عالم تداعت فيه الفروق بين الجلاد والضحية

وحيد الطويلة يكشف عن أقنعته في «جنازة جديدة لعماد حمدي»

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

عالم تداعت فيه الفروق بين الجلاد والضحية

غلاف الرواية
غلاف الرواية

هناك دائماً جلادون يعبثون في فراغ المشهد من أجل أن يظل محكوماً ومنضبطاً على أمن النظام، أو على الأقل أمنهم الخاص، حتى وهم يصارعون أنفاسهم الأخيرة في الحياة... مشهد يتجدد بقوة في رواية وحيد الطويلة «جنازة جديدة لعماد حمدي»، الصادرة حديثاً عن دار الشروق بالقاهرة، وهو مشهد ليس ببعيد عن مشهد الختام في روايته السابقة «حذاء فلليني»، حيث يتدخل المخرج الإيطالي الشهير لضبط إيقاع الجريمة ومفارقاتها الدامية، لتليق بأبطالها الذين اختلطت في ذواتهم خيانة الذات بخيانة الوطن والحب والحياة.
كانت صرخة فلليني الشهيرة «استوب» كلمة السر لضبط هذا الإيقاع، لكن المشهد لم ينضبط على مسرح الرواية والواقع معاً، فلا يزال يعج بالدم والحروب وأشتات اللاعبين من كل صنف ولون في بلاد نخرها سوس السلطة حتى أصبحت غريبة عن نفسها... في الطريق نفسه شكلت جملة «كل شيء يحدث في الحمام» في روايته الأسبق «أبواب الليل» كلمة السر الموجعة في فضاء مقهى «لمة الأحباب» التونسية، حيث عالم متهرئ من البشر، يقتات على ما يتساقط من بلطة النضال من ذكريات وأحلام، صارت ومضاً متخثراً في أزقة العمر والثورة.
لا يبتعد عماد حمدي عن هذا السياق، فرغم أنه رمز عابر وشجي في الرواية، عاش البطل وقائع جنازته في أثناء خدمته بالبوليس، فإنه منح الرواية اسمها، ويتردد صداه في قصصها ومفارقاتها، وجرائمها كزمن هارب، ورمانة ميزان تبحث عن كفتين عادلتين، ربما تعيد إلى المشهد سخونته وهو يصرخ في وجه عبد الحليم حافظ، بعد أن لطمه «انت مش ابني... انت لقيط».
لطمة شهيرة، في فيلم شهير وبطل غادر الدنيا وحيداً مفلساً ليس في جعبته شيء من مجده الغابر، سوى زفرات من الألم والحزن، هي الزفرات نفسها التي يحصدها بطل الرواية في صراعه مع كينونة تساوى فيها الـمع والضد، تغلفها فجوة من عبث الحياة والأقدار، تضيق وتتسع كل يوم، لكنها لم تستطع أن تردم عاطفياً المسافة بين الرغبة والفعل، أو بين الحلم والواقع فيتحول كلاهما إلى عقدة، تتناثر حولها الحكايات والخطايا، يشد خيوطها الجلاد من طرف، بينما تشدها الضحية من الطرف الآخر، وكأن كليهما قناع للآخر، يمكن أن يتبادلا الأدوار، كلما اقتضت الحاجة... «اسمع قولاً واحداً، ضابط المباحث الناجح يقاس نجاحه بتعدد مصادره بالمسجلين خطراً، يتمشون داخل عباءته، ويربطهم من شواربهم في سلسلة مفاتيحه».
ينتصب سرادق عزاء «هوجان» ابن «ناجح»، الوريث الشرعي لوالده، الملك المتوج على عالم المسجلين خطراً، والذي قتل غدراً بعد أن ارتفع سقف نفوذه، مشكلاً بمفارقات الحزن والسخرية والحيرة في معرفة القاتل، زمن الرواية الخاص المفتوح على قوسي البداية والنهاية، بينما يشكل الإهداء الذي يستهل به الطويلة لعبته الروائية «إلى المسجلين خطراً: تصحبكم السلامة»، تحفيزاً للقارئ، للدخول في اللعبة، عبر ضمائر المخاطب بوتيرتها المباشرة، والمستترة، المسكونة بلطشات حريفة من العامية والحكم والنوادر والأمثال ابنة الذاكرة الخاصة والوجدان الشعبي، لإثارة حواس القارئ بشكل أعمق حتى لا يدخل إلى الحكاية بجسده فقط تاركاً روحه على العتبات. وفي الوقت نفسه، تجعل السرد وكأنه طائر يحلق باللغة.
يبدو الصراع مثقلاً بعذابات الضمير والواجب، فبطل الرواية، ضابط البوليس السابق، تحت وطأة ماضيه الطيب يقدم رجلاً ويؤخرها لتقديم واجب العزاء لرجل يدين له بالكثير عما حققه من نجاحات في مهنته... «ناجح» كبير مرشدي الحكومة ومرشده الخاص، وعينه الأخرى، والذراع التي لا تتأخر لمساعدته في الكشف عن الجريمة ومرتكبيها، وتقديم الأدلة ضدهم، بل تلفيقها أحياناً. حين ضاقت مسافة العلاقة بينهما بدوافع إنسانية محضة، تحولت إلى تهمة، غادر على أثرها المهنة، إثر تحقيق عبثي معه... «أنا ضابط مباحث يا باشا، إذا لم أقابل المجرمين والمسجلين والمرشدين لأمارس عملي فماذا أفعل، هل أقابل نقيب الأطباء؟!».
يحتدم الصراع محفوفاً بالخوف أحياناً، ومخاطر الغدر أحياناً أخرى، فالسرادق ضخم، عامر بحشود المعزين من كل صنوف الإجرام، وأيضاً صنوف الكيف، والضابط أصبح لا حول له ولا قوة، انتهت رقة المشهد وغلظته أيضاً، وحده ناجح من يملك ضبط الإيقاع، ولو بدمعة حارة، تنزلق عفوياً من عينيه على ابنه... ويعود الزمن بالضابط البطل خطوة للوراء: «ناجح يعمل لصالحي، لكن لصالح نفسه أولاً، يغنم نقوداً وسمعة وتقرباً من الحكومة، ويبقي رأسه بعيداً عن أي مقصلة».
تلعب صيغ السرد بتنويعاتها وحيويتها الفنية دور الوصل والقطع بين قوسي الحضور والغياب، كما توفر للكاتب السارد مسافة ما، بينه وبين الشخوص والوقائع ليرى ما وراء المشهد... وإمعاناً في الغرابة، كثيراً ما يتحول من راوٍ عليم إلى مراقب، ينظر بزاوية أعلى بصرياً من خط الأفق في اللوحة، بينما تومض وظيفة متخفية وراء توريط القارئ في اللعبة، الذي يحذره بين الحين والآخر: «لا تتهور احترس، لا تلتفت يميناً أو يساراً، لا تستجيب لنظرة أحد»، «لا تستغرب»، «قف مكانك»، «في هذه اللحظة ستبدو بهيئة لص أو قاتل، لا ترتكب أدنى حماقة يستشف منها أنه يمكن أن تكون عاشقاً، إلا إذا استطعت أن تبرز عشق الإجرام، وهذه حكاية أخرى».
لا يقتصر هذا التحفيز على تهيئة القارئ للدخول في اللعبة فحسب، وإنما ليلعب دور الونيس، أو بلغة السينما «السنيد» للبطل المتردد في دخول السرادق، كأنه مجس اختبار لما يكمن وراء الحكاية، وما تخفيه في لفائفها من أسرار وألغاز، وأن مفتاحها ليس بيده، ولا بيد الكاتب نفسه، وإنما كلاهما متورط في دهاليز عالم شائك وملتبس، تختلط فيه الألوان والمصائر، فلا الأبيض أبيض، ولا الأسود أيضاً، ثمة منطقة مبهمة تتشكل في عالم القاع ودهاليزه، حيث تتسع الهوة، وتنقلب معادلات الوضوح والغموض: لصوص ومحتالون، نصابون وتجار ممنوعات ومخدرات، باعة ضمير وشهود زور، ضحايا وجلادون محتملون وعابرون، مجرمون بالصدفة وبالسخرة، يعرفون كيف يموهون على جرائمهم، حتى في جيوب النظام... «مخطئ من يتصور أن المسجلين لا يحبون الحكومة، هم يعرفون نظرية المقص جيداً، إذا ما انفتح وجرح رؤوساً، تعود أطرافه لتتجاور، ولو بمسافة، كلاهما يحتاج إلى الآخر، مع أن كل طرف ينظر في طرف آخر».
تحت هذه المظلة تتنوع الحكايات، وينفرط عقدها في الرواية، فلكل مسجل، ولكل ضابط حكاية، وراءها أخرى تتصل بها من طرف ما، تعري الشخوص، وتسقط أقنعة التواطؤ بينهم وبين ذواتهم، وصورتهم البائسة المراوغة في الخارج، صورة مشوشة ومضطربة تثير التعاطف والسخرية والسخط معاً، فهم مهانون تحت الطلب، اغتالتهم ضرورة الحياة والوجود، أدمنوا اللعب على كل الحبال، بأجسادهم ونزواتهم، تتكشف طبيعتهم من أسمائهم (عبقرينو - رجل المطافئ، أبو شفة، قنبل، عماد لون، آيات - جسد المشارط والأمواس، كلبش.. وغيرها)، بل وصل الأمر إلى ما يمكن تسميته «غسل الجريمة»، لتبرئة الجناة الأصليين... «أحياناً تحس أنه مشتاق للحبس كأنه بيته، أحياناً يحضر كأنه ذاهب لامرأة يعرفها جيداً، لا يريدها ولا يرفضها»، «شحتة يأتي لسعادتك كل يوم وأنتم تعيدونه، إنه يسألني كل ساعة، جذمته ذاب قعرها، أصبحت من غير نعل، وصار يمشي على الجورب... إنه يسألني متى تحبسونه يا سعادة البيه». لكن الحبس لعشرات المرات، وبالأجر، لم يستر حياة شحتة، أول مسجل يعتزل بلا مؤثرات خارجية ولا مباراة اعتزال، ويتزوج من آيات بالمحبة، بعد أن دهسها الجميع، ولتأمين حياته فكر أن يبيع كليته، ثم انتهى به المطاف لبيع إحدى خصيتيه، إنه مثل أقرانه من أخوة القاع، مهما ارتفع شأنهم يدركون أن دورهم الحقيقي ومكمن بطولتهم المقموعة أن يظلوا على الحافة لا يبرحون ثوب المسجل خطراً الذي فصله النظام على مقاسهم فقط، ليظلوا هكذا أشبه بعالم لقيط، لا يملك شرف الانتساب للوطن.
يعي ذلك برهافة بطل الرواية «فجنون» عاشق الرسم والموسيقى خريج المدارس الفرنسية، الذي أطلق عليه زملاؤه هذا الاسم كدعابة تمزج الفن بالجنون، يطارده إجبار والده لواء الشرطة السابق في أن يورِث أبناءه هذه المهنة حفاظاً على مكانة العائلة، ليتحول إلى ضحية لصراع خفي في الداخل، يجعله مشتتاً بين دوره الصارم المحدد كضابط بوليس كل مهمته تعقب الجريمة وحفظ الأمن والنظام، وبين حلمه المكبوت الممسوس بروح الفن والولع بالألوان؛ «لا تكذب على نفسك، أنت استمرأت هذه الحالة لتنسى بها كل رغباتك، كل يوم قضية جديدة تغوص فيها، كي لا تسمع أي صوت يذكرك بحالك، البيت أصبح فندقاً يتيماً، تعود إليه لتستحم، وتنام مثل القتيل».
إنها معادلة اللوحة في عين الرسام، طاقة من التجسيد يبتلعها الواقع كل يوم بنمطيته وجرائمه وحكاياته التي تتناسل في حبل لا بداية له ولا نهاية، لكنها في كل الأحوال تحتاج إلى طاقة أعلى من التجريد، من الحذف والبتر والإضافة، حتى يمكن التشبث بإرادة الحياة، ولو في صدى صرخة تعلو فيها نوازع الإدانة والعجز، في داخل البطل... «ما يطمئنك قليلاً أن معظمهم وربما كلهم ينظرون لك كمسجل خطر حقيقي، وهذه رتبة لم يصل إليها أي ضابط آخر، موقنون أنك تعرف عنهم أكثر مما تعرف أيديهم».
بهذا الإيقاع الموجع يبلغ زمن الرواية الخاص، زمن سرادق العزاء الضخم ذروته درامياً، ويمهد له الكاتب، بـ«أربع لوحات ورقصة»، عنوان مميز بين فصول الرواية الثلاثين المرقمة، كأنها رقصة الذبيح الأخيرة، حيث ينهي «فجنون» مع منتصف الليل مساحة التردد المشتعلة في داخله ويدخل العزاء، لا أحد يلتفت إليه، بل لا يجد كرسياً شاغراً إلا في أحد الصفوف الخلفية، وحين يصل إلى «ناجح» يفاجأ بأنه يسلم عليه بفتور، وبالكاد يتبادل معه كلمات العزاء المعتادة.



القميص النسائي الأبيض مطلوب للمرأة العاملة

مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)
مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)
TT

القميص النسائي الأبيض مطلوب للمرأة العاملة

مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)
مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)

«إطلالة لا تشوبها شائبة»... بهذه العبارة تصف خبيرة أزياء فرنسية لجوء المرأة العاملة إلى ارتداء القميص الأبيض في المكتب. ولدعم هذا الرأي، تؤكد ناتالي أوليفر، منسقة قسم الموضة النسائية في أحد أرقى متاجر باريس، أن القميص الأبيض «قطعة خالدة». وهو متعدد الاستخدامات، وقطعة أساسية في خزانة أي سيدة عاملة. وفي مقابلة معها نشرتها مجلة «مدام فيغارو»، قالت: «بالنسبة للنساء، يضفي اللون الأبيض إشراقة صحية، ويعطي البشرة مظهراً متألقاً، كما تساعد ياقة القميص على تحديد وضعية الرأس».

يحيلنا هذا الرأي إلى قضية قديمة تتعلق بمظهر النساء العاملات، وهي قد لا تخص أولئك اللواتي تفرض عليهن المهنة زياً وظيفياً، مثل الممرضات والشرطيات ومضيفات الطيران وعاملات المصانع، لكنها تُثار كلما جاء الحديث عن المرأة التي تشغل موقعاً متقدماً. هل صحيح أن الوزيرة أو نائبة البرلمان أو مديرة المصرف تلجأ إلى بدلة متقشفة شبيهة ببدلة الرجل لأنها تفرض الاحترام وتعكس مفردات السلطة؟

قبل سنوات خرجت القضية المسكوت عنها إلى العلن حين تمرد عدد من النائبات الفرنسيات الشابات على قواعد الثياب المفترضة تحت قبة البرلمان. فالشائع هو ارتداء السروال مع السترة. بينما تعرضت من خالفت ذلك للتنمر ونالت تعليقات ساخرة من زملائها النواب لمجرد أنها اختارت أن ترتدي فستاناً ملوناً أو تنورة. وحكاية التنورة باتت من أسباب انتفاضة الشابات في الضواحي وأوساط المهاجرين. فأولياء الأمور، أي الآباء والأشقاء الكبار، يفرضون على البنت ارتداء السروال القاتم بوصفه نوعاً من الحشمة. بينما كل مجلات الموضة والأفلام وعروض الأزياء تقدم ألواناً من الفساتين والتنورات الزاهية. وبلغ الأمر بالنجمة الجزائرية الأصل إيزابيل أدجاني أن قامت ببطولة فيلم بعنوان «يوم التنورة»، تؤدي فيه دور معلمة في مدرسة تقرر تخصيص يوم في السنة تأتي فيه الطالبات وقد خرجن عن المألوف وارتدين التنورة.

والحقيقة أن ارتداء المرأة للزي الرجالي، على سبيل التحدي أو مجرد لفت النظر، ليس جديداً. وكانت الممثلة الألمانية مارلين ديتريش من أوائل من ارتدين البدلة «السموكينغ» على الشاشة. وهناك صورة للممثلة جوليا روبرتس في سنواتها الأولى وهي ترتدي البدلة ورباط العنق. لكن هذا اللباس بات موضة منتشرة في السنتين الأخيرتين، سواء في الحياة العامة أو على منصات عرض الأزياء، وبه ظهرت النجمة الفرنسية كاترين دينوف في واحدة من إطلالاتها الإعلامية.

ومن ينظر إلى الصور التذكارية التي يلتقطها المسؤولون المجتمعون في القمم الصناعية أو السياسية، يلاحظ أولاً قلة عدد النساء بينهم، وثانياً أن المرأة التي تقود حكومة أو منظمة عالمية ترتدي بدلة قاتمة، سوداء أو كحلية، مع قميص أبيض غالباً، بحيث لا يمكن تمييزها إلا من خلال شعرها الطويل. وكانت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل أشهر من سنّت قيافة السترة التي تختلف ألوانها ولا يتغير نمطها، مع السروال طبعاً لا مع التنورة.

مصممو الموضة الرجال، يؤكدون أن قمة الأناقة تتمثل في القميص الأبيض الكلاسيكي الضيق، المدسوس في بنطال أسود أنيق، مع حذاء بكعب عالٍ أو حذاء من دون كعب. وهم يشيرون إلى طرق أخرى عديدة لارتداء هذه القطعة في المكتب لإطلالة أنيقة دون الوقوع في الرتابة. فقبل اختيار الإكسسوارات لا بد من إيجاد القميص المناسب، أي المصنوع من قماش يمنح انطباعاً بالجودة، دون أن يكون مطاطياً جداً. ففي الصيف يضفي الكتان انتعاشاً على من ترتديه، شرط أن يكون مكوياً جيداً. أما في الطقس البارد، فإن قماش أكسفورد هو المفضل ويناسب المظهر المرتاح. ومع ذلك، يبقى البوبلين هو الخيار الأمثل.

بعد اختيار القماش، ووفقاً لناتالي أوليفر، تأتي التفاصيل الأخرى التي لا تخلو من أهمية. ومنها أن يتناسب ارتفاع الياقة مع شكل الجسم. فالياقة القصيرة على امرأة طويلة ونحيلة قد تُخلّ بتناسق القوام. وينطبق المبدأ نفسه على عرض الأكمام. إن الأمر كله يتعلق بالتناسب. كما أن الأزرار السميكة قليلاً والخياطة الدقيقة تُميز القميص عالي الجودة عن القميص ذي الجودة المتدنية. وهناك علامات تخصصت في خياطة القمصان الجاهزة أو وفق التفصيل لكن أسعارها تبقى في متناول المديرات العامات ورئيسات الشركات. وفي الفترة الأخيرة دخل القميص الأبيض الفضفاض إلى دائرة عروض الأزياء.

لماذا هذا التشجيع والترويج للزي الرجالي في أوساط سيدات الأعمال؟ هل يحتاج فرض الاحترام واستعراض النفوذ إلى مظهر صارم؟ كان اختيار مارلين ديتريش للقميص الرجالي، في النصف الأول من القرن الماضي، رمزاً لتمكين المرأة. ومثلها فعلت النجمة السويدية جريتا جاربو، ملكة الشاشة في الأربعينات، حين ظهرت بالسروال في زمن كانت التنورة هي الزي المعروف للمرأة. وبعد أكثر من نصف قرن، تهادت عارضات المصمم فالنتينو على منصات العرض في باريس ببدلات وقمصان رجالية وربطات عنق. واستمراراً لهذا التيار ظهرت عارضة الأزياء الأميركية آشلي جراهام ببدلة رجالية صارمة سوداء اللون، في سهرة دعا إليها متحف «اللوفر» في باريس. كما رأينا الممثلة البلجيكية ونجمة التلفزيون السابقة فيرجيني إيفيرا وهي تضع على كتفيها معطفاً رجالياً من الكشمير فوق بدلة بصفين من الأزرار وقميص أبيض وربطة عنق حمراء منقطة. هل هو اختيار نسائي بحت أم قرار مفروض من المصممين الرجال.

كتبت إحدى الناشطات النسويات أن استعارة المرأة لثياب الرجل هو نوع من رد التحية، أو بالأحرى الانتقام من الذكور الذين صاروا يظهرون بهيئة الإناث ويلبسون الزاهي من الألوان ويتحلون بالأساور والأقراط ويحملون حقائب اليد النسائية الصغيرة. لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن المشاكسة ورد الصاع صاعين. ومنذ عقود كثيرة اختارت الشابات تبني السروال الرجالي لأنه أكثر عملية من التنورة والفستان. فهو يتيح سهولة الحركة وركوب الدراجة ويغطي السيقان بشكل يطرد العيون المتلصصة. صار السروال زي طالبات الجامعات والنساء العاملات. وقد تفنن المصممون في إضفاء لمسات من الأنوثة عليه، فصار فضفاضاً أحياناً أو ضيقاً أو ممزقاً أو يجمع ما بين التنورة والبنطلون.

وتحب المرأة الحديثة التجريب. وهي قد تجنح نحو التحدي وترى في تقليدها الرجل نوعاً من الطرافة ولفت الانتباه. ثم إن اقترابها من المساحة المخصصة للرجل ولو اقتصرت على المظهر، قد يكون رغبة منها في الاستحواذ على مناطق أكثر جدية. ورغم اقتحامها مختلف المهن والمناصب فإنها ما زالت ترى نفسها مغبونة ولم تأخذ حقها الكامل من المساواة. وهو أمر ينطبق على الغرب والشرق معاً. ولا أحد يمكنه التكهن بما ستؤول إليه أحوال النساء وأزياؤهن مع نهايات القرن الحالي. هل تصح النبوءة الفلسفية التي تقول إن «المرأة هي مستقبل الرجل؟».


«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».