«محمية حرش إهدن».. لوحة فنية تبهر الناظرين

نموذجية عريقة في تاريخها وغنية في ميزاتها

المشي وتسلق الجبال من أفضل النشاطات التي يمكن أن تقوم بها في محمية حرش إهدن في جميع الفصول
المشي وتسلق الجبال من أفضل النشاطات التي يمكن أن تقوم بها في محمية حرش إهدن في جميع الفصول
TT

«محمية حرش إهدن».. لوحة فنية تبهر الناظرين

المشي وتسلق الجبال من أفضل النشاطات التي يمكن أن تقوم بها في محمية حرش إهدن في جميع الفصول
المشي وتسلق الجبال من أفضل النشاطات التي يمكن أن تقوم بها في محمية حرش إهدن في جميع الفصول

تشرق عليك من على المنحدرات الجنوبية الغربية لجبل المكمل (شمال لبنان) محمية، هي الشاهد الأخير على غابات لبنان الضاربة في القدم، إنها محمية «حرش إهدن الطبيعية».
هذه المحمية التي ذكرت في التوراة وتغنت بها نصوص ملحمة «غلغامش» البابلية الشهيرة، ما زالت الحاضر الأكبر لنعمة الطبيعة على لبنان الأخضر. فـ«حرش إهدن» أصبح محمية وطنية وهي ثاني أكبر محمية في لبنان، كما تتميز بنموذجيتها، حيث يتراوح ارتفاعها بين 1300 و1950 مترا عن سطح البحر.
تقول مديرة المحمية المهندسة ساندرا سابا في حديث لـ«الشرق الأوسط» التي التقتها داخل المحمية: «منذ سنوات عدة، وبعدما تأسست جمعية أصدقاء (حرش إهدن) تألفت لجنة رسمية اهتمت وفريق عملها بتحويل المحمية من موقع خاص بأهالي المنطقة إلى معلم سياحي بامتياز، يقصده المئات، بل الآلاف من السياح كل عام».
تحتوي المحمية على أكثر من 39 نوعا من الأشجار الصنوبرية والمختلطة كالأرز والعرعر والتنوب وأشجار التفاح البري المهدد بالانقراض، إضافة إلى الأشجار النادرة الوجود في الشرق الأوسط.
كما تعد الحياة النباتية فيها غنية جدا، فعلى الرغم من صغر مساحة امتدادها، فهي تتضمن أكثر من 1030 صنفا من النباتات، ونحو أربعين في المائة من أنواع النباتات في لبنان، فضلا عن إحصاء نحو 300 صنف من الفطريات يأخذ بعضها شكل فطر ملون.
أما غنى المحمية بالأشجار والنباتات والزهور، فهو يجعلها غنية أيضا بالثدييات، حيث شوهد أكثر من 27 نوعا منها في المحمية. وهي تمثل ثلث الثدييات في لبنان منها ما هو نادر الوجود أو مهدد كالأرنب البري، فأر الحقول، الغرير الأوراسي، القنفذ، الشهيم.
هذا الغنى ينسحب أيضا على الطيور المتنوعة الأصناف والأشكال، والتي يصل عددها إلى 168 صنفا وهي تمثل نحو 40 في المائة من طيور لبنان. ومن ضمن أصناف الطيور المقيمة أو العابرة ما هو مهدد على الصعيدين العالمي والمحلي؛ فهناك النسر الإمبراطوري، كما يوجد فيها «القرقف» بلونيه الأصفر والأزرق الذي يزورها صيفا للتوالد.
ومن يقصد المحمية لا يحصر اهتمامه بـ«التخييم» ورياضة المشي، حيث يكون أمامه فرصة زيارة محمية أرز بشري أو غابة الأرز القريبة من المحمية، التي تعد أوسع غابات الأرز اللبنانية شهرة. وهي تضم ما تبقى من تلك الشجرة المعمرة التي اتخذها لبنان رمزا على علمه، والتي ورد ذكرها في الكتب المقدسة والنصوص القديمة، ولعبت دورا بارزا في ثقافة الشرق الأدنى القديم، حيث بدأ استثمار أخشابها بشكل مكثف منذ الألف الثالث قبل الميلاد.
واللافت أيضا الفسحات بين الأشجار، هي جنة ممتلئة بأكثر من 500 نوع من النباتات المزهرة والنادرة، ما جعل المكان محط أنظار علماء النبات، حتى إن الأبحاث الأخيرة أدت إلى اكتشاف أنواع من الأزهار برية غير موجودة في أي مكان آخر في العالم، وقد أطلقت عليها أسماء عصرية مثل: «مخلب عقاب إهدن، قرنفلة يوسف بك كرم، زعفران الرئيس سليمان فرنجية». وثمة احتمال كبير لاكتشاف نباتات جديدة ما يضفي على الحرش قيمة لا تقدر بثمن.
وتبعد المحمية 100 كلم عن بيروت، وتبلغ مساحتها نحو 1000 هكتار من الأملاك العامة. وهي تلبس كل الفصول، كما يقول المتخصصون في شؤون البيئة، فتتزين في الربيع ألوانا، وتزهو في الصيف اخضرارا، في حين تتحلى بالذهب خريفا، وترتدي الأبيض شتاء.
وتقدم المحمية لزائريها أعلى مستوى في التخييم والنزهات البرية ورحلات المشي البيئية وتعطيهم الفرصة للهروب من زحام وضوضاء المدن إلى هدوء الطبيعة وجمالها، إذ إنها تقع جغرافيا في الدائرة الإيكولوجية عينها لغابات أرز تنورين وغابة أرز بشري، حيث الجبال الشاهقة، كما أنها تقع بمحاذاة المدرجات الجبلية ذات الينابيع العذبة. كيف لا وقد وصف المؤرخون «إهدن» بـ«جنة عدن»؟
ومن الخطوات أيضا إنجاز التحضيرات المتعلقة بإقامة المشتل الخاص بالمحمية، كما بدأت دراسات علمية عن الحشرات فيها بتمويل من وكالة التنمية الفرنسية، ليصار بعد ذلك إلى إقامة متحف للحشرات والفراشات يحوي على مختلف أنواعها مع التعريف بها.
بدوره، ينفذ الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع اتحاد بلديات قضاء زغرتا إقامة مراكز لاستقبال الزوار عند مدخل المحمية من جهة نبع «جوعيت» وتتضمن أيضا مختبرا ومشغلا وغرفا لاستعمالات متنوعة. وفي نبع جوعيت شاليهات، يمكن استئجارها لمحبي الطبيعة، حيث يقيمون في ربوع المحمية، وسط أجواء ساحرة، وبالإمكان ممارسة رياضة تسلق الجبال أو الانتقال من جبل إلى آخر فوق الوادي، بمساعدة فريق متخصص من خلال التمسك بحبال تربط بين المرتفعين، هذا إضافة إلى بعض المقاهي والمطاعم المتاخمة للغابة.



اطرد طاقتك السلبية في زيارة واحدة إلى جبل الملح

زوار جبل الملح  من جنسيت مختلفة (الشرق الأوسط)
زوار جبل الملح من جنسيت مختلفة (الشرق الأوسط)
TT

اطرد طاقتك السلبية في زيارة واحدة إلى جبل الملح

زوار جبل الملح  من جنسيت مختلفة (الشرق الأوسط)
زوار جبل الملح من جنسيت مختلفة (الشرق الأوسط)

بمجرد وصوله إلى جبل الملح المخصص للزيارة كنزهة ومساحة للترفيه والسياحة، وجد وائل محمد (38 سنة) نفسه أمام تلال بيضاء مرتفعة يصعد إليها الكثيرون صغاراً وكباراً، وبعضهم يتقاذف بكرات الملح البيضاء على سبيل المرح والدعابة.

وائل الذي يعمل محاسباً في شركة إلكترونيات بالقاهرة وجدها فرصة أن يتوجه إلى محافظة بورسعيد (250 كيلومتراً شمال شرقي القاهرة) على ساحل البحر المتوسط لقضاء إجازة يومين مصطحباً زوجته وولديه.

قال لـ«الشرق الأوسط»: «حين عرفت أن الشركة التي أعمل بها توفر حافلات ورحلات إلى بورسعيد في الإجازات الأسبوعية وجدتها فرصة لأقضي بعض الوقت على البحر مع أسرتي»، وأضاف: «حين وصلت إلى هناك سألت أحد الأشخاص عن أهم المعالم التي يمكن أن نزورها ونستمتع بها فدلني على جبل الملح في مدينة بورفؤاد».

دكان الملح ركن التذكارات والأمنيات (الشرق الأوسط)

للذهاب من مدينة بورسعيد حتى بورفؤاد، يتطلب الأمر ركوب «المعدية» وهي مركب ضخم عائم متحرك ينقل الأفراد والسيارات بين المدينتين بطريقة رومانسية، حتى إن البعض يعد ركوب المعدية في حد ذاته فسحة، على الرغم من أنها جزء طبيعي في حركة المواصلات والتنقل بين المدينتين الساحليتين.

يقع جبل الملح في مدينة بورفؤاد الملاصقة لمدينة بورسعيد، ولا يفصل بينهما سوى برزخ بحري، وتكوّن هذا الجبل (وهو جبل صناعي) خلال 100 عام تقريباً بحسب ما يقول أحد العاملين بإدارته.

يتبع الجبل شركة «النصر للملاحات»، وهي شركة قطاع أعمال عام تابعة للدولة، وتنتج ما يصل إلى 300 ألف طن ملح سنوياً يُستخدم في أغراض شتى من بينها ملح الطعام، حيث تكّون من بقايا الملح الخشن التي تخرج من الملاحات الممتدة على مساحة كبيرة في مدينة بورفؤاد.

الزوار يتسلقون جبل الملح (الشرق الأوسط)

ينجذب الزوّار لجبل الملح لما يمثله من مساحة كبيرة من الملح الأبيض الذي يشبه من بعيد جبال الثلج في أوروبا، حتى إن البعض ينفذ جلسات تصوير على الجبل وهو يرتدي ملابس ثقيلة كأنهم في أوروبا، والبعض يذهب إلى جبل الملح لما يشاع عنه بأنه يمتص الطاقة السلبية، فيصبح وسيلة للاستشفاء.

ويعد جبل الملح من الوجهات السياحية الشهيرة في بورسعيد، وفق الخبير السياحي المصري، محمد كارم، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الجبل يعد تجربة سياحية مميزة»، مضيفاً: «لا يتوقف جمال جبل الملح على كونه يمثل مشهداً غريباً على ساحل البحر المتوسط، لكنه أيضاً عنصر جذب بصري كبير جداً لأن طبيعته البيضاء تصنع أجواءً جديدة على المنطقة؛ ما يعطي جذباً كبيراً للسياحة الداخلية والخارجية تشبه الثلوج عندما تنزل على جبال الأرز في لبنان».

دكان الملح وشجرة الأمنيات في جبل الملح (الشرق الأوسط)

الاستشفاء والسياحة العلاجية جوانب أخرى تُميز جبل الملح، بحسب كارم، مؤكداً أن «الاستشفاء هدف أساسي لزيارة المكان؛ لأن الهواء نفسه مُحمل باليــــود، وهذا مهم للجهاز التنفسي والبيئـــة الملحية مهمة للجلد، كما أن الملح يطرد الطاقة السلبية».

ويلفت الخبير السياحي إلى أهمية هذا الموقع وإمكانية أن يتم إنشاء بنية سياحية حوله، ووضعه على الأجندة السياحية، مثل فنادق أو استراحات، ليكون أكثر جذباً للزوار من السياحة الداخلية والخارجية، أو تخصيص المنطقة لمركز الاستجمام والعلاج الطبيعي، مع إشراف طبي وإرشادي للترويج للسياحة العلاجية.

جبل الملح يجذب الزوار في المناسبات والإجازات (الشرق الأوسط)

وأوضح أن هذا الجبل جزء أساسي في برنامج زيارات المصريين إلى بورسعيد ليلتقطوا الصور التذكارية في المكان، لكن يجب أن يدخل على أجندة شركات السياحة الخارجية أيضاً.

وإلى جوار جبل الملح يأتي ركن التذكارات في «دكان الملح» الذي يديره شباب من بورفؤاد، ويضم منتجات من الملح، غالباً من الملح البحري، والعديد من منتجات سيوة ذات الفوائد الصحية والتي تدخل أيضاً في ديكورات المنازل.

ويقول مدير «دكان الملح»، مدثر دسوقي: «يضم موقع الجبل أكبر ملاحة في الشرق الأوسط والأعلى في تصدير الملح، وتكاد تكون مساحة الملاحة توازي مساحة مدينة بورفؤاد».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «قررنا تقديم منتجات من الملح والخشب لتكون بمنزلة تذكارات لزوار جبل الملح، كما يقوم الكثيرون بكتابة أحلامهم وأمنياتهم على شجرة الأمنيات، ويعلقونها على حوائط دكان الملح، وهناك كلمات وعبارات مكتوبة بكل اللغات؛ لأن زوار الجبل يأتون من كل الجنسيات، ووصل عدد الرسائل إلى 3 آلاف رسالة».

وأشار إلى أن عدد الزائرين لجبل الملح يــــــــتزايد في المناسبات والأعياد، لافتاً إلى أن البعض أحياناً يقومون بجلسات تصـــــــــــــــــوير على جبـــــــــــــل الملح؛ نظراً لمنظره الرائع الذي يشبه إلى حد كبير الجبال الثلجية في أوروبا.


رحلة بالقارب والدراجة إلى حقول الخزامى

الدراجات الهوائية وسيلة تنقل أساسية في أمستردام (نيويورك تايمز)
الدراجات الهوائية وسيلة تنقل أساسية في أمستردام (نيويورك تايمز)
TT

رحلة بالقارب والدراجة إلى حقول الخزامى

الدراجات الهوائية وسيلة تنقل أساسية في أمستردام (نيويورك تايمز)
الدراجات الهوائية وسيلة تنقل أساسية في أمستردام (نيويورك تايمز)

في بلد يُعد ركوب الدراجات جزءاً من الحياة اليومية، تقدّم هولندا لزوارها فرصة فريدة لاكتشاف الريف وقراه التاريخية وحقول الخزامى الشهيرة، من خلال رحلات تجمع بين الرحلات المائية وركوب الدراجات.

حقول الخزامى من أجمل الزيارات في هذا الوقت (نيويورك تايمز)

ففي هولندا، يحمل كل تقاطع ضمن شبكة مسارات الدراجات التي تتشابك عبر مقاطعتي شمال هولندا وجنوبها رقماً خاصاً به. وفي صباح مشمس من شهر أبريل (نيسان)، وبينما كنتُ أقود دراجتي جنوباً من مدينة هارلم نحو حقول الخزامى التي تغطي الريف برُقَع واسعة من اللون الفوشي والأصفر والأحمر القاني، انطلقت مسترشدة بالنقطتين 23 و90. ومع ذلك، ورغم الاستعانة بتطبيق لتحديد المواقع (GPS)، أخطأتُ الطريق بعد لوحتي إرشاد فقط، بينما سلك رفاقي في الرحلة منعطفاً خاطئاً آخر، ولم نجتمع مجدداً إلا بعد ساعات.

طواحين الهواء المنتشرة بين الحقول (نيويورك تايمز)

وقال بن آيكلهوف، وهو مرشد لدى شركة «بوت بايك تورز»، خلال الرحلة التي استمرت ثمانية أيام، وتركزت في معظمها بجنوب هولندا: «نمنحكم الخرائط والتعليمات، ولديكم جهاز تحديد المواقع، ولديكم أيضاً عقولكم، وهذا هو الأهم».

وقد نظّمت الشركة الهولندية الرحلة انطلاقاً من سفينة نهرية شكّلت معسكراً عائماً ينطلق منه راكبو الدراجات كل صباح حاملين وجبة غداء أعدوها من بوفيه الإفطار، ثم يعودون إليها بعد الظهر لتناول العشاء والمبيت.

حقول الخزامى الرائعة بألوانها العديدة (نيويورك تايمز)

وتُعد رحلات الدراجات ذاتية التوجيه من بين أقل برامج الشركة تكلفة (ابتداءً من 799 يورو، أو نحو 927 دولاراً) وأقلها تنظيماً، إذ تتيح فرصاً للانحراف عن المسار واستكشاف طرق بديلة لمن يهوون الملاحة، مثلي. وخلال جلسة تعريفية في اليوم الأول، وعدت لينِكه مومرستيغ، المرشدة الثانية المشرفة على الرحلة، بأن الطريق «أشبه بلغز رائع». وأضافت: «خلال أسبوع واحد سترون كل ما يظهر على بطاقات البريد الهولندية: الخزامى، والجبن، وطواحين الهواء». واتضح لاحقاً أن بإمكانك رؤية ما هو أكثر من ذلك، إذا أخطأتَ الطريق.

محلات بيع الاجبان في كل مكان (نيويورك تايمز)

وانطلقت الرحلة من أمستردام؛ حيث ترسو سفن الرحلات النهرية الأعلى سعراً بالقرب من محطة القطار المركزية في قلب المدينة الصاخب. وعلى بُعد ست محطات بالحافلة، وجدت سفينة «أركونا»، التي تتسع لـ92 راكباً، راسية في ميناء مينيرفاهيفن الهادئ.

وكانت كبائن السفينة البالغ عددها 47 موزعة على مستويين؛ ففي الطابق الرئيسي، كانت هناك صالة في المقدمة وقاعة طعام في المؤخرة تتوسطهما عدة كبائن ذات نوافذ تمتد من الأرض إلى السقف. أما في المستوى السفلي، فقد ضمت مقصورتي المريحة ذات السريرين نافذة صغيرة تقع مباشرة فوق مستوى المياه، وسريرين منفصلين تعلوهما ألحفة سميكة، وحماماً صغيراً عملياً.

رحلات مائية تقودك الى حقول الخزامى (نيويورك تايمز)

واحتوت خزائن التخزين الواسعة على حقائب جانبية للدراجات مزودة بمضخات هواء وأدوات إصلاح طارئة يمكن تثبيتها على الدراجات طوال الأسبوع. كما شغلت رفوف الدراجات نصف سطح المراقبة المفتوح أعلى السفينة.

وعثرت على دراجتي الهولندية الهجين ذات السرعات السبع من طراز «أزور» بين أسطول يغلب عليه الدراجات الكهربائية (بلغت تكلفة استئجارها 91 يورو للأسبوع، بينما بلغت تكلفة الدراجة الكهربائية 252 يورو). وكان منحدر يُنزَّل من السطح عند رسو السفينة ليسمح للراكبين بالصعود والنزول بدراجاتهم.

رحلة مائية بين طواحين الماء (نيويورك تايمز)

تضمنت ستة أيام من ركوب الدراجات مسارات مقترحة تراوحت بين جولات قصيرة نسبياً بطول 12 ميلاً ورحلات أكثر طموحاً بطول 36 ميلاً. وفي بعض الأحيان، كانت السفينة تلتقينا عند نهاية مسار أحادي الاتجاه، وفي أحيان أخرى كنا نكمل دائرة كاملة ونعود بالدراجات إلى موقع الرسو. وخلال جلسة التعريف عند الوصول، طُلب من المجموعة البحث عن الأرصفة الحمراء التي تشير إلى مسارات الدراجات المعبدة.

وقد اشتهرت هولندا بتوسيع أراضيها عبر انتزاع مساحات من البحر، ما أدى إلى إنشاء أراضٍ منخفضة ومروج مستصلحة تُعرف باسم «البولدر»، يجري تجفيفها بواسطة طواحين الهواء، ضمن شبكة معقدة من القنوات والممرات المائية.

الدراجة الهوائية رفيقة المسافر الى هولندا (نيويورك تايمز)

وقد عرّفنا يومنا الأول على الريف الخصيب المليء بالمزارع الصغيرة وأزهار الربيع وأصوات الطيور. وانطلقت بمفردي على طول مسارات بمحاذاة القنوات تحفها نباتات اللفت الصفراء الكثيفة، وعبرت جسوراً نحو قرية بروكلين التي استمد منها حي بروكلين في نيويورك اسمه.

وعندما وصلت إلى سلسلة من البحيرات القريبة؛ حيث تشق مسارات الدراجات المقامة على جزر ضيقة (شبيهة بالأشرطة) الممرات المائية، التقيت الراكبتين الوحيدتين الناطقتين بالإنجليزية اللتين لم تكونا تستخدمان دراجات كهربائية، وهما امرأتان من غرب كندا. وشكلنا معاً ثلاثياً أطلقت عليه اسم «فريق الدراجة الحقيقية».

استراحة قبل متابعة الرحلة على الدارجة (نيويورك تايمز)

وفي مدينة أوترخت، بدت الدراجات المتوقفة وكأنها تصطف على طول كل جسر وقناة. وأودعنا دراجاتنا في مرآب تحت الأرض مخصص للدراجات فقط (ومجاني)، قبل أن نتجول في المركز الذي يعود إلى العصور الوسطى، ونتناول الغداء بجوار كنيسة دوم القوطية الشاهقة.

وفي وقت متأخر من بعد الظهر، اتجهت السفينة جنوباً غربياً نحو روتردام عبر هويس جذب الركاب إلى السطح العلوي، لمشاهدة البوابات الحديدية الضخمة وهي تُغلق خلفنا، فيما امتلأت الحجرة بالمياه تدريجياً قبل فتح البوابات الأمامية وإطلاقنا إلى مجرى مائي أعلى.

رحلات سياحية على الدراجات الهوائية (نيويورك تايمز)

وفي اليوم التالي، قادتنا رحلة الدراجات انطلاقاً من روتردام مروراً ببعض أعلى طواحين الهواء في هولندا بمدينة سخيدام، قبل مواصلة الطريق إلى دلفت.

ووصفت مومرستيغ مدينة دلفت، موطن الرسام يوهانس فيرمير والخزف الأزرق الشهير، بأنها «أمستردام صغيرة بلا ازدحام».

قوارب سياحية (نيويورك تايمز)

وعلى الرغم من مشكلات الملاحة، إذ قدّرنا أننا نضيف نحو ثلاثة أميال يومياً بسبب أخطاء قراءة اللوحات الإرشادية، وصلنا إلى دلفت في وقت سمح لنا بتناول غداء نزهة في الساحة الرئيسية المهيبة المحاطة بالمباني ذات الواجهات الجملونية، التي تتوسطها كنيسة نيوفي كيرك أو «الكنيسة الجديدة» العتيقة.

استراحة بين الزهور (نيويورك تايمز)

وعلى مقربة منها، كانت كنيسة أوده كيرك أو «الكنيسة القديمة» تميل، مثل برج بيزا المائل.

وفي المدينة، التحق راكبو الدراجات المشاركون في الرحلة بزيارة جماعية (مقابل 7 يوروات) إلى مصنع «رويال دلفت» للخزف، المعروف بتصميماته الزرقاء والبيضاء المميزة على كل شيء، من الأطباق الفنية القابلة للاقتناء إلى القباقيب الهولندية التذكارية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


هل تستطيع تمضية عطلتك من دون جوالك الذكي؟

مقاصد سياحية مصرية بدون إنترنت  (صفحة رحلات وزارة الشباب والرياضة "الفيسبوك")
مقاصد سياحية مصرية بدون إنترنت (صفحة رحلات وزارة الشباب والرياضة "الفيسبوك")
TT

هل تستطيع تمضية عطلتك من دون جوالك الذكي؟

مقاصد سياحية مصرية بدون إنترنت  (صفحة رحلات وزارة الشباب والرياضة "الفيسبوك")
مقاصد سياحية مصرية بدون إنترنت (صفحة رحلات وزارة الشباب والرياضة "الفيسبوك")

لم تعد الرفاهية الحقيقية لدى كثير من المسافرين مرهونة بالفنادق الفخمة وحدها، بل أصبحت ترتبط بقدرة الإنسان على الابتعاد لبعض الوقت عن الشاشات واستعادة صفائه الذهني.

ومن هنا برزت عالمياً سياحة «الانفصال الرقمي»، وهي رحلات يختار فيها الزائر أماكن تقل فيها الشبكات أو تغيب، ليعيش تجربة أكثر هدوءاً واتصالاً بالطبيعة.

سيوة... الواحة التي تعيد ترتيب الزمن

في أقصى الصحراء الغربية، تبدو واحة سيوة كأنها عالم منفصل له قوانينه الخاصة، الطريق الطويل إليها جزء من التجربة، إذ يبدأ الزائر تدريجياً في التخلي عن صخب المدن، حتى يصل إلى فضاء تحيطه البحيرات المالحة، والنخيل، والجبال الرملية.

وفي مناطق كثيرة خارج النطاق العمراني، تصبح الشبكات محدودة أو بطيئة، فيتحول ذلك إلى ميزة لا عبء، لأن ذلك يساعدك على الاستمتاع بالإيقاع الهادئ.

يبدأ اليوم مع شروق الشمس، ويمتد بين زيارة الينابيع الطبيعية، والتنزه بالدراجات وسط مزارع الزيتون، والاسترخاء عند بحيرة فطناس وقت الغروب، كما تمنح جلسات المساء في الهواء الطلق، مع «الشاي السيوي» ورائحة الحطب، إحساساً عميقاً بالسكينة.

ويجد الباحثون عن عزلة راقية ضالتهم في فنادق سيوة البيئية، التي تعتمد البناء التقليدي من «الكرشيف»، وتقدم تجربة قائمة على الاندماج مع الطبيعة أكثر من الترف الصناعي.

متعة الحياة بعيدا عن ضجيج المدن (فندق أدرير أميلال "الفيسبوك")

أدرير أميلال

من أشهر تجارب الإقامة في مصر والعالم، يبرز «أدرير أميلال» بوصفه نموذجاً فريداً لفنادق الانفصال أو الانعزال الرقمي.

يقع الفندق وسط طبيعة سيوة الساحرة، وقد بُني من الملح والطين والحجر المحلي، من دون الاعتماد على الكهرباء التقليدية داخل الغرف. تضاء الممرات والغرف بمئات الشموع والفوانيس، فيما تقدم الوجبات في ساحات مفتوحة أو زوايا صخرية هادئة.

هنا لا تلفاز ولا ضجيج ولا شاشات جوال أو كمبيوتر تفرض حضورها، بل مساحة كاملة للهدوء والتأمل، في داخله ستحصل على متعة النوم العميق، والحديث الطويل مع الأصدقاء أو الأسرة، وتذوق الطعام ببطء.

كما يمنحك الفندق تجربة حسية نادرة، حيث تختلط رائحة الخشب، وبرودة الجدران الملحية، وصوت الرياح الخفيف، لتصنع إقامة يصعب نسيانها، أنت هنا ستنسى فقط الإنترنت ولن تنشغل بقوة «الواي فاي» لأنها ليست موجودة من الأساس.

هنا لا إنترنت أو كهرباء (أدرير أميلال "الفيسبوك")

تازيري... أناقة بيئية على سفح الجبل

في سيوة أيضاً يقدم «تازيري» نموذجاً آخر للفنادق البيئية الراقية، لكنه أكثر انفتاحاً على المشهد الطبيعي، حيث يقع عند سفح جبل ويطل على واحدة من أكبر بحيرات الواحة، وتُصنع غالبية مفروشاته من خشب الزيتون وسعف النخيل.

الإضاءة الليلية الهادئة، والفراغات المفتوحة، والتصميم المستوحى من التراث المحلي، تمنح المكان سحراً خاصاً.

ويقصد كثير من الزوار الفندق هرباً من الضغط الحضري، حيث تصبح القراءة، والمشي، ومشاهدة النجوم، أنشطة يومية كافية لصنع السعادة بعيداً عن مشكلات واشتباكات منصات التواصل الاجتماعي.

تجربة تعيدك إلى الحياة البسيطة بعيدا عن الشاشات (منتجع غطاطين "إنستغرام")

جزيرة طغاغين... إحساس بالخصوصية

تبرز جزيرة «طغاغين» بوصفها واحدة من أكثر الوجهات المصرية ملاءمة لسياحة الانعزال الرقمي.

تقع الجزيرة وسط البحيرة الكبرى، ولا يصل إليها سوى طريق يشق المياه؛ ما يمنح الوصول إليها إحساساً فورياً بالخصوصية والانفصال.

الأكواخ المبنية على الطراز السيوي التقليدي تطل على المياه الهادئة، فيما تصنع تكوينات الملح الأبيض على الأطراف مشهداً فريداً، خصوصاً وقت الغروب.

هنا لن يمنعك الإنترنت عن الاستمتاع بروعة الطبيعة و خصوصيتها؛ فأنت ستقيم داخل أكواخ أو غرف لا توفر لك خدمة الإنترنت عمداً.

وهو ما سيسمح لك في المقابل بممارسة كثير من الأنشطة المتنوعة ما بين التجديف، والسباحة، والمشي الطويل، وجلسات التأمل في الصباح الباكر.

ولا تقتصر جاذبية الجزيرة على هدوئها، بل تمتد إلى قربها من مزارات سيوة التاريخية، مثل «قلعة شالي» و«معبد الوحي»، ما يمنح الرحلة بُعداً ثقافياً إلى جانب الاسترخاء.

نافذة كوخ على الطبيعة الخلابة (منتجع غطاطين إنستغرام)

أبو جالوم... حين يلتقي الجبل بالبحر

في دهب بجنوب سيناء، تمنح محمية «أبو جالوم» الزائر تجربة مختلفة؛ حيث تقترب الجبال من البحر في مشهد طبيعي نادر، وتبقى مساحات واسعة بعيدة عن مظاهر التكنولوجيا المعتادة.

الوصول إلى بعض مناطقها يكون سيراً على الأقدام أو على ظهور الجمال، وهو ما يضفي على الرحلة روح المغامرة.

تشتهر المحمية بشواطئها البكر، ومياهها الصافية، وشعابها المرجانية القريبة من الشاطئ، ويقصدها محبو الغوص و«السنوركلينغ» أو ما يعرف بالغوص السطحي من أنحاء مختلفة، لكن سحرها الأكبر يكمن في بساطة الحياة اليومية.

تنتشر المخيمات البدوية الصغيرة على الساحل، حيث يقضي الزائر أمسياته حول نار الحطب، ويتناول وجبات بحرية طازجة، وينام على صوت الأمواج. هنا يصبح الصمت جزءاً من الفخامة، والابتعاد عن الشاشات وضجيج الإنترنت اختيارك المثالي لإجازة ممتعة هادئة.

العيش وسط الجبال في نويبع (وزارة الشباب والرياضة المصرية)

رأس الشيطان... ملاذ الحياة البسيطة في نويبع

على ساحل نويبع في محافظة جنوب سيناء (شرقاً)، تحافظ منطقة «رأس الشيطان» على مكانتها بوصفها واحدة من أشهر وجهات الهروب من صخب المدن.

«الكامبات» البدوية المنتشرة هناك تعتمد البساطة والهدوء، وتقدم إقامة مباشرة على البحر في عشش خشبية أو خيام مريحة.

شبكة الإنترنت محدودة، وأحياناً تقتصر على مناطق الاستقبال، بينما تنعدم في الغرف وقاعة الطعام، وهو ما يطلق عليه «الانعزال الرقمي الجزئي»، لكن ذلك يشجع الزائر على ترك الجوال جانباً، والانشغال بالسباحة أو القراءة أو الاسترخاء أمام البحر.

سانت كاترين... عزلة بروحانية الجبال

في قلب جنوب سيناء، تمنح «سانت كاترين» تجربة مختلفة تقوم على الصمت والرهبة الطبيعية؛ حيث الجبال الشاهقة، والهواء النقي، والوديان الممتدة، مما يجعل المكان ملاذاً للراغبين في الابتعاد عن الضوضاء الذهنية.

ويبرز ذلك خصوصاً أثناء صعود جبل موسى أو السير في المسارات الجبلية؛ حيث تضعف التغطية تدريجياً حتى تختفي في بعض المناطق، ليجد الزائر نفسه وجهاً لوجه أمام الطبيعة فقط، ولهذا يقصدها كثيرون لإعادة ترتيب الداخل.

ويظل مشهد الفجر من قمة الجبل من أكثر التجارب تأثيراً، حين تشرق الشمس ببطء على جبال سيناء، في صمت كامل لا يقطعه شيء، ولا ينزعج السائح من انفصاله الرقمي، وعدم التواصل مع الآخرين عبر التطبيقات المختلفة؛ فهو يعيش تجربة إستثنائية.

وادي الريان... هروب سريع من القاهرة

على مسافة قصيرة نسبياً من العاصمة، يقدم «وادي الريان» في الفيوم فرصة نادرة للانفصال السريع عن إيقاع المدينة؛ حيث البحيرات الواسعة، والشلالات الطبيعية، والكثبان الرملية، تصنع مشهداً متنوعاً يبتعد تماماً عن العمران المعتاد.

كلما توغل الزائر داخل المحمية ضعفت الشبكات، لتبدأ تجربة التخييم ومراقبة النجوم والسير بين التلال الرملية. ويعد المكان من أكثر المقاصد جذباً للشباب ومحبي المغامرات القصيرة في عطلات نهاية الأسبوع، ولا يكترث أحد لهذا الانعزال الرقمي سواء كان كاملاً أو جزئياً؛ فثمة متعة أكبر وحياة يشعر بأنها تستحق أن يعيشها.

وادي الحيتان... تاريخ الأرض

داخل نطاق الفيوم أيضاً، تقع محمية «وادي الحيتان»، أحد أهم المواقع الطبيعية عالمياً، ويضم حفريات نادرة تكشف مراحل تطور الحيتان عبر ملايين السنين، ويقع في منطقة صحراوية واسعة تندر فيها الشبكات والخدمات.

الرحلة إلى هناك تمنح الزائر شعوراً نادراً بالعزلة الكاملة؛ فالمشهد الطبيعي المفتوح، والسكون الممتد، والسماء المضيئة بالنجوم ليلاً، كلها عناصر تجعل المكان تجربة تأملية كاملة.

الصحراء البيضاء... متحف طبيعي من دون سقف

في عمق الصحراء الغربية، تبدو الصحراء البيضاء كأنها كوكب آخر؛ فهنا تكون التكوينات الطباشيرية الغريبة، والاتساع البصري الهائل، وغياب أي أثر حضري، مما يجعلها من أنقى تجارب الانفصال الرقمي في مصر.

التخييم هناك تجربة قائمة بذاتها؛ عشاء بسيط في الهواء الطلق، وسكون مطلق، وسماء مرصعة بالنجوم، وكثيرون يعودون من الرحلة وهم يشعرون بأنهم استعادوا صفاءً ذهنياً افتقدوه طويلاً.