بعد فورة قياسية... آلاف الوظائف مهددة في قطاع تكنولوجيا المعلومات بالهند

برنامج التأشيرات الأميركي يفرض ضغوطاً كبرى على القطاع

بعد فورة قياسية... آلاف الوظائف مهددة في قطاع تكنولوجيا المعلومات بالهند
TT

بعد فورة قياسية... آلاف الوظائف مهددة في قطاع تكنولوجيا المعلومات بالهند

بعد فورة قياسية... آلاف الوظائف مهددة في قطاع تكنولوجيا المعلومات بالهند

بدأ قطاع تكنولوجيا المعلومات الهندي في موجة كبرى أخرى من إجراءات تسريح العمالة، مع سعي غالبية الشركات نحو تقليل التكاليف، ونقل مراكزها إلى الولايات المتحدة. وتناضل شركات تكنولوجيا المعلومات في مواجهة النمو البطيء والتكنولوجيات الجديدة الناشئة، والقواعد الجديدة الأكثر صرامة التي فرضتها الولايات المتحدة على إصدار التأشيرات.
ويقف موظفو قطاع تكنولوجيا المعلومات في الهند؛ خصوصاً الوظائف على المستويين المتوسط والرفيع، في مواجهة إمكانية خسارة وظائفهم، مع احتمالات تسريح غالبية الشركات ما بين 5 و8 في المائة من إجمالي قوة العمل لديها خلال الشهور المقبلة. ويعني ذلك ما يتراوح بين 10 و20 ألف موظف في كل من الشركات الكبرى.
وحذر مهندس باي، وهو أحد الخبراء البارزين في مجال تكنولوجيا المعلومات، من أن الفترات الربع سنوية القليلة الماضية شهدت ارتفاعاً في معدلات تسريح العاملين بصناعة تكنولوجيا المعلومات، وربما تقدم الشركات بهذا المجال على فصل ما بين 30 إلى 40 ألف موظف قبل نهاية السنة المالية في 31 مارس (آذار) 2020.
والملاحظ أن شركات خدمات تكنولوجيا المعلومات تعزز أعداد العاملين بها داخل الولايات المتحدة، رغم أن هذا ينطوي على تكلفة أعلى، وذلك بهدف التصدي للقيود الصارمة لبرنامج التأشيرة الأميركية، الذي يسمح للشركات بتوظيف عمالة أجنبية على نحو مؤقت داخل الولايات المتحدة في مهن متخصصة.
من جانبها، عينت شركة «إنفوسيز» بالفعل أكثر من 10 آلاف شخص داخل الولايات المتحدة، وأنشأت ستة مراكز إبداع محورية خلال العامين الماضيين. كما قلصت الشركة العاملة في مجال تصدير خدمات «السوفت وير» اعتمادها على تأشيرات «إتش -1 بي» بدرجة كبيرة على مدار العامين الماضيين. وكانت الشركة في خضم ذلك تسعى لتوفير نحو 150 مليون دولار، من خلال تقليل أعداد الموظفين.
وبعد تشديد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من القواعد الخاصة بإصدار التأشيرات، ارتفع معدل رفض طلبات الحصول على تأشيرات «إتش – 1 بي» بمقدار أربعة أضعاف، من 6 في المائة عام 2015 إلى نحو 24 في المائة هذا العام. والملاحظ أن معدل رفض طلبات الحصول على هذه التأشيرة من أجل العمل للمرة الأولى، وكذلك استمرار العمل، كان أعلى بين شركات تكنولوجيا المعلومات الهندية الكبرى عن نظيراتها الأميركية.
وأعلنت «إنفوسيز» أنها ترغب في تقليص 5 في المائة من إجمالي قوة العمل لديها البالغ قوامها 200 ألف فرد، ما يعادل نحو 10 آلاف عامل. ومن المعتقد أن أكثر من نصف قرارات التسريح ستستهدف موظفين حديثي التعيين.
وبعد إنجازهم دورة تدريبية، سيتعين عليهم إعادة خوض اختبارات، وأفضل العناصر بينهم ستحتفظ بهم الشركة. في المقابل، أفادت مصادر بأن المسؤولين التنفيذيين من الرتب المتوسطة والرفيعة من أصحاب الأداء المنخفض سيجري الاستغناء عنهم لفترة وجيزة.
ويرى محللون أن توجه تسريح المسؤولين التنفيذيين أصحاب الرتب المتوسطة والرفيعة، في تنامٍ داخل قطاع تكنولوجيا المعلومات. من جانبه، قال كريس لاكسميكانث، الرئيس التنفيذي لشركة «هيد هنترز إنديا»: «مقارنة بالنصف الأول من العقد، من الواضح أن نمو قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات في الهند تباطأ، بينما أصبحت إجراءات تسريح ما بين 10 في المائة و15 في المائة من العاملين من الأمور الروتينية بالقطاع. ومع اعتراف شركات عالمية مثل (كوغنيزانت) علانية بإقرارها خطط لتسريح جزء من العمالة، فمن المعتقد أن الشركات الهندية ستحذو حذوها دون أن تكشف عن الأعداد الفعلية التي جرى الاستغناء عنها».
من جانبها، تركز أكبر شركة تصدير خدمات برمجيات على مستوى البلاد: «تاتا كونسلتنسي سيرفيسز»، على إجراءات تعيين استراتيجية عبر نطاقات جغرافية مختلفة، لاحتواء التكاليف الأعلى لـ«التعاقدات من الباطن».
وجاءت الأنباء المتعلقة بخسائر الوظائف في «إنفوسيز» و«تاتا كونسلتنسي» بعد إعلان «كوغنيزانت تكنولوجي سولوشنز» الكبرى بمجال تكنولوجيا المعلومات، والتي يعمل بها 200 ألف شخص داخل الهند، عن تسريح ما بين 10 و12 ألف شخص من الوظائف المتوسطة والرفيعة، بجانب تدريب 5 آلاف منهم على مهارات جديدة لتقليل التكاليف.
وشرح الرئيس التنفيذي لـ«كوغنيزانت»، بريان هامفيرز، أن الشركة تحاول تصحيح «هيكل الموظفين» الذي تعرض للتشويه فيما مضى، وأنه من شأن جهود إعادة الهيكلة توفير نحو 550 مليون دولار سنوياً.
وقال مصدر من داخل الشركة، رفض ذكر اسمه: «لن نكشف عن تفاصيل إجمالي الذين سيجري الاستغناء عن خدماتهم، والذين من بينهم أشخاص سيرحلون عن الشركة للالتحاق بشركات أخرى».
من ناحية أخرى، يوجد 70 في المائة من العمالة البالغة 290 ألف فرد لدى «ذي تينيك»، التي يوجد مقرها بنيوجيرسي، داخل الهند. ومن المحتمل أن تتحمل العمالة الهندية العبء الأكبر من إجراءات التسريح المرتقبة. أيضاً، اتخذت شركة «كابغيميني» الفرنسية المعنية بتكنولوجيا المعلومات إجراءات واسعة لإعادة تدريب العاملين لديها على مهارات جديدة على تكنولوجيات ناشئة. والشهر الماضي، سرحت الشركة 500 من موظفيها بعد تقليص بعض من عملائها مشروعاتهم.
الآن، تسبب جميع هذه الإجراءات ألماً للموظفين العاملين في مراكز داخل الهند، وتتركز الضربة الأقوى في أوساط المديرين متوسطي ورفيعي المستوى، الذين تتراوح فترات عملهم بين 10 و15 عاماً. وخلال الفترات الربع سنوية القليلة الماضية، كانت هناك إجراءات تسريح للعمالة متعددة بصناعة تكنولوجيا المعلومات.
من جهته، قال في - بالاكريشنان، المسؤول التنفيذي السابق لدى «إنفوسيز»، ورئيس شركة «آرين كابيتال» حالياً: «يعود السبب الأكبر وراء هذه التطورات إلى النمو البطيء للشركات، وتضخم أعداد العاملين في المراتب المتوسطة. اليوم، أعتقد أن النمو على صعيد صناعة تكنولوجيا المعلومات تراجع، وأصبح دون الـ10 في المائة. وعندما نتحدث عن مثل هذا المستوى من النمو، ينبغي أن نركز اهتمامنا على احتواء التكاليف. من ناحية، يرغب العملاء في الحصول على قيمة مقابل الأموال التي يدفعونها، ومن ناحية أخرى هناك هياكل تكلفة غير متوافقة مع البيئة الحالية. وعليه، من الطبيعي أن تتجه الشركات بأنظارها نحو الداخل، وتنظر في كيفية تقليص أعداد العاملين المتضخمة عند الرتب المتوسطة».
وتابع بأنه «على مدار فترة من الوقت، نجحت صناعة تكنولوجيا المعلومات الهندية في بناء طبقة وسطى سميكة للغاية، يعمل بها أشخاص يتقاضون أجوراً كبيرة. وعليه، كانت هناك حاجة لتقليص هذه الطبقة كي تصبح أكثر تنافسية في السوق. وهذا ما يحدث في جميع الشركات المعنية بتكنولوجيا المعلومات، فهي تنظر إلى الشريحة الوسطى السميكة وتحاول تقليصها».
من ناحيتها، قالت شركة «تاتا كونسلتنسي سيرفيسز» إنها تتطلع نحو تقليص فاتورة الرواتب لديها، والاستعانة بقوة عمل أكثر معرفة بالتقنيات الناشئة. ووصف المدير المالي السابق لدى «إنفوسيز»، مهندس باي، هذه الخسائر في الوظائف، بأنها ظاهرة تتكرر مرة كل خمس سنوات مع تحول الصناعة نحو النضج. وأوضح أنه سيكون هناك كثير من الأفراد في المستوى المتوسط لا يضيفون قيمة إلى الراتب الذي يتقاضونه.
من بين الذين تعرضوا لفقدان وظائفهم، أجاي، الخبير الفني صاحب خبرة تمتد إلى 11 عاماً، والذي أجبر على ترك عمله قريباً. وعن تجربته، قال: «أخبروني أن أدائي لم يكن جيداً خلال الشهور القليلة الأخيرة. كيف حدث ذلك في جميع المشروعات؟ لقد كنت أبلي بلاءً حسناً للغاية؛ لكنهم كانوا يتصيدون أخطاءً تافهة ويضخمونها ليبدو الأمر وكأننا لم ننفذ العمل المطلوب منا. أنا عاشر شخص يجري إجباره على ترك العمل، حسب معرفتي، على هذا النحو».
من ناحيته، قال أولاس، عضو اتحاد موظفي «كارناتاكا آي تي»: «تعتبر إجراءات التسريح الجماعي في أي شركة يزيد عدد موظفيها عن 100 انتهاكاً لقانون المنازعات الصناعية، الفصل (5 بي). وقد تواصلنا مع مفوض شؤون العمل، وتلقينا استجابة إيجابية منه. ونعمل قدماً في هذا الاتجاه. ويلزم القانون أي شركة يزيد عدد موظفيها عن 100 بالحصول على تصريح من وزارة العمل، قبل الإقدام على إجراءات تسريح جماعية. وليس بمقدور هذه الشركات إلقاء موظفيها إلى الخارج ببساطة؛ لأن هناك قوانين تحمي حقوق الموظفين. وينص الفصل (5 بي) من قانون المنازعات الصناعية على أن إجراءات تسريح العاملين بالقطاع الصناعي لا يمكن تنفيذها سوى بعد الحصول على تصريح من الحكومة».
كانت صناعة تكنولوجيا المعلومات الهندية قد شهدت نمواً مرتفعاً على امتداد أكثر من عقد، وانطلقت الشركات في موجات إجراءات تعيين بسرعة كبيرة. ويتولى هؤلاء الموظفون الذين بلغوا الآن مستويات متوسطة ورفيعة، الإشراف على مشروعات، والتعامل مع العملاء، بدلاً من المشاركة في الجوانب الفنية للمشروعات.
واليوم، تمر الشركات بمرحلة انتقالية تجاه الرقمنة، الأمر الذي أدى لزيادة الطلب على مهارات العصر الجديد، مثل الحوسبة السحابية، والميكنة، وعلم البيانات، والتي تركز عليها أجيال الجيل الجديد.
ويرى أشيش أغاروال، رئيس شؤون السياسات لدى «ناسكوم»، أن هذا تحديداً السبب وراء اضطرار كل شركة من حين لآخر لتسريح بعض موظفيها، للوصول بعدد عامليها إلى الحجم المناسب.
وفي هذا الصدد، قال الخبير في شؤون التعيينات والإحلال، سودهيندرا: «لم تكن الهند ناجحة في الهجرة إلى تكنولوجيات جديدة. وأؤمن بشدة بأن هذه ليست فترة ركود لفرص العمل الجديدة، وإنما ركود لمجموعات من المهارات، فعندما يتقدم الناس في السن ترتفع أجورهم، وبالتالي تتضاءل الإنتاجية، في الوقت الذي يعجزون فيه عن التأقلم مع التقنيات الجديدة بسهولة. وبطبيعة الحال يتحولون إلى عبء على كاهل المؤسسة. ويمكن مقابل التكلفة ذاتها تعيين ثلاثة أو أربعة أشخاص حديثي التخرج وتعزيز الإنتاجية. وتظهر السيناريوهات الاقتصادية المختلفة عندما يتضرر هامش الربح لدى الشركات، وتبدأ في السعي نحو مزيد من الإنتاجية من جانب موظفيها الأصغر عمراً الذين يمكن تدريبهم بسهولة».



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.