مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو

في أعقاب نكسة غوايدو وانقسامات المعارضة

مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو
TT

مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو

مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو

في اليوم الخامس من العام الماضي دُعي البرلمان في فنزويلا، الذي تمخّض عن الانتخابات العامة التي أجريت في العام 2015 وفازت بها المعارضة بغالبية ساحقة، إلى جلسة عادية لتجديد هيئة المكتب ورئيسها، وفقاً لأحكام الدستور التي تنصّ على تجديدها كل سنة طوال الولاية التشريعية.
يومذاك، كان النّواب الموالون لنظام الرئيس اليساري نيكولاس مادورو يقاطعون جلسات الجمعية الوطنية وأعمالها، بعدما قرّر النظام محاصرتها ومنع عنها الإمدادات المالية وقطع رواتب النواب، وأطلق حملة ملاحقات قضائية بحق العشرات منهم وزجّ بعضهم في السجون، بينما اختار آخرون طريق المنفى.
في تلك الجلسة التي تغّيب عنها المرشّحان لرئاسة البرلمان، أحدهما لوجوده في السجن، والآخر لعجزه عن العودة إلى البلاد خشية أن يتعرّض للاعتقال، انتخب خوان غوايدو رئيساً للجمعية الوطنية. وكان النظام قد قرّر تجاوزها كلّياً، قبل أشهر، عندما دعا إلى إجراء انتخابات لإنشاء جمعية تأسيسية أناط بها كل الصلاحيات التشريعية التي تقوم بها عادة المجالس النيابية. إلا أن المعارضة رفضت في حينه المشاركة في تلك الانتخابات التي انتهت بتشكيل هيئة تشريعية تدين بالولاء الكامل للنظام.

بعد أسبوعين من انتخاب خوان غوايدو رئيساً للجمعية الوطنية (البرلمان) في فنزويلا، فاجأ غوايدو مواطنيه بتنصيب نفسه رئيساً مكلّفاً للجمهورية. وذكر أنه اتخذ هذه الخطوة بصورة مؤقتة «إلى أن ينتهي استيلاء نيكولاس مادورو على السلطة، وتُجرى انتخابات رئاسية وتشريعية حرّة تحت إشراف مراقبين دوليين والأمم المتحدة».
هذه الخطوة من غوايدو شكّلت نقلة نوعية، ورفعت المواجهة بين المعارضة والنظام إلى مستوى غير مسبوق. ثم إنها ما حظيت بمباركة واشنطن، التي تبيّن لاحقاً أنها كانت وراءها بتنسيق مباشر من مسؤول الأمن القومي يومذاك جون بولتون. وللعلم، بعد ساعات معدودات من خطوة غوايدو أعلنت الإدارة الأميركية اعترافها به وبالجمعية الوطنية بوصفها المؤسسة الشرعية الوحيدة في فنزويلا. وكانت يومها فنزويلا غارقة في أزمة معيشية خانقة ناجمة عن شللٍ شبه كامل في الحركة الإنتاجية والخدمات الأساسية وانهيار اقتصادي أدى إلى أزمة تموينية حادة.
مع إعلان واشنطن تبنّيها لمشروع غوايدو، سارعت دول غربية أخرى مثل كندا وأستراليا إلى الاعتراف بشرعيته، وتبعتها معظم دول أميركا اللاتينية، ثم الاتحاد الأوروبي، إلى أن بلغ عدد الدول التي اعترفت به أكثر من 60 دولة. وحدها المكسيك من بين الدول الأميركية اللاتينية الوازنة امتنعت عن الانضمام إلى «ركب» واشنطن، التي جمّدت كل الأصول المالية والاقتصادية لفنزويلا في الولايات المتحدة ووضعتها في تصرّف «حكومة» غوايدو بوصفها «الممثل الشرعي» الوحيد للشعب الفنزويلي.

- رهان على واشنطن
فتح غوايدو باب المواجهة على مصراعيه مع النظام، معتمداً على دعم سياسي واقتصادي مطلق من واشنطن، بينما راحت الأخيرة تكرّر بأن كل الخيارات مطروحة لإزاحة مادورو، بما فيه اللجوء إلى الحل العسكري. أيضاً، انصرفت المعارضة إلى تصعيد التعبئة والاحتجاجات الشعبية ضد النظام، مراهنة على تعديل في موقف القوات المسلحة التي انشقّ عدد ضئيل من أفرادها... لكن من دون أن يشكّلوا أي تهديد يذكر على استمرار مادورو.
وفي أبريل (نيسان) الماضي، نامت المعارضة، ومعها الإدارة الأميركية، على الاعتقاد بأن عدداً من القادة العسكريين النافذين على استعداد للتخلّي عن مادورو مقابل وعود قدّمتها لهم واشنطن. إلا أنها استفاقت في اليوم التالي على حقيقة مُرّة، مفادها أن القيادات العسكرية ما زالت على ولائها للنظام، وأحبطت الآمال التي كانت معقودة عليها لقلبه.
في موازاة ذلك، كانت الولايات المتحدة تحشد الدعم الإقليمي ضد نظام مادورو ودعماً لغوايدو، فشكّلت مجموعة من 16 دولة أعضاء في منظمة الدول الأميركية، تعارض نظام مادورو، أُطلق عليها اسم «مجموعة ليما»، وذلك خلال اجتماع عقدته المنظمة في عاصمة البيرو لمتابعة الأزمة الفنزويلية وزيادة الضغط على النظام. ومع وصول اليمين إلى الحكم في كلّ من البرازيل وكولومبيا، تفاقمت عزلة مادورو في خضم أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة ونقص في السيولة النقدية اضطراه لبيع جزء من احتياط الذهب في السوق السوداء العالمية.

- فشل أميركي واستغلال روسي
الضغوط السياسية والاقتصادية التي مارستها الإدارة الأميركية، والعزلة الإقليمية التي فُرضت على النظام، لم تثمر أي نتيجة ملموسة في اتجاه إضعافه، حتى قبوله بإجراء انتخابات جديدة. وعندما تبيّن لواشنطن أن إسقاط النظام لن يكون بهذه السهولة، وأن الجهود والضغوط التي استثمرتها لإزاحة مادورو جاءت نتائجها أدنى بكثير من الأهداف المرسومة، خفّ حماسها وتغيّرت لهجتها. وأسهمت في إقالة بولتون، الذي كان «مهندس» سياسة البيت الأبيض في الأزمة الفنزويلية، والذي من جملة ما أخذ عليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب «مبالغته وذهابه بعيداً» في التعامل مع تلك الأزمة.
في هذه الأثناء، كانت الصين، وهي الدائن الأكبر لفنزويلا، تمدّ مادورو بدعم محدود من باب تجنّب التفريط بمصالحها واستثماراتها. ومن جهة ثانية، كانت روسيا، المزوّد الرئيسي للنظام بالسلاح، تؤكد تجدد دعمها «لشرعية» مادورو وتنتقد سياسة العقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليه واشنطن، وسعيها إلى إسقاطه. ومع إرسال موسكو 150 جندياً إلى العاصمة الفنزويلية كاراكاس، ارتفعت حدة المواجهة بين روسيا والولايات المتحدة التي طالما اعتبرت الوجود العسكري الروسي على مقربة من شواطئها خطأ أحمر. واستمر هذا الحال إلى أن اجتمع الطرفان، واتفقا على تهدئة، تتعهد موسكو بموجبها بألا ترسل قوات إضافية إلى فنزويلا، مقابل تخلّي واشنطن عن التهديد بالتدخل العسكري لإسقاط النظام.
مع تراجع الضغوط الأميركية بدأت تظهر بوادر التصدّع في صفوف المعارضة التي تضمّ عدداً كبيراً من القوى والأحزاب الصغيرة، التي غالباً لا يجمع بينها هدف سوى معارضة النظام. وفي المقابل، انهمك النظام في وضع خطة لاختراق صفوف المعارضة وتشتيتها، سعياً إلى تجريدها من موقعها السياسي الوحيد في رئاسة البرلمان، وهو الذي تعتبره الدول المؤيدة لغوايدو الهيئة الشرعية الوحيدة في البلاد.
وحقاً، تمكّن النظام في الأشهر الأخيرة من اجتذاب بعض نوّاب المعارضة إلى صفوفه، عبر الرشاوى أو التهديد، وفق جهات عدة. كذلك أرسل النظام عدداً من المعارضين إلى السجن بعد ملاحقتهم قانونياً بتهم شتّى، إلى أن جاء موعد انعقاد جلسة تجديد هيئة مكتب البرلمان يوم الأحد الماضي، وما رافقتها من أحداث أعادت الأزمة الفنزويلية إلى التصعيد الذي غاب عنها في الأشهر الأخيرة.

- الانقلاب البرلماني
كان النواب الموالون للنظام، والذين قرّروا العودة أخيراً للمشاركة في جلسات الجمعية العامة، قد حضروا باكراً إلى قاعة البرلمان، برفقة عدد من نواب المعارضة المنشقّين. وأصرّ هؤلاء على بدء الجلسة في موعدها المحدد، بينما كانت قوات الحرس المدني التي انتشرت في محيط «القصر التشريعي» والأحياء المحاذية له تمنع نواب المعارضة من الوصول أو تعرقل دخولهم إلى مقرّ البرلمان.
ولم يتمكّن غوايدو من الدخول إلى قاعة المجلس إلا بعدما كانت الجلسة على وشك الانتهاء حين جرى تصويت برفع الأيدي. في غياب النصاب القانوني، أعلن النائب لويس بارّا، المنشقّ عن المعارضة والمتهم بضلوعه في عملية فساد مالي حول المساعدات الغذائية، أنه قد جرى انتخابه رئيساً جديداً للبرلمان بدعم من النواب الموالين لمادورو.
عندها، حاول غوايدو وأنصاره عبثاً الاحتجاج والطعن فيما حدث، بحجة أن النصاب ما كان متوافراً، وبالتالي فإن الجلسة لم تكن قانونية. وعلى الإثر، توجهوا إلى مقرّ صحيفة «الناسيونال» حيث عقدوا جلسة بحضور 100 نائب، وأعادوا انتخاب غوايدو رئيساً للبرلمان لولاية ثانية.
في أعقاب هذا التطور، تحركّت واشنطن مجدداً، فأعلنت تأييدها لخطوة غوايدو و«شرعية» رئاسته. وانتقدت بشدة تصرفات النظام، كاشفة عن إعدادها لحزمة جديدة من العقوبات ضده. أيضاً جددت كل من منظمة الدول الأميركية و«مجموعة ليما» رفضها لما حصل في البرلمان الفنزويلي، مجددة اعترافها هي أيضاً بشرعية رئاسة غوايدو.

- موقفا المكسيك والأرجنتين
اللافت في ردود الفعل الإقليمية كان موقف المكسيك، التي ما زالت تعترف بشرعية رئاسة مادورو، وتقف على مسافة واحدة بين النظام والمعارضة، وموقف الأرجنتين، التي كانت سحبت اعترافها بمادورو، واعتمدت مندوبي غوايدو بصفتهم الممثلين الدبلوماسيين لفنزويلا.
وأعلنت وزارة الخارجية المكسيكية أن ما حصل في البرلمان الفنزويلي يوم الأحد الماضي ليس مقبولاً، وانتقدت بشدة محاولة النظام «السيطرة على البرلمان بطريقة غير قانونية». وقد رحبّت الولايات المتحدة بخطوة الحكومة المكسيكية، ووصفتها بأنها تحوّل مهم في الأزمة. يذكر أن المكسيك كانت قد رفضت في السابق التجاوب مع دعوة واشنطن لعزل مادورو والاعتراف بشرعية غوايدو، وحاولت التوسط بين النظام والمعارضة، لكن من غير أن تلقى محاولتها تجاوباً.
كذلك الحكومة الأرجنتينية الجديدة التي تسلّمت مهامها مطلع العام الحالي بعد فوز اليساري البيروني ألبرتو فرنانديز برئاسة الجمهورية، وصفت من جهتها ما حصل في البرلمان الفنزويلي بأنه «غير مقبول»، الأمر الذي رأت فيه واشنطن، حسب كلام مبعوثها الخاص للأزمة الفنزويلية: «إنه يزيد من عزلة نظام مادورو، حتى بين حلفائه اليساريين».
لكن، بعد ساعات من تصريح وزير الخارجية الأرجنتيني الذي انتقد تصرفات النظام الفنزويلي، تبيّن أن الحكومة الأرجنتينية الجديدة ليست في واردها المساعدة على تضييق الحصار السياسي والاقتصادي الذي يتعرّض له مادورو، كما استنتجت واشنطن، على الأقل في المرحلة الراهنة. إذ قرّر الرئيس فرنانديز سحب أوراق اعتماد مندوبة غوايدو في الأرجنتين المحامية إليسا تروتّا، التي كان الرئيس الأرجنتيني اليميني السابق ماوريسيو ماكري قد اعترف بها بوصفها الممثلة الدبلوماسية الشرعية لفنزويلا في الأرجنتين. وقالت تروتّا إنها تسلّمت كتاباً من وزارة الخارجية الأرجنتينية تبلغها فيه قرار إنهاء مهمتها الخاصة، في حين قال ناطق رسمي أرجنتيني إن الحكومة قررت إعادة مبنى البعثة الدبلوماسية الفنزويلية في بيونس آيرس إلى ممثلي نظام نيكولاس مادورو.
جدير بالذكر، أن الأرجنتين تواجه وضعاً حرجاً في تحديد موقفها من الأزمة الفنزويلية، وذلك في سياق مفاوضاتها القريبة لإعادة جدولة ديونها الضخمة مع صندوق النقد الدولي حيث تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ حاسم. وسبق لواشنطن أن حذّرت الحكومة الأرجنتينية الجديدة من أن دعمها لنظام مادورو سيؤخذ في الاعتبار عند المفاوضات مع صندوق النقد. يضاف إلى ذلك أن الدعم الأرجنتيني لمادورو من شأنه أن يعقّد العلاقات مع البرازيل، التي يحكمها اليمين المتشدد، والمؤيدة بشدة لغوايدو، وهي الشريك التجاري الأول للأرجنتين.

- توقّع تصعيد جديد
بناءً عليه، يتوقّع مراقبون أن تكون التطورات الأخيرة التي شهدتها الأزمة الفنزويلية في الصراع بين النظام والمعارضة للسيطرة على السلطة التشريعية، وتجدد الاهتمام الأميركي بها، مدخلاً لتصعيد جديد بعد أشهر من الهدوء النسبي. وهو هدوء أتاح لنظام مادورو تعزيز مواقعه وتحالفاته، وكشف عن صراعات عميقة بين أطياف المعارضة التي لا تلتقي إلا حول العداء لمادورو.
هذا، وكانت الأمم المتحدة قد أعربت على لسان الأمين العام أنطونيو غوتيرّيش، عن «عميق قلقها من هذه التطورات»، وحثّت جميع الأطراف على العمل بسرعة من أجل التوصل إلى حل سلمي ودائم. وكذلك أعلنت منظمة الدول الأميركية، التي تتهمها فنزويلا وكوبا بأنها مجرّد أداة تعمل بموجب تعليمات واشنطن، أن ما حصل يوم الأحد الماضي في البرلمان الفنزويلي «لا قيمة قانونية له».
من ناحية أخرى، من الأمور التي كشفتها هذه التطورات، فضلاً عن التعقيد الشديد للمشهد السياسي الفنزويلي، فشل النظام في بناء سلطة تشريعية موازية للبرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة، عبر الدعوة لانتخاب جمعية تأسيسية تناط بها صلاحيات تشريعية كاملة، وتسيطر عليها القوى الموالية له بعدما رفضت المعارضة المشاركة في انتخابها.
لكن يُخشى أن يؤدي هذا الصراع على المؤسسات، وما نتج عنه حتى الآن من شلل في السلطة التشريعية، إلى تعطيل الآليّات اللازمة لإبرام الاتفاقات والعقود التي تقتضي موافقة السلطة التشريعية عليها. ويضاف إلى ذلك، أن هذه الفوضى المؤسسية تحُول دون اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإرساء القواعد التي يُفترض أن توضع عليه سكّة الحل السياسي للأزمة، بدءاً بالانتخابات التي تجمع كل الأطراف، على ضرورة عقدها، رغم اختلافها على شروطها ومواقيتها.

- المعاناة الإنسانية... خلف المعضلة السياسية
لا تقتصر خطورة الأزمة الفنزويلية على تعقيداتها الداخلية التي تبدو مستعصية على الحل، وعلى تحوّلها إلى مسرح للصراع الإقليمي بين اليمين المدعوم من الولايات المتحدة واليسار الذي تدعمه موسكو الساعية إلى استعادة موقع لها على مقربة من السواحل الأميركية. تتضح هذه الخطورة من كونها تتفاعل في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة منذ 45 سنة في دولة لا تعيش حرباً.
إذ تفيد الأرقام والتقارير المتداولة في المؤسسات الدولية أن الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تشهدها فنزويلا منذ العام 2014 تجاوزت ما حصل في زيمبابوي على عهد موغابي، وما شهده الروس بعد انهيار الاتحاد السوفياتي أو كوبا إبان «الفترة الخاصة» في تسعينات القرن الماضي.
ويقول منسّق المساعدات الطارئة في الأمم المتحدة، مارك لوكوك: «إن فنزويلا تواجه مشكلة إنسانية حقيقية تستدعي التحرك بسرعة، قبل أن تخرج عن إطار السيطرة وتتحول إلى كارثة إقليمية ودولية».
يذكر أن حكومة الرئيس نيكولاس مادورو، الذي يكرّر منذ سنوات أن بلاده تتعرض لحرب اقتصادية، اضطرت أخيراً لفتح الباب أمام المساعدات الإنسانية الدولية، في أعقاب تدهور الأوضاع الغذائية والصحية لمواطنيها الذين هاجر منهم 4 ملايين خلال السنوات الأربع الأخيرة، وينتظر أن يرتفع هذا العدد إلى 5 ملايين في العام الحالي.
أيضاً، تفيد الأمم المتحدة أن 7 ملايين فنزويلي، أي ربع السكّان، يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، وأن الأطفال دون سن الخامسة من العمر والحوامل والمرضعات وأولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة، يحتاجون إلى مساعدة غذائية وطبية عاجلة.
ويقدّر صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن 3.4 مليون طفل، أي ثلث عدد القاصرين في البلاد، يحتاجون لمساعدة، بينما يعاني 3.7 مليون شخص من سوء التغذية، حسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة. ويقول برنامج الغذاء العالمي، وهو الذراع الرئيسية للأمم المتحدة في مجال المساعدات الإنسانية، إن 2.8 مليون فنزويلي يحتاجون إلى مساعدة غذائية يومية، في حين تقدّر اليونيسكو أن أكثر من مليون طفل اضطروا لوقف دراستهم بسبب الأزمة، وأن عائلات كثيرة يتعذّر عليها توفير اللوازم الأساسية لأطفالها في المدارس.
كل هذا في الدولة التي تنام على أكبر مخزون نفطي في العالم!



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.