غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: «برلين» مظلة واقية لتوافقات الليبيين اللاحقة

تحدث عن 3 فروقات جوهرية للقمة المرتقبة... وخطة لتحويل الهدنة إلى وقف إطلاق نار «حقيقي»

غسان سلامة (أ.ف.ب)
غسان سلامة (أ.ف.ب)
TT

غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: «برلين» مظلة واقية لتوافقات الليبيين اللاحقة

غسان سلامة (أ.ف.ب)
غسان سلامة (أ.ف.ب)

قبل 48 ساعة تقريبا من انعقاد قمة سعى إليها منذ ما يربو على خمسة أشهر من الركض والترتيبات والاجتماعات، يقول الدكتور غسان سلامة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إن لديه خطة متكاملة لتحويل الهدنة الحالية إلى وقف لإطلاق نار حقيقي لكل العمليات العسكرية في ليبيا، وسيعرضها على قمة برلين المزمع عقدها غدا بحضور كبير، لكي يحصل منها على الموافقة والدعم.
وفي حوار هاتفي أجرته «الشرق الأوسط» مع الممثل الأممي، شدد سلامة على أن قمة برلين «لا تسعى إلى حل المشكلة الليبية بكل جوانبها، هي فقط تسعى إلى إنشاء مظلة دولية حامية لما سيتفق عليه الليبيون». وتحدث سلامة عن أن القمة «ستكون المظلة الواقية لما سيتفق عليه الليبيون في مسارات ثلاثة، اقتصادية وسياسية وعسكرية».
ويأمل سلامة «إنشاء حكومة وحدة وطنية يفرزها الحوار الليبي ـ الليبي خلال الأسابيع المقبلة بحيث نضع حدا لوجود حكومة في طرابلس وحكومة موازية أخرى». ويقول: «نسعى لتوحيد الحكومتين، وإنشاء حكومة وحدة وطنية».
وشدد الممثل الأممي على أنه «هناك عدد كبير من غير الليبيين الذين يقاتلون في الجبهات الليبية، هناك مقاتلون من أكثر من 10 دول، آخرهم كان وصول عدد من المقاتلين السوريين»، مفيدا بأنه جرى وضع خطة أمنية تقضي بخروج كل المقاتلين الأجانب من ليبيا مهما كانت جنسياتهم. فإلى تفاصيل الحوار

> دكتور غسان، ماذا يفرق مؤتمر برلين عن غيره من التجمعات الدولية التي ترمي إلى إخراج ليبيا من أزمتها التي تلمّ بها منذ سنوات؟
- مؤتمر برلين مختلف جوهريا عن كل ما سبق. أولا نحن نعمل على المؤتمر منذ منتصف أغسطس (آب) الماضي، حين جرى لقاء بيني وبين المستشارة الألمانية السيدة أنجيلا ميركل في 15 أغسطس 2019. واتفقنا حينها ألا نعلن عن المؤتمر إلا بعد تجهيزنا كل الوثائق المتعلقة به، لذلك جرت حتى الساعة 5 اجتماعات في برلين على مستوى كبار المسؤولين، كما انعقد اجتماع وزاري على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي أيضا للتحضير إلى هذه القمة. وبالتالي هذه القمة أخذت 5 أشهر من التحضير الدقيق مع مجموعة من 10 دول بينها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وأيضا 3 منظمات إقليمية وهي الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، وبالتالي هي لا تأتي من لا شيء، هي فقط نقطة الوصول بعد خمسة أشهر من العمل المضني للتوصل إلى ترميم الموقف الدولي من المسألة الليبية، وتم ذلك إلى حد كبير في الاجتماع الأخير لكبار المسؤولين الذي عقد في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اليوم السبت سنجتمع مرة أخيرة على مستوى كبار المسؤولين والأحد تجري القمة الساعة الثانية بتوقيت برلين.
الاختلاف الثاني الجوهري في قمة برلين، هو أنها لا تسعى إلى حل المشكلة الليبية بكل جوانبها، هي فقط تسعى إلى إنشاء مظلة دولية حامية لما سيتفق عليه الليبيون، الليبيون سيجتمعون وقد بدأوا في 3 مسارات ليبية خالصة، أولا: مالي واقتصادي وبدأت اجتماعاته في السادس من يناير (كانون الثاني)، أي منذ أسبوعين، الثاني: المسار العسكري والأمني نأمل عقده في القريب العاجل بين خمسة ضباط نظاميين من كل طرف لبحث الأمور العسكرية والأمنية لا سيما بحث تعزيز وقف إطلاق النار وبحث مستقبل التشكيلات المسلحة الموجودة على كامل البلاد، والمسار الثالث أساسي أيضا وهو المسار السياسي، وكما تعلم لقد وضعنا آلية لاختيار المندوبين إلى هذا المسار وبدأ كل من مجلس الدولة ومجلس النواب باختيار مندوبيهم منذ نحو خمسة أيام حيث يكون لكل دائرة انتخابية ممثل عن مجلس النواب وممثل آخر عن مجلس الدولة، وسنجمع هذا المسار السياسي في جنيف آخر هذا الشهر.
إذن الفرق الجوهري الثاني هو أننا فصلنا بحث عملية المظلة الدولية التي ستنشأ في برلين عن الحوار الداخلي الليبي الذي سيحصل في مسارات ثلاثة بدأ العمل عليها جدا منذ مطلع هذا العام.
أما الفرق الثالث الجوهري، هو أن الاجتماعات السابقة كانت تتم ثم يترك لبعثة الأمم المتحدة أن تنفذها منفردة، وبعثة الأمم المتحدة كانت دائما تسعى لكي تحصل على الدعم الدولي الضروري لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه وأحيانا تحصل عليه وأحيانا كثيرة لا تحصل عليه. لكن هذه المرة اتفقنا على مبدأ أساسي وهو أن كبار المسؤولين الذين اجتمعوا منذ أغسطس الماضي سيتحولون بعد قمة برلين يوم الأحد إلى لجنة متابعة، تعمل إلى جانب البعثة لتنفيذ كل ما تم الاتفاق عليه. هذه هي الفروقات الأساسية بين قمة برلين والاجتماعات السياسية التي حصلت في السابق.
> جميع الحلول السياسية في المنطقة دائما تتحدث عن ضمانات التطبيق على الأرض. الآن أنتم جمعتم الأضداد هذه المرة، فهل الهدف هو هذه الضمانات؟
- نعم، هذا هو الهدف، أن تأتي كل الدول المتدخلة وتجتمع معا في برلين، وتتفق على عدد من الأمور منها وقف التدخل في الشؤون الداخلية الليبية، وقف تصدير السلاح، ومنها وقف تصدير المرتزقة، واحترام ما يتفق عليه الليبيون في المسارات الثلاثة التي ذكرتها آنفا.
بالتالي، فإن قمة برلين ستشكل المظلة الواقية لما سيتفق عليه الليبيون، هذا هو المنطق، وتقدمت بهذه الفكرة لمجلس الأمن في آخر شهر يوليو (تموز) الماضي، ووافق مجلس الأمن على خطة العمل التي نفذناها بحذافيرها، إذ أننا فصلنا عملية ترميم الموقف الدولي الذي تهتم به قمة برلين عن المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية الليبية التي تجري بإشراف البعثة في الوقت نفسه. هناك تزامن بين الحوارات الليبية وبين إنشاء المظلة الدولية الواقية، لأن ما حصل في السابق هو أن الأطراف الليبية نفسها استقوت بالخارج، وبالتالي استدعت التدخلات الخارجية، والتدخلات الخارجية بحدوثها زادت من الانقسامات الليبية، هذه الحلقة المفرغة التي دخلت إليها ليبيا منذ مطلع العام 2019 نريد أن نكسرها كسرا باترا، ونقيم مكانها دائرة فاصلة، وهي المظلة الدولية الحامية والتفاهم الليبي الداخلي.
> هناك تساؤلات عن موقف الأمم المتحدة من إرسال تركيا مقاتلين سوريين إلى ليبيا في الوقت الذي يعاني فيه السوريون كثيرا طيلة الأعوام الماضية. فبماذا تطالبون حيال ذلك؟
- هناك عدد كبير من غير الليبيين الذين يقاتلون في الجبهات الليبية، هناك مقاتلون من أكثر من 10 دول، آخرهم كان وصول عدد من المقاتلين السوريين، نحن طبعا وضعنا خطة أمنية تقضي بخروج كل المقاتلين الأجانب من ليبيا مهما كانت جنسياتهم. نحن نعلم أن الوضع القانوني لهؤلاء المقاتلين مختلف جوهريا. هناك شركات أمنية خاصة تعمل إلى صالح هذا الطرف أو ذاك. هناك بعض القوى النظامية تعمل كخبراء ومدربين إلى جانب هذا الطرف أو ذلك. هناك مقاتلون جاءوا لأسباب أيديولوجية للقتال في ليبيا إلى جانب هذا الطرف أو ذلك، كل هذه الفئات من غير الليبيين مهما كان وضعهم القانوني نحن نريد أن يخرجوا من ليبيا خلال الأسابيع المقبلة لكي يتفاهم الليبيون فيما بينهم. وبالتالي، نحن نعارض وجود كل هؤلاء المقاتلين من غير الليبيين سواء كانوا نظاميين أو مرتزقة أو شركات أمنية خاصة.
> ماذا لو سألنا عن الموقف الأميركي حيال قمة برلين؟
- كان هناك تشوش في الموقف الأميركي، لكن هذا التشوش بدأ ينحسر بشكل كبير. كان هناك في البداية تحفظ من مسار برلين كما أطلقته الأمم المتحدة، لكن في الفترة الأخيرة وجدنا الأميركيين أكثر اهتماما مما سبق بمسار برلين وأكثر انغماسا في تفاصيله، وكنت أعلم أن أميركا كانت ستتمثل على مستوى ضعيف جدا في برلين لكن منذ يومين الأميركيون قرروا رفع مستوى تمثيلهم وسيرسلون وزير الخارجية مايك بومبيو ليكون موجودا وهو طلب الالتقاء بنا فور وصوله برلين، وسنتحدث معه ونضعه في صورة الأحداث في ليبيا. أنا أعتقد أن الشرنقة الغامضة إلى حد ما التي كانت فيها السياسة الأميركية بدأت تتبلور منذ أسابيع، وهي الآن أكثر حرصا من أي وقت مضى على إنجاح قمة برلين.
> هناك مسعى بحسب البعض لرئيس برلمان شرق ليبيا بسحب الشرعية من حكومة الوفاق. هل هي ما زالت شرعية برأيكم فهناك دول مثل مصر مثلا طرحت مثل هذا التساؤل؟
- يحق لكل دولة أن يكون لها رأيها. لكن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا عليه أن يحترم قرارات مجلس الأمن الدولي. وهناك قرار من مجلس الأمن الدولي يعود إلى مطلع العام 2016 يعترف بحكومة الوفاق الوطني حكومة شرعية للبلاد. أنا لا يحق لي كممثل للأمين العام أن أناقض ما يقرره مجلس الأمن الدولي. إذا قرر مجلس الأمن الاعتراف بهذه الحكومة أو حكومة أخرى فعلي أن لا أعارض ذلك القرار. نحن نأمل إنشاء حكومة وحدة وطنية يفرزها الحوار الليبي ـ الليبي خلال الأسابيع المقبلة بحيث نضع حدا لوجود حكومة في طرابلس وحكومة موازية أخرى. نحن نسعى لتوحيد الحكومتين، وإنشاء حكومة وحدة وطنية، ولكن حتى حدوث ذلك الأمر علي احترام قرارات مجلس الأمن الذي ما زال يعترف بحكومة الوفاق الوطني حكومة شرعية للبلاد. ولا يحق لدولة بعينها، وبالتأكيد لا يحق لي أن أعارض مجلس الأمن.
> هل توافق قول المشير حفتر في أن هناك ميليشيات إرهابية تساند حكومة السراج وتنتشر في طرابلس، فما مدى دقة هذه المعلومات؟
- هناك أشكال وأنواع من المقاتلين في ليبيا حاليا. نحن نريد أن يخرج المقاتلون مهما كانت جنسياتهم ومهما كانت آيديولوجياتهم من ليبيا. وهذا ما يريده الشعب الليبي. ويأتي ليبيون كل يوم إلى مكتبنا في طرابلس ويقولون لقد سئمنا من التدخلات الخارجية والمقاتلين غير الليبيين الموجودين على الأرض الليبية، ولذلك، نسعى بكامل قوانا لكي تعود الأرض الليبية ملكا لليبيين دون غيرهم. بهذا المعنى نحن نسعى بكل قوانا في هذا الاتجاه.
> ماذا ستفعل بعد برلين مباشرة؟
- سأُفعّل المسارات التي بدأت في السادس من يناير الحالي، المسار المالي والاقتصادي وهو أساسي في بلد ريعي كما هي ليبيا. وأيضا المسار الأمني في حال سلمني السيد حفتر والسيد السراج لائحة بخمسة ضباط نظاميين من كل جانب أجمعهم فورا في جنيف أجمعهم فورا لكي نتحدث في عملية تحصين وقف إطلاق النار وتحويل الهدنة الحالية إلى وقف نار حقيقي، وأنت تعلم أن هناك فارقا كبيرا بين الهدنة وإطلاق النار، الهدنة قرار فردي لكن وقف إطلاق النار يتطلب العديد من التفاصيل التي يجب التفاوض عليها مثل «متى يحصل وقف إطلاق النار» و«من يراقب وقف النار» وغير ذلك.
> هل تلقيتم دعما بالمساعدة في مسألة وقف إطلاق النار سواء من الأمم المتحدة أو أي من الدول الأخرى على غرار ما يتم في الحديدة على سبيل المثال؟
- أنا ذاهب إلى برلين للمطالبة بذلك، ولدي خطة متكاملة لتحويل الهدنة الحالية إلى وقف لإطلاق نار حقيقي لكل العمليات العسكرية وسأعرضها على قمة برلين لكي أحصل منها على الموافقة والدعم.



العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
TT

العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)

يوماً بعد يوم، تكتسب العاصمة المصرية الجديدة زخماً سياسياً من خلال فعاليات تعزز مكانتها رسمياً وشعبياً، وإن ظل الإشغال السكني محدوداً.

وحسب تصريحات رسمية لرئيس شركة «العاصمة الإدارية الجديدة»، خالد عباس، فإن «عدد السكان المقيمين في المدينة حالياً تجاوز 30 ألف مواطن، مع زيادة يومية في أعداد المنتقلين إلى العاصمة».

وتوقع عباس، في تصريحات تلفزيونية الشهر الماضي، وصول عدد السكان المقيمين بنهاية العام الحالي إلى ما بين 50 و60 ألف شخص، استناداً إلى طلبات تركيب عدادات الخدمات التي تلقتها شركة «العاصمة».

ويعود تاريخ مشروع العاصمة الجديدة إلى مارس (آذار) 2015، حين بدأ بوصفه محاولة لتخفيف الضغط عن القاهرة عبر إنشاء مدينة جديدة على مساحة نحو 700 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 170 ألف فدان، تُنفذ على 3 مراحل. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى نحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، بما يعادل تقريباً نصف مساحة القاهرة، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان.

من افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وكان من المقرر بدء تشغيلها فعلياً عام 2020، لكن جائحة «كوفيد-19» وما تبعتها من توترات جيوسياسية في المنطقة والعالم، أدّتا إلى تأجيل التشغيل الرسمي للمدينة إلى عام 2024، حين بدأ نقل الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، تلا ذلك انتقال البرلمان ومؤسسات الدولة الرسمية.

ورغم تنفيذ الدولة مشروعات للطرق وخطوط المواصلات، لا يزال حجم الإشغال السكني محدوداً مقارنة بحجم الإشغال الحكومي الرسمي، لا سيما في ظل كثرة الفعاليات الرسمية الهادفة إلى تعزيز مكانة العاصمة، وكان آخرها افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

لكن الخبير العقاري أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «نسبة الإشغال طبيعية رغم محدوديتها»، موضحاً أن «المدن الجديدة عادة ما يكون الإشغال السكني فيها تدريجياً مع زيادة الخدمات والأحداث».

وأضاف: «قبل سنوات، كان الناس يعدّون مدناً مثل القاهرة الجديدة وأكتوبر بعيدة، لكن اليوم يجري التسويق للعقارات بمستوى قربها من الجامعة الأميركية بالتجمع الخامس بوصفها وسط البلد الحالية».

وفي تصريحاته، دافع رئيس شركة «العاصمة» عن نسب الإشغال، مؤكداً أنها «ليست قليلة»، وقال إن «مساحة المرحلة الأولى تعادل 4 أضعاف مساحة مدينة الشيخ زايد أو مدينة الشروق». وأضاف: «العاصمة ليست مجرد مبانٍ محدودة وسط الصحراء، كما يتصور البعض»، مشيراً إلى اكتمال أعمال البنية التحتية للمرحلة الأولى بالكامل، وبيع نحو 70 في المائة من أراضي العاصمة لمطورين عقاريين.

وتعول مصر على العاصمة الجديدة بوصفها «خطوة محورية تُعيد تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا»، حسب التصريحات الرسمية.

وتستضيف العاصمة الجديدة حالياً الاجتماعات الرسمية للحكومة والمؤتمرات الصحافية لمختلف الجهات الرسمية، إضافة إلى المقابلات الرسمية للمسؤولين. وأخيراً خصصت منطقة مجهزة لمتابعة مباريات كأس العالم، سُميت «الفان زون»، إضافة إلى استضافتها مؤتمرات رسمية عدة.

وفي إطار تسهيل الوصول إلى العاصمة، بدأت مصر أخيراً تشغيل خط «مونوريل» شرق النيل، ليربط القاهرة بالعاصمة الجديدة.

وقال عبد الفتاح إن «نسب الطلب على حجز الوحدات السكنية في العاصمة لا تزال أقل من الطلب على وحدات مماثلة في القاهرة الجديدة، وإن كان الطلب عليها في تزايد»، موضحاً أن «مشروعات العاصمة لا تزال في مرحلتي التخطيط والإنشاء، وأن كثيرين يسعون إلى حجز وحدات بتسهيلات لتكون مقراً سكنياً لهم في المستقبل».

مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وأضاف: «يبلغ متوسط سعر المتر السكني للشقق في العاصمة نحو 50 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً)، ويرتفع إلى 85 ألفاً في الفيلات»، مشيراً إلى أن «الأسعار في العاصمة أقل مقارنة بالقاهرة الجديدة، بسبب اختلاف مستوى الخدمات واكتمال تنفيذ المشروعات». وأكد عبد الفتاح أن «العاصمة تُمثل مستقبل السكن في السوق العقارية»، متوقعاً «زيادة الإقبال عليها خلال الفترات المقبلة».

وتستهدف العاصمة الجديدة نحو نصف مليون نسمة في مرحلتها الأولى. لكن عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الخبير الاستراتيجي، الدكتور عبد المنعم سعيد، يتوقع أن يصل تعداد السكان في العاصمة إلى مليون نسمة بحلول 2030، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الزخم الرسمي الذي اكتسبته العاصمة الجديدة بالافتتاحات الأخيرة ونقل الوزارات والمؤسسات الرسمية، عزز من وجودها»، لافتاً إلى أحداث ومؤتمرات زادت من شعبيتها.

وأضاف: «حجم الإشغال طبيعي، لا سيما مع كونها جديدة»، متوقعاً زيادة تدريجية في السكان وفي الدور الرسمي والسياسي مع مرور الوقت، أسوة بتجارب دول أخرى بما عواصم جديدة.


كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
TT

كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)

لم تتعامل القيادة اليمنية مع أزمة الطائرة الإيرانية التي حاولت الهبوط في مطار صنعاء، الاثنين الماضي، على أنها حادثة طيران يمكن التغاضي عنها منعاً لمزيد من التصعيد، بل نظرت إليها بوصفها اختباراً مباشراً لسيادة الدولة، ومحاولة لفرض واقع سياسي وعسكري جديد خارج مؤسساتها الشرعية، في توقيت إقليمي يشهد توتراً غير مسبوق.

وعلى خلاف أزمات سابقة اتسمت بردود فعل أقل ثباتاً، جاءت إدارة الأزمة هذه المرة عبر منظومة متكاملة جمعت بين القرار العسكري المحسوب، والتحرك السياسي المنظم، والجهد القانوني والدبلوماسي، مع الحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة أوسع كانت الحكومة ترى أن طهران تسعى إليها لتحويل اليمن مجدداً ساحةَ صراع إقليمي.

وبرزت خلال الأزمة رسالة مركزية حرصت القيادة اليمنية على تثبيتها منذ الساعات الأولى، هي أن الدفاع عن السيادة لا يتعارض مع التمسك بخيار السلام، وأن الدولة قادرة على فرض القانون دون التخلي عن مسؤوليتها في حماية المدنيين أو المحافظة على فرص التسوية السياسية.

العليمي خلال اجتماع لمجلس الدفاع الوطني اليمني (إعلام حكومي)

ولذلك؛ لم يكن استهداف مدرج مطار صنعاء- لمنع هبوط الطائرة الإيرانية- سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الإجراءات السياسية والقانونية التي سبقت استخدام القوة، بعد أن قالت الحكومة إنها استنفدت جميع المبادرات لتشغيل المطار عبر القنوات الرسمية، وأتاحت بدائل تضمن استمرار الرحلات المدنية بواسطة «الخطوط الجوية اليمنية» بوصفها الناقل الوطني المخول قانوناً.

ولعل ما ميّز أداء الحكومة اليمنية خلال الأزمة أنها لم تكتف بالرد على الحدث، بل سعت إلى إدارة الرواية السياسية المصاحبة له، فمنذ اللحظة الأولى ركزت البيانات الرسمية على أن الخلاف ليس مع تشغيل مطار صنعاء أو سفر المواطنين، وإنما مع محاولة انتزاع إحدى أهم صلاحيات الدولة السيادية، وهي التحكم في المجال الجوي والمنافذ الدولية.

ولهذا كررت القيادة اليمنية في كل بياناتها أن المشكلة لا تكمن في الطائرة بحد ذاتها، وإنما في تشغيل رحلات دولية دون موافقة السلطات الشرعية، في مخالفة لـ«اتفاقية شيكاغو للطيران المدني» ولقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة باليمن.

جانب من قصف مدرج مطار صنعاء لمنع وصول الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

كما أظهرت الحكومة أنها قدمت حلولاً عملية قبل التصعيد، بينها نقل الوفد الحوثي من طهران عبر طائرة تستأجرها «الخطوط الجوية اليمنية»، وهو عرض قالت إن الجماعة رفضته، بما عزز روايتها أمام المجتمع الدولي بأنها لم تلجأ إلى القوة إلا بعد استنفاد الخيارات الأخرى.

وفي الوقت نفسه، حرص رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، على تأكيد أن الأولوية كانت حماية أرواح المدنيين والممتلكات العامة، وعدم توسيع دائرة المواجهة لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه إيران بزج اليمن في صراعات إقليمية، وهي رسالة استهدفت طمأنة الداخل، وإظهار أن القرار العسكري ظل خاضعاً لحسابات سياسية دقيقة، وليس لردود فعل انفعالية.

كما عكست حالة الانعقاد الدائم للحكومة، وتشكيل فريق وطني لإدارة الأزمة، انتقال مؤسسات الدولة إلى نمط إدارة موحد يجمع بين الجوانب العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية، مما منح الأداء الرسمي قدراً أكبر من الانسجام مقارنة بأزمات سابقة.

التأييد الداخلي والدولي

في ظل الأزمة، يرى مراقبون أن الحكومة اليمنية نجحت أيضاً في تحويلها من مواجهة ثنائية بينها وبين الحوثيين إلى قضية تتعلق باحترام سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.

فعلى المستوى الداخلي، سارع مجلسا النواب والشورى وهيئة التشاور والمصالحة، والتكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، إلى إعلان تأييدهم الكامل الإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي، وعَدّ ما جرى انتهاكاً للسيادة اليمنية وليس مجرد خلاف سياسي.

وأهمية هذا الاصطفاف أنه جاء من المؤسسات الرسمية والحزبية التابعة للشرعية، بما منح القيادة غطاءً سياسياً في مواجهة أي محاولات لتصوير أن الشرعية تفتقد التوافق بين مكوناتها في مواجهة الأزمة.

نائبة المندوب الأميركي خلال جلسة مجلس الأمن التي ناقشت انتهاك إيران سيادة اليمن (الأمم المتحدة)

أما خارجياً، فقد بدا واضحاً أن التحرك الدبلوماسي اليمني سبق انعقاد جلسة مجلس الأمن، بعدما تمكنت الحكومة من دفع عدد من الدول الكبرى إلى تبني خطاب قريب من الرواية الرسمية.

فقد وصفت الولايات المتحدة الهبوط الإيراني بأنه انتهاك لسيادة اليمن، وربطته باحتمال نقل خبراء ومعدات عسكرية إلى الحوثيين، عادّةً أن ذلك يمثل خرقاً لقرارات مجلس الأمن، في حين أكدت بريطانيا أن أي رحلات تجري دون موافقة الحكومة الشرعية تُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي، وطالبت بالتحقيق عبر آليات الأمم المتحدة.

كما ذهبت فرنسا إلى أبعد من ذلك عندما ربطت الحادثة بالسلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، وجددت مطالبتها بوقف نقل المعدات العسكرية إلى الحوثيين، مع تأكيدها التمسك بوحدة اليمن وسيادته.

ورغم أن الأمم المتحدة حافظت على خطابها التقليدي الداعي إلى خفض التصعيد، فإنها شددت أيضاً على احترام وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، مما منح الحكومة سنداً سياسياً إضافياً في الدفاع عن موقفها.

رسائل متعددة

يمكن قراءة إدارة أزمة الطائرة الإيرانية من قبل الشرعية اليمنية بوصفها محاولة لإيصال 3 رسائل متوازية؛ الرسالة الأولى إلى إيران، ومفادها بأن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة لفرض الوقائع عبر الرحلات الجوية أو المنافذ السيادية، وأن أي محاولة لتجاوز مؤسسات الدولة ستواجه بإجراءات عملية، حتى مع استمرار التمسك بخيار السلام.

أما الرسالة الثانية فكانت موجهة إلى الحوثيين، ومضمونها أن استخدام معاناة المدنيين أو مطار صنعاء ورقةً سياسيةً لن يؤدي إلى انتزاع اعتراف بسلطات موازية للدولة، وأن الحكومة لن تسمح بتكريس أي صلاحيات سيادية خارج مؤسساتها.

صورة للطائرة الإيرانية التي هبطت في مطار الحديدة بعد منع وصولها إلى صنعاء (إ.ب.أ)

توازياً، حملت الرسالة الثالثة بعداً دولياً؛ إذ دعت الحكومة مجلس الأمن إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الردع، عبر التطبيق الصارم للعقوبات وقرارات المجلس، خصوصاً القرارين «2140» و«2216»، عادّةً أن استمرار التغاضي عن الانتهاكات يشجع على تكرارها.

لكن على الرغم من المكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققتها الشرعية اليمنية، فإن الأزمة لم تنته عملياً، إذ ما زالت مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على ترجمة مواقف الإدانة إلى إجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الحوادث، وتفرض احترام سيادة الدولة اليمنية على جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية.

كما أن استمرار تحركات المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، بالتوازي مع المواقف الدولية الداعمة خفض التصعيد، يعكس إدراكاً متنامياً بأن الحفاظ على الهدنة الهشة يتطلب معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمها إنهاء الانقلاب الحوثي، ومنع استخدام الملفات الإنسانية والمنافذ السيادية أدواتٍ للصراع.

وبالنسبة إلى الحكومة اليمنية- يرى مراقبون- أن الأزمة مثلت اختباراً سياسياً أكبر منه عسكرياً، وقد سعت من خلاله إلى ترسيخ معادلة جديدة عنوانها أن الدفاع عن السيادة لا يتناقض مع السعي إلى السلام، وأن الدولة قادرة على الجمع بين ضبط النفس والحزم، وبين احترام القانون الدولي وفرض هيبتها.


الحوثيون يعمّقون انهيار الصحة باختطاف الأطباء وحرمان المرضى

يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يعمّقون انهيار الصحة باختطاف الأطباء وحرمان المرضى

يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)

يتواصل تدهور القطاع الصحي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع تصاعد الانتهاكات بحق الكوادر الطبية وتفاقم الأزمات التي تطال المرضى والخدمات الأساسية، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي يواجهها المدنيون بعد أكثر من عقد من الحرب.

ففي وقت تتزايد فيه حملات اعتقال الأطباء والعاملين الصحيين، تتسع معاناة آلاف المرضى نتيجة انقطاع الأدوية الأساسية، بالتزامن مع أزمات بيئية وصحية تهدد بانتشار الأوبئة في العاصمة صنعاء.

وتكشف ثلاث أزمات متزامنة في صنعاء وإب عن صورة أكثر قتامة للقطاع الصحي؛ إذ تتهم مصادر طبية وحقوقية الجماعة الحوثية بمواصلة استهداف الكوادر الطبية عبر الاعتقالات التعسفية، في وقت يشكو فيه مرضى الأمراض المزمنة من انعدام الأدوية المنقذة للحياة، بينما يواجه آلاف السكان مخاطر صحية متزايدة بسبب طفح مياه الصرف الصحي وتلوث مصادر المياه.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات لا تعكس فقط تراجع الخدمات الطبية، بل تنذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة، مع استمرار هجرة الكفاءات الصحية وتراجع قدرة المرافق الطبية على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

اختطاف الأطباء

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظة إب تصاعداً ملحوظاً في حملات استهداف الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، وسط اتهامات للجماعة الحوثية بمواصلة سياسة الاعتقال والإخفاء القسري بحق الكوادر الطبية.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن مسلحين حوثيين نفذوا خلال الفترة الأخيرة عمليات دهم لمنازل ومقار عمل عدد من الأطباء والعاملين الصحيين في صنعاء وإب، قبل اقتيادهم إلى جهات مجهولة دون إبلاغ أسرهم بأماكن احتجازهم أو أسباب اعتقالهم.

القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

وكان آخر تلك الحوادث إعادة اعتقال طبيب العظام والمفاصل ماجد الخزان في صنعاء، إثر شكوى تقدم بها مسؤولون فيما يسمى «الجمعيات الطبية» التي يديرها القيادي الحوثي مجاهد معصار، رئيس ما يعرف بـ«المجلس الطبي الأعلى»؛ الأمر الذي تسبب في تعطيل عدد من العمليات الجراحية المقررة لمرضاه.

وأكد الطبيب الخزان، في تسجيل مرئي، أنه لا يعرف أسباب احتجازه، عادَّاً أن دفاعه عن المرضى وحقوق المواطنين كان سبباً في استهدافه.

وأفاد مقربون منه بأنه يعاني حالة صحية تستدعي متابعة منتظمة بعد خضوعه سابقاً لقسطرة قلبية، محذرين من تعرض حياته للخطر أثناء الاحتجاز، ومحمّلين الجماعة المسؤولية الكاملة عن سلامته.

وسبق ذلك بأيام اعتقال استشاري العظام لبيب باعباد في مدينة إب عقب افتتاحه مركزاً طبياً خاصاً، حيث داهم مسلحون حوثيون المركز واقتادوه إلى جهة مجهولة بناءً على بلاغ من مسؤول حوثي يدير مستشفى «أطباء المنار»، الذي استولت عليه الجماعة قبل سنوات.

مستشفى أطباء المنار الأهلي الخاضع لإدارة الحارس القضائي الحوثي في إب (الشرق الأوسط)

كما لا يزال الطبيب مصطفى باشا، رئيس قسم الأشعة التشخيصية في مستشفى العدين الحكومي، محتجزاً منذ أسابيع بعد مطالبته بصرف مستحقاته المالية، في حين تستمر الجماعة منذ نحو عامين في احتجاز الطبيب علي المضواحي، رغم المناشدات المتكررة للإفراج عنه.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن هذه الانتهاكات تدفع مزيداً من الكفاءات الطبية إلى مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين أو التوقف عن ممارسة المهنة، في وقت يعاني فيه النظام الصحي أصلاً نقصاً حاداً في الكوادر والإمكانات.

تهديد حياة المرضى

بالتوازي مع استهداف الكوادر الطبية، يواجه آلاف المرضى في محافظة إب أزمة حادة نتيجة انقطاع أدوية السكري، وفي مقدمتها الإنسولين، منذ نحو ثلاثة أشهر.

وأكدت مصادر صحية أن أكثر من خمسة آلاف مريض حُرموا من العلاج المجاني الذي يعتمدون عليه بصورة أساسية، بعد نفاد المخزون الدوائي وغياب أي حلول لإعادة توفيره.

وأوضحت المصادر أن الأزمة تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة مع تعثر وصول الإمدادات الطبية، محذرة من أن استمرار الوضع يهدد حياة المرضى ويضاعف احتمالات تعرضهم لمضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

مرضى يتجمعون في مكان ضيق داخل مستشفى بمدينة الحديدة (رويترز)

واتهمت المصادر قيادات حوثية بالتسبب في تعطيل وصول الأدوية إلى مستحقيها، داعية إلى تحقيق مستقل يكشف أسباب الأزمة ويضمن وصول العلاج بعيداً عن أي تدخلات.

ويقول أحد المرضى في مدينة إب إنه اضطر إلى شراء الإنسولين من الصيدليات التجارية بأسعار تفوق قدرته المالية، في حين يقضي أحياناً أياماً من دون جرعات منتظمة بسبب عدم توفر الدواء.

أما والدة طفل مصاب بالسكري في مديرية العدين، فتؤكد أنها اضطرت إلى الاستدانة مراراً لتأمين العلاج، مشيرة إلى أن استمرار الانقطاع يعرض حياة ابنها للخطر، بينما بدأ مرضى آخرون في تقليل الجرعات المتاحة لديهم لتوفيرها لأطول فترة ممكنة، رغم ما يحمله ذلك من مضاعفات صحية خطيرة.

ويحذّر مختصون من أن استمرار انقطاع أدوية الأمراض المزمنة لا يهدد المرضى فحسب، بل يرفع معدلات المضاعفات والوفيات، ويضاعف الضغط على المستشفيات التي تعاني أصلاً ضعف الإمكانات.

مشكلة بيئية

في العاصمة المختطفة صنعاء، يواجه آلاف السكان في حي السنينة أزمة بيئية وصحية متفاقمة بعد استمرار طفح مياه الصرف الصحي في الشوارع والحارات لأكثر من أسبوعين، وسط غياب أي تدخل لمعالجة المشكلة.

ويؤكد سكان أن المياه الراكدة تسببت في انتشار الروائح الكريهة والحشرات وإعاقة حركة المواطنين، كما ألحقت أضراراً بالمنازل والمحال التجارية، وأثارت مخاوف من تلوث مياه الشرب.

وقال عدد من الأهالي إنهم لاحظوا تغير لون المياه الواصلة إلى منازلهم وانبعاث روائح منها؛ ما دفعهم إلى التوقف عن استخدامها للشرب والطهي والاعتماد على شراء مياه صالحة للاستهلاك، وهو ما زاد من الأعباء المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

حي في صنعاء تغمره المياه الملوثة بسبب انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

ويحذّر مختصون في الصحة العامة من أن استمرار تجمع المياه العادمة يوفر بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة، إلى جانب الأمراض الجلدية والتنفسية.

وأكد مصدر طبي في أحد المراكز الصحية بالحي أن المرفق شهد خلال الأيام الأخيرة زيادة ملحوظة في أعداد المصابين بالإسهالات المائية والأمراض الجلدية والحميات، إضافة إلى حالات يشتبه بإصابتها بالكوليرا والتيفوئيد والملاريا، مرجعاً ذلك إلى التلوث البيئي الناتج من طفح مياه الصرف الصحي.

ويتهم سكان الحي سلطات الجماعة الحوثية بالتقاعس عن معالجة الأزمة، رغم استمرارها لأكثر من أسبوعين، ويقولون إن الجماعة تواصل تحصيل الرسوم والجبايات تحت مسميات «النظافة» و«تحسين المدينة» و«الصرف الصحي»، دون أن ينعكس ذلك على مستوى الخدمات الأساسية.