأوسط» إن «إيقاف تصدير النفط عمل مؤسف، وزاد من تعقيدات المشهد المرتبك أصلاً... وآثاره ستكون سلبية جداً على الاقتصاد الوطني». لافتا في هذا السياق إلى وجود أضرار وانعكاسات سلبية كثيرة، منها ما هو فني يشمل المعدات والأنابيب والآبار نفسها بسبب عملية التوقف، بالإضافة إلى مشاكل مستقبلية في تسويق الخام مرة ثانية.
وكان موالون للمشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، قد قاموا بإغلاق بعض الموانئ النفطية، حيث تشرف قواته على تأمين الحقول والموانئ النفطية في المنطقة الوسطى (الهلال النفطي) والبريقة، ومدينة طبرق على الحدود المصرية، وأرجعوا ذلك إلى محاولة إجبار حكومة «الوفاق» على وقف الإنفاق على الميليشيات الموالية لفائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي.
غير أن الأسود، النائب عن مدينة رقدالين بأقصى الغرب الليبي، قال إن «عائدات النفط تذهب لحسابات الخزانة العامة للدولة، وليس لحساب أحد... ونتمنى من كل الأطراف الابتعاد عن استعمال موارد البلاد كأوراق تفاوضية». مشيرا إلى أن «شأن إيقاف النفط كشأن من يفاوض ويتعهد بمنح عقود وصفقات استثمارية في سبيل الحصول على دعم سياسي... وعلى الجميع الإدراك أن أموال الشعب ومقدراته ليست أوراقا سياسية لأحد».
ولم يتوقف صنع الله بدوره عند الآثار المجتمعية، التي سيسببها توقف إنتاج النفط على حياة المواطنين، لكنه تحدث عن تداعيات ومشاكل فنية وبيئية أخرى، حيث أوضح أنّ وقف الإنتاج بشكل مفاجئ «يعدّ كارثة لأنّ النفط الخام المتبقّي داخل خطوط الأنابيب سيسبب تآكلا شديدا لهذه الأنابيب المتآكلة أصلا وللمعدات السطحية، وللأسف، ستستمر الآثار المدمرة لسنوات كثيرة. ففي الأعوام الخمسة الماضية سجّلنا 817 تسرباً في خطوط الأنابيب، التي تضررت بسبب سنوات الإقفال التي حرّض عليها وقام بها إبراهيم جضران»، الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية.
وزاد صنع الله من تحذيره باتجاه الاعتراف بوجود فساد وظلم في ليبيا قائلا: «إننا نشعر بالغضب والاشمئزاز من الحالة الاقتصادية. لكن ارتكاب عمل غير قانوني، كإقفال إنتاج النفط، لن يؤدي إلا إلى إفقار الدولة الليبية، واضمحلال سيادة القانون فيها. لقد علمنا أنّ المؤسسة الوطنية للنفط لن تتلقى الميزانية التي تحتاجها من أجل برنامجها الطموح لزيادة إنتاج النفط، وهذا يعني خسارة الشعب الليبي لمليارات الدولارات في السنوات المقبلة، كنا نتوقعها».
وأمام هذه المخاوف، يبدي كثير من الليبيين حيرتهم أمام ما ستسفر عنه الأيام القادمة، وفي هذا السياق، قال سالم الهيوني، أحد رواد التواصل الاجتماعي، إن الشعب الليبي «حائر بين إغلاق، أو عودة ضخ النفط كما في السابق، وفي الحالتين يستشعر أنه مسروق ومنهوب».
ومنذ توقف إنتاج النفط، قال الدكتور سليمان الشحومي، مؤسس سوق المال الليبية، إنه «إذا استمر توقف تصدير النفط فإن التأثير سيكون كارثيا على الاقتصاد، خاصة في ظل عدم وجود موارد أخرى للميزانية العامة للدولة الليبية المنقسمة».
وذهب الشحومي في توضيح عبر صفحته على «فيسبوك» أن الخوض في سيناريو استمرار توقف تصدير النفط والغاز الليبي، وانعدام الإيرادات التي تغذي الخزينة العامة لحكومة (الوفاق) بطرابلس «يتطلب البحث عن حلول وسبل لإدارة الأزمة إذا استمرت».
وفي ظل تزايد المخاوف المستمرة من توقف إنتاج النفط بشكل كامل، قال الناشط المدني يعرب البركي، إن ضخ النفط أو إيقافه في الحالتين «يمثل ضرراً على الشعب الليبي»، وبرر ذلك بأنه «رغم ارتفاع معدلات الإنتاج منذ 2017 فإن منظومة الفساد في العاصمة طرابلس لم تتوان عن الإثراء غير المشروع، وعن استخدام موارد النفط ضد الشعب الليبي، بدعم الميليشيات وتقوية شوكتها».
ومضى البركي، الذي ينتمي إلى غرب ليبيا، موضحا أنه بعد عملية «الجيش الوطني» لـ«تحرير» طرابلس، أنفقت حكومة «الوفاق» عشرات المليارات لحشد وجلب «المرتزقة»، مضيفاً أن «خيار إيقاف النفط مُر، لكنه لن يغير من حياة الليبيين شيئا، فهم بلا كهرباء ولا غاز ولا سيولة، ولكنه رسالة للمجتمع الدولي ليكون له موقف من التدخلات السلبية في ليبيا، وكبح جماع الغزو التركي باتجاه ليبيا، ومنع استيراد الإرهاب لليبيا بطريقة بشعة».
وانتهى البركي إلى أن «الليبيين متضررون من ضخ النفط، ومن إيقافه أيضاً، بالنظر لاستمرار سيطرة قادة الإرهاب والميليشيات على موارده، وهذا يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته للحد من إهدار الموارد الليبية».
ورأى الشحومي أنه «لا بد من خريطة طريق مالية يتفق عليها الطرفان بشكل مباشر، تقوم على توزيع الدخل النفطي بشكل غير مباشر، وآلية محددة بطريقة انتقالية تعالج مسألة عدم الثقة، وتقرب من توحيد مؤسسات الدولة الاقتصادية»



بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.