مناخات متقلبة لأسواق النفط في 2020

بعد ارتفاع الأسعار 34 % في 2019

منصة حفر بحقل نفطي في فنزويلا.(رويترز)
منصة حفر بحقل نفطي في فنزويلا.(رويترز)
TT

مناخات متقلبة لأسواق النفط في 2020

منصة حفر بحقل نفطي في فنزويلا.(رويترز)
منصة حفر بحقل نفطي في فنزويلا.(رويترز)

شهدت أسعار النفط في عام 2019، أكبر مكاسب تسجلها منذ ثلاثة أعوام مرتفعة بنسبة 34 في المائة، حيث أنهى مزيج خام برنت تداولات العام عند مستوى 67.77 دولار أميركي للبرميل على خلفية تحسن آفاق النمو الاقتصادي مع اقتراب الولايات المتحدة والصين من توقيع الاتفاقية التجارية. وكان النمو واضحاً على النطاق الأوسع لسوق السلع، حيث ارتفع المؤشر ذي الصلة بنسبة 6 في المائة خلال العام في ظل نمو كافة مؤشرات السلع الرئيسية تقريباً خلال العام، باستثناء سعر الغاز الطبيعي الذي شهد تراجعاً حاداً بأكثر من ربع قيمته. كما ساهم أيضا في تعزيز أسعار النفط العديد من العوامل من ضمنها استمرار القيود التي فرضتها منظمة الأوبك على حصص الإنتاج طوال العام إلى جانب تراجع إنتاج إيران نظراً للعقوبات التي فرضت عليها من قبل الولايات المتحدة. من جهة أخرى، ساهمت القضايا الجيوسياسية في المنطقة والهجمات الإرهابية التي تعرضت لها منشآت النفط السعودية في إضافة المزيد من الضغوط بما ساهم في زيادة تقلبات الأسعار على مدار عام 2019.
وقال تقرير صادر عن شركة «كامكو - غلوبل» للاستثمار وإدارة الأصول، إن عام 2020 بدأ بارتفاع أسعار النفط بنسبة 4 في المائة تقريبا على مدار جلسات التداول الثلاث الأولى وكسره لحاجز 70 دولارا للبرميل للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر تقريباً بعد مقتل قاسم سليماني، إلا أن الأسعار فقدت من زخمها في ظل تراجع حدة التوترات لتنخفض الأسعار إثر ذلك بنسبة 9 في المائة تقريباً مقارنة بأعلى المستويات المسجلة خلال العام. وجاء هذا التراجع أيضا على خلفية الارتفاع غير المتوقع في مخزونات النفط الأميركية في الأسبوع المنتهي في 3 يناير (كانون الثاني) 2020 في ظل بلوغ زيادة مخزونات البنزين أعلى مستوياتها المسجلة في أربعة أعوام، وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وظل الطلب على البنزين في الولايات المتحدة ضعيفاً في الآونة الأخيرة بما أدى إلى ارتفاع المخزونات في بداية العام. إلا أن بيانات المخزون للأسبوع المنتهي في 10 يناير 2020 أظهرت انخفاضا قدره 2.5 مليون برميل رغم استمرار ارتفاع مخزونات البنزين التي ارتفعت بواقع 6.7 مليون برميل خلال الأسبوع.
أما على جانب العرض، فقد بدأ العام بارتفاع إنتاج الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي جديد بلغ 13 مليون برميل يومياً وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية. كما ذكر التقرير أن مخزونات الدول التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تجاوزت 9 ملايين برميل متخطية متوسط الخمس سنوات، فيما يعد مؤشراً حيوياً لمستوى المخزون المتوفر لدى قطاع النفط. وأظهر تقرير آخر أن إنتاج النفط في النرويج بلغ أعلى مستوياته المسجلة في تسعة أعوام بعد أن بدأ تشغيل حقل يوهان سفير دروب في بحر الشمال الذي بلغ إنتاجه 350 ألف برميل يومياً بما ساهم في رفع إنتاج البلاد إلى 1.76 مليون برميل يومياً.
- إنتاج أوبك
في المقابل، تراجع إنتاج منتجي أوبك بشكل طفيف خلال ديسمبر (كانون الأول) 2019 مقارنة مع نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، حيث بلغ نحو 29.6 مليون برميل يوميا. وتراجع الإنتاج في المملكة العربية السعودية والعراق والإمارات العربية المتحدة خلال هذا الشهر قابله جزئياً ارتفاع الإنتاج في أنغولا. والمضاربات المحيطة بالمجموعة التي تمدد الموعد النهائي الحالي لخفض الإنتاج حتى نهاية العام قد بدأت بالفعل بالتأثير رغم أن مستوى التعاون والامتثال من قبل الدول غير الأعضاء في أوبك لم يتحدد بعد. هذا وتوقعت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري الأخير، زيادة قدرها 100 ألف برميل يوميا في الإمدادات من الدول غير الأعضاء في منظمة أوبك في عام 2020، كما أشار التقرير إلى مستوى امتثال بلغ نسبة 142 في المائة لدول الأوبك وحلفائها مع نسبة امتثال أعلى لدول الأوبك حيث بلغت النسبة 181 في المائة في حين أن نسبة امتثال المنتجين من خارج الأوبك بلغت 59 في المائة.
على صعيد أنواع النفوط، ارتفعت أسعار النفط على صعيد جميع الفئات تقريبا في عام 2019، حيث سجل مزيج خام برنت مكاسب بنسبة 34 في المائة ليغلق عند 67.77 دولار للبرميل، في حين ارتفع سعر نفط الأوبك بنسبة 32 في المائة خلال العام ليغلق عند مستوى 68.0 دولار للبرميل، إلا أن تلك المكاسب لم تنجح في رسم صورة دقيقة لتقلبات الأسعار خلال العام، حيث اتسع نطاق تقلبات سعر مزيج خام برنت خلال العام ليتراوح ما بين 74.94 دولار للبرميل كحد أقصى و53.23 دولار للبرميل كحد أدنى. كما أظهر متوسط سعر الخام خلال العام اختلافاً بيناً عن مستويات الأسعار المسجلة بنهاية العام. حيث بلغ متوسط سعر مزيج خام برنت 64.3 دولار للبرميل خلال العام مقابل 71.3 دولار للبرميل في عام 2018، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 10 في المائة على أساس سنوي. وعلى نحو مماثل، شهد متوسط سعر خام الأوبك تراجعاً، حيث وصل إلى 64.0 دولار للبرميل في عام 2019، أي بانخفاض قدره 8.1 في المائة مقابل 69.7 دولار للبرميل في عام 2018.
وتأثرت الأسعار خلال العام بشكل واضح بالمحادثات المتعلقة بالنزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين والتي أثرت على توقعات الطلب على النفط على مستوى العالم. وكان هناك عدد من العوامل الأخرى التي أثرت على الأسعار من ضمنها ارتفاع مستويات إنتاج النفط الأميركي إلى مستويات قياسية، والعقوبات المفروضة على إيران وفنزويلا، وتمديد اتفاقية الأوبك وحلفائها وما ترتب عليها من خفض مستويات الإنتاج بمقدار 2.1 مليون برميل يومياً، وتصاعد وتيرة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على خلفية الهجوم الإرهابي على منشآت النفط السعودية في سبتمبر (أيلول) 2019. وتوقعت أغلبية الوكالات تباطؤ الاقتصاد العالمي على المدى القريب فيما يعزى أساساً إلى تباطؤ التجارة العالمية على خلفية النزاع التجاري، إلا أن التوقيع على الاتفاقية التجارية بين الطرفين في مستهل عام 2020 ساهم في انتعاش السوق النفطية. وعلى جانب العرض، ساهم تمديد اتفاقية الأوبك وحلفائها لخفض حصص الإنتاج وزيادة التزام بعض منتجي الأوبك، بصدارة السعودية، في تعزيز الأسعار خلال العام. وبلغ متوسط إنتاج المملكة 9.8 مليون برميل يومياً مقابل 10.3 مليون برميل يومياً في العام الماضي. من جهة أخرى، أدى تراجع الإنتاج من قبل إيران وفنزويلا بسبب استمرار فرض العقوبات عليهما بالتزامن مع اضطرابات الإنتاج في ليبيا ونيجيريا إلى ارتفاع الأسعار. وبلغ متوسط إنتاج الدول الأعضاء بمنظمة الأوبك، باستثناء الغابون وغينيا الاستوائية، 29.33 مليون برميل يومياً في عام 2019، فيما يعد أدنى مستويات الإنتاج المسجلة من قبل المجموعة منذ عام 2011، كما أنه أقل من معدلات إنتاج عام 2018 بواقع مليوني برميل يومياً.
- اتجاهات الأسعار
استهلت أسعار النفط تداولات العام الحالي بوتيرة إيجابية، حيث سجلت نمواً بنسبة 4.3 في المائة خلال جلسات التداول الثلاث الأولى وكسرت حاجز 70 دولارا للبرميل وصولاً إلى 70.9 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر. لكن المناخات المتوقعة لعام 2020 عادت للتقلب بعد الارتفاع غير المتوقع لمخزونات النفط الأميركية الذي دفع بالأسعار إلى التراجع على مدار جلسات التداول اللاحقة بما دفع بسعر سلة الأوبك إلى التراجع إلى مستوى 65.6 دولار للبرميل بحلول 16 يناير 2020. وجاء هذا التراجع رغم إعلان الولايات المتحدة عن توقيع المرحلة الأولى من الاتفاقية التجارية مع الصين والتي ساهمت في توفير هدنة مؤقتة من تبعات الحرب التجارية التي استمرت قرابة عامين بين الطرفين. ولم يكن لتوقيع الاتفاقية التجارية وقعاً كبيراً على الأسواق، وذلك لأنه وفقاً لتفاصيل بنود الصفقة ما يزال هناك عدد من التحديات التي تقف أمام تنفيذها بنجاح على مدار العامين المقبلين، ما يعني أيضا المزيد من التقلب في الأسواق عموما وسوق النفط خصوصاً.
- الطلب والعرض
تم تعديل تقديرات نمو الطلب العالمي على النفط لعام 2019 وخفضها بواقع 0.05 مليون برميل يومياً مع توقع بلوغ متوسط الطلب العالمي إلى 0.93 مليون برميل يومياً. ومن المتوقع الآن أن يصل إجمالي الطلب إلى 99.77 برميل يومياً في عام 2019. وتعكس تلك المراجعة انخفاض الطلب من قبل الدول الأميركية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ونظيرتها من منطقة آسيا والمحيط الهادي والذي قابله جزئياً ارتفاع الطلب في الربع الرابع من عام 2019 من منطقة الشرق الأوسط. وشهدت الدول الأميركية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاض الطلب على نواتج التقطير المتوسطة خلال النصف الأول من عام 2019، نظراً لتراجع أنشطة قطاعي الصناعات التحويلية والنقل بواسطة الشاحنات. أما على صعيد منطقة آسيا والمحيط الهادي التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد تم تعديل تقديرات الطلب حيث جاء الطلب على الوقود الصناعي والمواد البتروكيماوية أضعف من المتوقع. كما تم خفض توقعات الطلب للدول غير التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، خاصة بالنسبة للطلب من جهة الهند خلال الربعين الثاني والثالث من عام 2019، وهو الأمر الذي قابله زيادة الطلب من جهة منطقة الشرق الأوسط خلال النصف الثاني من عام 2019.
من جهة أخرى، تم تعديل توقعات نمو الطلب لعام 2020 ورفعها بواقع 0.14 مليون برميل يومياً لتصل إلى 1.22 مليون برميل يومياً، ومن المتوقع الآن أن يصل إجمالي الطلب إلى 100.98 مليون برميل يومياً خلال العام. وتعكس تلك المراجعة تأثيرات الصفقة التجارية الجديدة المبرمة ما بين الولايات المتحدة والصين بالإضافة إلى تراجع معدلات سنة الأساس؛ نظراً لضعف المستويات المسجلة في عام 2019، وقد تركزت مراجعة التوقعات بصفة رئيسية على معدلات الطلب لمنطقة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتي تم رفعها بواقع 0.09 مليون برميل يومياً.


مقالات ذات صلة

الانتخابات تعيد رسم خريطة الأسواق العالمية... النفط وأسهم التكنولوجيا تحت الضغط

الاقتصاد شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)

الانتخابات تعيد رسم خريطة الأسواق العالمية... النفط وأسهم التكنولوجيا تحت الضغط

تباين أداء الأسواق العالمية في أعقاب نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي حقق فيها الديمقراطيون انتصارات واسعة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار (أ.ب)

الدولار يتراجع بعد الانتخابات الأميركية مع تحسن شهية المخاطرة

واصل الدولار تراجعه أمام العملات الرئيسية، يوم الخميس، عقب الفوز الواسع للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد عرض رقائق الذهب في متجر تجزئة للذهب مملوك للدولة في سورابايا، جاوة الشرقية (أ.ف.ب)

الذهب يقفز إلى أعلى مستوى في أسبوعين بدعم نتائج الانتخابات الأميركية

ارتفعت أسعار الذهب بنحو 2 في المائة، يوم الخميس، لتسجل أعلى مستوياتها في أسبوعين، مدعومة بتراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)

النفط يتراجع لليوم الرابع مع انحسار مخاوف تصعيد الحرب على إيران

تراجعت أسعار النفط لليوم الرابع على التوالي، يوم الخميس، وسط توقعات بأن تؤدي الخسائر التي تكبدها الحزب الجمهوري، إلى الحد من احتمالات تصعيد الحرب.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد بائع يعرض سبائك ذهبية في متجر مجوهرات داخل سوق الذهب في السوق القديمة بدبي (إ.ب.أ)

الذهب يتجاوز 4 آلاف دولار مع تراجع الدولار بعد فوز الديمقراطيين

سجلت أسعار الذهب ارتفاعاً قوياً، متجاوزة مستوى 4 آلاف دولار للأونصة، مدعومة بتراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية، عقب فوز الديمقراطيين.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الاقتصاد يوحّد صفوف الديمقراطيين ويقودهم إلى انتصار انتخابي واسع

ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد يوحّد صفوف الديمقراطيين ويقودهم إلى انتصار انتخابي واسع

ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)

نجح الحزب الديمقراطي الأميركي في تحويل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى محور جامع لحملته الانتخابية، متجاوزاً جانباً من خلافاته الداخلية بين التيار المعتدل والجناح التقدمي، في استراتيجية ساعدته على تحقيق انتصار واسع في انتخابات التجديد النصفي، وانتزاع السيطرة على مجلسي الكونغرس وعدد كبير من مناصب حكام الولايات.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن العامل الأبرز وراء هذا التحول كان قدرة المرشحين الديمقراطيين على توحيد خطابهم حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، مع تحميل سياسات الرئيس دونالد ترمب مسؤولية الضغوط التي تواجه الأسر الأميركية، بدلاً من الانجرار إلى القضايا الثقافية والاجتماعية التي أضعفت الحزب في استحقاقات انتخابية سابقة.

وتكشف نتائج استطلاع للناخبين أجرته وكالة «أسوشييتد برس» وشبكات تلفزيونية أميركية، أن 89 في المائة من المشاركين اعتبروا تكلفة المعيشة عاملاً رئيسياً أو مهماً في تحديد خياراتهم الانتخابية، مع تصدر ارتفاع أسعار الوقود والغذاء قائمة المخاوف.

ولم يقتصر نجاح الرسالة الاقتصادية على المرشحين المحسوبين على التيار التقدمي، بل تبناها أيضاً المعتدلون، وإن اختلفت مقترحات الطرفين لمعالجة الأزمة. وبهذا، استطاع الحزب تقديم خطاب انتخابي مشترك رغم استمرار الخلافات بشأن توجهاته السياسية والاقتصادية.

تحالف انتخابي يتجاوز الانقسامات

ومن العوامل التي ساعدت الديمقراطيين على توسيع قاعدة دعمهم اختيار مرشحين يتمتعون بحضور محلي وقدرة على استقطاب الناخبين المستقلين؛ خصوصاً في الولايات التي ظل الجمهوريون يهيمنون عليها لعقود.

ووفق الصحيفة، اعتمد الحزب على شخصيات من خلفيات مهنية واجتماعية متنوعة، بينهم أطباء وممرضون ورجال دين ومزارعون وقادة نقابيون ومعلمون وعسكريون سابقون، في محاولة لاستعادة ثقة شرائح من الطبقة العاملة ابتعدت عن الديمقراطيين في انتخابات سابقة.

كما عادت مجموعات انتخابية كانت قد دعمت ترمب في انتخابات 2024 إلى الاقتراع لمصلحة الديمقراطيين، ومن بينها الشباب والناخبون من أصول لاتينية، في تحول عكس هشاشة التحالف الانتخابي الذي ساعد الرئيس الأميركي على العودة إلى البيت الأبيض.

وامتد هذا التحول إلى ولايات ذات توجه جمهوري راسخ، إذ حقق الديمقراطيون مكاسب في تكساس وكانساس وساوث كارولاينا، مستفيدين من التركيز على الأعباء المعيشية والاعتراض على السياسات التجارية وتداعيات الحرب على إيران، التي رفعت تكاليف الوقود والأسمدة وأثقلت كاهل قطاعات واسعة؛ خصوصاً في المناطق الريفية.

وفي تكساس، تمكن المرشحان الديمقراطيان جيمس تالاريكو وجينا هينوجوسا من تحقيق اختراق سياسي لافت، عبر خطاب ركّز على القدرة على تحمل تكاليف المعيشة ومكافحة الفساد والحد من نفوذ أصحاب المليارات، في ولاية لم يحقق فيها الديمقراطيون فوزاً على مستوى المناصب التنفيذية منذ عام 1994.


وادي السيليكون يخسر رهان الـ600 مليون دولار في انتخابات الكونغرس الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

وادي السيليكون يخسر رهان الـ600 مليون دولار في انتخابات الكونغرس الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

لم تنجح مئات الملايين من الدولارات التي ضخّها كبار المستثمرين في قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة في إنقاذ المرشحين الجمهوريين من خسائر انتخابية واسعة، بعدما حقق الديمقراطيون انتصارات كبيرة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في نتيجة كشفت حدود النفوذ المالي لوادي السيليكون أمام تحولات المزاج الانتخابي الأميركي.

ووفق تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، أنفق مليارديرات من قطاع التكنولوجيا أكثر من 600 مليون دولار لدعم المرشحين الجمهوريين، في واحدة من أكثر الحملات الانتخابية تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة، لكن هذه الأموال لم تنجح في ترجيح كفة مرشحيهم، مع تصاعد المخاوف الشعبية من التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي ونفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى.

وكان إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي «تسلا» و«سبايس إكس»، أبرز الممولين، إذ تجاوز إنفاقه 470 مليون دولار على سباقات انتخابية لمجلسي الشيوخ والنواب. وذهب نحو نصف هذا المبلغ لدعم المرشح الجمهوري كين باكستون في ولاية تكساس، الذي خسر أمام الديمقراطي جيمس تالاريكو.

ولم تقتصر الخسائر على تكساس، إذ خسر مرشحون جمهوريون آخرون في سباقات مجلس الشيوخ بولايات متأرجحة، إلى جانب عدد من مرشحي الحزب لمجلس النواب، رغم الدعم المالي الكبير الذي تلقوه من المليارديرات وشركات التكنولوجيا.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول سياسي شارك في تنسيق إنفاق قطاع التكنولوجيا خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات قوله إن «المال لم ينجح»، مشيراً إلى أن ماسك أنفق نحو نصف مليار دولار وخسر جميع السباقات التي تدخل فيها.

الذكاء الاصطناعي في قلب المعركة

ولم تكن الأموال وحدها محور المواجهة الانتخابية؛ فقد تحولت المخاوف من التوسع في مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى قضية مؤثرة في خيارات الناخبين.

وأظهر استطلاع للناخبين بعد التصويت أجرته شبكة «إن بي سي» أن غالبية المشاركين اعتبروا مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عاملاً مهماً أو رئيسياً في تحديد خياراتهم الانتخابية.

كما حقق مرشحون ديمقراطيون معارضون للتوسع في إنشاء مراكز البيانات انتصارات لافتة، مستفيدين من تنامي الاعتراضات على استهلاك هذه المنشآت للطاقة والموارد، وتأثيرها في المجتمعات المحلية.

وبحسب «فاينانشال تايمز»، تزامنت هذه المخاوف مع استياء الناخبين من ارتفاع التضخم وتداعيات الحرب على إيران، وهو ما أسهم في اتساع التحول الانتخابي لمصلحة الديمقراطيين، وأضعف قدرة الإنفاق السياسي لقطاع التكنولوجيا على التأثير في النتائج.

وامتد الإنفاق إلى عدد من أبرز المستثمرين والشركات في القطاع؛ إذ ضخ المستثمران في رأس المال المغامر مارك أندريسن وبن هورويتز أكثر من 90 مليون دولار في الانتخابات، بينما أنفق مؤسسا منصة العملات المشفرة «جيميني»، كاميرون وتايلر وينكلفوس، أكثر من 5 ملايين دولار.

كما قدم غريغ بروكمان، الشريك المؤسس لشركة «أوبن إيه آي»، وزوجته آنا، تبرعات بقيمة 25 مليون دولار لكل من منظمة «ماغا إنك» واللجنة السياسية «ليدينغ ذا فيوتشر»، التي تدعم التوسع في الذكاء الاصطناعي.

وفي سباق آخر، أنفقت لجنة «فيرشيك»، المدعومة من قطاع العملات المشفرة، أكثر من 50 مليون دولار على إعلانات تستهدف المرشح الديمقراطي شيرود براون، أحد أبرز منتقدي القطاع، في محاولة لمنع عودته إلى مجلس الشيوخ، لكنها لم تنجح في تحقيق هدفها.

ضغوط تنظيمية تلوح في الأفق

ولا تتوقف تداعيات النتائج عند خسارة المرشحين المدعومين من قطاع التكنولوجيا، إذ تواجه الشركات احتمال زيادة الضغوط التنظيمية مع انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين في الكونغرس.

وأشارت الصحيفة إلى أن عشرات المبادرات الرامية إلى تجميد إنشاء مراكز البيانات أُقرت في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة، بالتزامن مع تصاعد الاعتراضات الشعبية على التوسع في هذه المنشآت.

كما بدأ قياديون ديمقراطيون الدعوة إلى استخدام الأغلبية الجديدة في الكونغرس لاستدعاء مسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي للإدلاء بشهاداتهم تحت القسم خلال العام المقبل، في خطوة قد تفتح جبهة جديدة بين المشرعين وشركات التكنولوجيا الكبرى.

ومع ذلك، فإن حجم الأموال التي ضخها هؤلاء المليارديرات يظل محدوداً مقارنة بثرواتهم الشخصية. وتوضح الصحيفة أن إنفاق ماسك يعادل، نسبة إلى ثروته، تبرع شخص يمتلك مليون دولار بنحو 400 دولار فقط.

وبعد اتضاح حجم الانتصار الديمقراطي، حذف ماسك منشوراً عبر منصة «إكس» كان قد دعا فيه الناخبين إلى التصويت للجمهوريين، في إشارة رمزية إلى إخفاق رهان وادي السيليكون الانتخابي.


الانتخابات تعيد رسم خريطة الأسواق العالمية... النفط وأسهم التكنولوجيا تحت الضغط

شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)
شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)
TT

الانتخابات تعيد رسم خريطة الأسواق العالمية... النفط وأسهم التكنولوجيا تحت الضغط

شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)
شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)

تباين أداء الأسواق العالمية في أعقاب نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي حقق فيها الديمقراطيون انتصارات واسعة، عززت الآمال بالتوصل إلى تسوية تنهي الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وتسببت في موجة هبوط بأسعار النفط وأسهم شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات، مقابل صعود الأسهم عموماً والسندات وأسهم الطاقة المتجددة.

وهبطت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 9 في المائة خلال تداولات الليل، لتتراجع دون مستوى 100 دولار للبرميل. وخسر الخام نحو 20 في المائة منذ بداية الأسبوع، وإذا استمر هذا التراجع حتى إغلاق الجمعة، فسيكون الأكبر على أساس أسبوعي منذ أحد أسابيع أبريل (نيسان) 2020، عندما هبطت أسعار الخام الأميركي لفترة وجيزة إلى المنطقة السالبة.

وشجع الانخفاض الحاد في أسعار الطاقة على موجة صعود في أسواق السندات، أدت إلى تراجع العوائد، كما دفع الدولار إلى أدنى مستوى له في شهر أمام اليورو، الذي بلغ 1.1273 دولار، وساهم في دعم أسواق الأسهم.

وارتفعت المؤشرات الرئيسية للأسهم على خلفية وضوح نتائج الانتخابات، إذ أغلق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مرتفعاً بنسبة 1.6 في المائة، فيما سجلت الأسهم الأوروبية أعلى مستوياتها في شهرين.

ضغوط على قطاع التكنولوجيا

وفي المقابل، قفزت أسهم الشركات العاملة في سلاسل إمداد الطاقة الشمسية، وسط توقعات بأن يعزز الديمقراطيون الدعم الموجه إلى مصادر الطاقة المتجددة، بينما تراجعت أسهم شركات مراكز البيانات وموردي المعدات المرتبطة بها في أنحاء آسيا، بفعل توقعات بتشديد القيود التنظيمية على القطاع.

وانخفض مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي، الذي يضم وزناً كبيراً لشركات صناعة الرقائق الإلكترونية، بنسبة 4 في المائة، مقترباً خلال التعاملات الصباحية من أدنى مستوى له في 7 أشهر. كما تراجع المؤشر القياسي في تايوان بنسبة 1.8 في المائة، فيما ضغطت أسهم موردي المعدات التكنولوجية على مؤشر «نيكي» الياباني، الذي انخفض بنسبة 0.5 في المائة.

وجاءت هذه الضغوط بعدما حقق مرشحون ديمقراطيون معارضون للتوسع في إنشاء مراكز البيانات، وخاضوا حملاتهم الانتخابية جزئياً على أساس المطالبة بتجميد بنائها، انتصارات لافتة في ولايتي تكساس وجورجيا، في مؤشر على تحول المواقف الشعبية تجاه الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، لا يتوقع معظم المحللين أن تؤدي هذه التطورات إلى تراجع الطلب على الذكاء الاصطناعي أو مراكز البيانات أو رقائق الحاسوب على المدى الطويل، لكنهم يرجحون حدوث تباطؤ مؤقت في وتيرة النمو.

وقال كريس ويستون، رئيس الأبحاث لدى شركة الوساطة «بيبرستون» في ملبورن، إن حجم الانتصار الديمقراطي هو ما فاجأ الأسواق.

الحرب تقود رهانات النفط

وفي أسواق الطاقة، اختبر خام برنت مستوى 93.50 دولار للبرميل خلال التعاملات الصباحية في آسيا، مقترباً من أدنى مستوياته المسجلة خلال الليل، مع ترجيح المتعاملين أن يصبح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مواجهة كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون وتحت ضغط ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط، أقل ميلاً إلى تصعيد الحرب مع إيران.

وأقر ترمب يوم الأربعاء بأن الحرب أسهمت في هزيمة الجمهوريين، فيما كان نائبه جي دي فانس أكثر صراحة، إذ كتب عبر منصة «إكس»: «السبب وراء خسارتنا هو الحرب».

ومن شأن التوصل إلى تسوية للنزاع أن يدفع أسعار النفط إلى مزيد من الانخفاض، بما يخفف الضغوط التضخمية ويقلص احتمالات اللجوء إلى زيادات إضافية في أسعار الفائدة.

وفي سوق السندات الأميركية، تراجع العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بمقدار 6 نقاط أساس خلال الليل، وبنقطة أساس إضافية في التعاملات المبكرة في طوكيو، إلى 4.87 في المائة. كما انخفض العائد على السندات لأجل عامين، الأكثر ارتباطاً بتوقعات أسعار الفائدة قصيرة الأجل، بنحو نقطتي أساس إلى 4.56 في المائة.