تونس عشية «انتخابات الحسم»: رسائل مشفرة في كل الاتجاهات

استعراض للقوة في الشوارع الرئيسية بالعاصمة تونس وكبرى المدن

تونسيون أمام السفارة التونسية في لندن حيث جرى التصويت للانتخابات التشريعية أمس (تصوير: جيمس حنا)
تونسيون أمام السفارة التونسية في لندن حيث جرى التصويت للانتخابات التشريعية أمس (تصوير: جيمس حنا)
TT

تونس عشية «انتخابات الحسم»: رسائل مشفرة في كل الاتجاهات

تونسيون أمام السفارة التونسية في لندن حيث جرى التصويت للانتخابات التشريعية أمس (تصوير: جيمس حنا)
تونسيون أمام السفارة التونسية في لندن حيث جرى التصويت للانتخابات التشريعية أمس (تصوير: جيمس حنا)

رغم التصعيد الأمني «المفاجئ» مع المجموعات الإرهابية في إحدى ضواحي العاصمة التونسية، عشية يوم الاقتراع العام، يبدو المشهد السياسي العام يتطور في اتجاه إنجاز أول انتخابات برلمانية تعددية يراهن كبار زعماء الأحزاب والأطراف السياسية على أن تسفر عن اختيار حكومة دائمة، تضع حدا لسنوات من عدم الاستقرار والحكومات المؤقتة والفوضى الإدارية والاضطرابات الاجتماعية والأمنية.
لكن الساعات والأيام الأخيرة للحملة الانتخابية تميزت بصور «رسائل مشفرة بالجملة» عن قيادات كبرى الأحزاب، خاصة عن راشد الغنوشي زعيم التيار الإسلامي، والباجي قائد السبسي زعيم «نداء تونس»، وكمال مرجان زعيم «الدستوريين»، ونجيب الشابي وحمه الهمامي زعيمي اليسار الاشتراكي، بما يعني حرص كل طرف على استخدام «أسلحة» الساعات الأخيرة كاملة، عساه يضمن الفوز بالمرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد، فيتحكم في مسار اختيار رئيس الحكومة الجديد وفريقه.
استعراض القوة في الشوارع الرئيسية للعاصمة تونس وكبرى المدن مثل صفاقس وسوسة وبنزرت وقابس وجربة كان السمة الغالبة على تحركات «شيوخ» السياسة والأحزاب.. الذين حرص أنصارهم على توظيف شعبيتهم النسبية وكارزماتيتهم عساها أن تسهم في مضاعفة ناخبيهم «الافتراضيين».. بعد أن أبرزت استطلاعات الرأي أن غالبية التونسيين لم يحسموا حتى الأيام القليلة الماضية أمرهم في اسم القائمة التي سيصوتون لفائدتها.
ولعل من أبرز ما ميز الخطاب السياسي لأبرز زعامات الأطراف السياسية المتنافسة داخل وسائل الإعلام وفي الاجتماعات الانتخابية، أن أغلبها يقدم نفسه بصفته «زعيم الوطن» أو من أبرز «زعماء البلاد».
تجلى ذلك خاصة في الكلمات التي توجه بها «زعيم المعارضة» السيد الباجي قائد السبسي وزير الداخلية والدفاع والخارجية في عهد بورقيبة، ثم رئيس البرلمان في عهد بن علي، الذي ردد مرارا: «الشعب معي»، و«الشعب معنا»، في إشارة إلى أنصار حزبه الذي يتهمه خصومه بأنه «حزب أتباع الرئيس السابق بن علي»، ويصر على كونه «حزبا» يضم 4 تيارات سياسية هي الدستوريون واليساريون والنقابيون والمستقلون.
وفي محاولة لتوظيف قدراته الخطابية، خاصة في وسائل الإعلام والبرامج التلفزيونية، قام قائد السبسي مرارا بمحاولة لعب ورقة «السيكولوجيا السياسية»، من خلال التأكيد على كون حزبه سيفوز بأغلبية ساحقة في الانتخابات وبكونه «سيفرض شروطا على الإسلاميين قبل التعاون معهم»، في الحكومة المقبلة التي قد تكون «توافقية»، من ذلك شرط «التبرؤ من الإخوان المسلمين والتمسك بـ(الإسلام التونسي وليس بالإسلام الوهابي المشرقي)».
كما نوّع الباجي قائد السبسي في استخدام سلاح التهكم على رموز الأحزاب المعارضة له ولحزبه، خاصة بين قيادات حركة النهضة الإسلامية وحلفائهم، مثل حزب المؤتمر بزعامة الرئيس المنصف المرزوقي، الذي قال عنه إنه «ليس مؤمنا».. فيما وصف الدكتور مصطفى بن جعفر زعيم حزب «التكتل» والعلمانيين الذين تحالفوا مع حركة النهضة خلال الأعوام الـ3 الماضية وشاركوا في حكومتها بكونه «اشتراكيا»، مستغربا تحالفه مع الإسلاميين ومع حزب المرزوقي.
في المقابل، فإن تصريحات جبهة «الثوريين»، وخاصة حزبي «الترويكا» و«النهضة» بزعامة راشد الغنوشي، حاولت أن توفق بين أمرين؛ إعلان «الوفاء لدماء الشهداء وشعارات شباب الثورة»، مع الدعوة للمصالحة الوطنية وتشكيل حكومة ائتلافية تمثل مختلف الفرقاء، لأن تونس ستنتقل من مرحلة انتقالية إلى أخرى».
الغنوشي أورد في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نحن واثقون من أن حركة النهضة ستفوز بإذن الله، لأن الشعب التونسي يقدر تضحياتها من أجل تونس في مقاومة الديكتاتورية، ثم في تأمين الثورة من محاولات إجهاضها».
وتكشف تصريحات عدد من زعماء أحزاب اليسار الاشتراكي والقومي، مثل سمير الطيب وحمه الهمامي والحبيب كراي، وخصومهم في «الترويكا» السابقة أن جانبا من «الأسلحة» التي استخدمت في اليومين الأخيرين للحملة الانتخابية تبادل الاتهامات بين تياري «التوافق»، الذي يضم أحزابا قريبة من الدستوريين والنظام السابق، مثل حزب المبادرة بزعامة كمال مرجان وزير الخارجية الأسبق، وأحزابا أخرى تدعو إلى «تشكيل جبهة ضد الإسلاميين والظلاميين الرجعيين».
وقد حذر راشد الغنوشي من «محاولات الباجي قائد السبسي وبعض اليساريين المتطرفين تقسيم تونس إلى مسلمين وكفار»، واعتبر أن «عودة تونس إلى الاستقطاب مرفوضة».. وأورد أنها «لا تحتمل العودة للصراع بين سلطة ومعارضة، لذلك قلنا إن الأغلبية النسبية غير كافية لإدارة المرحلة المقبلة، وإن الحل في التوافق المبني على الثقة المتبادلة بين مختلف الفاعلين، واقتناعهم بأن إنجاز الاستحقاق السياسي للثورة لا يعني أننا حققنا كل مطالب الثورة، ولا لأي طرف إعادة تونس إلى واقع الاستقطاب والتجاذب على حساب الحرب على الإرهاب وتحقيق التنمية الشاملة والرفاه لكل الفئات، خاصة محدودي الدخل والطبقة المتوسطة، التي عانت من ضغط قروض الاستهلاك قبل الثورة، وتراجعت مقدرتها الشرائية بعدها».
لكن مظاهر التصعيد الإعلامي والسياسي بين قيادات بارزة في «التيارين الدستوري واليساري»، وخصومهما من زعامات حزب النهضة، لم تمنع بعض قادة حزبي المبادرة بزعامة الوزير السابق كمال مرجان ومحمد جغام، و«نداء تونس» بزعامة قائد السبسي من رفع «جزرة» إلى جانب «العصا».
وقد جاءت بعض المحامي الأزهر العكرمي، الناطق الرسمي باسم حزب قائد السبسي، لتؤكد أن «مزايدات مرحلة الحملات الانتخابية يمكن تجاوزها بـ(عقلانية رجال الدولة) ومنطق التفكير في (المستقبل المشترك).. وهو أمر يمكن تحقيقه إذا صدقت النوايا.. وإذا عاد غالبية المناضلين والنشطاء إلى مقولات جميلة سابقة سبق أن صدرت أيام (الحوار الوطني) عن غالبية الزعامات السياسية والنقابية.. بدءا من الباجي قائد السبسي والسيد راشد الغنوشي».
تصريحات الأزهر العكرمي جاءت عشية يوم الاقتراع، بعد صدور سلسلة من الانتقادات العنيفة التي وجهت إلى «الاستئصاليين» و«رموز» أقصى اليسار داخل «نداء تونس».. بعضها صدر عن نور الدين العرباوي عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة شخصيا.. والبعض الآخر من تلك الانتقادات صدر عن رموز من التيار الدستوري التجمعي، بما في ذلك السيد محمد الغرياني المستشار السياسي السابق لحزب نداء تونس والأمين العام سابقا للحزب الحاكم.. الذي يبدو أنه وعددا من المقربين منه انسحبوا بدورهم من «النداء»، وسيلتحقون بحزبي المبادرة بزعامة كمال مرجان، والحركة الدستورية بزعامة رئيس الحكومة الأسبق حامد القروي.. بعد أن انسحب بعض المحسوبين على اليسار، والتحقوا بـ«الاتحاد من أجل تونس» في صيغته الجديدة.
إلا أن تنظيم الانتخابات يعني بالنسبة لكثير من الزعماء السياسيين، مثل مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي وزعيم حزب التكتل اليساري، ورفيق عبد السلام وزير خارجية تونس سابقا والقيادي في حزب النهضة أن «تونس ستقطع مع مرحلة الحكومات المؤقتة وستنتقل إلى الاستقرار»، وأنها «تسير في الاتجاه الصحيح، وأن انتقالها الديمقراطي أصبح أكثر رسوخا، وأن التونسيين اختاروا أن تكون الديمقراطية الطريقة التي يديرون بها شؤونهم واختلافاتهم، وهذا يعني أن تونس طوت نهائيا صفحة الديكتاتورية والانتخابات المزورة ومبايعة الحاكم المستبد وحرمان التونسي من حقه في الاختيار الحر. أهم ما كنّا ننتظره تحقق، وهو انتصار الديمقراطية على الفوضى وأحلام الانقلاب، وأن يذهب التونسي مرفوع الرأس إلى مركز الاقتراع ليختار بكل حرية من يمثله ومن يحكمه».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.