محادثات بين إردوغان والسراج في إسطنبول

اتصالات مع روسيا وإيطاليا... والجزائر تدعو إلى «عودة سريعة» للحوار

TT

محادثات بين إردوغان والسراج في إسطنبول

التقى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في إسطنبول، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية فائز السراج، أمس، بعد ساعات من سريان وقف لإطلاق النار في ليبيا.
وأعلن كل من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر والمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق قبولهما وقف إطلاق النار الذي دعا إليه الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في إسطنبول الأربعاء الماضي، ودخل حيز التنفيذ منذ الساعات الأولى من يوم أمس.
وقبل وصوله إلى إسطنبول أمس، أعلن السراج تمسك حكومة الوفاق بعقد مؤتمر وطني جامع يفضي إلى انتخابات كحل للأزمة في ليبيا. وقال السراج، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي بالعاصمة الإيطالية روما، أول من أمس: «نرحب بالمبادرة الروسية - التركية وكل المبادرات التي تهدف إلى وقف إطلاق النار في ليبيا، وما زلنا نطالب بمؤتمر وطني جامع يضم جميع الأطراف ويفضي إلى انتخابات»، لكنه أشار إلى أن حكومته «لم تعد تثق في حفتر بعد تجربتها السياسية معه». وتسعى ألمانيا إلى جمع الدول المعنية بالشأن الليبي في مؤتمر ببرلين، في محاولة للتوصل إلى حل سياسي للنزاع. ولم يحدد تاريخ انعقاد المؤتمر، إلا أن تقارير إعلامية تحدثت في وقت سابق، أنه سيعقد في يناير (كانون الثاني) الحالي، بعد أن تأجل أكثر من مرة بسبب خلافات بين الدول العشر المدعوة له؛ وهي مصر، والإمارات، والولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا وتركيا.
ودخل اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا حيز التنفيذ أمس، بعد أشهر من المعارك عند أبواب طرابلس، إثر مبادرة من أنقرة وموسكو ومباحثات دبلوماسية مكثفة من أطراف كثيرة فرضتها الخشية من تدويل إضافي للنزاع. ورحبت بعثة الأمم المتحدة بإعلان الطرفين المتنازعين في ليبيا قبول وقف إطلاق النار، وحثت الأطراف على إفساح المجال أمام الجهود السلمية لمعالجة جميع الخلافات عبر حوار ليبي - ليبي. كما رحبت الجامعة العربية بالاتفاق.
ولم يتم الإعلان عن أي آليات لمراقبة وقف إطلاق النار، إلا أن وزارة الدفاع التركية قالت في بيان، أمس، إنه من الملاحظ، حتى الآن، التزام أطراف الصراع في ليبيا بوقف إطلاق النار. وأضاف البيان أنه «من الملاحظ أن الأطراف تعمل على الالتزام بوقف إطلاق النار منذ إعلانه في ليبيا، ويبدو الوضع هادئاً باستثناء حادث أو اثنين فرديين، والوزارة تتابع عن كثب».
وبحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الوضع في ليبيا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في اتصال هاتفي مساء أول من أمس، في حين يتوجه وفد تركي مؤلف من وزيري الخارجية والدفاع مولود جاويش أوغلو وخلوصي أكار ورئيس المخابرات هاكان فيدان إلى موسكو اليوم (الاثنين)، لإجراء مباحثات مع المسؤولين في روسيا حول التطورات في ليبيا وسوريا والوضع في العراق والتوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
وجاء لقاء إردوغان والسراج، بعد ساعات من لقاء الرئيس التركي رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي في إسطنبول، مساء أول من أمس، بشكل مفاجئ. وقالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» في أنقرة، إن إردوغان بحث مع الغنوشي الوضع السياسي في تونس في ظل رفض أعضاء البرلمان التونسي منح الثقة للحكومة التي اقترحها الحبيب الجملي، بعد ما يقارب الشهرين من تكليف الرئيس قيس سعيّد للجملي المقترح من طرف حركة النهضة الفائزة في الانتخابات التشريعية، بتشكيل الحكومة، إلى جانب التطورات في ليبيا. وزار إردوغان تونس الأسبوع قبل الماضي، والتقى الرئيس التونسي وأعلنت الرئاسة التونسية عقب اللقاء، أن إردوغان لم يطلب من نظيره التونسي مساعدة تركيا في إرسال قوات إلى ليبيا واستخدام أجوائها أو موانئها في هذا الأمر.
في السياق ذاته، بحث المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، مساء أول من أمس، مع مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت أوبراين، قضايا تتعلق بالوضع الأمني في ليبيا. وذكر بيان للرئاسة التركية أن كالين شدد خلال اتصال هاتفي مع أوبراين على أهمية تقديم واشنطن الدعم لمبادرات تركيا الرامية لتحقيق الهدنة في ليبيا. وتباحث وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، هاتفياً أمس، مع نظيره الإيطالي لويجي دي مايو، حول الوضع في ليبيا في ظل سريان وقف إطلاق النار، والخطوات التي يمكن اتخاذها مستقبلاً لتحقيق الحل السياسي للأزمة. وكان دي مايو قال، أول من أمس، إن تركيا وروسيا وإيطاليا اتفقت على الجلوس حول الطاولة والعمل من أجل ليبيا. وأضاف: «قبل بضعة أيام، التقيت في إسطنبول وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو؛ حيث اتفقنا على جلوس كل من إيطاليا وتركيا وروسيا حول الطاولة والعمل من أجل ليبيا، وطالبنا بإشراك دول جوار ليبيا في مؤتمر برلين، ونحن سعداء لمشاركة الجزائر».
بدورها، أعلنت الجزائر أمس «ترحيبها بوقف إطلاق النار في ليبيا»، ودعت «جميع المكونات الليبية إلى الالتزام به والعودة سريعاً إلى مسار الحوار الوطني الشامل». وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان، أنها تشجع على «التوصل إلى حل سياسي سلمي يراعي المصلحة العليا لليبيا وشعبها الشقيق»، مضيفة أن «الجزائر تذكر بموقفها الثابت، الداعي إلى إيجاد تسوية سياسية سلمية عبر حوار ليبي - ليبي. كما جددت دعوتها جميع الأطراف لتغليب الحكمة ولغة الحوار، من أجل إخراج هذا البلد الشقيق والجار من الأزمة التي يعاني منها، والتي ما فتئت تهدد الاستقرار في دول الجوار وفي المنطقة برمتها». وتابع البيان أن الجزائر «ستواصل جهودها للوصول إلى حل سياسي سلمي، يضمن وحدة الشعب الليبي وسيادته، في كنف الأمن والاستقرار بعيداً عن أي تدخل أجنبي، والذي لم يزد الوضع إلا تأزماً، بل صعّب البحث عن فرص للتسوية عن طريق الحوار».
في غضون ذلك، تواترت أنباء عن وصول 40 تركياً على متن رحلة مدنية مقبلة من إسطنبول إلى مطار مصراتة الليبي فجر الجمعة. ونقلت تقارير صحافية عن مصدر استخباراتي ليبي أن الرحلة تابعة لطيران الأجنحة الذي يمتلكه القائد السابق للمجلس العسكري في طرابلس والمقيم في إسطنبول حالياً عبد الحكيم بلحاج، ووصلت مطار مصراتة قادمة من إسطنبول.
ولفت المصدر إلى أن الرحلة كانت مجدولة وغادرت في موعدها المقرر، إلا أنه كانت هناك مخالفة في الحمولة التي يفترض أن تكون 12 راكباً ليبياً، لكن تم إدراج 40 تركياً لم يكونوا على قائمة الرحلة، ولم تتم مشاهدتهم في صالة انتظار المطار لينضموا للرحلة قبل إقلاعها بدقائق. ورجح المصدر أن يكون هؤلاء الأتراك عسكريين تم تجهيزهم وإرسالهم في رحلة مدنية إلى ليبيا للانضمام إلى صفوف الميليشيات التي تقاتل ضد الجيش الوطني الليبي.
وكان إردوغان أعلن الأسبوع الماضي، إرسال 35 جندياً إلى ليبيا دعماً لحكومة السراج، قائلاً إنهم لن يشاركوا في المعارك، وذكرت تقارير إعلامية أن 3 جنود أتراك قتلوا وأصيب 6 آخرون تم نقلهم بطائرة من مطار مصراتة إلى تركيا.
وأعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 6 عناصر من الفصائل الموالية لتركيا الذين أرسلت أنقرة بضع مئات منهم إلى ليبيا، بينهم 3 عناصر من «لواء المعتصم» و3 عناصر من لواء «السلطان مراد»، في حين وصلت جثة مقاتل من فرقة المعتصم الموالية لتركيا إلى شمال سوريا، وتم دفنها في مدينة الباب بريف حلب الشمالي.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.