محادثات بين إردوغان والسراج في إسطنبول

اتصالات مع روسيا وإيطاليا... والجزائر تدعو إلى «عودة سريعة» للحوار

TT

محادثات بين إردوغان والسراج في إسطنبول

التقى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في إسطنبول، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية فائز السراج، أمس، بعد ساعات من سريان وقف لإطلاق النار في ليبيا.
وأعلن كل من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر والمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق قبولهما وقف إطلاق النار الذي دعا إليه الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في إسطنبول الأربعاء الماضي، ودخل حيز التنفيذ منذ الساعات الأولى من يوم أمس.
وقبل وصوله إلى إسطنبول أمس، أعلن السراج تمسك حكومة الوفاق بعقد مؤتمر وطني جامع يفضي إلى انتخابات كحل للأزمة في ليبيا. وقال السراج، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي بالعاصمة الإيطالية روما، أول من أمس: «نرحب بالمبادرة الروسية - التركية وكل المبادرات التي تهدف إلى وقف إطلاق النار في ليبيا، وما زلنا نطالب بمؤتمر وطني جامع يضم جميع الأطراف ويفضي إلى انتخابات»، لكنه أشار إلى أن حكومته «لم تعد تثق في حفتر بعد تجربتها السياسية معه». وتسعى ألمانيا إلى جمع الدول المعنية بالشأن الليبي في مؤتمر ببرلين، في محاولة للتوصل إلى حل سياسي للنزاع. ولم يحدد تاريخ انعقاد المؤتمر، إلا أن تقارير إعلامية تحدثت في وقت سابق، أنه سيعقد في يناير (كانون الثاني) الحالي، بعد أن تأجل أكثر من مرة بسبب خلافات بين الدول العشر المدعوة له؛ وهي مصر، والإمارات، والولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا وتركيا.
ودخل اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا حيز التنفيذ أمس، بعد أشهر من المعارك عند أبواب طرابلس، إثر مبادرة من أنقرة وموسكو ومباحثات دبلوماسية مكثفة من أطراف كثيرة فرضتها الخشية من تدويل إضافي للنزاع. ورحبت بعثة الأمم المتحدة بإعلان الطرفين المتنازعين في ليبيا قبول وقف إطلاق النار، وحثت الأطراف على إفساح المجال أمام الجهود السلمية لمعالجة جميع الخلافات عبر حوار ليبي - ليبي. كما رحبت الجامعة العربية بالاتفاق.
ولم يتم الإعلان عن أي آليات لمراقبة وقف إطلاق النار، إلا أن وزارة الدفاع التركية قالت في بيان، أمس، إنه من الملاحظ، حتى الآن، التزام أطراف الصراع في ليبيا بوقف إطلاق النار. وأضاف البيان أنه «من الملاحظ أن الأطراف تعمل على الالتزام بوقف إطلاق النار منذ إعلانه في ليبيا، ويبدو الوضع هادئاً باستثناء حادث أو اثنين فرديين، والوزارة تتابع عن كثب».
وبحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الوضع في ليبيا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في اتصال هاتفي مساء أول من أمس، في حين يتوجه وفد تركي مؤلف من وزيري الخارجية والدفاع مولود جاويش أوغلو وخلوصي أكار ورئيس المخابرات هاكان فيدان إلى موسكو اليوم (الاثنين)، لإجراء مباحثات مع المسؤولين في روسيا حول التطورات في ليبيا وسوريا والوضع في العراق والتوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
وجاء لقاء إردوغان والسراج، بعد ساعات من لقاء الرئيس التركي رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي في إسطنبول، مساء أول من أمس، بشكل مفاجئ. وقالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» في أنقرة، إن إردوغان بحث مع الغنوشي الوضع السياسي في تونس في ظل رفض أعضاء البرلمان التونسي منح الثقة للحكومة التي اقترحها الحبيب الجملي، بعد ما يقارب الشهرين من تكليف الرئيس قيس سعيّد للجملي المقترح من طرف حركة النهضة الفائزة في الانتخابات التشريعية، بتشكيل الحكومة، إلى جانب التطورات في ليبيا. وزار إردوغان تونس الأسبوع قبل الماضي، والتقى الرئيس التونسي وأعلنت الرئاسة التونسية عقب اللقاء، أن إردوغان لم يطلب من نظيره التونسي مساعدة تركيا في إرسال قوات إلى ليبيا واستخدام أجوائها أو موانئها في هذا الأمر.
في السياق ذاته، بحث المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، مساء أول من أمس، مع مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت أوبراين، قضايا تتعلق بالوضع الأمني في ليبيا. وذكر بيان للرئاسة التركية أن كالين شدد خلال اتصال هاتفي مع أوبراين على أهمية تقديم واشنطن الدعم لمبادرات تركيا الرامية لتحقيق الهدنة في ليبيا. وتباحث وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، هاتفياً أمس، مع نظيره الإيطالي لويجي دي مايو، حول الوضع في ليبيا في ظل سريان وقف إطلاق النار، والخطوات التي يمكن اتخاذها مستقبلاً لتحقيق الحل السياسي للأزمة. وكان دي مايو قال، أول من أمس، إن تركيا وروسيا وإيطاليا اتفقت على الجلوس حول الطاولة والعمل من أجل ليبيا. وأضاف: «قبل بضعة أيام، التقيت في إسطنبول وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو؛ حيث اتفقنا على جلوس كل من إيطاليا وتركيا وروسيا حول الطاولة والعمل من أجل ليبيا، وطالبنا بإشراك دول جوار ليبيا في مؤتمر برلين، ونحن سعداء لمشاركة الجزائر».
بدورها، أعلنت الجزائر أمس «ترحيبها بوقف إطلاق النار في ليبيا»، ودعت «جميع المكونات الليبية إلى الالتزام به والعودة سريعاً إلى مسار الحوار الوطني الشامل». وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان، أنها تشجع على «التوصل إلى حل سياسي سلمي يراعي المصلحة العليا لليبيا وشعبها الشقيق»، مضيفة أن «الجزائر تذكر بموقفها الثابت، الداعي إلى إيجاد تسوية سياسية سلمية عبر حوار ليبي - ليبي. كما جددت دعوتها جميع الأطراف لتغليب الحكمة ولغة الحوار، من أجل إخراج هذا البلد الشقيق والجار من الأزمة التي يعاني منها، والتي ما فتئت تهدد الاستقرار في دول الجوار وفي المنطقة برمتها». وتابع البيان أن الجزائر «ستواصل جهودها للوصول إلى حل سياسي سلمي، يضمن وحدة الشعب الليبي وسيادته، في كنف الأمن والاستقرار بعيداً عن أي تدخل أجنبي، والذي لم يزد الوضع إلا تأزماً، بل صعّب البحث عن فرص للتسوية عن طريق الحوار».
في غضون ذلك، تواترت أنباء عن وصول 40 تركياً على متن رحلة مدنية مقبلة من إسطنبول إلى مطار مصراتة الليبي فجر الجمعة. ونقلت تقارير صحافية عن مصدر استخباراتي ليبي أن الرحلة تابعة لطيران الأجنحة الذي يمتلكه القائد السابق للمجلس العسكري في طرابلس والمقيم في إسطنبول حالياً عبد الحكيم بلحاج، ووصلت مطار مصراتة قادمة من إسطنبول.
ولفت المصدر إلى أن الرحلة كانت مجدولة وغادرت في موعدها المقرر، إلا أنه كانت هناك مخالفة في الحمولة التي يفترض أن تكون 12 راكباً ليبياً، لكن تم إدراج 40 تركياً لم يكونوا على قائمة الرحلة، ولم تتم مشاهدتهم في صالة انتظار المطار لينضموا للرحلة قبل إقلاعها بدقائق. ورجح المصدر أن يكون هؤلاء الأتراك عسكريين تم تجهيزهم وإرسالهم في رحلة مدنية إلى ليبيا للانضمام إلى صفوف الميليشيات التي تقاتل ضد الجيش الوطني الليبي.
وكان إردوغان أعلن الأسبوع الماضي، إرسال 35 جندياً إلى ليبيا دعماً لحكومة السراج، قائلاً إنهم لن يشاركوا في المعارك، وذكرت تقارير إعلامية أن 3 جنود أتراك قتلوا وأصيب 6 آخرون تم نقلهم بطائرة من مطار مصراتة إلى تركيا.
وأعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 6 عناصر من الفصائل الموالية لتركيا الذين أرسلت أنقرة بضع مئات منهم إلى ليبيا، بينهم 3 عناصر من «لواء المعتصم» و3 عناصر من لواء «السلطان مراد»، في حين وصلت جثة مقاتل من فرقة المعتصم الموالية لتركيا إلى شمال سوريا، وتم دفنها في مدينة الباب بريف حلب الشمالي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.